برنامج إحياء علوم الدين | حـ 19 | الصدق | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 19 | أ.د علي جمعة
- •الصدق فضيلة عظيمة في الإسلام، كما جاء في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"، وقد سمى الله مريم صديقة، وكذلك سمي أبو بكر بالصديق.
- •قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً".
- •ذكر الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" خمسة أنواع للصدق: صدق اللسان، والصدق في النية، والصدق في العزم، والصدق في الوفاء بالعهد، والصدق في الأعمال.
- •يتحقق الصدق الكامل عندما يستوي السر والعلانية.
- •من آثار الصدق: دخول الجنة، وتمييز الحق من الباطل، والنجاة، وتحقيق الثقة بين الناس، وتحقيق الطمأنينة في القلب.
- •الصدق قيمة إنسانية نبيلة أمرت بها الأديان وتختارها الأمم الناهضة، والمؤمن لا يكون كذاباً أبداً.
مقدمة الحلقة والترحيب بالإمام علي جمعة للحديث عن الصدق
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بك يا سيدنا.
[المذيع]: ما زلنا نتحدث مع فضيلتك عن كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: ونتحدث في المنجيات، واليوم إن شاء الله سنتحدث عن الصدق، فما هي حقيقة الصدق وما فضله؟
تأسيس باب الصدق على آية وكونوا مع الصادقين ومنزلة الصديقية
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الإمام الغزالي بنى باب الصدق على قوله تعالى، وهي آية غريبة عجيبة جميلة:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]
وكونوا مع الصادقين، جميل. هذه الآية «وكونوا مع الصادقين»، حيث إن «مع» تدخل على العظيم، أي تقول: جاء الوزير مع السلطان، لا يصح أن تقول جاء السلطان مع الوزير، يصح أن تقول [جاء الوزير مع السلطان]، فـ«مع» تدخل على العظيم.
فأنا عندما أتقي الله أكون من المتقين، فيجب أن أكون مع الصادقين؛ فيصبح الصادق فوق التقي. ولذلك سُمِّيت إحدى مراتب القرب من الله الصِّدِّيقية، وأمه [السيدة مريم] صِدِّيقة.
منزلة الصديقية عند السيدة مريم وأبي بكر الصديق وعظمة الصدق عند الله
السيدة مريم في مرتبة عالية جدًا، أي بعدها تصبح نبيًّا مباشرة، صِدِّيقة. وسُمِّي أبو بكر - وهو الذي تحمَّل عبء الإسلام من البداية وأول من أسلم وكذا - بالصِّدِّيق، أبو بكر.
إذ الصادق، والصدق هذا أمر عظيم جدًا عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك هذا هو أساس القضية: لماذا أكون صادقًا؟ لأن الصدق يحبه الله، ولأن الصدق من صفات أهل الجنة، ولأن الصدق يعود على الإنسان بالخير في الدنيا والآخرة.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَـٰهَدُوا بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]
وذلك لأن المؤمن ضحَّى بكل شيء لله ورسوله.
حديث النبي عن الصدق يهدي إلى البر والكذب يهدي إلى الفجور
وسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وأن الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقًا»
ما شاء الله! في المقابل:
«وأن الكذب ليهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وأن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا»
يا ساتر! أعوذ بالله، والعياذ بالله تعالى، من كثرة كذبه؛ كذبة صغيرة على كذبة بيضاء على كذبة كذا، يصبح كذَّابًا عند الله والعياذ بالله.
حقيقة الصدق هي حكاية الواقع وحديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
الصدق في الحقيقة هو الحقيقة، هو حكاية الواقع، حكاية الواقع، حكاية الواقع. وقال في هذا: احكِ الواقع، فيجب أن أدركه إدراكًا جيدًا.
ويقول سيدنا [رسول الله ﷺ]:
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة»
ريبة. فإذن فلنتجنب أن نحدِّث بكل شيء سمعناه.
قال ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع»
يقول، يعني هذه نقطة مهمة يا إخواننا: هذه الإشاعات والأكاذيب والافتراءات - وهذا والحمد لله - قد امتلأت بها الآذان وانتشرت انتشارًا عجيبًا.
قال صلى الله عليه وسلم:
«ثم يفشو الكذب»
يا ساتر! يفشو الكذب، ينتشر.
