برنامج إحياء علوم الدين | حـ 23 | الإخلاص | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 23 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ 23 | الإخلاص | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 23 | أ.د علي جمعة

23 دقيقة
  • النية هي العزم المؤكد في اللغة، وتمر بخمس مراتب: الهاجس والذكر والخاطر وحديث النفس ثم العزم المؤكد.
  • تحتل النية مكانة عظيمة في الإسلام، وقد جعل البخاري حديث "إنما الأعمال بالنيات" أول حديث في صحيحه.
  • الإخلاص هو النية الخالصة لله التي لا يشوبها شيء، وهو التوحيد والتفريد.
  • سميت سورة الإخلاص بهذا الاسم لأنها تتضمن توحيد الله ونفي الشرك والمثلية.
  • تدخل النية في سبعين باباً من أبواب الفقه، مما يدل على أهميتها في العبادات والمعاملات.
  • تنقسم الأعمال إلى: عبادة محضة، ودنيا محضة، ومركب بينهما.
  • يجوز الجمع بين نية العبادة ونية دنيوية متعلقة بها، ما دامت لا تبطل العبادة.
  • التشريك في النية هو أن ينوي الإنسان بعمل واحد أكثر من عبادة، كمن صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وصلاة الضحى معاً.
  • الإخلاص هو توجيه النية أو النيات لله وحده، وليس مجرد تفريد النية.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال عن معنى النية وأقسام الأعمال بحسبها

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: الحلقة اليوم يا سيدنا نريد أن نتحدث فيها عن الإخلاص، فربما كثير من الناس لو سألناهم ما معنى الإخلاص سيقولون أن أُخلِص النية لله سبحانه وتعالى. ففي البداية نريد أن نعرف: ما هي النية، وهل النية أو الأعمال تُقسَم حسب النية إلى أقسام؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. النية هي العزم المؤكد في اللغة، وهي مرتبة من خمس مراتب تُسمى بمراتب القصد.

مراتب القصد الخمس من الهاجس إلى العزم المؤكد

فالإنسان عندما يفكر في شيء حتى يتهيأ إلى العمل يمر بخمس مراحل، إن صح التعبير:

مَرَاتِبُ الْقَصْدِ خَمْسٌ: هَاجِسٌ ذَكَرُوا * فَخَاطِرٌ فَحَدِيثُ النَّفْسِ فَاسْتَمِعَ، يَلِيهِ هَمٌّ فَعَزْمٌ كُلُّهَا رُفِعَتْ * سِوَى الْأَخِيرِ فَفِيهِ الأَخْذُ قَدْ وَقَعَ

وإذا نظرنا إلى هؤلاء الخمسة نجد أن الهاجس هو الشيء الذي يأتي إلى ذهنك هكذا.

[المذيع]: وتخطر على بالك.

[الشيخ]: ويذهب [هذا الشيء]، مثلًا ركعتان، أنت فكرت في صلاة ركعتين، الهاجس أنها تذهب هكذا. فإذا توقفت هذه الفكرة (أنك تصلي ركعتين)، فهذا خاطر.

[المذيع]: إذن الخاطر غير الهاجس.

[الشيخ]: الخاطر أشد؛ فالهاجس جاء ومضى (صورة عابرة)، والثانية صورة مستقرة.

حديث النفس والهمّ والعزم المؤكد الذي هو النية

وبعد ذلك حدّثت نفسك: هل سأقوم لأصلي ركعتين أم لا؟ والحقيقة أن هناك شخصًا قادمًا إليّ وعندي موعد، ولكني سأضطر أن أقوم لأتوضأ، فلا داعي الآن. فترد على نفسك: لا، بل قم الآن حتى لا تكسل، أي أنك تسترسل الحديث مع نفسك.

ثم مال قلبك إلى أن تقوم لتصلي، فأصبحت بنسبة ستين في المائة أو سبعين في المائة أريد أن أقوم لأصلي الركعتين. فإذا نويت أي عزمت عزمًا مؤكدًا.

[المذيع]: أي أنني سأقوم بالفعل.

[الشيخ]: هذه رقم خمسة [وهي النية].

فضل النية في الشريعة وحديث إنما الأعمال بالنيات عند البخاري

النية لها فضل كبير جدًا في الشريعة، ونبّهنا على هذا الفضل الإمام البخاري رضي الله تعالى عنه، ولذلك جعل حديث الأعمال بالنيات أول حديث في صحيحه، وسنتحدث عنه الآن.

