برنامج إحياء علوم الدين | حـ 21 | الخوف | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 21 | أ.د علي جمعة

برنامج إحياء علوم الدين | حـ 21 | الخوف | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 21 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف
المذيع الأستاذ محمد مصطفى كامل: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حلقة جديدة من حلقات برنامجكم "إحياء علوم الدين" مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلاً ومرحباً بك يا مولانا. الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، المذيع: أهلاً يا سيدنا. لقد وصلنا يا مولانا للحلقة - ما شاء الله - رقم واحد وعشرين. سنتحدث عن مفتاح الخوف، ما حقيقة الخوف وما الأسباب التي قد تؤدي إلى زيادته أو نقصانه. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه كما قدمنا فإن الإمام الغزالي في كتابه الماتع إحياء علوم الدين في الربع الثالث وفي الربع الرابع
يتحدث عن المهلكات والمنجيات، والخوف من المنجيات من الصفات التي يرغب فيها الإنسان. والخوف قد يكون من الأكوان وقد يكون من الرحمن. أما الخوف الذي هو من الأكوان فله تعريف بأنه تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال، أي في المستقبل، المذيع: أي شيء قادم خطير. الشيخ: نعم، والخوف بهذا المعنى يمكن أن نطلق عليه أيضاً في اللغة - أي الخوف من الأكوان - نطلق عليه في اللغة الفزع، ونطلق عليه في اللغة الرعب. هكذا كلمة كهذه. تكون هي في الحقيقة عبارة عن ألم القلب لأن هناك مكروهاً سوف يصيبني الآن أو
بعد الآن يعني في المستقبل، كما قال تعالى: " لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا" [الكهف: ١٨]، فشكلهم مخيف. لكن هذه هي الكائنات، أي الكلب أو الكلاب الخاصة بأهل الكهف، أو الكلب الخاص بأهل الكهف ماذا تعني؟ نعم، مثلما حدث مع سيدنا موسى عندما رأى الثعبان "فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ" ‎[طه: ٦٧] قال الله لموسى: "لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ" ‎[طه: ٦٨]. هذا خوفٌ من الأكوان وهو أمرٌ طبيعيٌ، أي شيءٌ خلقه الله في الإنسان، حتى إنَّ الأنبياء بمكانة سيدنا موسى وسيدنا النبي المصطفى يشعرون به. أيضاً يمكن أن يُثبِت الله لهم الخوف بهذه الطريقة، وهو تألُّم القلب لتوقع أذى
أو لتوقع مكروه. أما الخوف من الرحمن فتلك قصة أخرى، لأن الخوف من الرحمن - كما أُشبِّهه - يحتوي على حب، هو خوف إيجابي، كإسفنجة ملأناها بالماء، فالإسفنجة هي الخوف. عندما تكون خالية من الحب، خالية من الماء، تصبح جافة، ولا تؤدي وظيفتها. لكن عندما نغمسها في الماء ونخرجها، تكون أدت وظيفتها. المذيع: قد أصبحت معها المياه لتؤدي وظيفتها، فنستطيع أن ننظف بها لاحقاً. الشيخ: نعم، وهنا في هذه الحالة، نسميها خشية. انظر إلى الفرق بين الرعب وبين الخشية جميل، " إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟" [فاطر: ٢٨]، هذه هي الخشية، وهي خوف مع حب، هكذا المذيع: الخشية تعني
خوفاً مع حب، الشيخ: مع حب خوف إيجابي، خوف يدفع إلى العمل، إلى التقوى، "وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ" [الرحمن: ‎٤٦] هل أنت منتبه؟ "وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ" [النازعات: ٤٠-٤١]. انظر إلى هذا الكلام، إنه خاف خوفاً فيه حب، فحرّكه هذا الخوف - خوف المحب - إلى التقوى، إلى وجه الله ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا أخوفكم لله" أخرجه البخاري، "أنا أخوفكم لله" خوفاً مع حب. النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مرعوباً من ربنا، لم يكن خائفاً، بل كان مطمئناً. لقد نزلت على قلبه الشريف السكينة والرحمات.
