برنامج إحياء علوم الدين | حـ13 | سوء الخلق | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 13 | أ.د علي جمعة
- •يعرّف العلماء الخلق بأنه كيفية راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، فإذا كانت أفعالاً محمودة فهو حسن الخلق، وإن كانت شراً فهو سوء الخلق.
- •أوضح الإمام الغزالي أن أصول حسن الخلق أربعة: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل.
- •الحكمة هي حالة للنفس تدرك بها الصواب في الأفعال الاختيارية، والشجاعة جرأة بلا تهور، والعدل أساس الملك، والعفة منع النفس عن الشهوات القبيحة.
- •يمكن للإنسان معرفة عيوب نفسه بطرق منها: الجلوس بين يدي معلم بصير، والصديق الصادق الذي يهدي العيوب، والتأمل الصادق مع النفس، وألسنة الأعداء.
- •وصف الله المؤمنين بصفات كثيرة في القرآن، وكذلك النبي الذي قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
- •بُعث النبي ليتمم مكارم الأخلاق، وكان خلقه القرآن، ويربط الأخلاق بالعقيدة في أحاديثه.
مقدمة الحلقة والترحيب بالإمام علي جمعة للحديث عن حسن الخلق وسوء الخلق
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: اليوم يا مولانا نستكمل مع فضيلتكم الحديث عن إحياء علوم الدين، ونريد أن نتحدث عن حسن الخلق وسوء الخلق.
تعريف الخُلق عند الإمام الغزالي بأنه كيفية راسخة في النفس
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. من المهلكات سوء الخلق، ولذلك أُمرنا بأن نخلي قلوبنا وهيئاتنا وأنفسنا من سوء الخلق.
وكلمة الخُلق عرّفها العلماء ومنهم الإمام الغزالي بأنها كيفية راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر.
[المذيع]: ما شاء الله، كيفية.
[الشيخ]: نعم، أحيانًا يقولون هيئة، هيئة كيفية وهيئة في مقولة من مقولات الوجود اسمها الكيف، أي يعدون منها الألوان مثلًا: أبيض وأسود، ويقال له هذا كيف. وهذا في الكم الذي هو الطويل والقصير والسمين والنحيف المقيس بالوزن أو بالمتر أو بالطول هكذا.
الخُلق بالنسبة للنفس كاللون بالنسبة للبشرة وتقسيمه إلى حسن وسيء
فالكيف هذا هو كيفية راسخة، تمامًا مثل اللون؛ الشراب لونه أحمر أو أخضر أو غير ذلك إلى آخره. الإنسان قد تكون بشرته بيضاء أو حمراء أو صفراء أو سوداء، هذه كيفية.
فهذه كيفية راسخة في النفس، والخُلق بالنسبة للنفس فهي كاللون بالنسبة للبشر، راسخة فيها، راسخة فيها. فإذا كان هذا اللون يصدر عنه هذه الكيفية، تصدر عنها الأفعال بسهولة، أفعال جميلة محمودة، فهو خلق حسن.
[المذيع]: ما شاء الله، أفعال مرضية.
[الشيخ]: وإذا كانت شرًا فهو خلق سيء. إذن الخُلق هو كيفية راسخة في النفس عنها تصدر الأفعال بسهولة؛ هذه إذا كانت خيرًا تكون حسن الخلق، وإذا كانت شرًا فهذا خلق سيء وهو من سوء الخلق.
تزكية النفس تؤدي إلى حسن الخلق وتدسيتها يؤدي إلى سوء الخلق
ربنا سبحانه وتعالى قال:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
فهناك تزكية تؤدي إلى حسن الخلق، وهناك من يدسي نفسه ويتركها على هواها وكيفيتها الباطلة، وهذا نسميه سوء الخلق.
بعثة النبي ﷺ لإتمام مكارم الأخلاق وحبه للشهامة والصدق والكرم
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
عليه الصلاة والسلام، إذن مكارم الأخلاق هذه كانت موجودة قبل الإسلام، فجاء سيدنا ليضع اللمسة الأخيرة عليها، أي ليتممها وليظهرها بأحسن حال.
فكان يحب الشهامة، وكان يحب الصدق، وكان يقول:
قال رسول الله ﷺ: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»
وكان يحب الجميل من الأخلاق.
إكرام النبي ﷺ لبنت حاتم الطائي تعظيماً لمكارم أخلاق أبيها
فكان لما جاءت إليه بنت حاتم الطائي فرش لها عباءته الشريفة وأجلسها عليها عليه الصلاة والسلام، استعظم حال أبيها من الكرم؛ لأنه كان يحب الكرم، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم، كان إذا دخل رمضان كان كالريح المرسلة ما شاء الله عندما يلقى جبريل.
