برنامج إحياء علوم الدين | حـ 16 | التوبة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 16 | أ.د علي جمعة
- •التوبة في اللغة تعني الرجوع إلى الله بعد المراقبة والمحاسبة، وهي أول المنجيات في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
- •تنقسم أمهات الذنوب إلى أربع صفات: ربوبية كالكبر والعظمة، وشيطانية كالحسد والخداع، وبهيمية كشهوة البطن والفرج، وسبعية كالغضب والعنف.
- •للتوبة فوائد عظيمة منها نيل محبة الله، والفلاح، وتكفير السيئات، ودخول الجنة، والنجاة من الخزي يوم القيامة.
- •شروط التوبة ثلاثة: الندم على الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العودة إليه، ويضاف إليها شرط رابع إذا تعلق الأمر بحقوق العباد وهو رد الحقوق.
- •الملائكة تتأخر ست ساعات في كتابة الذنب، فإذا تاب العبد لم يكتبوه.
- •لإرجاع الحقوق طرق متعددة كالتصدق على صاحب الحق أو الدعاء له أو ذكره بالخير، وليس بالضرورة إخباره بالذنب.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن المنجيات والتوبة
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بكم يا سيدنا.
[المذيع]: نحن اليوم إن شاء الله في الحلقة رقم ستة عشر، تحدثنا مع فضيلتكم، وفضيلتكم أوضحت لنا الأشياء المهلكات. كنا نتحدث بالأمس عن البخل، واليوم نريد أن نبدأ الحديث عن المنجيات أو مفاتيح النجاة، ونبدأ بالتوبة إن شاء الله.
تقسيم الإمام الغزالي لكتاب إحياء علوم الدين إلى أربعة أرباع
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كما هو معروف لدى الكافة أن الإمام أبا حامد الغزالي عندما ألّف كتابه إحياء علوم الدين قسّمه إلى أربعة أرباع: إلى العبادات والمعاملات.
وفي هذين الربعين أقام الشريعة، وهي الإناء الذي سوف نضع فيه الأخلاق، ونضع فيه الأنوار، ونضع فيه كل جميل بعد ذلك من أعمال القلوب. ثم جعل المهلكات والمنجيات كنصف ثانٍ للكتاب أو في ربعين، ونحن قد انتهينا من المهلكات من تخلية القلوب.
معنى التوبة في لغة العرب وأصلها اللغوي من الرجوع إلى الله
أول شيء في المنجيات أن نتوب إلى الله. التوبة في لغة العرب معناها الرجوع، الرجوع. وهي في الحقيقة أتت من "ثاب"، نعم، يعني كان الثاء والتاء يتبادلان، أي يأتي أحدهما مكان الآخر، كأن تقول مثلًا "ثوم" أو "توم".
فمعنى "فثاب" أي رجع، فهذا الرجوع يعني أنني قد عدت إلى الله نتيجة المراقبة. وعندما نرجع هكذا يكون هناك محاسبة؛ رجعت إلى الله وأقول له: يا رب أنا الآن فعلت كذا وكذا وكذا، فأنا قد عدت عن ذنوبي وبدأت في طاعاتي.
قول سيدنا عمر في محاسبة النفس ووجوب الرجوع والتوبة إلى الله
وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول:
«حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر، وإنما يخفّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا»
ما شاء الله، فمن هنا من كلام سيدنا عمر الخبير التقي النقي الخليفة، هذا أمير المؤمنين، يجب لا بد من الرجوع والتوبة والأوبة إلى الله سبحانه وتعالى والمحاسبة.
أركان التوبة الثلاثة من علم وحال وفعل واستغفار النبي ﷺ
هذه [التوبة] ستنتظم ثلاثة أمور: أي علم وحال وفعل. العلم موجِب للثاني الذي هو الحال، والحال موجِب للثالث الذي هو الفعل، إيجابًا اقتضته سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه.
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»
سبعين مرة وهو المعصوم الذي لا يرتكب ذنوبًا أصلًا عليه الصلاة والسلام.
التوبة تحتوي على المراقبة والنقد الذاتي والانطلاق نحو صفحة جديدة مع الله
نعم، فهي [التوبة] تحتوي على نوع من أنواع المراقبة أو النقد الذاتي، وفيها نوع من أنواع المراجعة، وفيها محاسبة لعمل اليوم.
ثم بعد ذلك ننطلق إلى التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ننطلق إلى الصفحة الجديدة. مفهوم الصفحة الجديدة: هيا بنا نبدأ صفحة جديدة مع الله.