فهذا كما يقول ربنا سبحانه وتعالى: "هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" [الأعراف: ١٥٤] المذيع: "يرهبون". الشيخ: فالرهبة والهيبة والخوف والخشية في حق. الرحمن اختلطت بالحب والرجاء، وسنقوم بإعداد حلقة للرجاء منفردة هكذا، المذيع: إن شاء الله يا سيدنا. الشيخ: لكن من الأكوان خالية من الحب ولا شيء فيها، لكانت شيئًا مرعبًا وفيها خوف. ربنا سبحانه وتعالى يقول: "رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ"[المائدة: ١١٩]، "إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [آل عمران: ١٧٥]. انظر، المواجهة التي أريد أن أُبرزها هنا هي المواجهة بين الخوف من الأكوان التي منها الشيطان ووساوس الشيطان، وبين الخوف من الرحمن. فماذا
نفعل؟ لا، خُذ الخوف من الرحمن وليس الخوف من الشيطان. فهذا هو الذي سيُسبب الرضا، هو الذي سيؤدي إلى أن يرضى الله عنهم ورضوا عنه. المذيع: إذن يا سيدنا، الخائفون من الله سبحانه وتعالى، كما ذكرت فضيلتك لنا، وهي ما نسميها الخشية، ما هي مراتب الخوف من الله سبحانه وتعالى التي أوردها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين؟ الشيخ: دائماً نقول إن كل شيء له درجات متتالية، فلننظر مثلاً إلى قوله تعالى: "إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ*وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ*وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ*وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ"[المؤمنون: ٥٧-٦٠]‎ هذا الوجل أيضاً "أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ" [المؤمنون: ٦٠]
انتبه إلى أنك ذاهب إلى الله وراجع إليه، ففي القلب حب وتحب لقاءه وهكذا، ولكن أيضاً فيه هيبة، فهذا وجل للقلب هكذا. "أُو۟لَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَٰبِقُونَ" [‎المؤمنون: ٦١] إِذَن هَذِهِ أَنْوَاعُ الْخَوْفِ وَدَرَجَاتُهُ. فِي حَدِيثٍ يَقُولُ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقُلْتُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَزْنُونَ وَيَسْرِقُونَ؟ فَقَالَ: "لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَخَافُونَ أَلَّا يُتَقَبَّلَ منهم أولئك يسارعون في الخيرات". فالطاعة تجلب طاعة، والحلاوة تجلب حلاوة، والخوف بمحبة هذا يُنتج
عملاً ويدفع إلى العمل. والنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول الإمام الغزالي "أن رجلاً حضره الموت، فلما صار يائساً من الحياة أوصى أهله: "إذا أنا مت فاجمعوا لي حطباً كثيراً وأوقدوا فيه نارٌ حتى إذا أكلت لحمي ووصلت إلى عظمي فخذوه واطحنوه ثم ذروه في البحر". ففعلوا المذيع: ذلك خوفاً من الله سبحانه وتعالى. الشيخ: نعم، يقول حتى لا يقدر الله سبحانه وتعالى أن يجمعني، وأيضاً شكك في قدرة الله، لكن المهم أنه خائف، فجمعه الله فقال له: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يا الله فغفر الله له، انظر إلى الجمال، انظر إلى الجمال، الله جميل المذيع: فغفر الله له، الشيخ: نعم فغفر الله له، فالحقيقة
أن الأحمق كما ورد في الأثر هو من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. المذيع: أنا بعد إذنك يا سيدنا سأضرب مثالاً لأقرب المعنى للمشاهدين بالنسبة للفرق بين الخوف والخشية: لو شخص ذاكر جيداً ودخل الامتحان لديه خشية أنه لا يحصل على التقدير الأعلى، أما الذي لم يذاكر فهو خائف من الدخول لأنه يعلم أنه سيرسب. هل هذا التشبيه صحيح؟ الشيخ: إذا تتبعنا مواطن الخوف والخشية والرعب والفزع في القرآن الكريم سنجد هذا التقسيم، أن الفزع والرعب يتحدث عن خوف الأكوان، والخوف والخشية والوجل يتحدث عن أمرين: إما أن يكون خوف الأكوان وإما أن يكون خوف الرحمن. المذيع: سنعرف التفاصيل يا مولانا في الفاصل
