برنامج إحياء علوم الدين | حـ 24 | المحبة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 24 | أ.د علي جمعة
- •الحب هو ميل القلب الذي يسبب الراحة والتعلق، وينقسم إلى حب للأكوان وحب للرحمن.
- •الإنسان يحب ذاته وأعضاءه وماله وأهله وعشيرته، لكن التعلق الزائد بالأكوان يؤدي إلى البخل والشح والفتنة.
- •علامات محبة العبد لله تعالى: تقديم ما يحبه الله على محبة النفس وطاعته واتباع رسوله.
- •قال تعالى: "والذين آمنوا أشد حبًا لله" وفي الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".
- •مفتاح المحبة الإلهية: التخلية (إخراج حب غير الله من القلب) والتحلية (إدخال حب الله).
- •من علامات محبة الله للعبد: محبة التوابين والمتطهرين والمجاهدين والصابرين.
- •يقول الحديث القدسي: "لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه".
- •من آثار الحب الإلهي: تكوين واعظ داخلي في نفس المؤمن، والقبول في الأرض بعد محبة الملائكة له.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن معنى محبة العبد لله
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا، مرحبًا، أهلًا بك.
[المذيع]: سيدنا ما زلنا في الحلقات التي تتحدث عن مفاتيح النجاة، ومنها محبة الله عز وجل، فما معنى محبة العبد لله عز وجل؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مما منَّ الله به على الإنسان شعور الحب؛ الحب هو ميل القلب ويسبب الراحة، وهو أيضًا يسبب التعلق. فالحب حقيقته ميل القلب، لكنه يأتي بالتعلق؛ يتعلق القلب.
أنواع الحب بين حب الأكوان وحب الرحمن وأثر التعلق على القلب
الحب بصفة عامة يا سيدنا، الحب بصفة عامة. ولذلك كما قلنا في الخوف: هناك خوف من الأكوان وخوف من الرحمن، فنقول هنا أيضًا أن هناك حبًا للأكوان وحبًا للرحمن.
حب الأكوان طبعًا محصور في الكون، والكون موجود فيه أشياء كثيرة؛ تجد إنسانًا يحب شيئًا معينًا فلا يريد مفارقته، تجده متمسكًا به، وتجد أنه لو فقده يحزن، ولو بعد الفقد عاد إليه يفرح. إذن التعلق هو سبب الحزن وسبب الفرح.
فحب الإنسان متعدد؛ فهو يحب ذاته، لكن حب الذات هذا إذا زاد عن الحد يصبح أنانية. يحب سلامة أعضائه، يحب ماله، يحب ولده وأهله، يحب عشيرته وأصدقاءه، يحب أشياء كثيرة له حظ في التعلق بها.
خطورة التعلق الزائد بالمال والولد والجاه وضرورة تغليب حب الله
ولكن إذا تعلق بالمال تعلقًا زائدًا لا يريد إنفاقه، فيسمى ذلك بخلًا وشحًا. وإذا تعلق بولده وعشيرته بحيث أنهم يدفعونه لارتكاب الحرام، فنسميها فتنة. إذا تعلّقَ بمنصبه وجاهه بحيث أنه لا يريد تركه ولا مشاركة الناس في سلطانه وما إلى ذلك، فنسمّيه حبّ الجاه أو نسمّيه حبّ السلطان.
ولذلك النجاة من هذا أن نجعل حبّ الله هو الغالب على القلب. فلو أن حبّ الله كان غالبًا على القلب وكان هناك بقية من الحب، فلا مانع نحب الولد، ولا مانع أن نحب الزوجة، ولا مانع أن نحب الأشياء ولا مانع، إنما من خلال حب الله وصلنا إلى مرحلة الأمان، ما شاء الله.
خطر انشغال القلب بالأكوان وخلوه من حب الرحمن وأهمية ضبط الحب
أما لو تعلق القلب وانشغل بالأكوان وخلا قلبه - والعياذ بالله - من الرحمن وما يترتب على حب الرحمن من حب شرعه وحب رسوله، وحب الحب المتولد أنه لله؛ حب الأخ لأخيه في الله.
قال رسول الله ﷺ: «المتحابون على منابر من نور يوم القيامة»
ما شاء الله. فلا بد من ضبط حب الأكوان بحب الرحمن؛ حب الرحمن هو الأساس، ما شاء الله.
علامات حب الله تعالى وإيثار ما أحبه الله على هوى النفس
من علامات حب الله سبحانه وتعالى أن العبد يكون مؤثرًا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه هو في ظاهره وباطنه. ضابط إنها مسألة ستُضبط.
نعم، أنا أحب ولدي، كما أن سيدنا نوح عليه السلام أحب ولده ورآه وهو يغرق، لكن مع رؤيته وهو يغرق قال له:
﴿يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا﴾ [هود: 42]
في سورة هود القصة عجيبة؛ قال [ابنه]: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. [فقال نوح:] اركب معنا. هذا حب صحيح، لكن حبه لله أشد.
