برنامج إحياء علوم الدين | حـ 20 | التوكل على الله | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 20 | أ.د علي جمعة
- •التوكل هو اعتماد القلب على الله وحده، ويتحقق بالإيمان الجازم بأن لا فاعل إلا الله مع اعتقاد تمام علمه وقدرته.
- •يتضمن التوكل ثلاثة أركان: المعرفة بالله، وحال المتوكل من الثقة والاطمئنان، والعمل بالأسباب.
- •هناك فرق جوهري بين التوكل والتواكل؛ فترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك.
- •الأخذ بالأسباب من سنة الأنبياء، كما لبس النبي درعين في أُحد مع علمه بعصمة الله له.
- •للتوكل ثلاث درجات: الأولى كعلاقة الإنسان بوكيله، والثانية كعلاقته بأمه، والثالثة كعلاقة الميت بمغسله.
- •أمر الله تعالى بالتوكل في آيات كثيرة، وأخبر أنه يحب المتوكلين.
- •من ثمار التوكل الصحيح: الرضا والتسليم وتيسير الأمور في الدنيا والآخرة.
- •يجب على المسلم أن يعمل ثم يتوكل على الله، فالنبي كان يخزن قوت أهله سنة كاملة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن التوكل
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: لا زلنا يا مولانا مع كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، ونتحدث عن مفاتيح النجاة. تحدثنا في الحلقة الماضية عن الصدق، واليوم إن شاء الله نريد أن نتحدث عن التوكل وحقيقة التوكل على الله.
تعريف الإمام الغزالي للتوكل وحقيقته في اعتماد القلب على الله وحده
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عرَّف الإمام الغزالي التوكل بأنه اعتماد القلب على الوكيل وحده.
نعم، فالإنسان إذا اعتقد اعتقادًا جازمًا أنه لا فاعل إلا الله، واعتقد مع ذلك تمام العلم والقدرة لله سبحانه وتعالى، وأنه هو الفاعل الحقيقي، فإن هذا هو حقيقة التوكل.
توكل على الله يعني اعتمد عليه، أي لا حول ولا قوة إلا بالله. التوكل بهذه الكيفية يُنشئ في القلب التسليم والرضا الجميل.
الآيات القرآنية الدالة على وجوب التوكل على الله ومحبته للمتوكلين
فهذا [التوكل] مبني على أمر الله سبحانه وتعالى وعلى حب الله سبحانه وتعالى لهذا الشأن.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12]
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُٓ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
نحن نبحث عما يحب وما يكره؛ لأن هذه الصفات هي صفات المؤمنين، وهذه الصفات هي صفات النقص التي نبتعد عنها لأنها من المهلكات.
آيات قرآنية تدل على أن خزائن السماوات والأرض بيد الله وحده
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 49]
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [الأعراف: 194]
فإذن لا بد علينا أن نتدبر كل هذا ونعلم أنه لله خزائن السماوات والأرض، ولكن المنافقين لا يفقهون. فلما كان ربنا عنده خزائن السماوات والأرض، فكيف نتوكل على غيره؟
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: 3]
يعني بيده كل شيء.
﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3]
حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب بسبب توكلهم على الله
يعني إن التوكل هذا مهم جدًا وله آثار طيبة في الدنيا والآخرة. ولذلك:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، سبعون ألفًا بغير حساب. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون»
أي هنا المفتاح الرئيسي للكل أنهم على ربهم يتوكلون.
الفرق بين التوكل والتواكل وأن ترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك
هناك فرق بين التوكل والتواكل، الفرق هو ترك الأسباب. فإذا أنت فعلت الأسباب ثم قلت يا رب يبقى أنت متوكل، لو تركت الأسباب فترك الأسباب جهل، لكن الاعتماد عليها شرك.