الثاني من الحلقة فاصل ثم نعود اليكم فاصل ثم نواصل السلام عليكم ورحمة الله و بركاته عدنا اليكم من الفاصل الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم "إحياء علوم الدين" مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا، حلقة اليوم عن الخوف في قول مأثور يقولون: "من خاف سلم". نريد من فضيلتكم أن توضحوا لنا الفرق بين الخوف والخشية والفزع والرعب. الشيخ: كما قدمنا في الجزء الأول بأن هناك خوفاً متعلقاً بالأكوان، وهذه الأكوان هي عوالم مختلفة: في عالم الأشياء، وفي عالم الأشخاص، وفي عالم الأحداث، وفي عالم
الأفكار، والإنسان قد يتألم قلبه ويخاف من الأذى من أي شيء من هؤلاء؛ يخاف من الأسد المفترس، يخاف من الكلب، يخاف من الأشياء، المذيع: من النار مثلاً تحرق، الشيخ: من النار من كذا، يخاف من الأشخاص لئلا يؤذوه وكذا، يخاف من الأحداث، من الزلزال، من المطر، من الأحداث الكونية والكوارث الكونية حتى أنه. يخاف من الأفكار حتى أن هذه الأفكار ستؤدي به إلى الطريق غير الصحيح أو الطريق المظلم أو نحو ذلك إلى آخره. الخوف من الأكوان يجب على المستمع الكريم أن يفرق بين الاثنين: المذيع: الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن. الخوف من الأكوان شيء والخوف من الرحمن عز وجل شيء آخر، الشيخ: شيء مختلف تماماً يجب أن يترسخ في ذهنه هذا الفرق لأن الخوف
من الأكوان هذا يمكن أن نسميه رعباً. قال تعالى: "سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟" [آل عمران: ١٥١]. إذن يوجد رعب في قلوبهم، وهذا الرعب ليس إيجابياً، بل هو سلبي. هذا الرعب سيؤدي إلى الهرب، المذيع: سيؤدي إلى الهرب الشيخ: أما الخوف من الرحمن فسيؤدي إلى الطلب. المذيع: الله هذا هرب وهذا طلب. الشيخ: انظر كيف! هنا عندما ألقى "فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟" بسبب شركهم وعقاباً لهم، ولوا مدبرين. لن يقفوا أمام المجاهدين والمؤمنين، لن ينتصروا. لكن الخوف من الرحمن شيءٌ آخر تماماً. الخوف من الرحمن شيء إيجابي يدعوك إلى العمل، إلى
ترك المنكرات وفعل الطاعات. ترك المنكرات عمل أيضاً، هو ترك نعم، لكنه نوع من أنواع حبس النفس، وهذا الحبس عمل. وفعل الطاعات أيضاً عمل لأنك ستؤدي ما عليك فرضاً أو نفلاً أو تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. انظر "لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ" [الأنبياء: ١٠٣] انظر. ربنا هو يسأل عن الفزع، نعم، هذا الفزع متعلق بالأكوان أيضاً. "مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ" [النمل: ‎٨٩]. "وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ". انظر عندما يحكي لنا عن سيدنا داود عليه الصلاة والسلام "إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ" [ص: ٢٢] من أشخاص داخلين. يتسورون
المحراب وأمامه الله، "قَالُوا۟ لَا تَخَفْ" [ص: ٢٢] فيكون إذن الخوف هذا كلمة عامة قد تكون رعباً وقد تكون فزعاً وقد تكون خشية وقد تكون حباً، يعني هي كلمة عامة تطلق على هذه الحالة، لكن هذه الحالة منها السلبي ومنها الإيجابي، منها ما يتعلق بالأكوان ومنها ما يتعلق بالرحمن. انظر. ربُّنا سبحانه وتعالى يقول: "وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ" [الأحزاب: ٣٧]. أي أنه يوجد خشية الناس التي هي خشية الأكوان، التي هي خشية الأشخاص وهي مكوِّن من مكونات الأكوان، وهناك خشية الرحمن. "وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ"، "فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ" [المائدة: ٤٤]. دعوا عنكم حكاية خوف الأكوان هذه، فهذا طبعٌ، ولكن ربنا سبحانه يهذب هذا الطبع، غلب خشية الرحمن على خشية
الأكوان، "إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰٓ" [النازعات: ٢٦]. لمن يخشى الله، وهذه ناحية إيجابية. "إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ" [فاطر: ١٨]، وهذه أيضاً ناحية إيجابية. يقول الله تعالى: "كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ" [الزمر: ٢٣]، خشية الله تسبب الشفافية وتسبب رقة القلب، وتسبب أن العلاقة بين العبد وربه عندما توصف بالخشية تؤدي إلى الطلب لا إلى الهرب، المذيع: إلى الطلب لا إلى الهرب، وهذا أمر جميل. الشيخ: فتصبح إذن أمامنا الخريطة واضحة: هناك خوف من الأكوان وهو أمر سلبي يؤدي إلى الهرب، وهناك خوف من الرحمن وهو أمر إيجابي وهو مُشبَع بالحب يؤدي إلى الطلب ويؤدي في النهاية
