برنامج إحياء علوم الدين | حـ12 | الحسد | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 12 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ12 | الحسد | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 12 | أ.د علي جمعة

20 دقيقة
  • الحسد نوعان: أولهما كراهة النعمة التي في يد الغير وتمني زوالها عنه، وهو المذموم الذي يحرق الحسنات كما تأكل النار الحطب.
  • النوع الثاني عدم محبة زوال النعمة مع تمني أن تكون له، وهذا يسمى الغبطة وهي محمودة.
  • يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه الناس".
  • أول خطيئة في الخلق كانت حسد إبليس لآدم فامتنع عن السجود له.
  • من أسباب الحسد: العداوة والكبر والعجب وحب الرياسة وخبث النفس والبخل.
  • الحسد ضرر على صاحبه في الدنيا والدين، ولا يضر المحسود بل ينتفع به.
  • العلاج يكون بقراءة المعوذتين والتفكر في أضرار الحسد وعواقبه.
  • ينبغي على المسلم إفشاء السلام والتحاب ليحفظ قلبه من الحسد والبغضاء.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن الحسد

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.

[الشيخ]: مرحبًا بكم، أهلًا وسهلًا، أهلًا بك يا سيدنا.

[المذيع]: نحتاجك يا مولانا، نتحدث عن الصفات المذمومة التي نتخلى عنها، واليوم إن شاء الله نريد أن نتحدث عن الحسد. الحسد يا مولانا، هل له أقسام؟ وما الفرق بين الحسد والغبطة؟ نريد أن نعرف من فضيلتكم.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الحسد من الآفات القلبية التي ينبغي علينا أن نتخلى عنها إذا تحققت في شروط معينة، وإلا فهو يكون تحت عنوان الغبطة.

تعريف الحسد المذموم وهو تمني زوال النعمة عن الغير

الحسد نوعان: أحدهما كراهة النعمة التي في يد الغير وحب زوالها عن المُنعَم عليه، أي حب أن تزول منه. رأيتُ أحدهم عالمًا، أريد أن يزول هذا العلم منه. رأيتُ أحدهم غنيًا، أريد أن يزول هذا الغنى منه. رأيتُ أحدهم قويًا، أريد أن تزول هذه القوة منه.

فهذا هو الحسد: تمني زوال النعمة عن غيري، عن المُنعَم عليه. وقد يكون مع هذا نوع من أنواع حب أن تأتيني أنا؛ أريد أن يأتيني هذا الغنى والقوة وهذا العلم وهذا الجاه.

الآية القرآنية في النهي عن التمني والمساواة بين الرجل والمرأة

وهنا يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]

هذه الآية غريبة؛ لأن فيها الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة. يعني يكفي في دين الإسلام هذه الآية من أجل أن توضح الأمر: ليس هناك تساوٍ ولكن هناك مساواة.

فهناك فضائل عند الرجال وهناك فضائل عند النساء، وكلاهما تكتمل به البشرية. فيا أيها الرجل لا تتمنَّ ما آتاه الله من فضله للمرأة وتريد أن تكون كالنساء، ويا أيتها المرأة افرحي بكونكِ امرأة ولا تتمنى ما فضل الله به الرجال.

النهي عن تشبه الرجال بالنساء والعكس والرضا بما قسم الله

إذ لا يتمنى أحدنا الفضل الذي آتاه الله سبحانه وتعالى للطرف الآخر، وإنما يقول: يا رب وفقني فيما أقمتني فيه. ولذلك يأتي الحديث ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»

لعن يعني كبيرًا؛ لأنك طُرِدت من رحمة الله. لماذا؟ لأنك تريد أن تسير في غير ما أمر الله سبحانه وتعالى وأقامك فيه.

الرجل يفرح برجولته والمرأة تفرح بأنوثتها، هذا هو الذي يتواءم مع أمر الله سبحانه وتعالى، وكلاهما إنسان واحد، أي:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]

انظر: من نفس واحدة، يعني الرجل والمرأة على حد سواء.

النوع الثاني من الحسد وهو الغبطة وتمني النعمة دون زوالها عن الغير

إذا تمنى [الإنسان] زوال نعمة غيره أو تمنى النعمة لنفسه مع زوالها من غيره [فهذا هو الحسد المذموم]. وفي النوع الثاني عدم محبة زوالها وتمني أن تكون له مع أنها تكون لك أيضًا.

نحن نريد غنى مثل هذا [الرجل]؛ لأنه ينفق أمواله في سبيل الله ويعمل الخير، وأنا أرغب أن أكون مثله. جميل، هذه هي الغبطة.

[المذيع]: نعم، هذه هي الغبطة.

