المدارس الثلاثة للتصوف |أ.د علي جمعة
- •التصوف ينقسم إلى ثلاثة مشارب: التصوف السلفي ويمثله الإمام مالك والشافعي والفضيل بن عياض، وجوهره الزهد بأن تكون الدنيا في اليد لا في القلب.
- •المشرب الثاني هو التصوف السني ويمثله الإمام الغزالي ومكي بن أبي طالب والقشيري، ويشترط أن يكون شيخ الطريقة عالماً لا تقياً فحسب.
- •المشرب الثالث هو التصوف النظري أو الفلسفي ويمثله ابن عربي والعفيف التلمساني وعبد الكريم الجيلي وابن سبعين.
- •أبو الحسن الشاذلي ينتمي إلى المشرب الثاني (التصوف السني)، ولد سنة 593هـ وتوفي سنة 656هـ.
- •كان الشاذلي من أهل البيت، حسني النسب، من قبيلة غمارة المغربية، وشيخه عبد السلام بن مشيش.
- •ألف تلميذه ابن عطاء الله السكندري كتاب "لطائف المنن" جمع فيه أخباره وكراماته وأوراده.
- •الإمام الغزالي برع في التوحيد والفقه، وألف الوجيز الذي شرحه الرافعي في فتح العزيز، واختصره النووي في روضة الطالبين.
المشارب الثلاثة في التصوف عبر القرون وأولها التصوف السلفي
التصوف الكاتبون فيه عبر القرون كتبوا على ثلاثة مشارب:
المشرب الأول ما يُسمى بـالتصوف السلفي، والتصوف السلفي من أئمته الإمام مالك والإمام الشافعي والفُضيل بن عياض وأمثال هؤلاء الأكابر، وهو يساوي الزهد؛ الزهد في الدنيا. وملخصه أن تكون الدنيا في يدك وليست في قلبك، كما كان حال إبراهيم بن أدهم؛ كان أميرًا، وكما كان حال الإمام مالك؛ كان واسع الثراء، والإمام أبو حنيفة كانت حُلَّته بتسعين ألف دينار! تسعين ألف دينار! هذه يعني ولا بريوني ولا غيرها، ما من أي ماركة تُحضَر بتسعين ألف دينار الآن، فكان يلبس الحُلَّة وحده، الله الله! بتسعين ألف! ما هذا؟ تسعين ألف دينار، كيف يعني؟
الدنيا في أيدي العلماء لا في قلوبهم وحقيقة التصوف السلفي
فهؤلاء [العلماء الأكابر] كانت الدنيا في أيديهم وليست الدنيا في قلوبهم. كان سيدنا الإمام أبو حنيفة من أبناء ملوك فارس، فليس جديدًا عليه أن يلبس هكذا ولا يعيش هكذا، لكن الدنيا في أيديهم؛ لم يفعلوا الحرام أبدًا ولا يلتفتون إلى الآخر [أي إلى زخرف الدنيا].
فهذا يُسمى في الدراسات التصوف السلفي الذي هو الزهد، وقد ألَّف فيه كثيرون تحت عنوان "الزهد"؛ حتى البيهقي ألَّف كتاب الزهد، وهنَّاد ألَّف في الزهد، وهناك الزهد للإمام أحمد، وهكذا يعني.
المشرب الثاني التصوف السني وأبرز أعلامه من العلماء الأفاضل
المشرب الثاني هو المشرب السُّني، ويمثله الغزالي. المشرب الثاني الإمام الغزالي هو الذي يمثله، وفي هذا [المشرب] مجموعة من الأفاضل؛ منهم مكي بن أبي طالب، ومنهم القشيري عبد الكريم القشيري أبو القاسم، ومنهم أمثال هؤلاء.
ومن المشرب أو التصوف السني نبت أبو الحسن الشاذلي، فأبو الحسن الشاذلي من هذه المدرسة [مدرسة التصوف السني] وليس من مدرسة ثالثة ولا أولى؛ أي أنه ليس منتميًا إلى التصوف السلفي ولا إلى الثالث الذي هو التصوف النظري أو الفلسفي.
التصوف الفلسفي النظري وأبرز أعلامه كمحيي الدين بن العربي
وهذا [المشرب الثالث وهو التصوف الفلسفي] كان يمثله محيي الدين بن العربي والعفيف التلمساني وعبد الكريم الجيلي وابن سبعين وأمثال هؤلاء.
تاريخ ميلاد أبي الحسن الشاذلي وعلاقته الزمنية بابن الجوزي والغزالي
فلما جاء الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الشيخ أبو الحسن الشاذلي مولود متى؟ خمسمائة وثلاثة وتسعين [من الهجرة].
خمسمائة وثلاثة وتسعين. أبو الفرج ابن الجوزي متى توفي؟ خمسمائة وخمسة وتسعين، يعني كان الشاذلي عنده سنتان عندما توفي [ابن الجوزي].
