برنامج إحياء علوم الدين | حـ4 | الغيبة والنميمة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 04 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ4 | الغيبة والنميمة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 04 | أ.د علي جمعة

21 دقيقة
  • الغيبة هي ذكر الأخ بما يكره مما هو فيه، والبهتان ذكره بما ليس فيه، أما النميمة فهي الإفساد بين الناس من خلال نقل الكلام بقصد إيقاع الفتنة.
  • يكره الإنسان ذكره بنقص في بدنه أو نسبه أو خلقه أو دينه أو حياته أو ممتلكاته.
  • القدح ليس بغيبة في ست حالات: المتظلم، المعرف، المحذر، مظهر الفسق، المستفتي، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر.
  • أسباب الغيبة والنميمة: الشهوة الغضبية، التشفي، موافقة الرفقاء، المباهاة، الحسد، الاستهزاء، وسوسة الشيطان.
  • طرق التخلص من الغيبة: تعظيم شأنها، الصمت وقلة الكلام، التركيز على عيوب النفس.
  • كفارة الغيبة: ذكر المغتاب بالخير، الاستغفار له، الدعاء له، الاعتذار له إن كانت العلاقة قوية.
  • يجب العفو والصفح والإحسان لمن أساء إلينا، ووصل من قطعنا.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال عن الفرق بين الغيبة والنميمة

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: في الحلقة الماضية مولانا تكلمنا عن الكذب كآفة من آفات اللسان، اليوم إن شاء الله نريد أن نتحدث عن الغيبة والنميمة. في البداية نريد أن نعرف: ما الفرق بينهما، أو ما هي الغيبة وما هي النميمة؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الغيبة والنميمة والبهتان، هذه ثلاثة، نعم، جميل، وهي من آفات اللسان التي يجب أن نتخلى عنها.

تعريف الغيبة والبهتان كما عرّفها رسول الله ﷺ

والغيبة كما عرّفها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أن تذكر أخاك بما يكره»

بما يكره، سواء كان فيه أو ليس فيه. أي فإن كان فيه فعلًا الذي ذكرته حقيقة هي قائمةٌ فيه فقد اغتبته، وإذا لم يكن فيه فقد بهتَّه.

أي إذا استطعنا أن نقول إن هذا الذكر بالحقيقة - ذكر الأخ بما يكره - ينقسم إلى قسمين: غيبة وبهتان. والغرض من هذا هو أنني أذكره فأحقره.

تعريف النميمة والفرق بينها وبين الغيبة في الإفساد بين الناس

لكن إذا أردت أن أفسد في الأرض بهذه الغيبة تحولت إلى نميمة، تحولت إلى نميمة أوقع بين الناس. يعني أوقع بين الناس، يعني أنا لا أذكر هذا انتقاصًا منه، لا، بل أنا حتى أُحدث فتنة بينه وبين من حوله، فهذه هي النميمة.

ما الذي يكرهه؟ أذكر نقصًا في بدنه، في نسبه، في خلقه، في فعله، في قوله، في دينه، في حياته، في ثوبه، في داره، في أي شيء. المهم أنه لو بلغه ما أقول لكره هذا، فهذه غيبة.

أمثلة على الغيبة في ذكر عيوب الناس الجسدية والخلقية

واجلس إذن، يعني سبحان الله، أحيانًا الإنسان يخدع نفسه فيقول: هذا أعمش، هذا أحول، هذا أقرع، هذا قصير، هذا طويل، هذا سمين، آه إن والده يعمل لا أعرف ماذا، إن والده كان فاسقًا، إن والده يفعل...

كل هذه الأشياء لو ذكرتها أمامه لغضب. هذا سيء الخلق، هذا بخيل، هذا متكبر، هذا كذا إلى آخره، كل هذه غيبة ونميمة.

إشكالية العلماء في تطبيق قيم ترك الغيبة مع ألقاب مثل الأعمش والجاحظ

العلماء الحقيقة، لأنهم علماء عاملون، يصطدمون عند تطبيق هذه القيم العليا وهذه الأشياء الجميلة، يصطدمون بقضايا ومشكلات فينبهون عليهم.

