برنامج إحياء علوم الدين | حـ 15 | البخل | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 15 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ 15 | البخل | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 15 | أ.د علي جمعة

19 دقيقة
  • البخل هو الشح والإمساك عن الإنفاق، ويختلف عن الحرص الذي يعني إنفاق المال بطريقة تحقق أكبر منفعة.
  • البخيل لا ينفق حتى في الضرورات، بينما الحريص ينفق لكن بحذر وتدقيق.
  • للمال واجبان: واجب شرعي كالزكاة والنفقات، وواجب عرفي مرتبط بالمروءة والعادات كالإنفاق على الضيافة والهدايا.
  • دعا الإسلام إلى الوسطية في الإنفاق بين الإسراف والتقتير.
  • وصف النبي ﷺ السخاء والكرم بأنهما خلقان يحبهما الله، بينما البخل وسوء الخلق خلقان يبغضهما الله.
  • البخل من أدوأ الأدواء وسبب للحرمان من الجنة.
  • علاج البخل يكون بالتفكر في أحوال البخلاء وفي مقاصد خلق المال.
  • المال خُلق لتسيير حركة المجتمع ودوران عجلة الحياة لا للاكتناز.
  • فوائد المال الإنفاق في العبادات والضروريات والصدقات والمشاريع الخيرية.
  • آفات المال أنه قد يجر إلى المعصية أو يلهي عن ذكر الله أو يجلب الهم والخوف.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن البخل

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.

[الشيخ]: مرحبًا بكم، أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: نريد أن نعرف يا مولانا، نحن طبعًا مازلنا نتحدث عن الأشياء التي يجب أن نتخلى عنها من المهلكات في إحياء علوم الدين، فوصلنا مع فضيلتك في حلقة اليوم عن البخل. ما هي حقيقة البخل؟ وما هي صور البخل؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه عليه الصلاة والسلام. البخل هو الشح والإمساك، وهو يختلف عن الحرص، والفرق بينهما أن البخل لا يريد صاحبه أن ينفق.

الفرق بين البخيل والحريص في إنفاق المال مع الأمثلة التوضيحية

[المذيع]: لا يريد أن ينفق، يريد أن يمسك المال في يده ولا ينفقه.

[الشيخ]: نعم، يريد أن يمسك المال فقط وانتهى الأمر.

[المذيع]: يريد أن يضعه في الخزنة ويغلق عليه.

[الشيخ]: لكن هناك ضرورة، كأن يكون ابنك مريضًا يحتاج إلى علاج، قال: لكنني لا أريد أن أنفق.

[المذيع]: لا حول ولا قوة إلا بالله.

[الشيخ]: أما الحرص فهو أنه يريد أن ينفق، ولكن بحيث أن يتلقى أكبر منفعة مع كل مال ينفقه.

[المذيع]: كما يقولون: يضع القرش في مكانه.

[الشيخ]: نعم، ينفق المال في مكانه. فهو عندما يقولون له إن هذا الولد يحتاج إلى طبيب معين، والطبيب المعين أغلى أجرًا في السوق، يقول: لا بأس بذلك؟ ما دام الولد يحتاجه، فأنا أنفق. يقولون له: حسنًا، لنركب سيارة أجرة. إذن يقول: هل من الضروري أن نركب سيارة أجرة؟

[المذيع]: أم يمكننا أن نذهب سيرًا على الأقدام؟

[الشيخ]: أم يمكننا أن نذهب مشيًا؟ حسنًا، سنذهب مشيًا. هذا الشخص حريص.

[المذيع]: حريص وليس بخيلًا.

حقيقة البخيل الذي يمتنع عن الإنفاق حتى في الضرورات

[الشيخ]: نعم، أحيانًا هذا الحرص يضايق الناس أيضًا، يعني هو ليس كريمًا، لكنه أيضًا لم يصل بعد إلى حد البخل.

البخل يعني أن يقول: لا، لن أذهب به إلى الطبيب الذي يحتاج إليه. وإذا كان محتاجًا للذهاب بسيارة الأجرة، يقول: لا، لن أستقل له سيارة الأجرة، فليتحمل قليلًا. نعم، هذا هو البخيل، هذا الذي لا يرضى بالإنفاق.

[المذيع]: لا ينفق حتى لو في الضرورة.

[الشيخ]: لا يبذل المال في أي شيء؛ لأنه لا يريد أن ينفق، أي أنه يحب المال كحب النفس.

أقسام الواجب في بذل المال بين الشرعي والعرفي وذم البخل في القرآن

والبخل ذُكر في قوله تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾ [الحديد: 24]

وذلك لأن الواجب في بذل المال على قسمين: واجب شرعي وواجب عرفي.