ترك الأسباب لم يكن من سنة الأنبياء.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
ولما خرج [النبي صلى الله عليه وسلم] في أُحُد خالف بين درعين [أي لبس درعين للحماية]. فإذن التوكل مهم ومأمور به وهو يولد الرضا والتسليم.
حديث من سره أن يكون أغنى الناس ومنهج الغزالي في عرض أقوال أهل الله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده»
ما شاء الله، كل هذه الأمور تساعدك على قضية التوكل. والإمام الغزالي أورد أيضًا - وهو يورد الآية أو الآيات وبعدها يورد الأحاديث، وبعد ذلك يورد كلام أهل الله من الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء والأتقياء -
فيقول لك: قال بعضهم: لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل.
التحذير من الغفلة عن العمل والاكتفاء بالدعاء دون الأخذ بالأسباب
جميل، فتضيع أمر آخرتك ولا تنال من الدنيا إلا ما قد كتب الله لك، هذه غفلة. فالله قد أمرك بشيء ورزقك بشيء، فلا تجلس تخلط الأمور؛ لا تهتم بالرزق وتجلس تبحث عن قوت يومك.
الفلاح يلقي الحب ثم يدعو قائلًا: يا رب. الله يلقي الحب ويقول يا رب. على فكرة، إذا لم يُلقِ البذور فلن يخرج شيء أبدًا، حتى لو جلس من هنا يقول يا رب حتى الصباح.
نعم، ولذلك كانوا يروون بعض الأشياء لكي يجعلوها نكتة هكذا ويجعلوها مزحة، لكنها لها معنى.
قصة الأحمق الذي دعا الله بالولد دون أن يتزوج وبيان ضرورة الأخذ بالأسباب
ويذكرونها في أخبار الحمقى والمغفلين باعتبار أن لها معنى أيضًا. يقولون لك أن أحدهم من الحمقى والمغفلين جلس يدعو الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ولدًا، كان رجلًا مخلصًا ولكنه غير منتبه. إنها غفلة؛ لأنه أصلًا لم يتزوج بعد، فكيف سيُرزق؟
حسنًا ونعم، تعال صحيح أقول لك: فنزلت إليه الملائكة وقالت له: يا أخي، استُجيب دعاؤك، تزوج، فقط تزوج؛ لأنك لن تُرزق بغير زواج، لن تُرزق.
إن مَن أراد الله أن يُنشئ شيئًا من غير الزواج مثل سيدة العالمين مريم [عليها السلام]، هذه معجزة، هذه شيء من عند الله لا تسأل [عنه]. سيدنا عيسى [عليه السلام وُلد] من غير أب، هذه معجزة. مثل سيدنا آدم [عليه السلام خُلق] من غير أب ولا أم، هذه معجزة، هذه شيء لا تسأل عنه.
وجوب الأخذ بالأسباب مع الدعاء وعدم الاكتفاء بالدعاء وحده
لا يدعو [الإنسان] عليها [هذه المعجزات قياسًا]، يا رب ارزقني بولد وأنا غير متزوج. لا تأتي واحدة غير متزوجة تقول يا رب ارزقني بولد وهي مثلًا غير متزوجة، هذا لا يصح.
هذه نعمة أكرم الله بها السيدة مريم وحدها، السيدة مريم عليها السلام. السيدة مريم إذن لا يصح هذا السؤال.
لا بد من العمل، لا بد بعد أن تلقي الحب أن تدعو وتقول يا ربّ، وأنت وما أنت فينبت النبات ويظهر [الثمر].
مثال الطالب الذي لا يذاكر ويكتفي بالدعاء قبل الامتحان كنموذج للتواكل
[المذيع]: المثال الذي فضيلتك ضربته لنا يا سيدنا، نحن نراه في نماذج كثيرة من أبنائنا وإخواننا من الطلبة؛ لا يذاكر طوال السنة ويأتي قبل الامتحان بيوم أو يومين، يجلس يصلي ويسجد ويقول يا رب أنجحني، فهي عاملة مثل صاحبنا الذي هو يا ربِّ.