عندما فعلنا ذلك وجدنا أعمش، حسنًا، فسليمان بن مهران اسمه الأعمش، نعم، ونقول عليه الأعمش، فهل ارتكبنا خطأً؟ نعم، وكذلك الأحول وغيره، الجاحظ والأصم، حاتم الأصم والجاحظ. وبعد ذلك، هل هذا يعني أننا ارتكبنا خطأً أم لا؟

الحالات الست التي يجوز فيها القدح ولا تعد غيبة

وبعد ذلك، حسنًا، افترض أن القاضي قال لي؛ فلنفترض أن شخصًا أعرف أنه سارق ومختلس وكل شيء، وسوف أستر عليه أو ما شابه، لكن الرجل يقول لي: إنه يتقدم لخطبة ابنتي، وأنا أعلم أن أخلاقه سيئة، هل أخبره أم لا أخبره وما إلى ذلك.

ولذلك صاغوا بيتين من الشعر لحل هذه المشكلة، فيقولون: القدح ليس بغيبة في ستة. إذن في ستة مسائل يكون القدح ليس غيبة:

  1. مُتظَلِّم
  2. ومُعَرِّف
  3. ومُحذِّر

هذه ثلاثة: المتظلم، والمعرّف، والمحذر.

شرح حالة المتظلم والمعرّف في استثناءات الغيبة

المُتظلم يعني عندما يذهب شخص ليشتكي إلى القاضي، يشكو للقاضي أو للشرطة أو للنيابة أن فلانًا سرقه. حسنًا، فهو هنا اغتابه بالفعل، اغتابه صحيح، لكن هذا يبحث عن حقه، نعم، لكن هذا يتعرض للظلم.

ومُعرِّف: سليمان مهران اسمه الأعمش، أنا أعرفه لأنني إن قلت لك سليمان مهران أنت لا تعرفه. ومعرف.

شرح حالة المحذر في استثناءات الغيبة عند الاستشارة في الزواج

ومُحذِّر، عندما جاءني الرجل وقال لي: هذا سيتزوج ابنتي، أوافق أم لا؟ أقول له: لا، أحذر. هذا مرفوع عليه قضية شيك بلا رصيد، هذه عليه قضية مخلة بالشرف، هذا رجل عنيف، هذا الرجل بخيل، هذا الرجل سيتعب ابنتك.

لقد تزوج من قبل وطلق ثلاث مرات لأنه يجلب المشاكل. يجب أن أتكلم الآن لأنني محذِّر هنا.

شرح حالة مظهر الفسق والمستفتي وطالب الإعانة في إزالة المنكر

ولمظهر فسق، ومستفتٍ، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر. يبقى الثلاثة الآخرون هاهم، نحن نقول ستة: مُتظَلِّم ومُعَرِّفٍ ومحذر ولمظهر فسقًا.

واحد فاسق علنًا ويجاهر بفسقه علنًا هكذا، ويصورونه ويعلنوا فسقه وكذا إلى آخره، وهو لا يبالي، ويظهر لي في كل مكان بفسقه هذا ويتفاخر به. بالله عليك كيف يكون لهذا غيبة؟ هو نفسه لا يكره هذا، خلاص خرج من الغيبة هذه.

ولهذا السبب يقولون مقولة: لا نميمة في فاسق؟ نعم، لأنه هو الذي فعل هكذا، هو الذي يقول عن نفسه هكذا، نعم، ليس أنا الذي أغتابه، يعني هو الذي يظهر للناس بهذه الصورة، كل الناس يعرفونه وهكذا، وهو يرتكب المعصية. ولمظهر فسقًا.

شرح حالة المستفتي وطالب الإعانة في إزالة المنكر

ومستفتٍ: يأتي إلى المفتي ويقول له: أريد فقط أن أفهم إذا كان ما تفعله أمي معي مقبولًا أم غير مقبول، وهل مقبول ما تفعله ابنتي أو ابني، وما أفعله مع زوجتي أمر مقبول. إنه ذكر أمه وأخته وابنته وابنه، أليسوا هؤلاء بشرًا يغتابهم؟ لا، إنه يستفتي تمامًا كالقاضي، مثل المتظلم.

طلب الإعانة في إزالة منكر: وجدت أناسًا سيغتصبون أرضًا فأذهب لأحضر الشرطة لكي يلحقوا بمنعهم من هذا [الاغتصاب].

الاستثناءات الستة ليست رخصة مطلقة بل مصلحة بضوابط معينة

إذا كانت هذه الستة هي التي لا غيبة فيها، لكن انظر إلى الشرع وجماله. أتتذكر عندما تحدثنا في حلقة سابقة عن موضوع الكذب؟ نعم، أريد أن أقول إنه أيضًا هنا هذا ليس غيبة ونميمة، صحيح، هذه عبارة عن مصلحة يؤديها بضوابط معينة.

