برنامج إحياء علوم الدين | حـ1 | المقدمة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 01 | أ.د علي جمعة
- •يوضح الإمام علي جمعة أن طريق الخروج من المتاهة والحيرة هو العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
- •يشير إلى أن نظام الإسلام نظام أخلاقي تربوي يخرج الإنسان من الضيق إلى السكينة والرحمة.
- •يبين أن 95% من آيات القرآن و97% من الأحاديث تتناول الأخلاق وتزكية النفس، بينما 5% فقط من الآيات و3% من الأحاديث تتعلق بالأحكام الشرعية.
- •يصنف علماء المسلمين النفس إلى سبع مراتب: الأمارة بالسوء، اللوامة، الملهمة، المطمئنة، الراضية، المرضية، والكاملة.
- •يشرح أن الإمام الغزالي بحث في الفلسفة وخاض غمارها، ليكتشف أن الحقيقة في "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
- •ألف الغزالي كتاب "إحياء علوم الدين" ليعيد للعبادة روحها بعدما تحولت إلى عادة، فقسمه إلى أربعة أجزاء: العبادات، العادات، المهلكات، والمنجيات.
مقدمة البرنامج والترحيب بفضيلة الإمام الدكتور علي جمعة
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
نحمد الله أن أرسل لنا الأنبياء والمرسلين، ثم أنعم علينا بورثة الأنبياء من العلماء العاملين؛ لنتعلم معهم ونقتدي بهم لكي نحيي علوم الدين.
يسعدنا أن نكون مع حضراتكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، وكل عام وأنتم بخير، وربنا سبحانه وتعالى يشرح قلوبكم وقلوب المشاهدين في هذه الأيام المباركة.
[المذيع]: آمين يا ربنا، آمين.
سؤال المذيع عن حيرة الأمة وكيفية الوصول إلى طريق الله وبداية الإجابة
[المذيع]: مولانا، نحن الآن في الأمة الإسلامية ناس كثيرون لا يعرفون، أو حدث لهم نوع من أنواع التيه، لا يعرفون أين طريق الحق وأين طريق الباطل، حدث نوع من أنواع الالتباس. ماذا نفعل يا مولانا لكي نعرف كيف نصل إلى الطريق إلى الله سبحانه وتعالى؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عندما منَّ الله علينا سبحانه وتعالى بإرسال نبيه بالهدى ودين الحق ليخرجنا من الظلمات إلى النور، من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، هدى الله سبحانه وتعالى به العباد.
وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وبشرنا فقال صلى الله عليه وسلم:
«يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي أمر دينها»
وهذه منة ونعمة من الله سبحانه وتعالى لا علاقة للأمة بها.
تكليف الأمة بالإيمان والأمر بالمعروف وتعمير الأرض وتزكية النفس
الأمة فعلًا الله سبحانه وتعالى يرعاها ويمن عليها، طلب منها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، فكان ذلك تكليفًا وتشريفًا في نفس الوقت.
كلفها بأن تؤمن بالله، وأن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وأن تعبد الله سبحانه وتعالى، وأن تعمر الأرض، وأن تزكي من نفسها. فإن فعلت ذلك وقف معها، وإذا لم تفعل ذلك شعرت بهذه المتاهة التي تشير إليها.
ولذلك فالأمر على لسان السلف والأئمة والمتدبرين والمتأملين والمفكرين عبر العصور كان هو أن نعود إلى الله، نعود إليه، أن نفر إلى الله، هو أنه لا يُصلِح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أولها.
الكتاب والسنة هما ما أصلح أول الأمة وأخرجها من الجاهلية
وما الذي أصلح أولها؟ ما الذي أخرج مجموعة من العرب الشتات بجاهلية جهلاء، يقتلون البنات ويئدونهن، ويأكلون الربا، ويشربون الدم وغير ذلك، إلى أن يكونوا خير جيل وخير قرن؟
الذي جعلهم هكذا هو كتاب الله، الكلمة الأخيرة للبشرية، وفي نفس الوقت سنة سيدنا رسول الله المعصوم المصطفى المختار المجتبى، الذي علمنا كيف نطبق هذا القرآن في الواقع، فكان صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض.