[الشيخ]: قال تعالى:

﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

هل الغبطة تشمل الأمور الدنيوية أم الدينية فقط

[المذيع]: حسنًا يا سيدنا، هل الغبطة أيضًا كالمثل الذي ذكرته للتو: فلان يركب سيارة جميلة وأنا أتمنى أن تكون لدي سيارة مثلها ولست أريد [أن تزول] منه، هل هذه غبطة أيضًا أم هذه أمور دنيوية؟

[الشيخ]: هذه الغبطة هي غبطة أيضًا، نعم، سواء كانت هذه الغبطة في أمر ديني أو دنيوي. نعم، هذه غبطة؛ لأنني لا أتمنى زوال النعمة، فزوال النعمة هو نوع من أنواع الشر.

[المذيع]: نعم صحيح، كراهية شديدة جدًا، كراهية.

[الشيخ]: لكن أبدًا، أنا أسعى إلى أن أكون مثله.

حديث ذهب أهل الدثور بالأجور والتنافس في الذكر بعد الصلاة

ولذلك حدث للصحابة شيء من هذا [التنافس في الخير]، قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يعني الناس التي معها أموال تتصدق وهكذا، وأنا مسكين ما معي شيء. ذهب أهل الدثور الذين هم الأغنياء بالأجور، أليس يتصدق؟

قال ﷺ:

«أفلا أدلكم على [ذكر] إذا ذكرتموه أخذتم مثلهم؟»

قالوا: نعم يا رسول الله. قال:

«بعد الصلاة في دبر كل صلاة قل: سبحان الله ثلاثة وثلاثين، الحمد لله ثلاثة وثلاثين، الله أكبر ثلاثة وثلاثين، ثم اختمها بلا إله إلا الله»

ففعلوا، فسمع الأغنياء ففعلوا مثل فعلهم، فأتى [الفقراء] وقالوا: يا رسول الله، سمعونا نقول ففعلوا مثل فعلهم. قال ﷺ:

«ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»

أي إذا كان الله تعالى قد وفق الغني للذكر وللعبادة مثلما وفقك أيها الفقير، فهذا كفى، فهذا أمر الله تعالى، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

حديث لا حسد إلا في اثنتين والفرق بين الغبطة والحسد المذموم

وفي موضوع الغبطة، وتحت عنوان الغبطة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علمًا فهو يعمل به ويعلمه الناس»

إذا كنت تريد أن تحسد في هؤلاء فاحسد بمعنى: يا رب أعطني مثله، ولا تقل يا ربِّ يُزيله من عنده؛ لأنه لو زال من عنده، إما أنهم يأتونك فيكون حسدًا مذمومًا، وإما أنهم لا يأتونك ولا يأتونه فيكون ذلك فسادًا في الأرض.

الرجل يُعلِّم ويُنفق ويعمل وهكذا، فلماذا تحرم الكون من هذا؟

الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب

ولذلك كان الحسد كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» أخرجه الإمام أحمد في مسنده

انظر! انظر الكلام، يعني كالنار في الهشيم، أي الحسنات: أنا عملت حسنات وكل شيء ولها رصيد حسنات، فجأة مخزني احترق، مخزن الحسنات احترق.

من الذي أحرقه؟ الحسد، أنني حسدت امرأة فذهب وأحرق لي مخزني. هل تحب أن مخزنك الخاص ببضاعتك، ورصيدك، ومالك، وغناك، هل تريد أن يحترق؟ لا بالطبع! فأنا لا أحب ذلك. حسنًا، لا تحسد الآخرين.

حديث النهي عن التحاسد والتباغض والأمر بإفشاء السلام

ولذلك قال رسول الله:

«لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله»

ما شاء الله، فليكن قلبي مشفقًا على أخي وعلى غيري وعلى جاري وكذا إلى آخره، وأحب له الخير.

فحذرنا صلى الله عليه وسلم قال:

«دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم»

أعوذ بالله! قال: الذي هو ماذا؟ قال: الحسد والبغضاء. الحسد والبغضاء: نحسد بعضنا ونتباغض.

«البغضاء هي الحالقة»

الحالقة: حالقة، يعني حالقة الشعر؟ يعني لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين. عمليًا شديدة جدًا.

لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا وإفشاء السلام

قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا»

وكان في رواية أخرى يقول لكم:

«أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»

ما شاء الله، طالما أنت تمشي هكذا تسلم على الناس: السلام عليكم، السلام عليكم، فسوف تتحابون ما شاء الله. الله عالمٌ بهذا الأمر، هذه قضية مؤثرة في النفس.

السلف يعتبرون الحسد أول خطيئة في الخلق وهي حسد إبليس لآدم

السلف كانوا يفهمون من سيدنا رسول الله أن الحسد لا بد أنه من المهلكات وأنه مهلكة وما إلى ذلك. كان بعض السلف يحب أن يقرأ في الكتب القديمة، أو كان يتبع حضارة قديمة أو نحو ذلك إلى آخره.