[الشيخ]: هو ليس مجرد بماذا أو بما الذي دخل [في ذهنه] حتى يُثبِّته الله في ذهنه ليساعده على استرجاعه؟ لا بد أن يكون هناك شيءٌ يُذاكِره حتى يكون علامة يتذكر بها.
كما يقول سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]: إن السماء لا تُمطِرُ ذهبًا ولا فضة. والله يستر على عباده بشرط أن يكون هذا آخر خطأ يرتكبه بعد ذلك، وليس أن تُتخذ سُنَّة للحياة.
أركان التوكل الثلاثة عند الإمام الغزالي المعرفة والحال والعمل
[المذيع]: حسنًا يا سيدنا، لقد أخبرتنا عن الآيات الواردة في التوكل، فهل هناك آيات أخرى موجودة؟ أو نريد أن نعرف ما هي درجات التوكل وأركانه؟
[الشيخ]: كما ذكرنا أن التوكل هو اعتماد القلب على الله وحده سبحانه وتعالى. التوكل هذا له أركان، هذه الأركان عدّها الإمام الغزالي أنها ثلاثة أركان:
- المعرفة بالله [سبحانه وتعالى].
- حال المتوكل: وهو أن يكل أمره إلى الله وحده ويثق به في قلبه وتطمئن نفسه إليه سبحانه وتعالى.
- العمل: كما قلنا هكذا؛ إذ ليس التوكل معناه ترك العمل، لأن ترك العمل يكون قد فسد [التوكل].
فيكون إذن هذا الاعتماد القلبي بتوحيد الله، وحال المتوكل من الثقة في القلب، والعمل جزء لا يتجزأ أو ركن ركين في قضية التوكل.
تذكير بأركان التوكل الثلاثة والفرق بين التوكل والتواكل في العمل بالأسباب
[المذيع]: هل نذهب إلى الفاصل يا سيدنا ونعود لنتكلم عن درجاته؟ لنرَ درجات التوكل، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. وحلقة اليوم عن التوكل على الله. سيدنا، ونحن خارجون من الفاصل، فضيلتك قلت لنا أن أركان التوكل، نريد أن نذكر مشاهدينا بهم، وبعدها نقول ما هي درجات التوكل؟
[الشيخ]: أركان التوكل كما ذكرنا وكما ذكرها الإمام الغزالي هي:
- أن يؤمن بأن هناك إلهًا، وأنه قادر حكيم قوي إلى آخره [من صفات الكمال].
- حالته هو، أمّا الأمر الثاني فهو أن يثق بهذا الإله.
- والأمر الثالث هو العمل، العمل؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين التوكل والتواكل هو العمل بالأسباب.
وهذه العبارة الشهيرة التي ذكرناها في الجزء الأول: ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك. ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك.
معنى أن الاعتماد على الأسباب شرك مع ضرب مثال الرزق والمرض
كيف يعني [الاعتماد على الأسباب شرك]؟ أنا معتمد على الأسباب يعني الأسباب فاعلة مع الله سبحانه وتعالى؟ أبدًا. أذهب لآخذ المرتب فيُسرق مني، خلاص. أو جاء ها هو وأصبح في جيبي وبعد ذلك لا أجده في جيبي ولا أي شيء، أليس هذا كان رزقي؟ ها قد مُنعت منه ومن صرفه إلى آخره.
الإنسان المريض إذا لم يأخذ العلاج والدواء فهو جاهل ترك الأسباب، وإذا اعتبر أن الدواء هو الذي يخففه فهو مشرك؛ لأن هذا يعني أن الدواء هو الذي يشفي وليس الله هو الذي يشفي.
جميل، ولكن يشفي عند الدواء. الدواء جميل، الاثنين مع بعض.