الغزالي متى [توفي]؟ خمسمائة وخمسة، يعني بعد تسعين سنة، ثمانية وثمانين سنة بالضبط وُلد الإمام أبو الحسن الشاذلي. إذن بين الوفاة [وفاة الغزالي] والميلاد [ميلاد الشاذلي] نحو تسعين عامًا؛ ما بين هذا وذاك، هذا [الغزالي] مات سنة خمسة [وخمسمائة]، وهذا [الشاذلي] وُلد سنة كم؟ ثلاثة وتسعين [وخمسمائة].
انتماء أبي الحسن الشاذلي إلى مدرسة التصوف السني دون غيرها
فلما الإمام أبو الحسن الشاذلي كان موجودًا، [كان قبله] الإمام الغزالي، وكان قبله مكي بن طالب وعبد الكريم القشيري قبله، وهؤلاء الأشخاص الأفاضل كلهم كانوا متقابلين [أي في نفس المدرسة]، فكانوا مكوِّنين مدرسة وهي مدرسة التصوف السني.
فجاء الشاذلي من هذه المدرسة؛ مدرسة التصوف السني، وليس من التصوف الفلسفي الذي ينتمي إليه محيي الدين [بن العربي]، ولا التصوف السلفي الذي ينتمي إليه الإمام مالك.
وفاة أبي الحسن الشاذلي وأحزابه المشهورة في البر والبحر
الإمام مالك، الإمام أبو الحسن [الشاذلي] توفي سنة ست مئة وستة وخمسين بعد دخول التتار بغداد، وهو الذي قال إنه لو قرؤوا حزبه في بغداد ما دخلتها التتار. نعم.
وله حزب البر والبحر والنصر والإخفاء والشكوى إلى آخره واللطف، له أحزاب جمعها أتباعه وأولاده وأولاد أولاده.
كتاب لطائف المنن لابن عطاء الله السكندري ونسب الشاذلي الحسني
وكان من ضمن الجامعين في هذا [أي جمع أحزاب الشاذلي وأخباره] ابن عطاء الله السكندري، له كتاب تلقاه عن المُرسي أبي العباس الذي هو تلميذ أبي الحسن الشاذلي، اسمه لطائف المنن. ولطائف المنن جمع فيه كل ما ورد إليه من أخبار وكرامات وأوراد السيد أبي الحسن الشاذلي.
وأبو الحسن الشاذلي كان من أهل البيت وكان حسنيًّا، وكان من قبيلة غُمارة. وغُمارة في المغرب نزلها الأدارسة، فهو من الأدارسة وممن نزل في المغرب، فهو غُماري. وغُمارة قبيلة كانت دائمًا تتمركز حول طنجة؛ ما بين طنجة وما بين العرائش.
شيخ أبي الحسن الشاذلي عبد السلام بن مشيش وسلوكه على مدرسة الغزالي
التي [العرائش] منها شيخه الشيخ عبد السلام بن بَشيش أو مَشيش، هي هي؛ إما بالباء أو بالميم، بَشيش أو مَشيش.
فلما طلع أبو الحسن الشاذلي أراد سلوك الطريق فسلكه على مدرسة الغزالي. وانتبه إلى أن هذا ما يقوله الشيخ [أي شيخ المحاضرة]؛ أن الحدادية أو العطاسية أو العيدروسية، يعني الذين في حضرموت، هم يأخذون من مدرسة الغزالي.
ما هي مدرسة الغزالي؟ هي أنه ينبغي لشيخ الطريقة أن يكون عالمًا، لا أن يكون تقيًّا فقط.
سعة علم الإمام الغزالي في الفقه ومؤلفاته من البسيط إلى الخلاصة
الإمام الغزالي، الإمام الغزالي مع سعة علمه في أمور التوحيد ومع سعة علمه في أمور الفقه، فله كتب في الفقه؛ فألَّف في الفقه البسيط ثم اختصره في الوسيط، ثم اختصره في الوجيز، ثم اختصره في الخلاصة. والخلاصة متن صغير.
ولكن جاء الوجيز رُكنًا من أركان المذهب الشافعي، فلما جاء الإمام الرافعي شرح الوجيز في شرح ضخم كبير سماه فتح العزيز شرح كتاب الوجيز. في الأول سماه "العزيز في شرح كتاب الوجيز"، ثم رأى منامًا كان فيه عتاب أن يسميه باسم من أسماء الله تعالى، فلما قام غيَّره وجعله فتح العزيز في شرح كتاب الوجيز.
روضة الطالبين للنووي وشرحها خادم الروضة لابن الرفعة
والوسيط والوجيز وشرحه فتح العزيز كلها مطبوعة موجودة في الأسواق. وفتح العزيز هذا هو الذي اختصره النووي وأضاف إليه ونظَّمه وجعله تحت عنوان الروضة؛ روضة الطالبين وعمدة المفتين، وهي مطبوعة.
والروضة شُرِحت في كتاب كبير اسمه خادم الروضة، يخدم مَن؟ سيدنا الإمام النووي في الروضة؛ لأن هذا [الكتاب] لابن الرِّفعة. هكذا في الخادم، هذه هي الحكاية.