لقد دخلنا مصر ودخلنا الهند ودخلنا إيران ودخلنا غيرها إلى آخره، المسلمون دخلوا العالم ودخل في دين الله بعض السلف، وكانت هذه الأمم تنتقل إلى الإسلام: الفرس والروم والحبشة وغيرهم من كل الحضارات.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: كان بعض السلف يقول: إن أول خطيئة كانت هي الحسد، أول خطيئة كانت هي الحسد.

[المذيع]: هل يمكن أن نعرف تفاصيلها يا سيدنا بعد الفاصل؟

[الشيخ]: حسد إبليس آدم عليه السلام على رتبته فأبى أن يسجد له، فحمله الحسد على المعصية. أول خطيئة أن إبليس حسد آدم.

تفاصيل حسد إبليس لآدم عليه السلام وأنه مفتاح المعصية

[المذيع]: بعد الفاصل نعرف تفاصيلها أكثر. ها قد عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين عن الحسد، نتحدث مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

قبل أن ننتقل إلى الفاصل يا سيدنا، حضرتك أخبرتنا أن إبليس كان أول ذنب يُرتكب في الدنيا، وأن إبليس حسد آدم.

[الشيخ]: تأمل بعض السلف من خلال قراءة كتب الأقدمين ومن القرآن أيضًا، ويتأملون قصة الخلق التي ذكرها لنا الله سبحانه وتعالى. كان يقول أن أول خطيئة كانت في العالم في الخلق هي الحسد.

صحيح، فقد حسد إبليس آدم عليه السلام على أن الله قد نفخ فيه الروح وأنه كذا، فأبى أن يسجد له.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: حسد!

﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

فحمله الحسد على المعصية. وهذا ينبهنا على أن الحسد مفتاح المعصية، وأن الحسد ستتداعى له آثار كلها مكروهة عند الله سبحانه وتعالى.

قول ابن سيرين في عدم حسد أحد على أمر الدنيا

ولذلك كان ابن سيرين رضي الله تعالى عنه وهو من التابعين يقول: ما حسدت أحدًا على شيء من أمر الدنيا قط. ما شاء الله؛ لأنه إذا كان [المحسود] من أهل الجنة فكيف أحسده على أمر الدنيا وهي حقيرة في جانب الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير بذلك إلى النار؟

يعني لماذا أحسده؟ فتخيل أنه ينتبه لنفسه ولا يحسد الناس. إذا كان الرجل الذي أمامي هذا هو المحسود، فأمر هذه الدنيا، هذا الأمر الدنيوي إن جعله يدخل الجنة فينبغي عليّ أن أفرح حقًا وألا أحسده، وإن دخل النار فينبغي عليّ أن أخاف ولا أحسده أيضًا.

فعلى كل حال ليس هناك حسد، أو ينبغي علينا أن نربي أنفسنا على عدم الحسد.

عقوبات الحاسد في الدنيا والآخرة من المذمة واللعنة والفضيحة

وكان بعض السلف يقول: الحاسد لا ينال من مجالس الناس إلا المذمة والذل. المذمة والذل، والناس تكرهه طبعًا، الناس تكرهه.

ولا ينال من الملائكة إلا اللعنة والبغض، يا ساتر. ولا ينال من الخلق إلا جزعًا وغمًا. ولا ينال عند الموقف العظيم [يوم القيامة] إلا الفضيحة والنكال.

[المذيع]: أتسمح لي أن تقول لي إذا كان الحسد بهذا الشكل ملعونًا عند الناس وملعونًا عند الملائكة وملعونًا عند الخلق وملعون أمام الله سبحانه وتعالى، فلماذا سنفعله حقًا؟

[الشيخ]: وقال سيدنا معاوية رضي الله تعالى عنه: كل الناس أقدر على رضاهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها.

فكل الناس يعني نستطيع أن نرضيهم، أتفهم؟ كان سيدنا معاوية دائمًا يقول: لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت. فهذا هو الحال في الحاسد والحسد.

أسباب الحسد عند الإمام الغزالي من العداوة والكبر وخبث النفس

[المذيع]: ما هي الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الحسد يا مولانا؟ يعني حضرتك وضحت لنا الثماني أشياء التي تجعل الحاسد، أو التي قلنا الآن أن الحاسد مبغوض. يقولون فلان هذا عينه مدورة، لا تجلس معه، إنه يحسد. ما هي الأسباب التي يمكن أن تدفع الشخص إلى أن يحسد؟

[الشيخ]: العداوة والكبر والعجب والخوف من فوت المقاصد المحبوبة لدي، وحب الرياسة وخبث النفس والبخل والشح.