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]
هذه هي القضية.
شعر ابن المبارك في صدق المحبة وآية اتباع النبي دليلاً على الحب
﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]
ولذلك ابن المبارك كان يقول: تعصي الإله وأنت تُظهر حبه، هذا لعمري في الفعال بديع. لو كان حبك صادقًا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع. ما شاء الله.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
ما شاء الله. إذن مقياس الحب الصحيح هو أن يعلو حب الله على حب الكائنات، أي أن هذه علامة من علامات حب الإنسان لله، وهو علو حب الله على سائر أنواع الحب.
سؤال المذيع عن تقديم حب الله على حب الدنيا وطلب الآيات والأحاديث
[المذيع]: يعني إذا كنت - سيدنا فضيلتكم - تقول لنا أنه لا مانع أن يحب المرء زوجته، أن يحب ابنه، أن يحب ماله، ولكن إذا تعارض هذا الحب مع حب الله سبحانه وتعالى وأوامر الله، فإنه يترك هذه الأشياء ويتمسك بحب الله عز وجل. نريد أن نسمع من فضيلتكم يا سيدنا الآيات والأحاديث أو الآثار التي تتحدث عن حب الله عز وجل، لنأخذ المزيد من هذه الأنوار.
[الشيخ]: يعني هناك ما ورد بالصريح وهناك ما ورد بالمعنى. يعني عندما يقول مثلًا:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]
الحب هو هذا. فأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، هي [المحبة] أساس الخلق كله، ومنها قضية الحب.
آية المائدة في صفات من يحبهم الله ويحبونه وآية أشد حباً لله
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 54]
عندما نجد مثلًا قوله تعالى:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]
حديث لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه وقصة سيدنا عمر
عندما نطلع على أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:
قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»
عليه الصلاة والسلام:
قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ونفسه والناس أجمعين» أخرجه البخاري
وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يريد أن يفهم بعمق، فقال: يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا نفسي، إلا نفسي. فقال ﷺ: «والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك». لا، هذا لن ينفع. فقال عمر: فأنت والله أحب إليّ من نفسي. فقال ﷺ: «الآن يا عمر». أخرجه البخاري، ما شاء الله.
حديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وسؤال عن حب آل البيت
كان [النبي ﷺ] يقول:
قال رسول الله ﷺ: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله إياي» أخرجه الترمذي
وفي هذا الحديث ضعف، ولكن هنا في مقام الحب يُؤخذ به.
[المذيع]: فيا سيدنا، بعد إذن سيادتك يا مولانا، هناك أناس يضيفون إضافة: «وأحبوا آل بيتي بحبكم لي»، فهل في هذا أيضًا فيه ضعف؟
[الشيخ]: إن حديث «وأحبوا أهل بيتي» بالصيغة هذه ليس واردًا هنا، ليس واردًا، ليس واردًا هنا.
حب آل البيت ثابت بالقرآن والسنة وآية المودة في القربى
نعم، ولكنه وارد في القرآن. نعم، حب آل البيت:
﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]
صحيح، الله يقول لنا هكذا، لسنا محتاجين حديثًا، ليس مشكوكًا فيه. نعم، هذا عندنا هنا هكذا.
ولذلك مودة أهل البيت يعني النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الترمذي قال:
قال رسول الله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي» عليه الصلاة والسلام
هذا الذي أخرجه الترمذي. نعم، أما «وسنتي» فهذه أخرجها أحمد بن حنبل. نعم، فإذن «وعترة أهل بيتي» هي التي وردت في الأصول الستة، ما شاء الله.
فضل أهل البيت ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ولا حاجة لليّ عنق النصوص
فإذا لم نكن محتاجين [لحديث ضعيف]، فضل أهل البيت وحبهم وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة. فنحن لسنا محتاجين أن نلوي عنق النص لكي ننوي صلاة أو نقول مثلًا: حسنًا سنزيد قطعة هنا.
نعم، «أحبوا أهل بيتي بحبي»، لا، هو المعنى صحيح ووارد في أحاديث كثيرة. نعم، إنه حب وشرف أهل البيت ونتشرف بهم لأنهم هم بضعة النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام. نعم.
العودة من الفاصل وسؤال عن مفتاح محبة الله وتأثيرها على العبد
[المذيع]: حسنًا، الوقت مع فضيلتك قصير يا سيدنا، نريد أن نذهب إلى فاصل ثم نعود لنستكمل الحوار الشيق. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، ونتحدث عن حب الله عز وجل. سيدنا، مفتاح هذه المحبة؟ ما هو حب الله سبحانه وتعالى؟ وما تأثيره على العبد؟
[الشيخ]: مرة جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني سأل رجل رسول الله: متى الساعة؟ لماذا أنت متعجل بشأن الساعة؟ دعنا نستفيد من الوقت.