فينبغي علينا أن نتأكد من هذا المعنى.

أسباب الوقوع في الغيبة والنميمة عند الإمام الغزالي وشهوة القلب

حسنًا، ما هي الأشياء التي ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي وغيره من العلماء؟ ما هي الأشياء التي تدفعني إلى أن أغتاب أو أن أنمّ؟ إنها الشهوة، شهوة القلب. يقول ربنا:

﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]

فهي شهوة، يريد أن يأكل لحم أخيه، في شهوة عند الإنسان اسمها الشهوة الغضبية.

التشفي وموافقة الرفقاء والعقل الجمعي من أسباب الغيبة

وهناك شهوة أخرى منها التَشَفّي، الناس تحب التشفي. نقول لهم: يا إخوان لا تتشفوا، فالتشفي هذا يُحدث عندك شيئًا آخر من التكبر، من الكِبر، وستقع فيه يومًا من الأيام.

هناك سبب آخر أيضًا وهو موافقة الرفقاء الذين يسمونهم بالعقل الجماعي. أنا أساير الجميع، فأنا جالس في وسط الناس أساير الجميع، فوجدت أناسًا يقولون هذا فلان سيئ، فأقول: نعم والله هو سيئ. وعلى فكرة لو قالوا هذا فلان طيب، لقلت لهم: نعم إنه طيب.

ففي كتاب الإمام الغزالي يكتب هكذا في الإحياء، يقول لك أن من أسباب هذه الغيبة المُسايرة، المُسايرة التي هي الرفقة التي نسميها نحن الآن في الأدبيات الحديثة العقل الجمعي.

إرادة التصنع والحسد والاستهزاء من دوافع الغيبة والنميمة

أيضًا من ضمن الأسباب إرادة التصنع والمباهاة، إرادة التصنع والمباهاة هذه شهوة.

وأيضًا من ضمن ذلك أن أكون حاسدًا، عندي حسد له ولا أجد له عيبًا، فأختلق له أي نقيصة وأنسبها له هكذا.

ومن ضمنها أيضًا الاستهانة واللعب والهزل وما إلى آخره. أنت تفعل هكذا لماذا؟ قال لك: لا، إنني أفعل هكذا لأنني ألعب، أنا أمزح يا أخي، أنا أمزح يا أخي.

ومن ضمنها حب السخرية والاستهزاء، وكل هذا منشأه على فكرة الكبر.

دسائس الشيطان وحيل النفس في تغليف الغيبة بالدعاء والوعظ

ومن ضمنها أيضًا ألا يُخفي المرء أن هذا من دسائس الشيطان. الشيطان، نعم، أحيانًا يفعل أشياء يتعجب لها المرء. ما الذي يجعلنا نقول إنني لا أحسد ولا أفعل كذا إلى آخره، ويجعل المرء يقول كلامًا ملتويًا وهو في النهاية غيبة ونميمة؟

صحيح يا أخي، مسكين فلان هذا، الله يكون في عونه فيما ابتلاه الله به. ما هذا؟ كأنك واعظ له! لقد أصبحت واعظًا! يقول إنك استخدمت كلمة الله وأنت صادق بالفعل، لكنك ذكرته بما يكره، ولذلك أنت اغتبته أيضًا، ولن ينفعك أن تفعل هكذا.

حيلة التلميح دون التصريح بالاسم وهي غيبة أيضاً

أيضًا من الحيل الخاصة بهذا الأمر أن نقول لك: هناك شخصٍ ما وهو متأكد أنك تعرفه، نعم، أنا لن أذكر أسماء لأن الله أمر بالستر، نعم، هو يعلم أن كل الحاضرين يعرفونه. صحيح، ولكن هذا أيضًا، أنت اغتبته ونميته.

التخلص من الغيبة والنميمة يحتاج تأملاً وعملاً جاداً

الغيبة والنميمة كي نتخلص منها، انظر إلى العلماء وهم يكتبون هذا الكلام كله الذي أقوله عن تأمل، عن تدبر، عن أناس يريدون أن يعملوا، أناس يريدون فعلًا أن يبتعدوا عن الغيبة والنميمة.

فإذا أردت أنت أن تبتعد عن الغيبة والنميمة ماذا تفعل؟ تبتعد عن الحسد. نعرف، نعرف ماذا نفعل يا سيدنا؟ ممكن بعد الفاصل. نعم، طيب فاصل نعود إليكم فابقوا معنا.