خطورة انتشار الكذب والإشاعات وأثره في إبطال الدين
وهذا شيءٌ قبيح، وشيءٌ مُريع؛ لأنه يكرُّ علينا بإبطال كل شيء، بإبطال الدين كله. أي معلومة سمعتَها أو قرأتَها في الإنترنت تعتبرها كأنها حقيقة واقعة، وتتعامل معها بإفشاء؛ فهم يقولون: قالوا، ووَرَدَ، وأحدهم قال. لا!
«فالصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة»
فالكذب لا يؤدي إلى الطمأنينة، إنما الذي يؤدي إلى الطمأنينة هو الصدق.
أقوال أولياء الله في رائحة الصدق وأنه سيف الله القاطع
[المذيع]: حسنًا، ما هي أنواع الصدق يا سيدنا؟ تفضل مولانا.
[الشيخ]: كنت أريد فقط أن أقول أيضًا عن بعض أولياء الله هكذا. وكان بعض أولياء الله يقول: لا يشمُّ رائحة الصدق عبدٌ داهَنَ نفسه أو غيره. لا يشمُّ [رائحة] الصدق - له رائحة جميلة كوردة ولها رائحة حلوة - لا يشمُّها أي من ليس صادقًا، كالذي يداهن نفسه ويضحك عليها ويخادعها، أو يداهن غيره.
وكان سيدنا ذو النون المصري، كما أورد صاحب الإحياء الإمام الغزالي، قال: الصدق سيف الله، ما وُضِعَ على شيء إلا قطعه. جميل!
قصة علي الخواص وكيف نجّى الهارب بصدقه مع الظلمة
ولذلك كان سيدنا عمر يقول: إن الصدق فيه منجاة ولو ظننتَ فيه هلاكك. أتذكر أن الشيخ علي الخواص كان يعمل بالخوص، يصنع حصيرًا ونحو ذلك.
فجاءه رجل يجري هاربًا من بعض الظلمة، وكان وراءه جنود السلطان، فقال له: خبِّئني عندك. فقال له: ادخل والتفَّ في الحصيرة هذه، فدخل والتفَّ فيها.
فجاء هؤلاء الناس وقالوا: ألم ترَ أحدًا مرَّ من هنا؟ فقال لهم: إنه ملفوف في هذه الحصيرة، ملفوف في الحصيرة، هو عندكم، ادخلوا وخذوه إذا كنتم تريدونه. فقالوا له: إنك رجل أحمق! وذهبوا مسرعين.
فتخلَّص [الرجل] من الحصيرة وقال له: هكذا كدتَ أن تُضيِّعني! يعني قال له: يا بني، صِدْقي نجَّاك. ما شاء الله! والله لو قلتُ لهم: لا، حسنًا وأنت كنت هنا واختفيت، سيدخلون، سيدخلون. فأنا عندما نفتِّش ونرى، صِدْقُكَ نجَّاك. ما شاء الله!
إخلاص علي الخواص هو سر نجاة الهارب وليس سذاجة
فالحقيقة أن الذي نجَّى هذا [الرجل الهارب] هو إخلاص علي الخواص، إخلاصه؛ لأنه كان يراقب نفسه وكان يحاسب نفسه. وكان يعني بعض الناس يعتبر أن هذا سذاجة أو شيء من هذا القبيل. لا! إن هذا هو ما جعل هؤلاء الناس أئمة قادة سادة.
ومن هنا نأتي إلى سؤالك عن أنواع الصدق. المثال الذي ذكرته لنا عن سيدنا علي الخواص أنه عندما قال للناس الظلمة هؤلاء: هو لديكم بالداخل وهو ملفوف في الحصيرة، ظنوا أنه يستهزئ أو يسخر. طبعًا لو قال لهم: لا، لم أره، لكان من الممكن أن يدخلوا ويفتِّشوا ويكشفوا الأمر فورًا. فصدقه هو الذي أنجاه.
أنواع الصدق الخمسة عند الإمام الغزالي وصدق اللسان والنية والعزم
[المذيع]: نود أن نعرف يا مولانا أنواع الصدق التي ذكرها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين، بعد إذن فضيلتك.
[الشيخ]: فقد تحدث الإمام الغزالي عن خمسة أنواع للصدق. خمسة.