أسباب ارتكاب الذنوب عند الغزالي وأمهات الذنوب الأربع
[المذيع]: جميل، طيب يا مولانا، نريد أن نعرف ما هي الأسباب التي يرتكب بها الإنسان ذنوبًا، يعني لماذا يفعل المرء الذنب أصلًا؟ هل الإمام أبو حامد الغزالي قسّمها إلى أسباب؟
[الشيخ]: هو له مصطلحات يعني تحتاج إلى شيء من الإيضاح، فيقول مثلًا أن أمهات الذنوب تنحصر في أربع صفات:
- صفات ربوبية.
- وصفات شيطانية.
- وصفات بهيمية.
- وصفات سبُعية.
السبُعية هي من السبُع وليست من وقع السبعة، لا، إنها من السبُع وهو الأسد.
معنى الصفات السبعية ونسبتها إلى السبع أي الحيوان المفترس
يعني أن السبُع في لغة العرب يُطلق على الأسد ويُطلق على غيره، قد يُطلق على الكلب مثلًا. أجل، سبُع من أسماء الكلب. فالسبُع معناه السبُع الضاري، يعني الحيوان المفترس.
الحيوان المفترس، فلما كان الأسد والنمر والضبع وما شابه، وقد يكون أيضًا الذئب، وقد يكون الكلب عنده محاولة افتراس، فآكلات اللحوم هذه التي هي قوام ذلك تُعَدُّ سبُعية.
الصفات الربوبية كالكبر والفخر ومنازعة الله في صفاته
جميل، نعم. الصفات الربوبية يعني مثلًا هو ضرب لها مثلًا بـالكِبر والفخر وحب المدح والثناء من الغير وحب الدوام ودوام البقاء. قومٌ يسميها الصفات الربوبية.
سماها ربوبية نسبةً إلى الله، يعني أنت تنازع الله في صفاته! أنت تريد أن تبقى على الدوام، والله هو الباقي. أنت تريد أن تتكبر، والله هو الكبير المتعال.
لكن أنت كان من شأنك التواضع ومن شأنك الفناء، فهذه سماها ربوبية، يعني ما لك وما لها، يعني أنت ليست هذه من الصفات التي أُمر بها البشر أن يتكبر، بالعكس.
حديث الكبرياء ردائي والعظمة إزاري وخطورة منازعة الرب في صفاته
فنحن قلنا في حلقة الكبر أن حديث:
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، ومن نازعني واحدًا منهما أخذته ولا أبالي» أخرجه البخاري
فإذن هذا [الحديث] هنا يعني هذا جزء مهم جدًا في هذا المعنى وهي الصفات الربوبية، فلماذا تنازع الرب سبحانه وتعالى في صفاته؟
الصفات الشيطانية من حسد وبغي وخداع وأمر بالفساد
القضية الثانية من أمهات الذنوب لكي أتوب منها هي الصفات الشيطانية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: صفات الشيطان ما شأنك بها؟ نعم، لا تقلدها، لا تقلدها، من الحسد والبغي والخداع والأمر بالفساد.
فهذه [الصفات الشيطانية] لا يأمر بها ربنا، ليست مثل الكِبر ولا مثل العظمة ولا مثل الصفات التي يوصف بها الله، فهذه صفات خسيسة. فما شأنك بالصفات الربوبية وما شأنك بالصفات الشيطانية؟
الصفات البهيمية من شهوة البطن والفرج وتشبيهها بأكل المال بغير حق
العلة الثالثة كما يقول الإمام الغزالي هي الصفات البهيمية: شهوة البطن وشهوة الفرج، فهي مثل البهيمة.
إذا كانت البهيمة مثل الحيوانات، نعم، فالبقر هكذا، أي أن البقرة تأكل صحيح، والفيل يأكل، إن الفيل يأكل. فهذه المسألة، أي سرقة المال وأكله بغير حق، قد تشبه البقرة التي تجوع أثناء سيرها، فتدخل حقلًا لا شأن لها به.
فالحقل هذا ملك لمن؟ لا شأن لي بذلك، ما شأني؟ نعم، أنا آكلها وانتهى الأمر.
التمييز بين الصفات الأربع وعدم تقليد الإله أو الشيطان أو البهيمة
نعم، أي في هذه الصفات الإلهية الربوبية والصفات الشيطانية، فأنا لا أقلد الإله فيما اختص به من جلال، ولا أقلد الشيطان فيما اختص به من انحطاط أو نقص، ولا أقلد أيضًا البهيمة كأن ليس فيّ روح.