الواجب الشرعي مثل الزكاة، مثل الكفارات، مثل نفقة الأهل وهكذا. لكن الواجب الثاني [الواجب العرفي] هو ليس واجبًا شرعيًا، بل واجب بالمروءة والعادة والعرف.

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

على سبيل المثال؛ صرف المال إلى الأغنياء، أعطي للغني لأنه احتاج.

[المذيع]: أعطي للغني لأنه احتاج.

[الشيخ]: أو بذل المال للأشراف، أو إنفاق المال في الضيافة والهدية، وهذه الأمور كلها ليست واجبة؛ لكنها تدل على معانٍ سامية.

الإنفاق مرتبط بالمواقف الإنسانية والكرم أصل صفات كثيرة

الإنفاق عندنا ليس مرتبطًا بالفقر فقط، بل يمكن أن يكون أيضًا مرتبطًا بالمواقف الإنسانية، بالعطاء؛ والحب عطاء والكرم عطاء، والكرم هو أصل صفات كثيرة جدًا سنتناولها.

[المذيع]: في التحلي.

[الشيخ]: بل في المنجيات. فربنا سبحانه وتعالى أمرنا بالإنفاق:

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]

المنهج الرباني بين الإفراط والتفريط:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

فدائمًا يأمرنا بالوسط، فانظر ماذا يقول:

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]

والقوام يعني كونك تقوم بالحياة وتقوم بالنفس، وهو [أي القوام] بين هذا.

أحاديث النبي في ذم البخل والدعوة إلى السخاء والكرم

وكان سيدنا صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة جدًا في قضية ذم البخل والدعوة إلى عكسه من السخاء والكرم والجود، يقول:

قال النبي ﷺ: «حسن الخلق والسخاء خلقان يحبهما الله، وخلقان يبغضهما الله: سوء الخلق والبخل، وإذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله في قضاء حوائج الناس» أخرجه الترمذي

إنه حديث يبين لك المساحة المظلمة التي تخص البخل وسوء الخلق، والمساحة المضيئة التي تخص الكرم وحسن الخلق.

كان يقول:

قال النبي ﷺ: «إن من موجبات المغفرة: بذل الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام»

إذن موجبات المغفرة هي: بذل الطعام، إفشاء السلام، حسن الكلام؛ يعني لاقيني ولا تغديني [يعني بِشْرُك في وجهي خير من التكلف في تقديم الطعام والضيافة]. وكذلك الكلمة الحسنة صدقة؛ يعني ولو أنت تلقى أخاك بوجه طلق.

السخي قريب من الله والبخيل بعيد عنه وأدوأ الداء البخل

والنبي صلى الله عليه وسلم قال:

قال النبي ﷺ: «إن السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار. وإن البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار»

إذن إنه [أي البخل] داءٌ والعياذ بالله تعالى. ثم يكمل النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:

«وجاهلٌ سخيٌّ أحبُّ إلى الله من عالمٍ بخيلٍ، وأدوأُ الداء البخل»

[المذيع]: وقد ورد في الأثر يا سيدنا أن ربَّ العزة يقول:

«وعزتي وجلالي لا يجاورني فيكِ بخيل»

[الشيخ]: لا إله إلا الله.

كيف نحقق التوازن بين الزهد في المال وعدم البخل مع الاعتدال في الإنفاق

[المذيع]: إذن هنا يا سيدنا، كيف نحقق التوازن بين أن نكون زاهدين في المال وبين أن نكون بخلاء؟ وحديث رسول الله أن نِعْمَ المال الصالح للعبد الصالح، من أين نستطيع أن نحقق هذا التوازن؟ أو ماذا نفعل؟

[الشيخ]: أولًا كما قلنا إن الوسط، وما بين الإفراط والتفريط والاعتدال في كل شيء هو منهج الإسلام. فربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9]

ويقول:

﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِندَهُٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: 15]

ويقول:

﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ * أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ [العلق: 6-7]

تحذير النبي من عبودية المال والدنيا وبيان أن المال الحقيقي ما أُنفق

النبي يقول:

قال النبي ﷺ: «تعس عبد الدنيا، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الدينار، تعس ولا انتعش، وإذا شيك فلا انتقش»

إذا شيك يعني دخلت شوكة في رجله، وانتقش يعني يخرج الشوكة بالملقاط، لا يعرف كيف ينزعها، سيتألم ولا يعرف، فطبعًا ستسبب له ألمًا وستصنع له مشكلة وما إلى ذلك.