حديث المرء مع من أحب وأهمية محبة الله ورسوله في تحديد المصير
قال الرجل: متى الساعة؟ فسأله رسول الله ﷺ: ما أعددت لها؟ فأجاب: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله. ما شاء الله!
قال رسول الله ﷺ: «المرء مع من أحب»
آه، وضع قاعدة: المرء مع من أحب. يعني ينظر كل واحد منا الآن: من الذي يحبه حقًا؟ أتحب الدنيا وتحب متاعها أم تحب الله ورسوله؟ إذا كنت ستحب رسول الله، فإنك ستكون معه في الجنة، ما شاء الله.
قول أبي بكر الصديق في درجة الأنس بالله من خالص المحبة
هل أنت منتبه؟ كان سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه، كما أورد صاحب كتاب [الإحياء]، يقول: «من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر».
هذا ما يسمونه درجة الأنس؛ الأنس بالله. شرب - أي تناول المحبة - نعم، محبة الله، فدخلت وتخللت في جسمه، فحصل له أنس بالله ولا يريد أن يرى أحدًا، إنه لا يصلح [إلا الله].
هل أنت منتبه؟ لقد حصلت له محبة، وهذه متعة كبيرة جدًا. من حصل له ارتواء بحب الله، حصل له ري بحب الله سبحانه وتعالى.
من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها ومعرفة أسماء الله الحسنى
ولذلك كان السلف يقولون: من عرف ربه أحبه، من عرف ربه أحبه الله، ومن عرف الدنيا زهد فيها. ما شاء الله.
عندما تدرك أن هذه الدنيا إلى فناء، وأن هذه الدنيا مليئة بالمشاغل والشواغل والكدورات والمصائب والتعب والجهد والمقالب - أتفهم؟ - ستزهد فيها حقًا، أي شيء ما يعني.
لكن عندما تعرف ربك بأنه هو الباقي الكريم الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط، ما رأيك؟ ستحبه فورًا، ستحبه. أم كيف ستحب جل جلاله؟
سلسلة المعرفة والمحبة والإقبال على الله وأثرها في النظر للدنيا والآخرة
نعم، فعندما يعرف المرء حقيقة الإله وأنه متصف بهذه الصفات العُلى يحبه. المؤمن إذا عرف ربه أحبه، المؤمن إذا عرف ربه أحبه. انظر كيف أن «ربه أحبه» متوازنة:
إذا عَرَفَ رَبَّهُ أَحَبَّهُ، وَإِذَا أَحَبَّهُ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، وَإِذَا وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِقْبَالِ إِلَيْهِ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الشَّهْوَةِ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى الآخِرَةِ بِعَيْنِ الفَتْرَةِ، وَهِيَ تَحْصُرُهُ فِي الدُّنْيَا وَتُرِوحُهُ فِي الآخِرَةِ.
يَعْنِي إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ يَنْظُرُ إِلَى الحَقِيقَةِ فَيَعْرِفُ الدُّنْيَا وَيُعَمِّرُهَا لِأَنَّ اللهَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، يُزَكِّي النَّفْسَ وَهَكَذَا، وَيَنْظُرُ إِلَى الآخرة ويرجو كرم الله فيها وستره وغفرانه وما إلى ذلك.
أسباب تقوية محبة الله عند العبد التخلية والتحلية
[المذيع]: نعم، جميل. حسنًا يا سيدنا، نريد أن نعرف بعد أن عرفنا أهمية محبة الله عز وجل، نريد أن نعرف ما هي الأسباب، هل توجد أسباب تقوي هذه المحبة عند العبد؟
[الشيخ]: التخلية والتحلية. التخلية والتحلية: أخرج حب غير الله من القلب.
﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]
نعم، أدخل حب الله في قلبك. فقوة المحبة هذه سوف تؤدي بك إلى الشعور باللذة فالتمسك بحب الله.
التخلية والتحلية جميل: خلِّ قلبك من السوى وحلِّه بحب الله. ولنحب ربنا قليلًا كما أوضح لنا سيدنا النبي ﷺ، وكما أوضحت لنا فضيلتك الحديث: أن نحب الله لما يغذونا به، يعني كما أن ربنا يمنحني نعمًا أحبه.