ولكن بعدما نوضح النية، تكلّم القرآن كيف شكلها. ففي القرآن عندما نستمع مثلًا للآية:

﴿وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52]

[المذيع]: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» هذه هي النية.

﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [الأنعام: 52]

النية الصالحة ومكانة أصحابها في القرآن وتفسير سيدنا عمر لآية الحكمين

[الشيخ]: فربنا سبحانه وتعالى وجّه إلى النبي هذا النداء بأن هؤلاء الناس دخلوا في نية صالحة، وأن هذه النية الصالحة جعلتهم بهذه المكانة العالية التي يُؤمَر فيها سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم باحتوائهم وبضمّهم وبعدم طردهم.

وكذلك فيما يخص الحكمين الذين نبعثهم للإصلاح بين الزوجين:

﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ [النساء: 35]

نعم، وكان سيدنا عمر يجعل الضمير في الآية يعود إلى الحكمين، وليس إلى الزوج والزوجة. فكان يرسل الحكمين، فإذا لم يستطيعوا الإصلاح بين الزوج والزوجة، كان يوبّخهم قليلًا أو يشدّد عليهم في الكلام، وربما يقوم عليهم بالضرب أو ما شابه.

محاسبة سيدنا عمر للحكمين على إخلاص النية في الإصلاح بين الزوجين

فيقولون له: لماذا تفعل ذلك؟ وما شأننا نحن؟ فلقد ذهبنا حقًا. فيقول لهم: لا، لأن «إِن يُرِيدَا» المقصود بهم أنتم، «إِن يُرِيدَا» وهم أنتم (الحكمان) «إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ»، فما دمتم لم يوفّقكم الله، فأنتم لم تريدوا إصلاحًا؟

[المذيع]: فأنتم بذلك عندكم مشكلة في نيتكم.

[الشيخ]: لا بد أن تُخلِصوا النية. فهذه تربية فيها بعض من الشدة والحزم، قليل من شدة، لكنها لها فَهَم. فالإنسان وهو حَكَم يجب أن يدعو الله ويلتجئ إليه لكي يُصلح بين الزوجين حتى لا يتخرّب البيت، وهو لو فعل ذلك فقط فإن الله يوفّق أيضًا.

تفسير آية بعث الحكمين وأهمية إخلاص النية في تحقيق الصلح

فهذا معناه يا سيدنا، بعد إذنك:

﴿فَٱبْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ [النساء: 35]

فلو قلنا أن «إِن يُرِيدَا» تعود على الزوج والزوجة نجد الحكم يقول: أنا ليس لي شأن [أي: لا أُزكّي نفسي وأضمن الخاتمة].

[الشيخ]: نعم، فيقول [الحكم]: ليس لي شأن.

[المذيع]: سواء تصالحوا أم لا، فهذا لا يهمني. إنما سيدنا عمر أوضح لنا أنه لو كانت الإرادة صادرة من الحكمين فمن المؤكد أن يحدث الصلح.

[الشيخ]: نعم، وكان يحاسبهم على ذلك، عليهم بألا يعودوا إليه إلا والأسرة...

[المذيع]: قد جُمِع شملها.

حديث إنما الأعمال بالنيات ومكانته عند البخاري والنووي

[الشيخ]: فهذا الكلام الرقيق الجميل ما زلنا نستطيع أن نؤديه. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»

وعندما جعله البخاري أول حديث، والنووي جعله أول حديث في الأربعين النووية، وجعله أول حديث في رياض الصالحين، وأصبح [هذا الحديث] هو مدخل القضية، حتى قال الإمام السيوطي أن النية نجدها في سبعين بابًا من أبواب الفقه.

النية موجودة في سبعين بابًا من أبواب الفقه وأحكامها لا تُعدّ

فأبواب الفقه تبلغ حوالي ثمانين بابًا، ونجد النية في سبعين منهم. فهي موجودة في:

  • الوضوء
  • الصلاة
  • الزكاة
  • الصيام
  • الحج
  • الكفارات
  • المعاملات
  • الأنكحة
  • القضاء
  • الشهادة

موجودة في كل شيء، ولها أحكام وأحكامها كثيرة؛ فهي في سبعين بابًا، فكم حكمًا لها إذن؟ هذا شيء...

[المذيع]: كثير جدًا.

[الشيخ]: لا يُعَدّ.