سنن الله في الكون وقدرته على إيقافها كما في قصة إبراهيم وموسى عليهما السلام
خلق الكون هكذا ما شاء الله: يحدث الري عند الشرب، يحدث الشبع عند الأكل، يحدث الاحتراق عند ملامسة النار، ويحدث وهكذا ما شاء الله. لكن في نفس الوقت الله هو الفاعل.
نعم، بالله حاجة سهلة تمامًا: خلق الله تعالى خصائص في هذا الكون وجعلها تجري وجعلها سنة الله، وهو قادر على إيقافها.
ولذلك أوقف خاصية الإحراق للنار عندما أُلقي فيها إبراهيم عليه السلام. صحيح أن النار كانت موجودة، لكن سيدنا إبراهيم لم يحترق.
نعم، لقد أوقف الله كذلك الإغراق وجعل كل فِرق [من البحر] كالطود العظيم، وجعل البحر ممرًا لسيدنا موسى عليه السلام، وأنقذ سيدنا يونس من الحوت مثلًا، وهكذا.
النبي صلى الله عليه وسلم لبس درعين في أحد أخذاً بالأسباب رغم عصمته من القتل
إذن الاعتماد على الأسباب شرك، لكن ترك الأسباب ليس من سنة الأنبياء. النبي صلى الله عليه وسلم خالف بين درعين وهو محارب، والله يقول:
﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]
فلن يقدر أحد على قتلك، لكنه لبس درعين لكي يأخذ بأسباب الحماية وهو لا بدَّ هكذا.
نعم، جميل. وابن القمئة ضربه، لعنة الله عليه، لعنة الله، وجعل رباعيته [سنّه] تسقط. وابن القمئة هذا يعني أدمى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه معصوم من القتل؛ إذ لا أحد يستطيع قتله أبدًا.
استشهاد النبي صلى الله عليه وسلم بالسم الذي دسته اليهودية وأركان التوكل
وإن كان [النبي صلى الله عليه وسلم] قد مات شهيدًا صلى الله عليه وسلم بالسم الذي دسته اليهودية، لكن بعد سنتين، أي بعد مدة. وقال إنه قُطع أبهري (الشريان الأورطي)، يعني أتعبني السم، كان شديدًا جدًا.
وقد قارب أي أخذ شيئًا [من اللحم المسموم]، لا بل لم يبتلعه، لكن كان سمًا شديدًا جدًا، فأخبرته الذراع أنها مسمومة فتركها. وعاقب المرأة [اليهودية]؛ لأنه توفي صحابي، كذا صحابي توفي [بسبب أكله من ذلك اللحم].
فالمهم الحاصل أن الأركان كما قلنا هم هكذا [المعرفة بالله، وحال المتوكل، والعمل].
درجات التوكل الثلاث عند الغزالي العلاقة بالوكيل والأم والميت مع مغسله
لكن أيضًا التوكل له درجات، يعني كما تقول إنه مختلف في القوة والضعف حسب العلاقة. فالإمام الغزالي وهو يشبّه يقول لك:
الدرجة الأولى - أضعف درجة - هي مثل العلاقة بينك وبين الوكيل، عندما تذهب وتجعل شخصًا ترسله ليشتري لك شيئًا. العلاقة التي بينك وبينه هي فيها ثقة؛ لأنه سينزل وسيرى وما إلى ذلك، ولكن هذا الوكيل ليس من بقية عائلتك، أي ليس من بقية أقاربك، ليس ابنك، ليس أمك، ليس كذا إلى آخره.
العلاقة الحميمية التي تحتاج إلى زمن طويل، انظر إلى العلاقة بينك وبين والدتك، هذه علاقة عجيبة غريبة. أنتَ كنتَ في بطنها، فإذا هي سَهِرَت عليك وأنتَ طفلٌ صغيرٌ في الرعاية والعناية وما إلى آخره.
فهذه الدرجة الثانية التي أعلى منها، التي هي تكون في علاقةٍ بيني وبين الوكيل هذه درجة، العلاقة بيني وبين أمي درجة ثانية.