سيدنا يقول:

قال النبي ﷺ: «يقول ابن آدم: مالي مالي مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت»

انظر إلى التوازن هنا؛ ما المال الذي يملكه الإنسان؟ هذا المال الذي تملكه؟ إن ما تأكله -عذرًا- يذهب في دورة المياه، وما ترتديه سوف يبلى آجلًا ولا يدوم.

أتعرف الباقيات الصالحات التي تبقى، هي الصدقة التي تصدقت بها، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. فيبقى إذن مالي مالي، نعم، إذا كنت تريد أن تحافظ على مالك فتصدق؛ فلا ينقص مال من صدقة.

حب المال والجاه كالذئبين الضاريين يفسدان دين المسلم

وكان يقول:

قال النبي ﷺ: «ما ذئبان ضاريان أُرسلا في غنم بأكثر إفسادًا فيها من حب الشرف والمال والجاه في دين الرجل المسلم»

المال والجاه والشرف هؤلاء ذئبان أنت تسلطهما على أعمالك، صلى الله عليه وسلم.

[المذيع]: لنخرج إلى الفاصل يا مولانا ونعود لنستكمل الحوار الشيق مع فضيلتكم، تفضل فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.

حب المال يسبب البخل وتشبيه النبي له بالذئب الذي يأكل الحسنات

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، ونتحدث في حلقة اليوم أو يحدثنا فضيلته عن البخل. فضيلتك يا مولانا قبل خروجنا للفاصل كنت تشرح لنا الحديث الشريف الذي ضرب فيه النبي مثالًا لحب الجاه وحب المال كالذئبان الضاريان.

[الشيخ]: لأن حب المال هو الذي يسبب البخل. فسيدنا شبَّه حب المال الذي يسبب البخل بذئبٍ. الخطورة في الذئب أنه يأكل من غنمي، ولذلك فهذا الذئب يأكل حسناتي.

ذئبان: حب الشرف والمال وحب الجاه، هم الذين يتسلطون على عمل الإنسان المؤمن.

آيات قرآنية في التحذير من الشح والبخل وعاقبتهما يوم القيامة

ربنا قال:

﴿فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16]

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يعني النفس الأمَّارة بالشح:

﴿لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ﴾ [الإسراء: 100]

أن ننفق لئلا ينفد ما معنا.

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180]

والنبي يقول:

قال النبي ﷺ: «إياكم والشُّحَّ فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن يسفكوا دماءهم وأن يستحلوا محارمهم»

والعياذ بالله تعالى. الشح هو هذا.

البخيل لا يدخل الجنة والبخل وسوء الخلق لا يجتمعان في مؤمن

ولذلك قال:

قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة بخيل» رواه أحمد

لا يدخل الجنة بخيل، هكذا بصراحة، لا يدخل.

[المذيع]: من الآخر كما يقولون.

[الشيخ]: نعم:

قال النبي ﷺ: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق» رواه البخاري

كل هذا من كلام سيدنا عليه الصلاة والسلام.

أثر سيدنا علي عن الزمان العضوض والأمر بالإنفاق في الأزمات

وهذا [الأدب في ذم البخل] انتقل إلى الصحابة. فعن علي عليه السلام وكرم الله وجهه: سيأتي على الناس زمان عضوض، أي كأنما يعض الناس بشدائده، يعني زمان قاسٍ قليلًا، يعض الموسر على ما في يده، يبخل، ولم يؤمر بذلك.

هل أمره الله بهذا؟ هل قال له: عندما يأتي الزمن الشديد القاسي، أمسك يديك؟! لا، إنما قال تعالى:

﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]

فأنت صاحب فضل، فلا تفعل هذا [تمسك عن الإنفاق وتبخل] في الأزمات التي نحن فيها. حين تحدث أزمة تجد الناس تُحجم عن التبرع، وتمتنع عن الإنفاق؛ خوفًا من الغد.

لا، توكل على الله، كلما كانت هناك أزمة أنفق أكثر لكي يُيسّرها الله؛ لأنك عندما تُقيّد يديك توقف المجتمع.

[المذيع]: توقف عجلة التنمية وتوقف كل شيء حقًا.

مقارنة السلف بين البخل والكذب ومدح القرآن لنعمة المال

كان السلف الصالح يقولون: والله لا أدري أيهما أبعد غورًا في نار جهنم؛ البخل أو الكذب. والله لا أعلم من سيكون في الدرك الأسفل منهما: البخل أم الكذب.