محبة الله للعبد وعلاماتها في القرآن الكريم وصفات من يحبهم الله
[المذيع]: حسنًا، هنا يا مولانا ننتقل إلى الزاوية الأخرى، فكما قلنا عن محبة العبد لله، الآن نتحدث عن محبة الله للعبد. هل لها علامات تدل على أن الله يحب فلانًا؟
[الشيخ]: لقد ذكرها في القرآن. نعم:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]
إذن إنه يَكْرَهُ الأَدْبَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ. نَعَمْ:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]
يَعْنِي أَنَّهُ يَكْرَهُ الْعِصْيَانَ وَالِاسْتِمْرَارَ وَأَنْ يَتَمَادَى الإِنْسَانُ فِي غَيِّهِ، أَوْ غَيْرَ الْمُتَطَهِّرِينَ. هُوَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، جَمِيلٌ مَا شَاءَ اللهُ.
الرد على ادعاء اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه وبرنامج الحب عند الله
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18]
هذا عندما قال اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه. حسنًا، لا، هذا هو برنامج الحب عند ربنا:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]
ما لا يحبه الله سبحانه وتعالى وحديث إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب
وبعد ذلك أيضًا، بالإضافة إلى يعني هذا الحب، ما هو أيضًا هو [ما] لا يحب سبحانه وتعالى.
[المذيع]: واستخدام تعبير يا سيدنا ليس يبغض أو يكره، بل لا يحب.
[الشيخ]: نعم، لا يحب الكافرين. أجل، ونعم بالله:
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 32]
وفي الأحاديث أيضًا:
قال رسول الله ﷺ: «إذا أحب الله تعالى عبدًا لم يضره ذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له»
ثم تلا:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ﴾ [البقرة: 222]
لقد استدل بالفعل [بالآية على الحديث].
الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب
قال رسول الله ﷺ: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب» أخرجه الحاكم
فالدنيا ليست مقياسًا. نعم.
فقال تعالى: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول هكذا [في الحديث القدسي]:
«لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» إلى آخر الحديث
وكذلك:
«إذا أحب الله تعالى عبدًا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه» أخرجه الديلمي في الفردوس
وهو ضعيف، لكن جماله هو التدرج في العلاقة مع الله. نعم، يعني في البداية ابتلاء، وإذا صبر العبد سيكون هناك اصطفاء.
حب الله المتفرع منه حب الإسلام والشريعة والنبي وحب التكليف بشوق
نعم جميل. فهذا كله يبين لنا أن حب الله سبحانه وتعالى المتفرع منه حب الإسلام وحب الشريعة وحب الجنة وحب النبي عليه الصلاة والسلام وحب التكليف الذي كلفنا إياه، ونحن نؤديه بشوق.
حب التكليف أن أعمل العمل أو العبادة وأنا أحبها وأنا مشتاق إليها، أنا مشتاق إليها. جميل، نعم. فأنا مشتاق إلى هذا.
يعني كل هذا يدل على أن حب الله هذا أمر عظيم جدًا، وهذا الحب يؤثر في النفس أيضًا.
أثر حب الله على النفس وجعل واعظ من نفس العبد وزاجر من قلبه
نعم، يعني في حديث:
قال رسول الله ﷺ: «إذا أحب الله تعالى عبدًا جعل له واعظًا من نفسه وزاجرًا من قلبه يأمره وينهاه»
ما شاء الله. يعني ماذا تقول لي؟ أثر الحب يُوضع له ميزان يثبت له أعماله، يضع له شيئًا في قلبه. نعم، يوجهه، ما شاء الله. فـ«واعظًا من نفسه وزاجرًا من قلبه»، يعني منه رقابة داخلية ذاتية، الله يأمره وينهاه، سبحان الله.
يعني إذا قَبِلَ نصيحة الناصحين وقَبِلَ أي شخص يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، لكن الآخر [الحب الإلهي] يريد أن يدخل في نفسك. نعم، يريد أن يكون متحكمًا ويريد أن يكون متحكمًا فيك.
الدعوة إلى الحب لا التسلط على الناس وأن الحب يصنع واعظاً داخلياً
نعم، الله يا أخي، إن ربنا قال للنبي ﷺ:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
وربنا قال له:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
وربنا قال له:
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
إن ربنا قال له:
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
يعني استحِ! نعم، أنت لماذا تريد أن تتسلط على الناس؟ إنما أنت ادعهم إلى الحب، ادعهم إلى الحب. والحب سيجعل هناك وعظًا من نفسه، الحب سيجعل له واعظًا من نفسه.
الحديث القدسي في محبة الله للعبد ووضع القبول له في الأرض وختام الحلقة
[المذيع]: سيدنا، الوقت مع فضيلتك يجري. لدينا الحديث القدسي:
«إن الله إذا أحبَّ عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في الملائكة فتحبه الملائكة، ثم يوضع له القبول في الأرض»
ربنا يحبب فيك خلقه. أكثر فأكثر يا مولانا، ويزيدك أنوارًا وينفعنا بعلم فضيلتك.
اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة أستاذي وسيدي الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الجهد. على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، ونترككم في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