فلما رأت البنت أنه يُعظِّمها، وكونك تخلع العباءة وتضعها لها، فهذا عند العرب أمر عظيم جدًا، وهذا في إعزاز لبنت حاتم الطائي أمام الناس وأمام الصحابة. سيدنا خلع عباءته من أجل هذه المرأة، إذن هذه عظيمة عنده وهو يُجلسها على هذا، تفضلي اجلسي هنا.
حوار النبي ﷺ مع بنت حاتم الطائي عن مصير أبيها في الآخرة
قالت، قال لها:
قال رسول الله ﷺ: «إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»
ما شاء الله، فقالت له: أهو في الجنة يا رسول الله؟ هذه أخت عدي بن حاتم، نعم، فعدي أسلم وأخته أسلمت.
[المذيع]: دخلنا في قضية أخرى.
[الشيخ]: نعم، طمعت إذن، فالنبي يفرش العباءة لكن هذه قضية أخرى الآن.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كونوا في الجنة أو كونوا في النار، هذا الأمر لله سبحانه وتعالى.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لكننا هنا في الدنيا أُمرنا باستعظام حسن الخلق وتعظيمه، وأبوك رجل كريم، يجب أن نكرمك لأجل أبيك -ما شاء الله-.
حكم حاتم الطائي في الآخرة وأن الكرم محمود حتى لو كان للسمعة
هو في الجنة يا رسول الله؟ قال: بل هو في النار. لماذا تدخلين في المضايق؟ هذه الخاصة بربنا يوم القيامة؛ أنه كان يفعل ذلك لسمعة يتسمعها حتى يقال عنه أنه كريم.
حتى مع هذا فالكرم محمود حتى مع هذا، فإن أباك كان يحب مكارم الأخلاق وكان كريمًا يحب الكرم.
إذن فنحن مأمورون بالتخلي عن سوء الخلق وبالبحث عن حسن الخلق.
أصول حسن الخلق الأربعة عند الغزالي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل
أي حسن الخلق له أصول وله مفاتيح وله أسس، والغزالي رضي الله تعالى عنه يقول إن أصوله أربعة، أصوله أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل.
[المذيع]: ما شاء الله، يا سلام! لو الناس عرفت هكذا لكانت ارتاحت حقًا.
[الشيخ]: انظر إلى الأربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل.
[المذيع]: نعم، هؤلاء هم الأربعة هكذا.
[الشيخ]: نعم.
تعريف الحكمة بأنها حالة للنفس تدرك بها الصواب من الخطأ
الحكمة أيضًا هيئة للنفس بها تدرك النفس الخطأ من الصواب في جميع الأحوال الاختيارية. إذن نستطيع أن نعرف الحكمة بأنها حالة للنفس تدرك بها الصواب في جميع الأحوال الاختيارية أو الأفعال الاختيارية، هذه هي الحكمة.
ماذا تعني الحكمة؟ تعني أن لدي ميزانًا أزن به الصحيح من الخطأ، هكذا ببساطة كما يقولون: لدي ميزان أزن به الصحيح من الخطأ.
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
الشجاعة والعدل والعفة كأصول لحسن الخلق وأثر غيابها على الأمم
القضية الثانية: قضية الشجاعة، فالشجاعة هذه فيها جرأة ولكنها ليست تهورًا، جرأة تدعو الإنسان إلى العمل والإقدام، وقد يكون الإحجام مقبلين ومدبرين ولكن بشجاعة بقوة.
الثالثة: العدل، العدل أساس الملك، العدل الذي إذا ما نُزع من أمة وصلت هذه الأمة إلى الفتن، فالعدل بين الناس والعدل أساس الملك.
الرابع: العفة، العفة معناها التأدب، معناها منع النفس عن الشهوات القبيحة، معناها يتولد منها الحياء، والحياء خير كله.
فهذه هي الأصول الأربعة الكبيرة التي إذا ما سُلبت من الإنسان أو ما سُلبت من جماعة من الجماعات البشرية أو ما سُلبت من أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات فكان ما حطمنا المبادئ العليا لحسن الخلق.
مدح الله لحسن خلق النبي ﷺ وشهادة عائشة بأن خلقه القرآن
ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
يمدح حسن الخلق، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول:
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خُلقه القرآن» أخرجه مسلم
عليه الصلاة والسلام.