إذن فالخروج من المتاهة يكون بالرجوع إلى الكتاب والسنة. هذا الكلام يقوله كل أحد عبر العصور بعد التدبر والتأمل في كتاب الله:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [محمد: 24]
وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم اهدنا فيمن هديت.
منظومة الخروج من الحيرة إلى الهداية والسكينة والرحمة
قالوا إن هذا نظام أخلاقي، نظام تربوي، برنامج يومي يستطيع الإنسان فيه أن يخرج من الحيرة، من الضيق، من الاضطراب، من المتاهة إلى الهداية، إلى السكينة، إلى الرحمة، إلى الحلاوة، إلى الجمال.
إلى العلاقة الجيدة بين الإنسان وبين ربه، بين الإنسان وبين نفسه، بين الإنسان وبين كونه.
ولذلك رأينا في هذه المتاهة العلماء يقومون عبر العصور من أجل أن يُنَبِّهوا إلى هذه الحقائق، ومن أجل أن يؤلفوا لتلك العودة وللنهضة مرة أخرى؛ لأن كل مائة سنة نحتاج إلى تجديد وإلى إعادة صياغة وإلى مُعَاناة مع الواقع المتغير.
الإسلام دين خاتم والبشرية كلها أمة النبي بين أمة الإجابة وأمة الدعوة
وهذا دين أرسله الله ليكون خاتم الأديان، وليكون سيدنا صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين، فينفع الناس جميعًا إلى يوم الدين.
ولذلك نحن نرى في العالم كله أنه أمة دعوة، الستة مليارات الموجودون أو السبعة مليارات الذين على وجه الأرض، هؤلاء الناس أمتي، إنهم أمة النبي، لا يوجد نبي بعده. السبعة أو الستة مليارات كلهم أمة النبي.
بعضهم استجاب فسُمي بأمة الإجابة، وبعضهم لم يستجب فسُمي بأمة الدعوة. أنت تعرف ماذا سيفعل هذا المفهوم؟ سيجعلني أعامل البشر جميعًا على أنهم إخوة.
[المذيع]: لماذا؟ صحيح، كأنهم زبائني، أحبائي.
[الشيخ]: لا أحاربهم، أريد أن أضمهم لي، أنا أريد أن أبلغهم كلام الله، أريد أن أخرجهم من الحيرة، من جهنم في الدنيا وفي الآخرة، إلى رقة القلوب، وإلى أن يجد نفسه، ويفهم مراد الله سبحانه وتعالى.
المنظومة التي تركها رسول الله وصاغها الموفقون عبر القرون للخروج من التيه
من [أفهم مفهوم] أمة الإجابة وأمة الدعوة، هذه مسألة مهمة في الإجابة على هذا السؤال. المدخل [لمن يشعر بأنه تائه]: الإنسان يشعر بأنه تائه، فماذا يفعل؟
إذن هيّا بنا مرة أخرى للمنظومة التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاغها من بعده الموفقون من الله عبر القرون بإذن الله.
هيّا بنا نرى كيف عرضوها وكيف أقاموها في أنفسهم وطبقوها، فسعدوا وارتاحوا، ونزلت عليهم السكينة، ونزلت عليهم الأنوار، ونزلت عليهم الرحمات، ووجدناهم خير أمة فعلًا أُخرجت للناس.
سؤال المذيع عن تزكية النفس في التراث الإسلامي ومثلث العبادة والعمارة والتزكية
[المذيع]: طيب سيدنا، لقد أوضحت لنا فضيلتك في بداية الحلقة تمامًا أن هناك ثلاثة أشياء: تزكية النفس، وعبادة الله، وتعمير الأرض. النفس يا مولانا، لقد تحدث علماء النفس مثل فرويد وغيره كثيرًا عن النفس البشرية. نريد أن نعرف في تراثنا الإسلامي الحديث عن النفس البشرية في الإسلام يا مولانا، نريد أن نتحدث عنه.