بعد الطلب إلى الكرم إلى الإكرام، " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ" [‎الرحمن: ٤٦] المذيع: ليست جنة واحدة، الشيخ: لا، ليست جنة واحدة، بل جنتان. "وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ" [النازعات: ٤٠-٤١]‎. "قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [الأنعام: ‎١٥]، فأنا خائف. وما شكل هذا الخوف؟ لأنني أحبه كثيراً، أحبه كثيراً. ولذلك هذا يجيب على تساؤلات بعض الناس، بعضهم وهم يسألوننا، خاصة غير المسلمين، وهم كذلك مصدودون عن الإسلام. يقول لك: هل العلاقة التي بينكم وبين ربكم مبنية على الرعب والفزع؟ فأقول له: لا، ليست كذلك. كيف يمكن ذلك؟ نحن لسنا هكذا، بل نحبه كثيراً المذيع: ونعم بالله، الشيخ: ولدينا طمع في وجهه ورجاء في
عفوه وهيبة بالطبع لأنه ربنا، إنه خالق السماوات والأرض. فالحقيقة أن لدي هذا المعنى، وهذا المعنى ليس من اختراع عقولنا الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين ونحن نرد. على هؤلاء، لا، هذا كلام فهمه سيدنا عمر، فهمته الصحابة. سيدنا عمر ينصح أصحابه فيقول: "شاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل". المذيع: وانتبه أن تأتي لتعمل مشورة يكون الشخص يخشى ربنا سبحانه وتعالى. يخاف من ربنا كما يقولون في البلد. الشيخ: سيدنا ابن مسعود{الصحابي عبد الله بن مسعود} وهو يناجي ربه قائلاً: "خائفاً مستجيراً تائباً مستغفراً راغباً راهباً"، المذيع: راغباً راهباً.
الشيخ: هذا يفهمونه هم، هذا فاهم الآن أن الرهبة والخوف من الله مشبع بالحب، تائباً مستغفراً راغباً راهباً. الله! الترغيب الترهيب يجمعهم مع بعضهم، وهذان وجهان لعملة واحدة، المذيع: الخوف والرجاء في نفس الوقت. الشيخ: هؤلاء الصحابة، فلنأخذ مثلاً واحداً مثل ذي النون المصري{ أحد علماء المسلمين في القرن الثالث الهجري ومن المحدثين الفقهاء}. انظر إلى دعوته: "اللهم إليك تقصد رغبتي، وإياك أسأل حاجتي، ومنك أرجو نجاح طلبتي، وبيدك مفاتيح مسألتي، لا أسأل الخير إلا منك، ولا أرجوه من غيرك، ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك". يفهم الإمام الغزالي هذا المعنى.
فيقول في كتابه الإحياء أن الرجاء والخوف جناحان، انظر إلى هذا التشبيه الرائع. أنا أقول إنهما كالإسفنجة والماء، أو كوجهي العملة الواحدة. وهو يقول إنهما جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود. بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، وهما مطيتان أو فرسان التي تركبها لكي تصل. بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة شديدة، انتبه جيداً، انظر إلى ذي النون المصري متى كان، وبعده الإمام الغزالي، وقبله الإمام الشافعي. الإمام الشافعي رحمه الله ورضي الله تعالى عنه ينشد فيقول:
"فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما، تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظم"، انظر إلى هذين البيتين. لنقرأهما مرة أخرى، لعل الناس تحب أن تكتبهما هكذا: "فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي، جعلت الرجاء مني لعفوك سُلَّماً". سُلَّماً مثل السلم تماماً. "تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما". رأى ذنبه عظيماً جداً. وأحاط به فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظمه. آه، لا، هذا خائف مُحب المذيع: هي هذه يا سيدنا رمانة الميزان الذي بين الخوف والرجاء. الشيخ: هذا هو. المذيع: نستكمل الحلقة القادمة ونجعلها عن الرجاء لكي نربط الاثنين ببعضهما الشيخ: إن شاء الله. إن شاء الله المذيع: الوقت مع فضيلتكم يمضي. سريعاً،
اسمحوا لي باسم حضراتكم قبل أن نختم هذه الحلقة أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، على وعدٍ باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم "إحياء علوم الدين". فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.