معنى الإخلاص وحقيقته بوصفه النية الصافية الخالصة لله

[المذيع]: بعد إذنك يا سيدنا، ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَآ أُمِرُوٓا إِلَّا لِيَعْبُدُوا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]

[الشيخ]: هذا هو الإخلاص.

[المذيع]: نحن تحدثنا عن النية، ونريد أن نعرف: ما هو الإخلاص، ما معناه وكيف نصل إليه؟

[الشيخ]: الإخلاص هو النية التي لا يشوبها شيء، أي: النية الصافية؛ لأن الشيء الصافي مثل اللبن الصافي -مثلما يقول الله:

﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ [النحل: 66]

فالخالص هو الذي ليس فيه تراب، وليس فيه كدورة، وليس فيه حتى الهبابة (شيء بسيط)، بل هو خالصًا.

[المذيع]: خالص على البياض [أي: في تمام النقاء والصفاء].

الإخلاص يعني توحيد الله وتنزيهه عن الشرك في النية

[الشيخ]: فالإخلاص معناه أنه ليس فيه شرك، نية خالصة لله يعني متوجهة لله وحده منفردًا عن أي شيء. ولذلك قال سبحانه:

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، أنا أغنى الشركاء عن الشرك»

[المذيع]: جلّ جلاله.

[الشيخ]: سبحانه، أغنى الشركاء عن الشرك، أي: لست محتاجًا إليك ولست محتاجًا إلى أن تُشرك فيه. يعني هل سينازعني أحد؟ خذه واذهب إليه أنت وحدك، وأنا لا أريدك لأنك أنت الذي تحتاج إليّ ولست هو الذي أحتاج إليك. الله لا يحتاج إلى أحد.

[المذيع]: سبحانه وتعالى.

[الشيخ]: نحن الذين نحتاج إليه سبحانه وتعالى.

الإخلاص هو التوحيد وإخلاء القلب من السوى وعلاقته بسورة الإخلاص

فالإخلاص معناه التوحيد، التفريد، الشيء الخالص من أي وجه غير وجه الله، أي من السوى. والسوى ما سوى الله. قال لك: أن تُخلي القلب من السوى، افتح قلبك تجد فيه الله فقط. الله طيب، للأكوان أو الدنيا أو الأشخاص الذين حولك أو الشهوات فهو ليس فيه إلا الله.

[المذيع]: لا إله إلا الله.

[الشيخ]: ولذلك تجد الشاذلية عندما يريدون أن ينبّهوا قومًا يذكروا لفظ الجلالة، يقصدون بذلك أنه ليس هناك إلا الاسم المفرد هذا هكذا.

[المذيع]: الله.

[الشيخ]: فيقول «الله» أي كأنه خارج من قلبه، أي كأنه يذكّر نفسه بالإخلاص.

كلمة التوحيد هي كلمة الإخلاص وسورة الإخلاص تجسّد معنى التوحيد

نعم، لا. وكلمة التوحيد هي كلمة الإخلاص، وكلمة التوحيد تقول ماذا؟ لا إله إلا الله، يعني لا يوجد إلا الله، لا يوجد غيره، فيكون هو هذا الإخلاص.

سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اسمها سورة الإخلاص. لماذا؟ قال:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]

ليس لديه آخر، ليس لديه شريك.

﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2]

الذي يُتوجَّه إليه وحده بالدعاء. الصمد يعني اصمُد إليه، أي توجّه إليه. الله الذي يُتوجَّه إليه وحده بالدعاء.

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]

نفى المثلية والمساواة بينه وبين أي أحد، كل أحد. إذن هذا هو الإخلاص، فسُمّيت سورة الإخلاص.

سؤال عن دخول القصد الدنيوي على العبادة وهل يفسد الإخلاص

[المذيع]: طيب هنا يا سيدنا، لو افترضنا أن هناك قصدًا دنيويًا دخل على العمل، يعني تشبيهًا سريعًا: لو أنني أصوم أنا شخصيًا مثلًا أصوم تطوعًا الاثنين والخميس، وفي الوقت ذاته لكي أخسر وزنًا، فهل في هذه الحالة يكون الإخلاص قد فُقِد؟ ونريد أن نعرف يا سيدنا الإجابة بعد الفاصل. بعد إذن فضيلتك، تفضل حضرتك، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، فاصل ثم نواصل.

العودة من الفاصل وإعادة طرح سؤال الجمع بين النية الدنيوية والعبادة

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، وحلقة اليوم عن الإخلاص.