[الشيخ]: الحقيقة أن هذا المثلث [العبادة والعمارة والتزكية]:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
أو قوله تعالى مثلًا:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
ثم بعد ذلك:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
يمثل الإطار الذي يحيا فيه الإنسان: عبادة الله، عمارة الأرض، تزكية النفس.
اهتمام المسلمين بتزكية النفس لأنها أخذت المساحة الأكبر في القرآن والسنة
ما شاء الله، اهتم المسلمون جدًا بتزكية النفس. لماذا؟ أولًا لأن تزكية النفس أخذت المساحة الأكبر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أخذت المساحة الأكبر: ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية في القرآن، منهم ثلاثمائة آية في كل شيء من أحكام وغيرها، في كل الأحكام.
[المذيع]: نعم، من أولها إلى آخرها.
[الشيخ]: والبقية في الأخلاق ما شاء الله، المرتبطة بالعقيدة وتزكية النفس. ثلاثمائة على ستة آلاف تساوي واحدًا على عشرين، أي خمسة في المائة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وخمسة وتسعون في المائة أخلاق وتزكية وأخلاق جميلة، ما شاء الله.
نسبة أحاديث الأحكام إلى أحاديث الأخلاق في السنة النبوية
ستون ألف حديث لدي تحت تصرفي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الصحيح والضعيف والحسن وكل شيء، منها ألفان في كل الأحكام. هذا ما جمعه الإمام ابن حجر العسقلاني في كتاب لطيف اسمه [بلوغ المرام من أدلة الأحكام]، لم يجد إلا ألفين، ألف وثمانمائة وبِضع.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: في البيع والشراء والربا والزواج والقضاء والشهادة والعلاقات الدولية وكل شيء، ألفين حديث من ستين ألفًا. ثمان وخمسون ألفًا أخلاقيات.
[المذيع]: آه، جميل.
[الشيخ]: واحد على ثلاثين، يعني ثلاثة أو ثلاثة وثلث في المائة، والسبعة والتسعون في المائة أخلاق مرتبطة بالعقيدة، ما شاء الله.
خطورة إغفال تزكية النفس والاكتفاء بالتشريع دون الأخلاق
إذن لما فوجئ العلماء بهذه القصة [أن الأخلاق تمثل الغالبية العظمى من النصوص] اهتموا جدًا بتزكية النفس، وكان يجب علينا أن نهتم. للأسف نحن اهتممنا، وهذا مهم جدًا، أن نعيش التشريع الإسلامي، لكن على فكرة كل هذا خمسة في المائة فقط.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: المصيبة أنني أغفل الخمسة والتسعين في المائة، هذه هي المصيبة الحقيقية. وليست المصيبة أنني أهتم بالخمسة في المائة، فأنا يجب أن أهتم بهم بالطبع وأتمسك بهم، وهذا هو الدين.
ولكن هذا الدين يكون جسدًا بلا روح، يكون شيئًا فارغًا من مضمونه ومن هدفه، بل ومن أغلبه. ولذلك:
قال النبي ﷺ: «إنما بُعِثتُ لأُتمِّم مكارم الأخلاق»
عليه الصلاة والسلام. فاهتموا جدًا بدراسة النفس.
مراتب النفس الثلاث عند العلماء المسلمين والانتقال إلى السبع مراتب
لما درسوا النفس قالوا: والله النفس هذه على ثلاث مراتب، ثلاث مراتب.
[المذيع]: نعم، طيب، هل من الممكن يا سيدنا أن نصعد بعد؟ بإذنك فاصل، نخرج لفاصل، ونقول النفس لأنها مهمة. الله يفتح عليك يا سيدنا.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم، الحلقة الأولى من برنامجكم إحياء علوم الدين. قبل أن نخرج للفاصل مع مولانا فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، وصلنا إلى أن النفس تنقسم إلى ثلاثة أقسام. تفضل يا سيدنا.
[الشيخ]: يتكلمون عن ثلاثة أقسام كبيرة عن النفس العلماء المسلمون: النفس الأمارة بالسوء، النفس اللوامة، ثم النفس الملهمة. قسموها هكذا.