طرق معرفة عيوب النفس: الطريق الأول الجلوس بين يدي شيخ معلم بصير
[المذيع]: حسنًا يا سيدنا، هل الإنسان يمكن أن يقدر على معرفة عيوب نفسه أم يجب أن يكون هناك شخص آخر؟ يعني هل يمكن أن تكون لدي الحكمة لأعرف عيوب نفسي أم يجب أن يدلني أحد عليها؟
[الشيخ]: لذلك هناك طرق تحدث عنها الغزالي في الإحياء. الطريق الأول أن الإنسان يجلس بين يدي معلم بصير، بين يدي معلم بصير.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كما نسميه شيخ المربي، وهو بصير بعيوب النفس، ولذلك يربينا الأستاذ، يربينا الأب، يربينا، الأم تربينا، المرشد المعلم يربينا.
فأول طريق هو طريق التلقي من الشيخ العارف البصير بعيوب النفس، الناصح الأمين الذي يريد أن ينقل لي تجربته.
ندرة المعلمين الناصحين في العصر الحالي وبخل الناس بالعلم والتربية
والذي أصبح الآن في عصرنا هذا قليلًا؛ كان الناس قديمًا يُحبّون تعليم أولادهم الحِرفة ويُعلّمونهم الأدب ويُعلّمونهم كل شيء ويُعلّمونهم الدين.
أما الآن، فكل واحد يبخل بعلمه والعياذ بالله تعالى. وهنا سنُفرد حلقة خاصة عن البخل.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأن البخل قد يكون ماديًا وقد يكون معنويًا.
[المذيع]: نعم، حسنًا سيدنا، لنذهب إلى الفاصل بإذنك ثم نعود نستكمل الطريق الثاني، الطريق الثاني للتعرف على العيوب. فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.
الطريق الثاني لمعرفة عيوب النفس: الصديق الصادق الذي يصدقك القول
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، نتحدث عن حسن الخلق وسوء الخلق. قبل أن نخرج الفاصل يا سيدنا، حضرتك قلت لنا أن أول شيء أو أول طريقة نتعرف بها على الخلق هي جلوس الإنسان أمام شيخ معلم.
[الشيخ]: نعم، الإنسان يعرف عيوب نفسه من الشيخ ويعرف أيضًا كيف يقاومها. الطريق الثاني غير الشيخ هو الصديق.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وسُمي صديقًا في اللغة العربية لأنه يصدقك.
معنى الصداقة الحقيقية وقول عمر رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي
[المذيع]: لا، يصدقك.
[الشيخ]: لا، يصدقك. صديقك من صدقك لا من صدّقك، الله! يعني لماذا هو صديق؟ فعيل يعني مصدِّق، لماذا؟ لأنه يصدقك القول، يقول لك الحكاية كما يراها.
ولذلك كان سيدنا عمر يقول:
قال عمر رضي الله عنه: «رحم الله امرءًا أهدى إليّ عيوبي»
ما شاء الله، يدعو له. فإن الصديق الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك.
[المذيع]: الله، واعٍ.
[الشيخ]: كيف؟ فالصديق صديق، إنما سُمي بذلك لأنه يصدقك القول، لا أنه يصدقك ويتملقك وينافق.
الفرق بين الصداقة الحقيقية والنفاق وأهمية التأديب لا الإيذاء
[المذيع]: هل هذه مقولة: يا بخت من بكاني وبكى عليّ، ولا ضحكني وضحك الناس عليّ؟
[الشيخ]: هذا نوع من أنواع العلاقة التي تأتي في الصداقة والتي تأتي في المشيخية والتي تأتي في الأبوة والأمومة والتي تأتي في التربية والأستاذية وهكذا.
yعني هو أبكاني.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لكن تأديبًا وليس انتقامًا ولا إيذاءً ولا غير ذلك إلى آخره، لكن هذا النفاق منهي عنه.
حرص سيدنا عمر على سؤال حذيفة بن اليمان عن آثار النفاق
كان سيدنا عمر دائمًا حريصًا أن يسأل حذيفة بن اليمان، وحذيفة بن اليمان من مزاياه أنه كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المنافقين.
فكان سيدنا عمر يمسك سيدنا حذيفة ويختلي به هكذا ويقول له: هل ترى عليَّ شيئًا من آثار النفاق؟ أنت خبير في مسألة النفاق هذه لأنك أنت صاحب سر سيدنا رسول الله وهو الذي علَّمك هذا منافق وهذا كذا إلى آخره، فأنت يجب أن يكون لديك أسرار ولديك كذا.
فانظر حرص سيدنا عمر على الصديق الصدوق.
