برنامج إحياء علوم الدين | حـ5 | السخرية والاستهزاء | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 05 | أ.د علي جمعة
- •الألفة بين الناس ثمرة حسن الخلق، والتفرق نتيجة سوء الخلق، فحسن الخلق يوجب التآلف، وسوء الخلق ينتج عنه التباغض والتحاسد.
- •مدح الله تعالى نبيه بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وقال النبي ﷺ: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
- •أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، والأخوة نعمة عظيمة أمر الله بها في قوله: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا".
- •للمسلم على أخيه حقوق في المال والإعانة وحفظ اللسان والقلب والدعاء والوفاء والإخلاص.
- •السخرية والاستهزاء من الأفعال المحرمة لقوله تعالى: "لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم".
- •صور السخرية: النظر باحتقار، وإظهار العيوب، والمحاكاة بالقول والفعل.
- •المزاح كالملح، قليله يصلح وكثيره يفسد، وقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً.
- •علاج آفة السخرية والاستهزاء بالمعرفة والتفكر في الحساب يوم القيامة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وموضوع آفات اللسان
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك.
لا زلنا يا مولانا مع آفات اللسان، ونريد اليوم أن نتطرق للسخرية والاستهزاء، ولكن قبل أن نتكلم نريد أن نعرف: ما هي آداب الصحبة وآداب الأخوة؟
الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من المعروف لدى الكافة، حتى عند المؤمن وغير المؤمن، أن الألفة بين الناس هي نتاج وثمرة حسن الخلق، والتفرق والشرذمة والبغضاء هي ثمرة سوء الخلق.
حسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق، وسوء الخلق ينتج عنه التباغض والتحاسد والتدابر. والتدابر يعني أن كل واحد يعطي لأخيه قفاه، نعم، يعطيه ظهره ويمشي مبتعدًا، ويتدابران هكذا ويمضيان.
فضيلة حسن الخلق في القرآن والسنة النبوية الشريفة
حسن الخلق لا تخفى فضيلته على أحد، ولذلك كل البشر مدحوا في حسن الخلق، يعني كل البشر بكل المذاهب الخلقية وما إلى ذلك مدحوا في حسن الخلق.
الله سبحانه وتعالى مدح نبيه، وعندما مدحه قال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
جميل، يعني الجانب الخلقي. وهو نفسه صلى الله عليه وسلم يقول:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
عليه الصلاة والسلام. والسيدة عائشة رضي الله عنها تصفه بأنه كان قرآنًا يمشي على الأرض من حسن الخلق.
حسن الخلق وتقوى الله أكثر ما يدخل الناس الجنة
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق»
تقوى الله وحسن الخلق، يعني عندما نأتي يوم القيامة ونرى كم في المائة دخلوا الجنة، نجد تسعين في المائة داخلون بأمرين: إما أن يكون تقيًا، أو أن يكون صاحب حسن الخلق.
ربنا سبحانه وتعالى جعل حسن الخلق نعمة من النعم الكبيرة، وقال سبحانه وتعالى:
﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِٓ إِخْوَٰنًا﴾ [آل عمران: 103]
إذن الأخوة نعمة جميلة، والتباغض نقمة. هذا صحيح، وبعض الناس تجدهم يملون النعم ويشتاقون إلى النقم، أعوذ بالله.
ذم الفرقة ومدح الوحدة والتآلف بين المسلمين
ولذلك ذم الله سبحانه وتعالى الفرقة ومدح الوحدة، قال:
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشجعنا على هذه الألفة والأخوة وحسن [الخلق]:
«إن أقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا، الموطؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون»
أي الذين يتآلفون مع الناس ويتقبلونهم، واعتادوا على الناس والناس اعتادوا عليهم.
حقوق الأخوة في المال والنفس واللسان والقلب والوفاء
دائمًا يجب على المسلم أن يعلم أن لأخيه عليه حقًا في ماذا؟ في المال، وفي الإعانة بالنفس، وفي اللسان فلا يغتابه ولا ينم عليه ولا يكذب عليه، وفي القلب، وفي العفو، وفي الدعاء له بظهر الغيب، وفي الوفاء، وفي الإخلاص، وفي التخفيف، وفي ترك التكليف والتكلف.
ترك التكلف في الضيافة والبساطة التي تولد المحبة بين الناس
[المذيع]: فترك التكليف والتكلف يا سيدنا يعني مثلًا عندما يستضيفون، كما يقولون، الجود بالموجود ولا يوجد تكلف.
[الشيخ]: لا يوجد تكلف، نعم. كان بعض مشايخنا لا يحب أن يرتب الولائم، نعم. يقول لك: هيا نذهب إلى فلان الآن، نعم. نقول له: ربما هو غير مستعد، يعني حسابه ليس كحساب غيره. يقول: الجود بالموجود، ما شاء الله.