سيدنا، ونحن خارجون كان هناك سؤال ورد على ذهني: أنا لو أريد أن أعمل الريجيم وفي نفس الوقت أصوم لكي آخذ ثوابًا، أو كما يُقال أنا أجاهد في سبيل الله والوطن، هل هذا يُفسد الإخلاص يا سيدنا؟ أم يمكنني أن أجمع نية دنيوية مع نية العبادة؟

أقسام الأعمال بين العبادة المحضة والدنيا المحضة والمنطقة الوسطى

[الشيخ]: فالعبادة فيها أيضًا جزء من الدنيا، فيها جزء من الدنيا. جميل، وهناك ما يسمونه الدنيا المحضة، نعم، وهناك دنيا تعني مرحلة وسيطة بين العبادة المحضة والدنيا المحضة.

يعني دعنا نقول أن في عبادة محضة وفي دنيا محضة وفي عبادة مركّبة على الدنيا ودنيا مركّبة على العبادة. جميل، يعني أصبحت ثلاثة أجزاء: عبادة فقط، ودنيا فقط، واثنين معًا. أبيض وأسود ورمادي.

ما شاء الله، إذا أردنا أن نحفظ، هيا نضرب الأمثلة ونرى:

مثال الوضوء للتعليم كعبادة مركبة على الدنيا وارتفاع الحدث بها

أنا أتوضأ، هذه عبادة محضة. صحيح، ولكن لأن هذه عبادة محضة، أُعلّم ابني كيف يتوضأ. هل تعليم الابن الوضوء ليس عبادة أيضًا؟ نعم، هو نوع من أنواع العبادة.

صحيح أنني أريد أن أُعلّمه، لكنني أُعلّمه شيئًا في الدين وأُعلّمه شيئًا لأنه صغير، عمره سبع سنوات. لكن أنا أُعلّمه هكذا لكي يتعوّد ولكي يفهم ولأجل كذا إلى آخره.

أنا الآن الحدث الذي كان عليّ قد ارتفع، فهل يصح لي أن أذهب للصلاة أم أن هذا كان تمثيلًا فقط؟ قالوا: لا، يصح لك أن تصلي بالرغم من أنني توضأت فقط لأُعلّمه. نعم، لكن خلاص قد توضأت ورفعت الحدث. فالتعليم هنا هو جزء من هذه الحكاية.

مثال الدعاء بالرزق في الصلاة والفرق بين المقبول والمبطل لها

ما شاء الله، أنا أسجد وأدعو هذا الدعاء. الدعاء عبادة محضة، الدعاء هو العبادة، هذا في الحديث هكذا. فأقول: يا رب ارزقني. الله، حسنًا، «ارزقني» هذه خاصة بالدنيا. نعم، يا رب اغفر لي، لا بأس، يا رب أدخلني الجنة في الآخرة، لكن «ارزقني»، نعم تصلح.

فيكون المرحلة الرمادية هذه تنفع على فكرة، الأبيض والرمادي كلهم نافعون.

طيب، افترض دخلت وقلت له: يا رب ارزقني اليوم نصف كيلو كباب من عند الكبابجي الفلاني! آه، إنك تلعب الآن، هذا يُبطل الصلاة، يُبطل الصلاة لأنه كلام دنيوي.

الفرق بين دعاء ارزقني العام ودعاء الدنيا المحض الذي يبطل الصلاة

نعم، طيب ما الفرق بين «ارزقني» و«ارزقني نصف كيلو كباب من عند فلان»؟ انظر، انظر الفرق! أي «ارزقني» هذه، فهو يمكن أن يرزقه التقوى، يمكن أن يرزقه الصبر، يمكن أن يرزقه الهداية، يمكن أن يرزقه المادة، يمكن أن يرزقه نصف كيلو كباب من عند فلان.

لكن انظر الفرق بينهما، هذا ما يسمونه الدنيا المحضة الذي يكرّ على الأعمال بالبطلان؛ لأنه:

﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]

أي لا يصح أن تصلي وتقول هذا الكلام، فهذا لا يُعَدّ إخلاصًا.