[المذيع]: وأين النفس المطمئنة يا سيدنا؟
تفصيل مراتب النفس السبع من الأمارة بالسوء إلى الكاملة عند العلماء المسلمين
[الشيخ]: سيدي الفاضل، وقد جاءوا بعد الثلاثة هؤلاء وجعلوهم سبعة.
[المذيع]: نعم، أدخلوا أقسامًا أخرى.
[الشيخ]: يعني، نعم، يعني قاموا بتفصيلهم، وجعلوا هذه الملهمة على خمسة أنحاء. الملهمة قُسّمت خمسة أجزاء، قُسّمت خمسًا. فأصبح عندي أنا:
- النفس الأمارة بالسوء:
﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]
يأتون بها من القرآن.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يأتون بها.
- النفس اللوامة:
﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ثم:
- النفس الملهمة، قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس: 7-8]
ما شاء الله، فذهبوا آخذين من آية:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ [الشمس: 8]
كل كلامهم مقيد بالكتاب والسنة، لا بد أن نعرف ذلك.
تقسيم النفس الملهمة إلى خمس درجات من المطمئنة إلى الكاملة
ما شاء الله، لكنهم باحثون أيضًا، يعني هم يبحثون ويقولون: بعض الناس قالوا لا، هذه النفس الملهمة سنقسمها خمسة أقسام.
[المذيع]: أي نفس الملهمة؟
[الشيخ]: نعم:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ [الشمس: 8]
لكن في نفس ثانية اسمها النفس المطمئنة، جزء آخر أعلى، سنجعلها درجات. الدرجة الثانية في النقطة الثالثة هذه، النفس المطمئنة:
﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27]
الله، أيضًا موجودة هنا [في القرآن]. ثم النفس الراضية.
[المذيع]: الراضية، نعم.
[الشيخ]: رضي الله عنه ورضوا عنه. النفس المَرضية، ما شاء الله:
﴿ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 28]
ما شاء الله، راضية الأول ثم مرضية.
النفس الكاملة ومعرفة الحقائق الكونية وحقيقة التوحيد
ثم قالوا حسنًا، والخامسة التي هي السابعة، قال: النفس الكاملة. ما هي النفس الكاملة هذه؟ قال: يعني التي وصلت نهائيًا إلى معرفة الحقائق الكونية.
ما هي الحقائق الكونية هذه؟ أن هناك إلهًا. حسنًا، نحن جميعًا نعرف أن هناك إلهًا، فهو يحيا به. هذه عائشة [رضي الله عنها]، لست لست أعرف، بل يحيا به.
ولذلك يجب علينا هنا أن نرى هؤلاء السبعة [مراتب النفس]. سيجموند فرويد صادق في كل ما قال.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وبعض الناس الآن يقولون: كيف؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هو صادق في كل ما قال، لكنه تكلم عن نفس واحدة فقط، أنه وصف النفس الأمارة بالسوء فقط.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أنه تكلم عن واحدة من السبعة.
[المذيع]: نعم.
نقد فرويد لأنه اقتصر على النفس الأمارة بالسوء ولم يرَ الهداية والأنوار
لكنني أقول له: يا سيجموند يا أخي يا سيجموند، أنت الآن قد وصلت إلى النهاية ووصفت لنا بالتفصيل في كتبك الثلاثة وغيرها النفس الأمارة بالسوء.
لكنك أخطأت خطأً كبيرًا لأنك لم تر الهداية ولم تر الأنوار والحلاوة التي لدى المسلمين. إنك قلت لنا: ابقوا في النفس الأمارة بالسوء هذه واحذروا أن تخرجوا منها، كأن لم يكن هناك سوى نفس واحدة أمارة بالسوء، بل كلها شر وفحشاء.
وللأسف استقررت فيها، وللمعذرة تورطت فيها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لكن أخبرونا، لا، بل أهل الله قالوا: إنك ستخرج منها حقًا، وستجد لذة في الخروج منها.
