المقدم المؤخر | من أسماء الله الحسنى | أ.د علي جمعة - اسماء الله الحسنى, تصوف

المقدم المؤخر | من أسماء الله الحسنى | أ.د علي جمعة

6 دقائق
  • اسم الله المقدم المؤخر من الأسماء المزدوجة التي وردت في حديث أبي هريرة عن أسماء الله الحسنى.
  • تصنف أسماء الله إلى أسماء الجمال كالرحمن والرحيم، وأسماء الجلال كالمنتقم والجبار، وأسماء الكمال كالأول والآخر والمقدم والمؤخر.
  • الله سبحانه يقدم ويؤخر بقدرته وإرادته وعلمه، فله الكمال المطلق والأمر كله.
  • يقدم الله في الأزمان فيخلق أقواماً قبل آخرين، فيكون هناك السلف والخلف.
  • الخير كل الخير في اتباع السلف الصالح، والشر كل الشر في ابتداع من خلف.
  • فضل الله بعض الأماكن على بعض، فجعل مواضع كالكعبة والملتزم محلاً لاستجابة الدعاء.
  • قدم الله المساجد على غيرها من الأماكن لما فيها من ذكر وعبادة وعلم.
  • فضل الله بعض الأزمنة كليلة القدر والعشر الأوائل من ذي الحجة.
  • قدم الله أهل العلم والمرسلين والمؤمنين في المكانة والمنزلة.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف باسمي الله المقدم المؤخر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مع حلقة جديدة مع أسماء الله الحسنى، نعيش هذه اللحظات مع اسمه تعالى المقدِّم المؤخِّر، وهي من الأسماء المزدوجة التي ذكرها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في حديثه المشهور:

«إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

تصنيف أسماء الله الحسنى بين الجمال والجلال والكمال

والمقدِّم المؤخِّر هما من أسماء الكمال، كما قلنا إن لله أسماءً للجمال كالرحمن الرحيم العفو الغفور الرؤوف، وأسماءً للجلال كالمنتقم الجبار القوي، وأسماءً للكمال كالأول الآخر والظاهر الباطن والمقدِّم المؤخِّر والمعزِّ المذلِّ إلى آخر هذه الأسماء التي نسميها بالأسماء المزدوجة.

وذلك أنها تُذكر سويًّا؛ فهو المقدِّم لكنه أيضًا هو المؤخِّر، لأنه ما قدَّم شيئًا إلا وقد أخَّر شيئًا آخر، وهما بإذنه؛ هو الذي قدَّم المقدَّم وهو الذي أخَّر المؤخَّر، وبقدرته وبإرادته وبعلمه سبحانه وتعالى.

الكمال المطلق لله تعالى في التقديم والتأخير بحكمة وعلم

فلله الكمال المطلق ولله الأمر من قبل ومن بعد.

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

فعَّالٌ لما يريد وهو القاهر فوق عباده، لكنه حَكَمٌ عدلٌ حكيمٌ عالمٌ عليمٌ سبحانه وتعالى، لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

تقديم الله للأقوام في الأزمان والعلاقة بين السلف والخلف

المقدِّم ماذا يقدِّم؟ يقدِّم في الأزمان؛ فيخلق أقوامًا قبل آخرين، فيكون هناك السلف ويكون هناك الخلف. والخلف قد يسيرون على مسيرة السلف الصالح وقد ينحرفون عنهم، والخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف.

الخير في أن نسير على منهاج الأولين في الصلاح، ولا نسير على نهجهم في التقليد الأعمى، ولا في استحضار الماضي في الحاضر، ولا في عتوِّهم وغرورهم وطغيانهم وبغيهم إن كانوا كذلك.

بل إننا نعظِّم آباءنا وأجدادنا إذا كانوا على الحق، نعظِّمهم إذا كانوا بُناةً للحضارة، معمِّرين للأرض، عابدين لله، مزكِّين للنفس. فالله سبحانه وتعالى قدَّمهم ليكونوا قدوةً صالحةً لنا.

تقديم الله لبعض الأماكن على بعض واستجابة الدعاء عند الكعبة

والله سبحانه وتعالى يقدِّم بعض الأماكن على بعض، ولذلك هناك أماكن يُستجاب فيها الدعاء، وكأن الله سبحانه وتعالى قد جعلها محلَّ نظره، مثل الكعبة، مثل باب الكعبة ويُسمَّى بالملتزَم؛ لأن الله يلتزم فيه استجابة الدعاء.

ولذلك ترى الناس وقد جرَّبوا هذا واستجاب الله لهم، قد تعلَّقت قلوبهم بذلك البيت المقدَّس المعظَّم المشرَّف، تحنُّ قلوبهم إليه ويستجيبون لدعاء سيدنا إبراهيم:

﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]

فيأتون فعلًا من كل فجٍّ عميق، قد باع أحدهم ميراثه وماله من أجل ذلك الشوق الذي زرعه الله سبحانه وتعالى في القلوب وجعلها تحنُّ إلى هذا المكان حيث يُستجاب الدعاء.

آلاف مؤلفة استجاب الله دعاءهم وتقديم المسجد على غيره من الأماكن

ليس شخصًا واحدًا ولا اثنين ولا ألفًا ولا ألفين، بل هم آلاف مؤلَّفة عبر الزمان والمكان استجاب الله دعاءهم في هذا المكان [الكعبة المشرَّفة]، فقدَّمه على غيره وأخَّر غيره عليه.

قدَّم الله سبحانه وتعالى المسجد بما فيه من ذكرٍ وعبادةٍ وتلاوةٍ ودرسٍ وعلمٍ وقضاءٍ لمصالح المسلمين، على غيره من الأماكن التي قد خلت من ذكر الله وكثر فيها الحلف بغير الله أو بالله كذبًا، والعياذ بالله تعالى.

تقديم الله لبعض الأزمنة على بعض وتفضيل أهل العلم على غيرهم

قدَّم الله سبحانه وتعالى أيضًا كما قدَّم الزمان على غيره؛ فجعل هناك ليلة القدر هي خيرٌ من ألف شهر، وجعل هناك أيام العشر الأوائل من ذي الحجة بما فيها عيد الأضحى، هي أيامٌ هي خير أيام السنة. فقدَّم الله زمانًا على زمان وأخَّر زمانًا عن زمان.

كذلك هناك المكانة؛ قدَّم المرسلين وقدَّم المؤمنين وقدَّم أهل العلم كلَّ علم:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

فأطلق العلم الذي يشمل علم الكون وعلم الشرع وكلَّ علم، قدَّمه على غيرهم من الجهلاء أو من الذين لم يمنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بالعلم. فهو المقدِّم وهو المؤخِّر.

فتأمَّلوا، إلى لقاءٍ آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.