فيذهب ليجد جبنة فيقول: أرزاقنا هكذا، لنأكل خبزًا وجبنة، ليس هناك مانع. يذهب ليجد طعامًا مطبوخًا اليوم فيقول: أرزاقنا هكذا. فكانت هذه البساطة والحلاوة توجد الحب بين الناس.
أهمية حسن الخلق والأمانة على الأسرار في الأخوة
فإذن يجب علينا أن نهتم كثيرًا بقضية حسن الخلق وبقضية الأخوة.
الأخوة من ضمن الأشياء التي فيها أنه يكون أمينًا على أسراره، فالمجالس أمانات. جميل أن يسكت عن أسراره التي بثها له. يقول لك: هذا صديقي المقرب، صديق مقرب يعني لا حرج عليه، يعني أنت معك حسن جدًا هكذا، فلا تفشِ أسراره وتفضحه في كل مكان.
في هذا من ضمن [آداب الأخوة] أيضًا أن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده ومن ينتمي إليه، فلا يُزعجه. إننا بشر، ويبتعد عن كل كلام يكرهه جملة وتفصيلًا.
صور السخرية والاستهزاء وتحريمها في القرآن الكريم
ما شاء الله، يحفظ لسانه عما يسيء لأخيه، خاصة عن السخرية والاستهزاء.
[المذيع]: نعم، أين موضوع الحلقة؟ السخرية والاستهزاء هما اللذان يوغران صدور الناس بعضهم تجاه بعض، حتى ولو كان مازحًا. نعم.
حسنًا، ما هي يا مولانا صور السخرية والاستهزاء هذه؟ بالتأكيد يكون لها صور، أو الإمام أبو حامد الغزالي قسّمها إلى ماذا؟
[الشيخ]: السخرية والاستهزاء وهي طبعًا من الأفعال المحرمة؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى قال:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]
معنى السخرية والاستهانة: التحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحك الآخرين منه.
صور السخرية المتعددة بالنظر والكلام والمحاكاة بالفعل والقول
السخرية لها صور متعددة، منها:
- •النظر بعين الاحتقار والاستهانة.
- •أو بالكلام بإظهار العيوب والنقائص.
- •أو بالمحاكاة [بالفعل]، نعم، يقلده هكذا.
والقول أيضًا ليس بالمحاكاة بالفعل فقط، هذا بالقول أيضًا؛ يقلد طريقته في الكلام، يعني يقلد طريقته في الكلام بطريقة فيها إضحاك للناس عليه، بحيث أنه فتجد الآخر يحزن. لا حول ولا قوة إلا بالله.
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
«حكيت إنسانًا، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أحب أني حكيت إنسانًا ولي كذا وكذا من الدنيا»
يعني يُعلّمها أنه لا يفعل هكذا [أي لا يحاكي أحدًا للسخرية منه].
قصة نفي الحكم بن العاص لمحاكاته النبي صلى الله عليه وسلم
العاص بن أمية [الحكم بن العاص] قلّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه هكذا وفعل مثله من ورائه، فالتفت إليه النبي فوجده ماذا؟ يفعل هذه الحركات، فنفاه من المدينة.
وجلس الحكم بن العاص منفيًا في خارج المدينة مدة النبي وأبي بكر وعمر، لا إله إلا الله. ودخل [المدينة] أيام عثمان رضي الله تعالى عنه.
فالمحاكاة هذه نوعٌ من أنواع الاستهزاء.
التحذير من تعيير الأخ بذنب تاب منه والنهي عن المعايرة
الإمام الغزالي يقول عن كلام النبي [صلى الله عليه وسلم]:
«من عيَّر أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله»
يا ساتر! حتى يعمله، نعم. فلا بد علينا أن نبتعد عن المعايرة.
[المذيع]: أي، هل هذا [المعنى] يا سيدنا؟ لذلك يُقال في المأثور: لا تسخر من أخيك فيعافيه الله ويبتليك، هل هذه مستمدة من هذا الحديث؟
[الشيخ]: نعم، مستمدة من هذا الحديث. هذه هي الثقافة المتعلقة بهذا الحديث، أنه لا تسخر من أخيك فيعافيه الله ويبتليك.
عدم التكبر بالطاعة على الأخ وحقوق الأخوة في الله
وهنا نقطة دقيقة: يجب على الإنسان ألا يتكبر بطاعته على أخيه، وأن يتذكر أنه يفعل هذا الشيء لله تعالى.
هذه الأخوة فيها ما يسمى بالأخ في الله، والأخ الذي في الله هذا لا تؤذيه ولا تسخر منه ولا تحتقر حاله.