الانتقال بين مراتب النفس السبع ومنهج التخلي والتحلي والتجلي
وستنتقل إلى النفس اللوامة، واخرج من اللوامة بسرعة لأجل لتذهب إلى الملهمة، وانتقل من الملهمة إلى الراضية فالمرضية. انتقل من الملهمة إلى المطمئنة فالراضية فالمرضية فالكاملة.
وقد رسموا لنا طريقًا عجيبًا غريبًا في كيفية تخلية النفس من القبيح وتحليتها بالصحيح. والتخلي والتحلي يؤدي إلى التجلي، وكلام جميل جدًا.
التخلي والتحلي يؤدي إلى التجلي: التخلي أن أخليها من الصفات الذميمة القبيحة، والتحلي بكل صحيح. يعني التخلي عن كل قبيح، والتحلي بكل صحيح، والتخلي والتحلي يؤديان إلى التجلي، ما شاء الله.
سيجموند لا يعرف هذه الأمور، لا يعرف هذه الأمور حقًا.
[المذيع]: نعم.
الإمام الغزالي وكتاب إحياء علوم الدين مرجع تزكية النفس عند المسلمين
لكن الذين يعرفون هذه الأمور هم المسلمون، وتجد هذا الكلام عند إمامنا الإمام الغزالي مثلًا في كتاب [إحياء علوم الدين]، أبي حامد الغزالي في إحياء علوم الدين.
[المذيع]: نعم، حسنًا يا سيدنا، نحن نريد أن نتعرف أكثر؛ لأن حلقة اليوم هي المقدمة عن الإمام أبو حامد الغزالي وعن كتابه إحياء علوم الدين.
[الشيخ]: سيدنا الإمام محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغزالي، خمسة محمد.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الطوسي أبو حامد، كان يُسمى أبا حامد. تزوج أبو حامد، ولما مات سنة خمسمائة وخمسة هجرية عند خمسة وخمسين سنة، ما شاء الله.
لما كان عمره خمسة وخمسين سنة، معنى ذلك أنه ولد سنة أربعمائة وخمسين، فيكون قد ولد في القرن الخامس الهجري.
[المذيع]: نعم.
منهج الغزالي في الوصول إلى اليقين بالفكر والذكر والتأمل في الكتاب والكون
أبو حامد الغزالي بارك الله له في أوقاته كثيرًا، وحُبِّب إليه الحوار العقلي، وفضَّل أن يحاور نفسه، ووصل إلى مرحلة الشك.
لكنه أراد أن يزيل هذا الشك بأمرين: بالفكر والذكر. بالفكر والذكر، ما شاء الله.
من ناحية الفكر، احتاج إلى خلوة يتأمل ويتدبر. هذا التأمل والتدبر في الكتاب المنظور وهو الكون، وفي الكتاب المسطور وهو القرآن، أي الذي هو القرآن، ما شاء الله.
وبعدين يذكر ربنا؛ لأنه وجد أن العبادة هي التي تخرجه من الحيرة إلى اليقين، من الالتباس إلى الوضوح، من الضبابية إلى الشفافية.
خلوة الغزالي في المئذنة وخوضه بحر الفلسفة الذي يختلف عن كل البحور
ولذلك فعل هذا [الغزالي] وذهب وحبس نفسه في غرفة في مئذنة، في مئذنة في مسجد؛ لكي ينزل يصلي وما إلى ذلك. وبدأ يتأمل في السماء وفي الأرض وفي كل الشيء وفي الكتب وفي وكذا إلى آخره.
لما كان كذلك وجدناه أنه خاض بحرًا ليس ككل البحور. العلماء المسلمون يقولون هكذا: خاض بحرًا ليس ككل البحور، وهو بحر الفلسفة.
والفلسفة بحر ليس ككل البحور. ما الخلاف إذن بينه وبين البحر؟ قال: فإن العائم فوق سطحه يهلك، العائم فوق سطحه يهلك، والغائص في أعماقه ينجو.
ما شاء الله، هذا صحيح، عكس البحر.