فربنا يقول سبحانه وتعالى وهو يمدح نعمة المال:

﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]

ويمتن على عباده بهذا:

﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ [نوح: 12]

في الدعاء لسيدنا نوح، ولذلك كان النبي يقول:

قال النبي ﷺ: «نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح»

فوائد المال الدينية من إنفاقه في العبادة والصدقة والأوقاف

[المذيع]: هنا يا مولانا ما هي فوائد المال وآفاته؟ فضيلتك أوضحت لنا أن لا نمسكه حتى تسير حركة المجتمع.

[الشيخ]: فيه خير وشر، نعم.

[المذيع]: ربنا قال لنا:

«يا ابن آدم أَنفِق أُنفِق عليك»

ما هي فوائد المال وما هي آفاته وشروره؟

[الشيخ]: النوع الأول أن ينفقه إما على عبادة كالسفر للحج والسفر للعلم والبحث العلمي، وإما فيما يقويه على العبادة من مطعم ومن ملبس ومن مسكن ومن زواج ومن ضرورات المعيشة، وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة؛ لأنه تهيئة؛ يقولون مقدمة الواجب واجب.

النوع الثاني ما يصرفه إلى الناس كالصدقة والمروءة ووقاية العرض وأجرة الاستخدام والأشياء مثل هذه يصرفها إلى الخلق.

من فوائد المال الدينية أيضًا ما لا يصرفه إلى إنسان معين، ولكن يحصل به خير عام؛ كالأوقاف وبناء المساجد والمستشفيات ودور العلم وأمثال هذه.

آفات المال الدينية والدنيوية من المعصية والخوف والهم

الآفات الدينية ثلاثة: أن هذا المال يجر إلى معصية، أو يجر إلى الإكثار من الفضول والزينة والمباحات حتى يقارب إلى الحرام، أو يلهيه عن ذكر الله سبحانه وتعالى.

[المذيع]: تنمية هذا المال وإنفاقه تلهيه عن ذكر الله والعبادة.

[الشيخ]: نعم. آفاته الدنيوية كثيرة؛ الخوف والحزن والغم والهم، وتجده جالسًا يحسب طوال النهار وخائفًا يا عيني من الخوف نفسه والتعب، وحفظ المال يشغله كثيرًا. وهكذا فهذه أشياء تكون مؤشرًا أن قد فتحت عليه الدنيا والعياذ بالله تعالى.

علاج مرض البخل بالتأمل في أحوال البخلاء ومقاصد المال

[المذيع]: إذن هنا يا سيدنا بقي حوالي دقيقتين أو ثلاثة لكي ننهي الحلقة، نريد أن نعرف ما الكيفية لعلاج هذا الداء وهو البخل؟ كيف يتخلى عنه؟

[الشيخ]: العلاج من مرض البخل يتمثل في التدبر والتفكر في أحوال البخلاء، والتدبر والتفكر في مقاصد المال.

فمن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء وما آلت إليهم من مذمة الناس ومن مذمة الله وهكذا.

وأيضًا يتفكر في سبب خلق الله لهذا المال. كثير جدًا من الكرماء فكروا بهذه الطريقة، ولذلك هذا هو علاج البخيل؛ أن يتفكر: لماذا خلق الله المال؟ هل خلق المال من أجل أن نخزنه في الخزانة ونغلق عليه هكذا؟ أم خلقه من أجل دوران الحياة الدنيا؟

توجيه المال إلى الخيرات وفهم وظيفته الحقيقية في ميزان يوم القيامة

أحيانًا نجد أناسًا لم يرزقهم الله بولد، لم يرزقه بالولد؛ فيقول: إذن هذه الأموال التي فتح الله عليّ بها، ماذا أفعل بها؟ ويبدأ يوجهها إلى الخيرات؛ لأنه لم يرزق بالولد، لا يوجد وريث سيرثه.

لو كان مثلًا هذا المال سيذهب إلى الولد لكي يتقوى به على الحياة، ثم الأحفاد فمن بعدهم ويغنيهم عن سؤال المال، فهذا مقصود شرعي جيد؛ لكنني أُوتيت مالًا يمكن أن يكون لي في ميزان يوم القيامة.

فتجدهم أنهم يسارعون إلى عمل الخيرات. لماذا؟ لأنه تدبر في مقاصد المال، فَهِمَ وظيفة المال التي خلقه الله من أجلها.

خاتمة الحلقة ووظيفة المال في تحريك عجلة المجتمع لا تخزينه

[المذيع]: بارك الله فيك يا مولانا، إذن فضيلتك أوضحت لنا أن المال له وظيفة أن يدير عجلة أو حركة المجتمع، وليس لأجل أن يُخزَن. ربنا لم يُعطنا المال لنخزنه في الخزائن.

[الشيخ]: ليس هذا هو مقصود المال.

[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا سيدنا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله مع فضيلته في برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.