حوار عمر وحذيفة عن باب النفاق وعلم عمر بأنه سيُقتل شهيداً
الذي كان يقول له حذيفة:
قال حذيفة لعمر رضي الله عنهما: «إن بينك وبين النفاق بابًا»
فكان يقول له: أيُكسر أم يُفتح؟ قال: بل يُكسر. فكان عمر يعرف أنه سيُغتال، سيُقتل، سيموت شهيدًا.
شهيد، يعني يُكسر أو يُفتح، يعني سيموت أم سأُقتل، كأنها معناها هكذا. فكان يقول: لا، سيُكسر، سيُكسر، أي سيُقتل. وقد كان، وهو يصلي الفجر، وقتله اللعين الذي قتله، هذا أبو لؤلؤة المجوسي.
الطريق الثالث والرابع لمعرفة عيوب النفس: التأمل وألسنة الأعداء
فيعني عيوب النفس أيضًا يمكن أن ندركها بالتأمل عندما يكون الإنسان صادقًا جدًا مع نفسه، مع نفسه، فهذا طريق ثالث أيضًا، أن يعرفها بالتأمل.
عيوب النفس يمكن أن تُعرف عن طريق ألسنة الأعداء، ألسنة الأعداء يذمونني فأعرف أن هذا عيب فيَّ، أنه عيب فيَّ.
[المذيع]: ياه، جميل!
[الشيخ]: ليس أنه عندما يذمني العدو فسآخذ هذا على باب العداوة وحسب، لا، أولًا شيء أتهم نفسي به، أو قد يكون فيه صحيح من الكلام الذي يقوله، فله حق فيها. من الذي له حق؟ عدوي.
الانتباه لعيوب النفس قبل عيوب الآخرين ومخالطة الناس كطريق خامس
أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك؟ يجب على المرء أن ينتبه إلى جذع النخلة الذي في عينه، فعندما يسمع الأعداء يقولون عنه شيئًا، عليه أن يتهم نفسه أولًا، بنفسك ثم بمن تعول، ما شاء الله.
فأيضًا من الطرق التي يمكن أن نتوصل بها إلى العيوب أن يخالط الناس، أي فالمؤمن مرآة أخيه، فلينظر أحدكم من يخالل، ما شاء الله.
فدائمًا المرء يرى، يعني مثل أيضًا:
قال عمر رضي الله عنه: «رحم الله امرءًا أهدى إليّ عيوبي»
أهدى إليّ عيوبي.
[المذيع]: جميل.
كيف يعرف الإنسان أنه أصبح حسن الخلق من خلال صفات المؤمنين في القرآن
[المذيع]: إذا تعرَّف الإنسان على عيوب نفسه بالطرق التي أوضحتها لنا فضيلتك، من خلال الشيخ أو مخالطة الناس أو من نصائح أعدائه، وبدأ يحاول أن يُصلح هذا الخُلق، فكيف يعرف أنه أصبح حسن الخلق؟
[الشيخ]: عندما تكون صفاته من صفات المؤمنين. انظر إلى ما قاله الله تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [المؤمنون: 1-11]
وسمَّى السورة كلها بهذا الاسم سورة المؤمنين.
صفات المؤمنين في سورة التوبة والأنفال كمعيار لحسن الخلق
[المذيع]: ما هو ما شاء الله، هي هكذا.
[الشيخ]: نعم، عندما يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 112]
ما شاء الله، قبلنا البشرى ونعمل، يعني عندما نقوم نعمل هكذا.
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 2-4]
ما شاء الله، حقًا! هذا رب العالمين يقول هكذا.
﴿لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4]
قد وصفهم.
صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان كمعيار قرآني لحسن الخلق
عندما يقول:
﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا سَلَـٰمًا * وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾ [الفرقان: 63-64]
إلى آخر الآيات. أنا عندي المعيار موجود في القرآن، فأرى نفسي إذا كنت من هؤلاء، وأفعل فعل هؤلاء، فالحمد لله الذي وفقنا لهذا.
حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبؤرة مكارم الأخلاق
أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن بصفات كثيرة، وأشار إلى مجامعها، البؤرة التي تجتمع فيها الأشعة فقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»
ما شاء الله، أنت تريد أن ترى نفسك؟ أحبب لأخيك ما تحبه لنفسك.
[المذيع]: نعم، جميل.
[الشيخ]: وقال:
قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
ربط الأخلاق بالعقيدة في أحاديث النبي ﷺ وأهمية الإخلاص لله
انظر، انظر إلى الكلام، ربط الأخلاق بالعقيدة.