الفرق بين المزاح والسخرية ومزاح النبي صلى الله عليه وسلم
[المذيع]: حسنًا، سنذهب إلى الفاصل بعد إذنك يا مولانا ونعود. كما نريد نعرف الفرق، فهناك أناس يقولون: أنا لا أسخر، أنا أمزح معه، هذا نوع من أنواع المزاح. فنريد أن نتحدث عن المزاح والفرق بينه وبين السخرية. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم بعد الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
مولانا، قبل أن نذهب إلى الفاصل كان هناك تساؤل، أو هناك أناس يقولون: أنا لا أسخر منه، أنا لم أقصد أن أستهزئ به، أو لا أغضب إذا غضبوا، أنا إذن ألاطفه أمازحه. فما هي الأشياء المنهي عنها في المزاح؟
[الشيخ]: وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقًا، يمزح ولا يقول إلا حقًا عليه الصلاة والسلام.
ثم إنه كان يضحك وينبسط، وكان يضحك حتى تظهر نواجذه الشريفة عليه الصلاة والسلام. النواجذ هي ضروس العقل، ضروس العقل، ليست الأنياب، يعني ليست الأنياب، هذه ضروس العقل. الإنسان لديه أربعة ضروس عقل، فيضحك، يعني أنه يضحك بشدة وليس مجرد ابتسامة. كان أغلب ضحكه تبسمًا.
المزاح المذموم والإفراط فيه يميت القلب ويسقط المهابة
صحيح أن أغلب الضحك [كان تبسمًا]. إذا كان في قضية المزاح المنهي عنه، فالمذموم من المزاح هو المداوم عليه، بحيث يكون هذرًا ومذرًا هكذا، والإفراط فيه والكثرة منه؛ لأن كثرة المزاح تميت القلب وتسقط المهابة.
وأن يكون منشغلًا باللعب والهزل طوال الوقت، طوال النهار كلامه تهريج في هذا الموضوع، ولا أحد يستطيع أن يأخذ منه كلمة جادة. كما يقول، إن هذا يورث كثيرًا جدًا من الضغينة.
المزاح كالملح يجب أن يكون بمقدار واعتدال
أما الفرح والانبساط والضحك والمزاح، فدعني أخبرك بشيء: المزاح كالملح، جميل إذا كان بمقدار، لكن إذا زاد في الطعام أفسده، وإذا قلّ في الكلام أفسده أيضًا.
فيجب أن يكون مثل الملح؛ عندما لا نضع الملح في الطعام يفقد الطعام طعمه، لكن يجب أن يكون استخدامه معتدلًا. كثرة المزاح تجعل الملح زائدًا، وتجعل الجلسة غير مستساغة كما يقولون، وتفقدها قيمتها.
ولذلك كان سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] يقول: من مزح استُخف به، أي لا ينبغي أن يكون الإنسان كذلك، عليه سمت الصالحين هكذا، الهيبة والوقار.
نصيحة سعيد بن العاص لابنه في عدم مزاح الشريف والدنيء
يعني سيدنا سعيد بن العاص كان يقول لابنه:
«يا بني، لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيجترئ عليك»
جميل. هذا طبعًا نحن نتحدث في المزاح الذي يكون ليل نهار هكذا، أي الذي يكون على الدوام، أي اللغط هذا.
أما ما كان بالقانون أو بالاعتدال، بالميزان كما يقولون بالميزان، فهذا شيء جميل ويدخل الانبساط والسرور.
مزاح النبي مع المرأة العجوز وقصة بياض العين
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما صدرت منه مزحات، ولكنها كانت مزحات رصينة هكذا. وكان يحب جدًا نعيمان، وكان نعيمان يكثر من ذكر المزاح أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضحك.
كان سيدنا رسول الله مرة امرأة عجوز جاءته فقال لها:
«لا يدخل الجنة عجوز»
فبكت، فقال لها:
«إنك لست بعجوز يومئذ»
قال تعالى:
﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 35-37]
وجاءت امرأة إليه صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي يدعوك. قال: ومن هو، أهو الذي بعينه بياض؟ قالت: والله ما بعينه بياض يا رسول الله. قال: بلى، إن بعينه بياضًا. فقالت: لا والله يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم:
«ما من أحد إلا وبعينه بياض»
صحيح، كلنا عندنا البياض الذي منه قليل [في بياض العين]. انظروا إلى الناس، هذا رجل من الداخل هو في بساطة وفي مزاح، هذا الرجل العظيم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ممازحة النبي للنساء والصبيان ومداعبته لأبي عمير وبنات بني النجار
فكان يمازح النساء والصبيان، وكان ذلك منه معالجة لضعف قلوبهم من غير ميل إلى الهزل وإلى الإكثار، نعم.
كما كان سيدنا [النبي] عليه الصلاة والسلام قال له:
«يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»
نعم، هو الطائر الذي كان عنده مات. وكان يترك يده لبنات بني النجار، تأخذ إحداهن به حيث شاءت حتى تقضي حاجتها، لا ينزع يده من يدها [صلى الله عليه وسلم]، الأولاد الصغيرين، الأولاد الصغيرين، ما شاء الله.