كيفية التخلص من الغيبة بتعظيم الذنب والأمر النبوي بحفظ اللسان

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. قبل أن نخرج إلى الفاصل يا سيدنا، وصلنا إلى كيفية التخلص من الغيبة والنميمة.

[الشيخ]: ربنا سبحانه وتعالى أمرنا:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»

كيف نتخلص من آفة اللسان؟ أول شيء:

قال ﷺ: «اضمن لي ما بين لحييك وفخذيك، أضمن لك الجنة»

يجب علينا أن نعظم شأن الغيبة، فهذه مصيبة كبيرة أن يغتاب المرء، بدون هذا التعظيم في استهانة، فلا بد علينا أن أعظم الذنب.

فضل الصمت وقلة الكلام وأثرهما في الحكمة وترك الغيبة

ثانيًا الصمت، ابن أبي الدنيا ألّف لنا كتابًا كبيرًا فيما ورد عن سيدنا صلى الله عليه وسلم في الصمت. جميل، يعني قلة الكلام، قلة الكلام تجعلني حكيمًا.

«إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتًا فاعلموا أنه يلقن الحكمة»

ما شاء الله، ربنا يقول:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم:

«إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»

ويقول:

«طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس»

وسائل ترك الغيبة والتحذير النبوي من تتبع العورات

هذه هي الوسائل التي إذا ما تذكرتها أعانتني على ترك الغيبة. التفت إلى نفسك، تدبر حالك، اصمت، واعلم أن الكلمة تملكها حتى إذا ما نطقت بها فإنها تملكك.

اعلم أنه:

قال ﷺ: «يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه مَن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومَن تُتُبِعَت عورته فإنه يفضحه ولو في جوف بيته»

يا ساتر! فلو استعظم الإنسان قضية الغيبة والنميمة والتزم قوله تعالى:

﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا﴾ [الحجرات: 6]

وعرف أن اللسان، فهل يكب الناس على النار إلا حصائد ألسنتهم، والله ما يغتاب بعد ذلك أبدًا.

قصة الشيخ الذي كان يواجه الناقل بالنميمة أمام المتهم بها

فدائمًا يكون الإنسان متنبهًا. كان عندنا شيخ من مشايخنا كان يفعل الآتي: إذا جاءه أحد يقول له: يا مولانا، إن فلانًا قال عنك كذا. نعم، فتُعتبر هذه غيبة ونقل للكلام ونميمة، نعم، نميمة ينم.

فيقول له: حسنًا، اجلس هنا، اجلس معي الآن. قال عني كذا، لا حول ولا قوة إلا بالله. ويرسل أحدًا ينادي الشيخ أو ينادي الشخص المتهم بالكلام.

ويأتي ليقول له: هل قلت في حقي كذا وكذا؟ أخونا هذا يقول هكذا. فالرجل هذا يقع في ورطة وحرج، نعم، ولا يغتاب مرة ثانية أمامه. صحيح، لا يغتاب عند مولانا ثانية.

سماع النميمة حرام أيضاً وأثر المواجهة في التربية والردع

يا مولانا، أنت لماذا تفعل هكذا؟ قال: وأنا أيضًا استماعي لهذه النميمة هذه نميمة ينقلها. صحيح، إنها عبارة عن حرام أيضًا، سماعي أنا لها حرام، نعم، سماعي أنا لها حرام.

نعم، أنا ظننت أنها تؤذيه، يعني نفسيًا! لا، أنا لن أؤذي، ومن الذي قال أن الرجل قال هذا! نعم، فالآخر يُكَذِّب سواء كان صادقًا أو كاذبًا أو كذا إلى آخره.

لكن أيضًا تعلم لو كان هو يكذب، تعلم أنه مرة ثانية لا يأت بسيرة أحد. المعلومة تصل، نعم، المعلومة تصل بالفعل. فإذا كنت أنت تكذب الآن هربًا من المواجهة وهذا خطأ، لكن بعد ذلك لن يعود إليها مرة أخرى بالفعل.

كانت هذه الأمور بالنسبة للناس محرجة جدًا، نعم نعم، ولكنها مانعة ومُرَبيّة، مانعة من الفساد وتربي الإنسان على الصلاح.