[المذيع]: جميلٌ.
[الشيخ]: عليه الصلاة والسلام ربط الأخلاق بالعقيدة. ما علاقة إكرام الضيف أو إكرام الجار أو أن يتكلم ويصمت بإيمانه بالله واليوم الآخر؟ هذا ربط مباشر هكذا؛ لأنه فعلًا يجب في هذه الأشياء ألا تكون من قبيل التفاخر والعُجب والرياء، وإنما تكون من قبيل أن يفعل ذلك لله، أي وأنه يفعل ذلك لأن الله يحب ذلك.
حديث المجالس بالأمانات وأهمية حفظ أسرار المجالس
فالإنسان هكذا بأحسن [حال]، انظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله عز وجل، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره»
هذا شيء يقول: المجالس بالأمانات، المجالس بالأمانات، لا تنقل الكلام وتفعل وكذا إلى آخره.
فحسن الخلق في الحقيقة هو شيء عظيم جدًا، وكلما قرأنا في إحياء علوم الدين وفي غيره من الكتب نرى تطبيق هذا في الواقع العملي.
قصة سيدنا علي مع غلامه الذي تكاسل عن إجابته لأنه أمن عقوبته
يعني سيدنا علي يروي عنه الإمام الغزالي في الإحياء أن عليًا كرم الله وجهه دعا غلامًا فلم يجبه.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كان عنده ولد خادم أو كان عبدًا أو كذا، يا ولد تعالَ، لم يأتِ، فدعاه ثانيًا، لا يوجد، وثالثًا فلم يُجب، فقام إليه فرآه مضطجعًا نائمًا مستريحًا هكذا.
قال: أما تسمع يا غلام وأنا أناديك؟ فنظر إليه هكذا، قال له: بلى. قال: بلى. قال: فما حملك على ترك إجابتي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت، أعلم أنك لن تضربني ولن تصرخ في وجهي ولن تفعل شيئًا، فتكاسلت أنا تكاسلت ولن أجيب.
عفو سيدنا علي عن غلامه وتحريره لوجه الله تعالى
[المذيع]: شيء يغضب، نعم، هذا كان تلقى ضرب موت في هذه الأيام، أليس كذلك؟ تموت؟
[الشيخ]: نعم، هذا شيء وهو أيضًا الآن لم يعد هناك عبيد.
[المذيع]: نعم، هذا كان في ملكه.
[الشيخ]: نعم، كان في ملكه، نعم. أنا لا يهمني لأنك أنت آمنت عقوبتك، فذهب سيدنا علي، ثم ماذا حدث؟ يتخيل المرء أنه ضربه.
[المذيع]: نعم، شتمه.
[الشيخ]: حتى إنه غضب منه واستاء منه كما تقول قريش، استاء منه هكذا، لكنه قال له: امضِ فأنت حر لوجه الله.
[المذيع]: ما شاء الله! ما شاء الله!
نبل سيدنا علي واستعداد الصحابة للعمل بأخلاق الإسلام في الواقع
ما الذي كان يميز أولئك الناس؟ يعني هذه الناس، بعض الناس لا تصدق هذه الأمور من فرط توغلهم في الدنيا وتمسكهم بها، ليس لأن هؤلاء الناس لم يفعلوا هذا أو لأن هذه روايات ضعيفة مثلًا، لا، هذه روايات صحيحة، لكنهم كانوا مستعدين للعمل ما شاء الله.
كانوا مستعدين للتلقي عن الله ورسوله وتطبيق هذا في الواقع. فعلًا هذا من داخله فارس نبيل، سيدنا علي كان فارسًا نبيلًا.
تعليل سيدنا علي لعتق غلامه بأن الأمل الفسيح يجب أن يكون مع الله
فلما قال الولد هذا الكلام، قال له: أنت حر لوجه الله. حَسَبَها.
[المذيع]: نعم، حَسَبَها.
[الشيخ]: وقال: لماذا أغضب وأنفعل عليه؟ لماذا أغضب؟ اذهب أنت حر لوجه الله، ما دمت لديك الأمل الفسيح فيّ أنا، أفلا يكون لديك الأمل الفسيح في الله؟ الأمل الفسيح مع الله، اذهب فأنت حر لوجه الله.
ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة والوعد بلقاء قادم
[المذيع]: ربنا يحفظك يا مولانا وينفعنا بعلمك ويزيدك علمًا وينفع المسلمين بعلم فضيلتكم. وقت البرنامج مع فضيلتك يمر بسرعة.
اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