النوع الأول أو الدرجة الأولى - إن صح التعبير - صدق اللسان. فاللسان يجب أن يكون صادقًا. أورد عدة أحاديث تبيِّن ما هو الصدق وما هو الكذب، منها حديث الرسول ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «ليس بكذَّاب من أصلح بين اثنين فقال خيرًا أو نمَّى خيرًا»
هذا الرجل يمدح فيك، يقول فيك شعرًا وهو لا يقول أي شيء، لكنه لا يوقع بين الناس. هذا ليس كذَّابًا، هذا نوع من أنواع الإصلاح وليس نوعًا من أنواع الكذب. جميل، ما شاء الله.
ففي الدرجة الثانية: الصدق في النية، فيكون هناك صدق في اللسان وصدق في ماذا؟ في النية.
الدرجة الثالثة أو النوع الثالث: الصدق في العزم، الصدق في العزم، أي في التوجه، في القصد المؤكد الذي يسمُّونه العزم.
الدرجة الرابعة الصدق في الوفاء بالعهد وآيات مدح الموفين وذم الناكثين
الدرجة الرابعة: في الوفاء بالعهد. الوفاء بالعهد يعني نوع من أنواع الصدق، أي أنني أَعِدُ ولا أُخلف وعدي. مدح الله هؤلاء الذين يوفون بعهدهم، يقول:
﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَـٰهَدُوا ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]
سبحانه! قال: إن في الناس من يخون أو من هو ضد الوفاء، ومنهم من عاهد الله:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۞ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ۞ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التوبة: 75-77]
وبما كانوا يكذبون، يعني كأنه قد كذب في العمل، كذب في عهده في العمل؛ لأنه خان هذا [العهد].
الدرجة الخامسة الصدق في الأعمال والانتقال إلى الفاصل
الدرجة الخامسة التي يتحدث عنها الإمام الغزالي هي الصدق، يمكن أن أقول في الأعمال، أي الصدق في الأعمال.
[المذيع]: حسنًا، لكي نعرف يا مولانا الصدق في الأعمال ونأخذ الخمس درجات هذه، لكن نخرج للفاصل؛ لأن الوقت مع فضيلتك يمضي سريعًا. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
تقسيم أنواع الصدق الخمسة إلى سر وعلن عند الإمام الغزالي
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم بعد الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة. ونحن قبل أن نخرج يا مولانا، كنت فضيلتك قلت لنا عن أنواع الصدق الخمسة التي أوردها الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين.
[الشيخ]: نعم، يمكننا أن نجعلها خمسة أو يمكن أن نجعلها اثنين. خمسة أو اثنين، أو اثنين، أي أنه قسَّم السر وقسَّم العلن. السر والعلن.
فقد تحدث عن اللسان، وعن النية، وعن العزم، وعن الوفاء بالعهد، عن العمل. ففي أشياء عَلَن، مثل الوفاء بالعهد الناس تعرفه، العمل الناس تراه، واللسان الناس تسمعه. أما النية والعزم فهما في السر من الداخل.
أبيات شعرية في استواء السر والعلن عند المؤمن الصادق
ولذلك فقد أورد بيتين جميلين يقول فيهما:
إذا السرُّ والإعلانُ في المؤمنِ استوى - فيكون باطنه مثل ظاهره، ويكون سرُّك مثل علانيتك - إذا السرُّ والإعلانُ في المؤمنِ استوى، فقد عزَّ في الدارين واستوجب الثنا. ما شاء الله! يعني الثناء.
فإن خالف الإعلانُ سرًّا فما له، على سعيه فضلٌ سوى الكذبِ والعَنا. الكذب والمعاناة، أي العناء.
يعني يكون والله الإعلان مثل السر والسر مثل الإعلان، استوجب ذلك الثناء من الله والثناء من الناس، ما شاء الله. وإذا كان الإعلان مخالفًا للسر وهو نوع من أنواع النفاق، فبهذا الشكل أنت فضَّلت الكذب على الصدق.
الصدق يكون باللسان وبالعمل وموافقة السر للعلانية
إذن، الصدق قد يكون باللسان وقد يكون بالعمل. بالعمل:
﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۞ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الصف: 2-3]
إذن الصدق ومعناه أنه ليس في اللسان فقط، بل أيضًا في موافقة السر للعلانية.