فهذه من الأشياء التي أشار إليها الإمام الغزالي في كتابه [إحياء علوم الدين] باعتبارها أنها من أسباب الحسد؛ لأن أسباب الحسد كثيرة.

العداوة والبغضاء تولد الحسد كما بينت الآيات القرآنية

لكن منها العداوة والبغضاء، أخذ ذلك من قوله تعالى:

﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 119-120]

أُخِذَ من هذا إلى أن العداوة والبغضاء تولد الحسد.

وكذلك قال تعالى:

﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118]

فالبغضاء ودٌّ مقارنة بذلك من العداوة والحسد. جاء [الحسد] من البغضاء: أنني أكره هذا الشخص، فأتمنى أن تزول النعمة من وجهه.

الكبر والعجب من أسباب الحسد كما بينت آيات القرآن الكريم

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: كما يقولون: الكِبر مثلًا، وقالوا:

﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]

انظر إلى الكِبر، يريدونه أن يكون ملكًا أو هذا أمر يختص به الله، إذ يصطفي من عباده من يشاء.

وكذلك هم يقولون:

﴿أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ [الأنعام: 53]

ألم يجد إلا هؤلاء المؤمنين؟ فردَّ الله عليهم:

﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53]

يعني إذا كان هذا التعاظم والكبر والفخر، فنستطيع أن نطلق عليه التنافس أو العُجب.

الأمم السابقة حسدت الأنبياء بسبب الكبر والعجب

فالشخص يعني يقول عن الأمم السابقة:

﴿قَالُوا مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: 15]

بشر مثلنا، يعني أيضًا عندما منّ الله عليكم من دوننا وهكذا، إنها منافسة، وهذا يولّد الحسد.

فقالوا:

﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ﴾ [المؤمنون: 47]

هنا أنتم تقولون كيف، ونحن في مواجهتكم، وكل شيء؟ هؤلاء بنو إسرائيل يعبدوننا، نقول: عندنا عبيد، عندنا عبيد، فنؤمن أن الاثنين إخوة! جاء سيدنا موسى.

﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾ [المؤمنون: 34]

مثلكم، بشر مثلكم.

الرد على شبهة بشرية الرسل وأن الوحي هو الفارق

ولذلك ردَّ عليه [القرآن] قال:

﴿إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]

لست مثلكم تمامًا ولكن يوحى إلي هي الفارق، بيدي هذا هو الذي أوحى [الله] سبحانه وتعالى.

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]

فأنا مالي؟ أنا مالي؟ قالوا:

﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 94]

نعم، بعث الله بشرًا رسولًا، أمره هكذا. فـالحسد يأتي من الكبر، هذا من المعارضة، هذه من أنك أنت مثل [غيرك]، فأنت أفضل مني في أي شيء؟

علاج الحسد وأنه ضرر على الحاسد لا على المحسود

[المذيع]: طيب، كل هذا يا مولانا في الدنيا جعل الله له دواء، ما هو الدواء أو العلاج الخاص بالحسد؟

[الشيخ]: الحقيقة أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وأنه لا ضرر فيه على المحسود لا في الدنيا ولا في الدين، بل إنه هو ينتفع به فيهما.

[المذيع]: نعم، طيب، كيف إذن؟ هو كأنه ضرر في الدنيا، وكيف أنه ضرر في الدين، وأنه لا ضرر على المحسود، وكيف أن المحسود ينتفع به؟

[الشيخ]: فضرر في الدين لأن الله سبحانه وتعالى يغضب عليك، وضرر في الدنيا لأننا قلنا إن المجالس تذمك والناس تخاف منك والملائكة تلعنك والموقف [يوم القيامة] يفضحك.

والضرر على المحسود أنه لا ضرر عليه بل ينتفع. يعني ما الذي فعلتَ أنت في المحسود؟ لا شيء، بل عكسته فقط.

قراءة المعوذتين علاج للحسد والمحسود خصيم الحاسد يوم القيامة

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وهو من أقرب طريق يعالج من هذا الحسد أن يقرأ المعوذتين، وبذلك تنتهي المشكلة حقًا. ثم إنه خصيمك يوم القيامة، سيأخذ منك الحسنات بسبب الحسد.

[المذيع]: نعم، جميل.

[الشيخ]: طيب.

[المذيع]: يا سيدنا، إذا كان الحسد ليس له ميزة، فإن الناس ستصبح كارهة له، خائفة من أن تُظهر النعمة التي بيدها حتى لا تُحسد، وستصبح مبغوضة عند الله وعند الملائكة وعند الخلق.

[الشيخ]: نعم، ربنا يحفظنا ويكفينا شر كل ما هو سيء في الدين والدنيا، في الدين والدنيا.

ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة على حديث الحسد

[المذيع]: نعم، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.