حكم قول في سبيل الله والوطن وأدب التعبير مع الله تعالى

[المذيع]: المثال الذي ضربته يقول «من أجل الله والوطن»، هنا ماذا تقصد؟

[الشيخ]: هنا سنرجع إلى النية لنرى: هل هو من قبيل الدنيا المحضة أم من قبيل أنك تقصد حماية الأوطان، يعني تقصد أن تكون الأوطان مستقرة، أتقصد الأمن الذي هو من شروط الإيمان؟

طيب، إذن يجب أن تقول: الله ثم الوطن يا أخي. نعم، دعنا نتجنب واو العطف هذه. فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال له أحدهم: ما شاء الله وشئت، قال له:

قال النبي ﷺ: «لا، جعلتني لله ندًّا، قل ما شاء الله ثم شئت»

فأصبحت المسائل واضحة.

الفرق بين اعتراض الإنكار واعتراض التعليم في تحسين العبارة

هناك فرق بين ما نطق به اللسان وبين ما اعتقده القلب. ما شاء الله، نعم! فأنا لا أعترض عليها اعتراض الإنكار، وإنما أعترض عليها اعتراض التعليم. نعم، نقول له: لا، قُل أحسن، نحسّن العبارة، نحسّن العبارة.

نعم، جميل. حسنًا، «توكلنا على الله عليك»، نعم، لا، ليس هكذا، قُل: توكلنا على الله ثم عليك، ثم عليك. جميل، نعم.

فهذا أدب، هذا شيءٌ مثل تحرير العبارة، شيءٌ مثل أننا نزيد علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى.

أمر الله بالإخلاص في القرآن وكتاب الدين الخالص للشيخ محمود خطاب السبكي

ربنا عندما أمرنا:

﴿وَمَآ أُمِرُوٓا إِلَّا لِيَعْبُدُوا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]

وربنا قال:

﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]

ولذلك لمّا سيدنا الشيخ محمود خطاب السبكي ألّف كتابه الماتع في الفقه وكان مالكيًا وكان أستاذًا في الأزهر، سمّاه [الدين الخالص]. ما شاء الله، «الدين الخالص» يعني أنه هو خلاصة القضية.

آية فمن كان يرجو لقاء ربه وحكم خلط العمل الدنيوي بالعبادي

فربنا يقول:

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِٓ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]

أحدًا، فهذا هو الإخلاص. وقضية خلط العمل الدنيوي بالعمل العبادي مقبولة في النطاق الوسط الذي فيه الاثنان متلازمان، كما يقولون. نعم، ولكنها غير مقبولة إذا لم تكن محضة، وإذا كانت تعود عليها بالبطلان.

[المذيع]: هل هذا يا سيدنا لأجل ذلك في بعض [الأحيان] يحدث لدى الناس التباس في موضوع أنني مثلًا مسافر لأداء الحج وسأعمل في نفس الوقت بأن أقود حافلة وأؤدي الحج؟ يقول لك: لا، أنت ذاهب بنية أن تعمل سائقًا وهذا لا يصح.

[الشيخ]: يجوز، يجوز. ولذلك كل هذا يحتاج إلى الفقه، يحتاج إلى الفقه.

مسألة التشريك في النية بين الفريضة والنافلة كتحية المسجد مع صلاة الظهر

[المذيع]: نعم، طيب أنا الآن في مسألة يسأل عنها كثير من الناس في الفقه وإن كانت تشبه التي نحن فيها، ليست هي التي نحن فيها، اسمها التشريك.

[الشيخ]: التشريك، التشريك. أي التشريك هو أنني دخلت المسجد فصليت الظهر، فسقطت عني تحية المسجد التي هي ركعتان. هذه حلّت محل هذه.

أي قام بعض الأئمة وقال لك: لا، إنك أخذت يعني فضيلة أنك تواجه المسجد بصلاة. أنت فعلًا واجهت المسجد بصلاة، فستأخذ أجر الظهر زائدًا أجر ركعتين إضافيتين للسنة.

مثال قضاء رمضان في شوال والجمع بين نية القضاء وصيام الست من شوال

امرأة عليها أيام من رمضان، أو رجل عليه أيام من رمضان؛ لأن المرأة تفطر أثناء الحيض. نعم، فعليها أيام من رمضان فقضتها في شوال. هي عليها ستة أيام فذهبت وقضتها في شوال بالذات. قم لتأخذ الأجرين.

هي النية، هي النية. تنفرد بالقضاء فقط، يعني تقول: يا ربي، أنا غدًا سأقضي رمضان فقط وتسكت. وتجد في حسابها يوم القيامة أنها حُسب لها قضاء رمضان، الحمد لله، وحُسب لها صيام في شوال.