المذاهب الثلاثة في تعريف الصدق والكذب عند علماء البلاغة
[المذيع]: كنت فضيلتك يا سيدنا قد تحدثت في حلقة ماضية عن الكذب، وأوضحت لنا أن هناك فارقًا بين أن تكون المعلومة التي قلتها مطابقة للواقع أم لا. يعني عندما يسألني شخص: هل معك نقود؟ فأقول له: لا، جيبي ليس فيه نقود، وفجأة اكتشفت أنني كنت ناسيًا وأن هناك نقودًا في جيبي.
[الشيخ]: في تعريف الصدق والكذب ثلاثة مذاهب عند العلماء، ونجد هذا المبحث في علم البلاغة؛ لأنه يقول لك إن هناك فرقًا بين الخبر والإنشاء. الخبر هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، والإنشاء ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
فعندما جاء في التعريف كلمة الصدق والكذب، اضطروا أن يعرِّفوا ما هو الصدق وما هو الكذب. المذاهب الثلاثة هي كثلاثة مداخل هكذا:
- واحد قال: والله هو موافقة الواقع ومخالفة الواقع.
- والثاني قال: لا، موافقة الاعتقاد ومخالفة الاعتقاد.
- والثالث قال: لا، لنجمع بينهما، موافقة الواقع والاعتقاد معًا، ومخالفة الواقع أو الاعتقاد معًا أيضًا.
أمر جميل!
تطبيق المذاهب الثلاثة على مثال غير المسلم الذي يقول محمد رسول الله
فلو أننا سلكنا الطريق الأول بأن الصدق هو ما وافق الواقع فقط، فسيكون أي شيء يخالف الواقع يُسمَّى كذبًا، وأي شيء يوافق الواقع حتى لو لم يكن فيه اعتقاد يُسمَّى صدقًا.
يعني لنفترض أن شخصًا غير مسلم، وقال أن محمدًا رسول الله وهو ليس مؤمنًا بذلك. الواقع أن محمدًا رسول الله، والكلمة التي قالها هذه تكون صدقًا لأنها وافقت الواقع. حسنًا، لكنه يقولها من وراء قلبه [كناية عن عدم الإيمان]، ليس لي [تدخُّل في باطنه].
يدخل المذهب الثاني يقول: لا، هذا الرجل كاذب؛ لأنه لا يعتقد ذلك، فهو كاذب كمعتقد، بالرغم من أنه هو فعلًا رسول الله. مقارنة الكلام باعتقاده هو وليس بالواقع.
هذا الرجل الذي قال وهو غير مؤمن بسيدنا النبي ويقول أن محمدًا هو رسول الله، هذا الرجل بذلك يكون كاذبًا. لماذا كاذبًا؟ قال: لأنه غير معتقد هكذا، إنه يقول شيئًا غير معتقده، وإلا لكان آمن لو كان اعتقد مثلًا. صحيح.
الثالث يقول أيضًا أن هذا كاذب؛ لأنه يجب أن يوافق الواقع ويوافق معتقده، فعندما خالف معتقده وإن وافق الواقع، فهذا أيضًا كاذب.
مثال المؤمن الذي يقول محمد ليس برسول الله كاذب على كل الوجوه
إذن توجد ثلاثة مذاهب في هذه المسألة. طيب، افترض أن رجلًا مؤمنًا قال: إن محمدًا ليس برسول الله. هذا مخالف لمعتقده ومخالف للواقع ومخالف لهما. فالرجل هذا كاذب على كل وجه، على كل الوجوه، على كل الوجوه.
وهكذا يعني هذا الكلام نجده في البلاغة، وعلماء البلاغة تكلموا بتوسع كبير في هذا المجال. جميل!
أثر الصدق على الإنسان في ضوء آية ينفع الصادقين صدقهم
[المذيع]: طيب يا سيدنا، هلَّا نتكلم عن المدخل إلى الصدق أو نتكلم عن آثار الصدق على الإنسان، ما هو أثر الصدق على الإنسان أو على المجتمع ككل؟
[الشيخ]: آثار الصدق على الإنسان تجدها في قوله تعالى في نهاية [سورة] المائدة:
﴿هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119]
ما شاء الله! هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، صدقهم إذن هو ينفع يوم القيامة، وهو يؤدي إلى رضا الله، وهو يؤدي إلى الجنة. فهذا لو لم يكن للصدق إلا هذا لكان كافيًا، فضل الله.