أنا نفخ الله فيّ الروح، أما البهيمة فلم ينفخ فيها من روحه، هي حية نعم ومتحركة بالإرادة، لكن ليس فيها هذه الروح التي أسجد الله الملائكة إليها. لا إله إلا الله.
الصفات السبعية كالغضب والإيذاء والفرق بينها وبين البهيمية
الصفات الرابعة يسميها السبُعية التي هي نسبة إلى السبُع، التي هي مثلًا مثل ماذا؟ مثل الغضب، أيضًا تكلمنا نحن عن الغضب، عن الإيذاء.
فأنا يعني الإيذاء هذا: الشتم والقتل واستهلاك الأموال والاعتداء على الآخرين وهكذا. تجد أن هذه صفات سبُعية لأن فيها نوعًا من أنواع القوة، وليست الشهوة، وإنما هي نوع من أنواع استعمال الجسد في شيء هو من صفاته وهي الصفات السبُعية.
الفرق بين الصفات البهيمية والسبعية في الشهوة والعنف والقسوة
هذا هو الفرق بينها [الصفات السبُعية] وبين البهيمية، يعني البهيمية هذه مثل شهوة البطن والفرج فيها شهوة، البهيمية فيها شهوة. أما السبُعية فليس فيها شهوة، وإنما فيها عنف وقسوة وأمور أخرى ترجع إلى الجسد ليس من ناحية الشهوة.
جميل، فالبهيمية والسبُعية قريبتان من بعضهما قليلًا، هذا بهيمة وذاك سبُع. أصل البهيمة يمكن أن تكون قطة، ويمكن أن تكون أي شيء، لكن السبُعية لا بد أن تكون قوية، لا بد أن يكون أسدًا أو ذئبًا أو حيوانًا مفترسًا.
تفريق الإمام الغزالي بين الزنا كبهيمية والغضب كسبعية ومصادر الذنوب الأربعة
الإمام أبو حامد [الغزالي] فرّق بين الزنا كبهيمية أو أكل المال بالباطل وبين السبُعية مثل الغضب والتعدي والأحلام.
[المذيع]: نعم، نعم.
[الشيخ]: وقال إن هؤلاء هم ماذا؟ هم كما تقول مصادر الذنوب، أي هم أمهات مداخل الذنوب. تتصف بصفات ليست صفاتك لأنها ربوبية، أو ليست صفاتك لأنها شيطانية، أو ليست صفاتك يا صاحب الروح لأنها بهيمية، أو ليست صفاتك لأنها سبُعية.
[المذيع]: ما شاء الله، ربنا يفتح لك يا سيدنا. نذهب إلى الفاصل ونستكمل الحوار الشيق مع فضيلتكم.
سؤال المذيع عن أهمية التوبة وأمر الله بها في القرآن الكريم
[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. اليوم يا مولانا أول حلقة نتحدث فيها عن المنجيات، وكنا نتحدث عن التوبة، وفضيلتكم أوضحتم لنا الأسس الأربعة التي هي الربوبية والشيطانية والبهيمية والسبُعية التي تدعو إلى الذنوب التي تجعلنا نحتاج إلى التوبة. جميل، ما أهمية التوبة هذه يا مولانا؟
[الشيخ]: ربنا أمر بها، جميل. قال تعالى:
﴿وَتُوبُوٓا إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]
ما شاء الله!
فوائد التوبة الأربع من تكفير السيئات ودخول الجنات والنور والغفران
فتكون أهمية التوبة أن نكون من المفلحين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأنه يقول لي "لعلكم تفلحون"، يعني لو لم أتب لن أكون مفلحًا. جميل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التحريم: 8]
هذه المنفعة الأولى [تكفير السيئات].
﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [التحريم: 8]
هذه المنفعة الثانية [دخول الجنات].
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: 8]
هذه المنفعة الثالثة [النور يوم القيامة].
﴿وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ [التحريم: 8]
هذه المنفعة الرابعة: الغفران، قادر على كل شيء. إذن، فوائد التوبة هذه الأربعة.
التوبة تؤدي إلى محبة الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له
نعم، فعندما يقرأ الإنسان ويتدبر هكذا:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]
إذن التوبة تؤدي إلى أن الله يحبني! يا للعجب! هذا جميل جدًا، أنا أريد أن يحبني الله.