ما شاء الله، من أين تأتي هذه النتيجة؟ لأنها اختارت شوال واختارت منه ستة أيام حتى يصدق عليها أنها صامت ستًّا من شوال.

حديث من صام رمضان وأتبعه بست من شوال وعدم اشتراط نية النفل مع الفرض

ما شاء الله، لأنها كان يمكنها أن تصومهم في أي شهر آخر، في ذي القعدة أو في ذي الحجة أو في غيرهما. ولكن لماذا هي اختارت شوال؟ لأن سيدنا رسول الله قال:

قال النبي ﷺ: «من صام رمضان وأتبعه بستٍّ من شوال فكأنما صام الدهر»

ما قال: اتبعهم فرضًا أو نفلًا. نعم، فكأنما صام الدهر. هذه السيدة [يمكنها] أن تفعل هكذا، فتأخذ الثواب من غير نية ولا شيء [إضافي]. فهذا يسمونه التشريك.

تعدد النيات في الركعتين الواحدة بين تحية المسجد والضحى والاستخارة

والتشريك هذا يعني أنني جئت لأصلي ركعتين تحية المسجد، فأشركت معهما صلاة الضحى، وأشركت مع هاتين الركعتين أن تكونا استخارة، فأشركت معهما أنهم يكونون استسقاءً، سأدعو بعدها بالسقيا. ذهبت مُشارِكًا معهم نية هكذا خمسة وهي قضاء الحاجة.

[المذيع]: هل ينفع؟

[الشيخ]: نعم ينفع. يعني مثل كلمة التشريك يا مولانا، أنه كما يقولون أصبحوا شريكين. ركّب النية، ركّب النية اثنين على بعض، أصبحوا شركاء على نية على نية على نية على نية. ما شاء الله، وكل هذا جائز ما دام في حدود أنها نافلة وأنه يؤديها ويأخذ عليهم كل نية، يأخذ عليها أجرها وثوابها. فضل الله واسع.

الإخلاص هو توحيد الله بالقصد والفرق بين تعدد النيات والإخلاص

فنحن أمام رب كريم. والإخلاص معناه توحيد الله بالقصد، يعني أنا أقصد بهاتين الركعتين مَن؟ الله ونعم بالله، واحد لا شريك له.

نعم، يكون في الإخلاص يعني أن هناك فرقًا بين تعدد النية التي يسمونها التشريك وبين الإخلاص. فلا يأتيني أحد ويقول لي: أنت هكذا جمعت بين نيتين فلا يوجد إخلاص. لا، ليس تفريد النية هو الإخلاص، بل الإخلاص هو توجيه النية أو النيات لله رب العالمين.

كتاب المدخل لابن الحاج وبيان سبعين نية عند الذهاب إلى المسجد

ما شاء الله، هناك شخص اسمه ابن الحاج كان رجلًا من المغرب، وهو رجل من الأتقياء، ألّف كتابًا من ثلاث مجلدات، اسمه [المدخل]. هذا الرجل، كتابه «المدخل» عبارة عن بيان النيات الصالحات.

فيقول لك: يا أخي، وأنت ذاهب إلى المسجد أمامك سبعون نية! سبعون نية وأنا ذاهب إلى المسجد وأنت ذاهب إلى المسجد. نعم، تذهب لتصلي، أليس كذلك؟ أنت ذاهب وناوٍ أنك لو وجدت أذى في الطريق تزيله، قشور موز أو أي شيء، تقوم بتنحيته هكذا أو أزله وضعه في القمامة.

تعدد النيات الصالحة في طريق المسجد وكتاب المدخل لابن الحاج

نعم، وناوٍ أن تسلّم على من تمر عليه، وناوٍ أنك تستر العورة وتتجمّل للصلاة، وتتعرّض لمن في المسجد حتى يسألوك إن كنت عالمًا أو يطلبوا منك إن كنت غنيًا، أو تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أو كل هذه نيات تساعدني.

يعني العالم الجليل يساعدني أن آخذ ثوابًا كثيرًا. بالفعل الإنسان بعدد نياته. وأخذ يتكلم هكذا في اللبس وفي الشرب وفي الأكل وفي غير ذلك. كتاب ممتاز جدًا ومطبوع موجود اسمه [المدخل].

ختام الحلقة والدعاء للشيخ والتوديع

[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا سيدنا ويزيدك من بحر العلوم الدينية والدنيوية، والوقت مع فضيلتك يمضي بسرعة.

اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.