الفرق بين درجات التوكل الثلاث ودرجة الميت مع مغسله كأعلى مراتب التسليم
ما الفرق بين علاقتي مع وكيلي وعلاقتي مع أمي؟ العلاقة مع الوكيل درجة واحدة فقط، لكن العلاقة مع أمي أشد.
ما رأيك في الدرجة الثالثة وهي علاقة الميت مع مُغسِّله؟ علاقة الميت مع مُغسِّله تعني أن الذي يغسل الميت - بالله عليك - يفعل فيه ما يشاء، فهو حر. صحيح أن الميت ليست له إرادة على الإطلاق.
نعم، الإنسان في التوكل مع الله على هذه الدرجات الثلاثة. هذه الدرجات الثلاثة.
تطبيق درجات التوكل الثلاث في علاقة العبد بربه من الثقة إلى نفي الإرادة
نعم، فأنا يمكنني أن أتوكل على الله مثل ماذا؟ يا رب، أنت طبعًا أنا واثق فيك وأكرمني. أو يمكن يا رب، هذا، هذا أنت الذي خلقتني، هذا أنا كلي لك هكذا، الثانية.
إذن نفي الإرادة، مستسلم مثل الميت بين يدي المُغسِّل. ماذا سأفعل حقًا في الأرض أو في السماء؟ لا شأن لي، سبحانك أنت كل شيء في حياتي وكل شيء ليس لي شأن، أنا بين يديك.
كما أن - ولله المثل الأعلى - مثل الميت بين يدي مُغسِّله. يضرب الإمام الغزالي هذه الأمثلة من أجل التقريب: علاقة [الوكيل]، علاقة الأم، علاقة الميت بين يدي مغسله.
الفرق الدقيق بين التوكل والتواكل وأمر الله بالأخذ بالحذر مع التوكل عليه
[المذيع]: ماذا يا سيدنا؟ الملخص الذي يفرق للناس بين التوكل والتواكل؟
[الشيخ]: أيضًا الآن هناك شعرة رقيقة بين التوكل والتواكل، أناس لا تستطيع استيعابها. عندما يقول الله لي:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]
فهو يأمرني بالعمل وهو قادر على أن يحميني. صحيح، هذا سيكون توكلًا وهذا تواكلًا.
حديث اعقلها وتوكل ومثال الفلاح في الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله
عندما جاء أعرابي وقال لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]: تركت دابتي في الخارج ولم أقيدها بعقال.
قال صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل، اعقلها وتوكل»
يقول له: أنت فعلت هكذا لماذا؟ قال: توكلت على الله. قال: اعقلها وتوكل. تاركًا الدابة من غير رباط والتوكل على الله، من الممكن أن تُسرق أو تتوه فستمضي، وستمضي وحدها وتأخذ أمتعتك وتمضي، وبعد ذلك في تلك الساعة يبحث عنها في طرقات المدينة حقًا.
فقد قال له: اعقلها وتوكل، اعقلها وتوكل على الله. ما المعارضة في أنك تعمل وتقول: يا رب؟ إنه أفضل شيء.
المثال الذي ضربناه: الفلاح يلقي الحب ثم يدعو يقول: يا رب. نعم، وإنه لو لم يُلقِ الحب والبذور في الأرض، ما سيطلع زرع. صحيح أنه يخرج له زرع، يخرج له زرع صحيح. ولو جلس طوال الليل يدعو الله سبحانه وتعالى بأن ينزل المطر، فنزل المطر ولم تجد بذرًا في الأرض، فماذا تأمل؟ لن يُجدي الأمر شيئًا لو نزلت حقًا، فأين الحب الذي ستنبت؟
النبي صلى الله عليه وسلم كان يخزن قوت سنة لأهله ثم يتصدق منها
نعم، يعني هكذا كان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في حديث في الصحيحين يرويه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم.