[المذيع]: عكس البحر الأبيض المتوسط.
[الشيخ]: نعم، صحيح.
الفرق بين السطحية والغوص في بحر الفلسفة وتأليف الغزالي كتاب تهافت الفلاسفة
لو أنني كنت أمشي فوقه [البحر العادي] أنجو.
[المذيع]: نعم، أتنفس.
[الشيخ]: لكن لو غرقت تحته وأغوص من غير غطس أو أي شيء، أهلك وأغرق. قال: نعم، ولذلك نقول هكذا: بحر ليس ككل البحور، مختلف عكس البحر الأحمر والبحر الأبيض والبحر الأطلسي. لا تجعلني أتدخل، هو بحر ليس ككل البحور.
[المذيع]: نعم، كيف سيأخذه سطحيًا هكذا.
[الشيخ]: فإن الذي يطفو فوقه وفوق سطحه يهلك. الذي يقرأ له كتابًا أو كتابين أو ثلاثة كما يقولون، مثقف.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أما الذي يغوص فيه سيعرف الحقيقة والحكمة، وتتضح له الأشياء، وينير قلبه وصدره.
ولذلك وجد الإمام الغزالي أن كثيرًا من الفلاسفة إنما هم يسيرون على بحر الفلسفة، فغاص هو فيها ورد عليهم، وألف كتابًا ماتعًا اسمه [تهافت الفلاسفة].
اكتشاف الغزالي أن كلمة التوحيد هي قدس الأقداس وتأليفه إحياء علوم الدين
وتبين له أن الحقيقة قدس الأقداس، يعني الذي كنا نسمع عنه عند الفراعنة، هو لا إله إلا الله محمد رسول الله. يعني عَرِفَ أن كلمة الإخلاص والتوحيد هي الأساس، وهي السر الذي يخص هذا الكون كله.
جميلٌ، طيب كيف أعبد ربنا؟ قام بتأليف إحياء علوم الدين. انظر إلى النهضة، نعم، انظر إلى الخروج من المتاهة، انظر إلى دلالة الاسم: إحياء علوم الدين.
إحياء يعني كأن علوم الدين أصابها شيء من الخلل في القرن الخامس الهجري.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهو يعطيها قبلة الحياة. قبلة الحياة هذه نحن نعطيها للغريق، نعطيه نفسًا فيخرج قليلًا من الماء الذي في رئتيه لننقذه.
تحول العبادة إلى عادة وفقدان القضية يؤدي إلى التيه وقضية الغزالي التوحيد
لماذا [سمّاه إحياء]؟ لأن العبادة تحولت بعد خمسة قرون عند الناس إلى عادة، ففقدت قضيتها. وعند فقد القضية يتوه الإنسان.
تقول لي: أنا تائه، فليس لديك قضية. صحيح. لا، إنني أملك قضية فلست تائهًا، فأنت تعلم ماذا ستفعل. حسنًا، أنا أعرف طريقي وأعرف قضيتي، هكذا يكون الأمر جيدًا.
يجب أن يكون للإنسان قضية، فذهب الإمام أبو حامد [الغزالي] واتخذ له قضية وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعَرَفَ أن الوصول إليها لا بد أن يكون في إحياء علوم الدين.
ختام الحلقة والوعد باستكمال المنجيات والمهلكات من إحياء علوم الدين
[المذيع]: حسنًا سيدنا، الوقت مع فضيلتك يمضي، ووقت الحلقة اليوم قد انتهى. على وعد إن شاء الله أن نلتقي في حلقات أخرى لنستكمل المنجيات والمهلكات التي ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين.
إحياء علوم الدين أربعة أجزاء: العبادات، والعادات، والمهلكات، والمنجيات. سنركز يا سيدنا بعد إذن فضيلتك على المهلكات والمنجيات إن شاء الله.
اسمحوا لي باسم حضراتكم أولًا أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى هذا الوقت. على وعد باللقاء مع فضيلته إن شاء الله في حلقات قادمة من برنامجكم إحياء علوم الدين.
وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شكرًا للمشاهدة.