إذن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، يقول سيدنا [النبي ﷺ] هكذا. إذن، الصفحة البيضاء - نظرية الصفحة البيضاء هذه نظرية عندهم تقول أن الإنسان ليس له فطرة وليس له كذا إلى آخره - هذا خطأ.
لكن الصفحة البيضاء عندنا تعني أن صفحتي بيضاء من الذنوب، الطهر عندي، طهر عندي، عفاف.
حديث تأخر الملائكة الكتبة ست ساعات قبل كتابة الذنب انتظاراً للتوبة
[المذيع]: كأنها - يا مولانا إذا جاز التعبير بعد إذنك يا سيدنا - الذي يمسك ممحاة ويكتب، يمحو الكتاب الذي كتبه بالقلم، والصفحة صفحته.
[الشيخ]: ولذلك ورد، على فكرة، في الأحاديث - والحديث صحيح - أن الملائكة الكَتَبة يتأخرون ست ساعات بعد وقوع الإنسان في الذنب، يتأخرون في كتابته، أي ينتظرون قليلًا ست ساعات، ست ساعات، ويرون إن كان سيتوب أم لا.
حديث صحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكَتَبَة يتأخرون ست ساعات، فإذا رأوا العبد قد تاب لا يكتبون. ما شاء الله، يعني لا تُكتَب أصلًا.
المبادرة بالتوبة فوراً والحسنات يذهبن السيئات
[المذيع]: حتى يتمسك بها، هناك كثير من الناس لا يعرفون هذه المعلومة يا سيدنا، بالرغم من أنه حديث صحيح.
[الشيخ]: صحيح، نعم. يعني إن هذا التأخير في التوبة يجعلك ماذا؟ إذا اعتقدنا في الحديث وتمسكنا به وهو صحيح، فعليك أن تبادر إلى التوبة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هي تعطيك فرصة، وفي ضحاها إذا فعلت الذنب، فتب على الفور.
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]:
﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]
قم وتوضأ، واستغفر ربك، وتصدق؛ فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وهكذا.
حديث ليُغان على قلبي وتفسير أبي الحسن الشاذلي لغين الأنوار لا غين الأغيار
ولذلك سيدنا رسول الله كان كثير الاستغفار تعبدًا لله، قال:
«إنه ليُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة» أخرجه البخاري
سيدنا أبو الحسن الشاذلي أشكل عليه هذا الحديث، قال: كيف يُغان على قلبه؟ الغين والغيم يعني سحابة، كيف لسيد المرسلين أن يُغان على قلبه؟
صحيحٌ أنَّه ليُغان على قلبه، فيستغفرُ الله في اليوم والليلة سبعين مرة. قال: كيف؟ قال: فشاهدتُ في المنام سيدنا صلى الله عليه وسلم جاء يُعلِّمُه وقال له: يا علي [أبو الحسن الشاذلي - كان اسمه علي]، يا علي، غينُ أنوارٍ لا غينُ أغيارٍ. الله!
بابا القلب عند النبي ﷺ باب الخلق وباب الحق وسبب استغفاره
[المذيع]: غينُ أنوارٍ، نعم.
[الشيخ]: سحابٌ من النور يُغلق بابًا بين القلبِ وبين الخَلْقِ.
[المذيع]: أجل، لا، بين القلبِ وبين الخالقِ.
[الشيخ]: الله! ما شاء الله! ما شاء الله! يبقى إذن البابُ الذي كان يُغلَقُ فيستوجبُ الاستغفارَ هو بابُ الخَلْقِ لا بابُ الحقّ. ما شاء الله!
يعني ماذا؟ قال: القلبُ له بابان، بابٌ بينه وبين ربّنا، وبابٌ ثانٍ مفتوحٌ على الناس. أي فهو [النبي ﷺ] مكلف من عند الله بالتبليغ، فيجب أن يكون باب الخلق مفتوحًا.
سهو النبي ﷺ في الصلاة كان غياباً في الله لا غفلة عنه
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هو أحيانًا يضيق ذرعًا من الخلق فيُغلق الباب، ثم يستغفر ربنا سبعين مرة لأن الباب أُغلق رغمًا عنه بسبب انقطاع الأنوار وتعطلها، وليس بسبب الأغيار التي هي الغفلة.