التحذير من كثرة الكلام وإفشاء السر وقبول كل ما يُسمع

كثرة الكلام وإفشاء السر وقبول قول كل أحد، يعني هذا ينبغي علينا أن نتخلص منه. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع. كل شيء سمعه اعتبره حقًا ومعلومة موثقة وأقولها كما هي.

يقول صلى الله عليه وسلم:

«إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره»

من اتقاه الناس لشره، نعم، يعني يتكلم ويشتم الناس هجَّاءً. خطأ كثير حدث في عصرنا هذا، كثُر جدًا وخاصة في وسائل الإعلام، الناس تشتم بعضها، لا يصلح هذا الكلام، لا يصلح.

سؤال عن كيفية التوبة من الغيبة وهل يجب إخبار من اغتبته

فإذن علينا أن نتخلى عن الغيبة والنميمة ونتحلى بالصمت.

[المذيع]: نعم، ولكن يا سيدنا، بعض الناس يقولون أنني يفترض - طبعًا نحن نعلم في الشرع أنه يجب علي أن أتوب قبل أن ألتقي برب العزة تبارك وتعالى - فيقولون لو اغتبت أحدًا تذهب إليه وتقول له، في حين قال آخرون لا، لا تذهب وتقول له أنت هكذا ستصنع مشكلة. كيف أستطيع أن أتخلص أو أتوب من هذه الغيبة أو هذه النميمة؟

[الشيخ]: وضع العلماء لذلك أمورًا، نعم، أولها أن تذكره بخير، اذكره بخير، عوِّض الغلطة التي مضت، نعم، وتستغفر له، نعم، وتدعو له.

الدعاء والاستغفار لمن اغتبته وجعل ذلك في ميزان حسناته

أي تقول: اللهم اغفر له، وأنت في خلواتك وأنت بينك وبين نفسك: اللهم اغفر لي واغفر لأخي الذي اغتبته. هذا جميل، يا رب سامحني أني فعلت ذلك.

ولكن أيضًا اجعلها في ميزان حسناته يا رب، كما يقولون: اللهم اغفر لي ولوالديَّ ولأصحاب الحقوق عليَّ، وهو من ضمن أصحاب الحقوق عليَّ.

فإذا يكون الإنسان يدعو لأخيه على ظهر الغيب، وهذه من الدعوات المستجابة، وهذا جميل. فهذا خيار أول.

الاعتذار لمن اغتبته حسب طبيعة العلاقة والعفو والصفح

وخيار ثان حسب العلاقة بيني وبينه، نعم، إذا كانت العلاقة قوية جدًا فمن الممكن أن أعتذر له. ولكن إذا كانت العلاقة سطحية، يعني لماذا تشتمني! ويتعجب وكذا، أي فحسب العلاقة.

قال تعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

ففي كثير من الأحيان يعني نأخذ بالعرف، العرف السائد، نقول له أو لا نقول له؟

الأمر النبوي بالعفو والصفح وصلة من قطعك وإعطاء من حرمك

النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:

«إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك»

انظر! انظر إلى الجمال، أي أن تعفو وتصفح. والعفو والصفح هو عندما يبلغني أحدهم قائلًا: أنا آسف، لقد اغتبتك، حقك عليَّ، فأقول: يا سلام، لقد صنعت لي معروفًا كبيرًا جدًا.

وأيضًا إذا كان قريبًا مني ولكنه لا يزورني، فأقوم أنا بزيارته، فليس الواصل بالمكافئ، نعم، أي أنني لا أزوره لرد الزيارة، بل أزوره صلةً للرحم.

الدفع بالتي هي أحسن وضرورة التخلص من الغيبة في عصرنا

هو لم يرضَ أن يقف معي في الأزمة الفلانية، فأقف معه في أزمته.

﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]

يجب علينا فورًا أن نتخلص من الغيبة والنميمة ونحن في عصر كثرت فيه الغيبة والنميمة، كثر فيه الكذب، كثرت فيه آفات اللسان، فنحن أحوج ما نحتاج إلى أن نتخلى عن هذه الصفات.

التصدق بالعرض من أفعال السلف الصالح وختام الحلقة

كان من أفعال السلف الصالح في ظل هذا الخضم الذي نعيش فيه أن أحدهم كان يقول: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على الناس. ما شاء الله.

[المذيع]: بارك الله فيكم يا مولانا، شكرًا لك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى هذا العلم من فضيلته.

على وعد باللقاء مع حضراتكم في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.