كيفية تدريب اللسان على البعد عن السخرية وضبط القلب أولاً
[المذيع]: طيب يا مولانا، هل توجد طريقة معينة نستطيع أن ندرب بها ألسنتنا عن البعد عن السخرية والاستهزاء، أو عن كثرة المزاح، أو عمومًا عن جميع الآفات؟ نحن تكلمنا عن الكذب، تحدثنا عن الغيبة والنميمة، فهل هناك نصائح لكي ندرب ألسنتنا على هذه الأشياء؟
[الشيخ]: أول شيء لا بد علينا أن نعلم كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار إلى ذلك الإمام الغزالي في الإحياء، قال رسول الله:
«لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»
ما شاء الله.
«ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه»
هذا الحديث لطيف جدًا في هذا المجال، ما شاء الله.
ضبط القلب أساس ضبط اللسان وعلاقة السلوك بالمفهوم الداخلي
إذا كنا نريد أن نضبط اللسان، علينا أن نضبط القلب. جميل.
وهنا علماء النفس في العصر الحديث يقولون لك ماذا؟ يقولون لك: السلوك لا بد أنه مبني على مفهوم. تريد تغيير السلوك غير الصحيح؟ غيّر ما بداخلك أولًا، غيّر ما بداخلك حتى تغير السلوك الظاهر.
نعم، فهذا هو كلام سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] عندما يقول لك أنه والله لن يستقيم اللسان إلا إذا استقام القلب. صحيح، فالقلب فوق العقل، والعقل فوق السلوك. جميل، هذا هو التكوين كما كان سيدنا رسول الله يذكر دائمًا.
وصية النبي لمعاذ بن جبل بإمساك اللسان وحصائد الألسنة
وهذه التذكرة تساعد أيضًا على أن نصل إلى هذه الحالة من الأخوة، من عدم السخرية والاستهزاء بالناس، والتحكم في آفات اللسان.
كان [النبي صلى الله عليه وسلم] يقول لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه:
«أمسك عليك لسانك»
سيدنا معاذ يقول: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ يعني ما هو هذا لسانه، يوجد في لبنان مصطلح يقال له "طحنك"، نعم، طحنك يعني أي كلام فارغ وانتهى الأمر.
قالوا: إننا نؤاخذ بما نقول؟ قال:
«يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»
وقال:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
علاج الاستهزاء بمعرفة أنه يخزي صاحبه عند الله يوم القيامة
إن علاج آفة الاستهزاء والسخرية هو المعرفة والتحقق بأن الاستهزاء وإن كان مقصودك منه خزي غيرك عند الناس، فأنت بذلك تخزي نفسك عند الله.
أول ما يعرف الإنسان هذه الحقيقة، وأنه لا يضر الآخر إنما يضر نفسه، ينتهي. ويعلم أن هذه الأذية تعود إلى نفسه فينتهي.
فلو تفكرت في حسرتك وجنايتك وخجلك وخزيك يوم القيامة، هذا دافع لضبط سلوكك ولعدم الإتيان بمثل هذا.
الإيمان باليوم الآخر يتحكم في سلوك الإنسان ويمنعه من السخرية
ولذلك قالوا إن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يتحكم في سلوك الإنسان في الدنيا. الإيمان باليوم الآخر يعني بوجود حساب يوم القيامة سيجعلني أتحكم في سلوكي. جميل!
ما الذي يجعلني لا أسرق؟ إنه أن هذه السرقة ستدخلني جهنم. ماذا؟ الذي يمنعني من القتل هو تذكري أن الله مطلع، نعم، الله سيحاسبني يوم القيامة.
فما الذي يمنعني من السخرية والاستهزاء بالناس؟ إن الله لن يترك ذلك لي. صحيح.
كما قلنا:
«من عيَّر أخاه بذنب [قد تاب منه] فعافاه الله منه، يبتليك [الله به]»
نعم، من عيَّر أخاه فعافاه الله منه، يبتليك. دع السخرية، دع الاستهزاء، دع البغضاء، وإنما أنا أفعل هذا لأنني لو فعلته لأُخذت به عند الله سبحانه وتعالى.
فكما قالوا: معظم النار من مستصغر الشرر. جميل.
خاتمة الحلقة والإعلان عن موضوع الحلقة القادمة عن الفحش والبذاءة
[المذيع]: حسنًا يا سيدنا، في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتحدث عن آفة أخرى من آفات اللسان وهي الفحش والبذاءة.
نعم، بارك الله فيك يا مولانا وربنا ينفعنا بعلم فضيلتك، شكرًا لك.
اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الجهد وعلى هذا العلم من فضيلته.
على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