سيدنا [النبي ﷺ] لم يكن غافلًا عليه الصلاة والسلام، وهو يصلي مرة سها لكي يعلم الأمة ماذا نفعل عندما ننسى في الصلاة. فقام واحد من أهل الله بنظم بيتين هكذا قال:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو من كل قلب غافل
الله قد غاب عن كل شيء سره ... فسها عما سوى الله فالتعظيم لله.
التوبة ليست فقط من الذنوب بل قد تكون من التقصير في حق الله وشروطها الثلاثة
ما شاء الله، سيدنا النبي غاب سره عن كل شيء، اشتغل بالله فنسي حتى الصلاة. سبحان الله.
فإذن، ما هي التوبة؟ ليس ضروريًا أن تكون التوبة من ذنوب، بل قد تكون توبة من شيء يراه التائب أنه أقل مما يستحقه الله سبحانه وتعالى.
فالتوبة لها ثلاثة شروط:
- أن تندم على الذنب.
- وأن تُقلع عنه.
- وأن تعزم على عدم العودة لمثله أبدًا.
وينضم إليهم شرط رابع إذا كانت المسألة تتعلق بحق من حقوق العباد، وهو أن تردّ هذا الحق إلى صاحبه.
وجوب رد حقوق العباد لقبول التوبة وآية غافر الذنب وقابل التوب
ليس كمن اغتصب قطعة أرض ثم يقول: خلاص، أنا ندمت وتبت وفعلت والأرض ما زالت معه! لا، بل يجب أن أردها وأرجع حقوق العباد حتى تُقبل التوبة.
فبهذه [الشروط] يقبل الله سبحانه التوبة. قال تعالى عن نفسه:
﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ [غافر: 3]
كيفية رد حق الغيبة والسرقة دون إثارة الفتنة بين الناس
[المذيع]: نعم، لقد أوضحت لنا فضيلتك شروط التوبة كما قال ربنا:
﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ [طه: 82]
هنا يا سيدنا لأنه تبقى حوالي دقيقة أو دقيقتين، إعادة الحق يا مولانا، في بعض الناس الذين يدّعون العلم، وهم متدينون وليسوا علماء، يقولون: إذا كنت اغتبت أحدًا فلابد أن تذهب وتقول له وتستسمحه، وإذا كنت أخذت من أحد شيئًا فلابد أن تقول له: أنا سرقتك والشيء ها هو، وإلا فإن الله لن يغفر لك. وهذا يمكن أن يسبب مشاكل لسيدنا بين أفراد المجتمع.
[الشيخ]: المهم هو وصول الحق إلى المسروق منه والمغتصب وما إلى ذلك. أما الأخبار وما شابه فقد توغر الصدور، ولذلك كل شيء بحسبه.
العلماء قالوا يستغفر للمغتاب ويذكره بخير بدلاً من المواجهة
أما الإنسان فليس كلما يلقى الآخر يقول له: على فكرة أنا اغتبتك، أنا فعلت بك كذا، لا. إنما العلماء قالوا: يستغفر له ويدعو له ويُقلع عن هذا ويذكره بخير مكان الذكر بالسيئات وكذا إلى آخره.
والله سبحانه وتعالى:
﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25]
هذا ربنا الكريم.
الله يبسط يده بالتوبة ليلاً ونهاراً والمبادرة بالأعمال والمغفرة
«إن الله عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار ولمسيء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»
«التائب من الذنب كمن لا ذنب له»
يعني بادروا بالأعمال وبالغفران.
﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]
أُعدت للمتقين.
طرق رد الحقوق دون مواجهة كالتصدق والدعاء والهدية وختام الحلقة
[المذيع]: ما شاء الله، هذا يذهب سيدنا، ليس شرطًا أن أذهب إلى شخص وأقول له أنا فعلت كذا، يمكنني أن أتصدق عليه أو أدعو له؟
[الشيخ]: أو يعطي له ويذكره بالخير ويدعو له ويستغفر له في غيابه، فكل هذه ممكن أن يُرجع له الحق في صورة هدية بقيمتها كما يقولون. ليس بالضرورة أن يضعها في حسابه، بل يمكن أن يقدمها له بطريقة أخرى أو يرسلها له بأي وسائل متعددة، لكن لا أذهب وأخبره فنتصادم مع بعضنا، هذا ليس ضروريًا، لا.
[المذيع]: حسنًا يا سيدنا، إننا إن شاء الله سنستكمل الحوار في مفاتيح النجاة إن شاء الله في الحلقة القادمة نتحدث عن المحاسبة. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين. فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