حديث أربع خصال إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا
وأيضًا هناك حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «أربعٌ إذا كُنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانة، وصدقُ حديث، وحسنُ خليقة، وعفَّةٌ في طُعمة»
يعني هذه الأربعة إذا كانت فيك فلا يهمك: أن تكون حافظًا للأمانة، تكون صادقًا في الحديث - هذا هو الصدق قد ظهر - وأن تكون أخلاقك حسنة، وأن تكون عفيف مطعمك حلال كما يقولون. وخاصة في المطعم.
من آثار الصدق على الإنسان التمييز بين الحق والباطل
ولذلك الإمام الغزالي يورد أشياء من هذا القبيل، وهو يشير إلى آثار الصدق على الإنسان، يقول: من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يُبصر فيها الحق والباطل.
ما شاء الله! يعني هذا القول قادم من شخص جرَّب الصدق، أي أنه عندما يصدق المرء يصدق فيُكتب عند الله صِدِّيقًا، فينكشف له الحق والباطل. إذن من آثار الصدق على الإنسان تمييزه بين الحق والباطل.
وأيضًا: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضر بك. الله! هذا وارد عن سيدنا عمر بن الخطاب، يعني أورده ربما هنَّاد بن السَّرِي في كتابه.
فوائد الصدق الكثيرة من طريق الأبرار إلى التأثير في القلوب
فإذن فوائد الصدق كثيرة مع هذه الآثار:
- •الصدق طريق الأبرار إلى الجنة.
- •الصادقون أحباب الله المقربون.
- •الصادقون يحبهم الناس ويأتمنونهم في كل شيء، في معاملاتهم وفي حياتهم.
- •الصدق دليل القوة وسمة الثقة بالنفس.
- •الصدق منجاة.
- •الصدق مؤثر في القلوب، يُقال لك: هذا خرج من القلب فوصل إلى القلب، فما كان قد خرج من الجَنان يصل إلى الجَنان [أي القلب]، والقلب. وما خرج من اللسان لا يصل إلا إلى الآذان.
- •الصادق يُحشر يوم القيامة مع النبيين والشهداء والصالحين، فالصِّدِّيقون هؤلاء محشورون مع الزمرة الصالحة، مع الثُّلَّة من عباد الله السابقين. جميل!
الصدق مؤثر في الإنسان كإنسان وليس في المسلم فقط واختيار الأمم للصدق
[المذيع]: وكان يا سيدنا - أظن - الدكتور أحمد زكي باشا قد كتب في كتابه الأخلاق أنه حتى لو لم تكن الأديان تأمر بالصدق، لكان واجبًا أن نكون صادقين لأجل المعاملات. كن صادقًا بين الناس. لقد استحسنت منك عندما عبَّرت وقلت لي أثر الصدق على الإنسان، ولم تقل أثر الصدق على المسلم.
[الشيخ]: نعم، لهذا المعنى الذي أشار إليه الباشا - نعم - أحمد زكي شيخ العروبة، أنه، أن الصدق هذا على فكرة مؤثر في الإنسان كإنسان وليس في المسلم فقط، وليس في المسلم فقط، فما بالك بالمسلم!
جميل! فالصدق اختارته الأمم التي أرادت لنفسها العزة والحياة والمصلحة والانطلاق، حتى مع - والعياذ بالله تعالى - يعني مروقهم عن الله سبحانه وتعالى، هو صدق غير كامل هكذا، ولكنه حتى صدق الحديث جعل لهم المكانة وجعل لهم التمكُّن، جعل لهم المكان وجعل لهم التمكين.
المسلم أولى بالصدق لأنه أمر إلهي ورد في القرآن والسنة وتحريم الكذب
فإذا - يعني إذا - نحن أولى بهذا، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. فما بالك وهذه ليست حكمة نبحث عنها، وإنما هو أمر إلهيٌّ وَرَدَ في القرآن الكريم ووَرَدَ على لسان النبي الشريف صلى الله عليه وسلم.
فما بالك أنه قد حرَّم علينا الكذب وقال: أيكذب المؤمن؟ قال: لا، عليه الصلاة والسلام. المؤمن لا يكون كذَّابًا أبدًا، لا أبدًا ولا يمكن.
[المذيع]: الله يحفظك يا سيدنا ويبارك فيك. اسمحوا لي باسم حضراتكم نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى هذا العلم من فضيلته.
على وعد باللقاء إن شاء الله في حلقات قادمة من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، ونترككم في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