نعم جميل، سيدنا عمر يعني النبي عليه الصلاة والسلام حاسب حسابًا، خَصَّصَ لأهله ميزانية سنوية، وكما نقول مخزونًا، كان يخزن لهم قوت سنة.
لكن هناك حديث آخر يقول أنه في تلك السنة بعدما خزَّن، كان يتصدق منها، يتصدق كلما سُئل. كان صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة لا يرد يد سائل. فكان صلى الله عليه وسلم بعد شهر، بعد نصف شهر [ينفد المخزون]، لكن المهم أن يأخذ كل سنة المخزون، يأخذ المخزون ويضعه لأهله، وبعد ذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم يمنع شيئًا منها.
مقولة أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب والفرق بين الإسراف ومقتضيات المقام
[المذيع]: حسنًا يا سيدنا، يعني إذا كانت الخلاصة للحلقة أو إذا قلنا التعبير الذي يقوله بعض الناس: أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، لماذا أنت خائف يا أخي؟ توكل على الله وأخرج كل ما معك في جيبك سيرزقك الله. هذا ليس من الأخذ بالأسباب؟
[الشيخ]: لأن الله قال إننا لا نسرف. الإسراف شيء، ومقتضيات القيام بالمقام شيء آخر. مقتضيات القيام، نعم.
قصة سيدنا عمر مع زوجته التي ادخرت درهماً وبيان مسؤولية الحاكم في الورع
يعني مثلًا عندما يأتي حاكم ويزهد في الدنيا ويزهد فيما في أيدي الناس ويحاسب نفسه حساب الملكين، كما فعل سيدنا عمر مع زوجته التي ادخرت، رضي الله تعالى عنها، شيئًا حتى تطلب منه الحلوى.
قالت له: أنا ادخرت درهمًا، فاذهب واشترِ لي به حلوى أو شيئًا حلوًا، شيئًا مثل الكعك أو ما شابه ذلك. ثم يقول لها: الله! لقد ادخرتِ! يصبح هذا زيادة على الاحتياجات، رده إلى بيت المال.
هذا هو المطلوب من أمثال الحكام. لو أن حكامنا استمعوا بأذن صاغية إلى هذه الدرجة، وأنهم يترفعون عن إدخال أموال الدولة في بيوتهم، ما كانت حصلت مشاكل.
الفرق بين ورع الحاكم وحال المواطن العادي وأهمية الحكمة في التعامل مع الله
لكن هذا ليس مطالبًا به المواطن العادي، يعني قد يكون في فُسحة قليلة. فأنا أريد أن أقول إنه حيثما أقامك الله، أين أقامك؟ أقامك في مقام المسؤولية، فلتكن على قدر هذه المسؤولية.
أنت حاكم مطاع، مهاب، صاحب سلطان، فتحمّل كما أقول لك: تحمّل يا عزيزي. نعم، لكن أنت رجل عادي معتاد، فلا آتي أنا وأقول أنا سأقلد سيدنا عمر وسأمنع زوجتي أن تأكل شيئًا حلوًا، هذا أصبح بخلًا.
أصبح لدينا خلاف في هذه الحالة. أما عندما تكون صاحب سلطة، فمن حقك التورع والورع؛ لأنك تأخذها من جهة أخرى، تأخذها من جهة أخرى.
فينبغي للإنسان أن يكون حكيمًا في تعامله مع الله سبحانه وتعالى، وأن يفهم هذه المسائل.
أهمية ذكر الله في انشراح الصدر وختام الحلقة بالدعاء والتوديع
وكل ذلك يأتي على فكرة بذكر الله ونعم بالله. يعني عندما قال سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:
«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
هو أن الله سبحانه يشرح صدرك إذا ذكرت الله كثيرًا.
[المذيع]: اللهم افتح على سيدنا وانفعنا بعلمه وزده علمًا. واسمحوا لي باسمكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور [علي جمعة]، على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة من برنامجكم إحياء علوم الدين.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
