برنامج إحياء علوم الدين | حـ6 | الفحش | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 06 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ6 | الفحش | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 06 | أ.د علي جمعة

19 دقيقة
  • حذر النبي صلى الله عليه وسلم من خطر اللسان، فقال: "هل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم".
  • اللسان مفتاح للشر، والمؤمن مطالب بضبطه وحفظه، قال عليه السلام: "طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله".
  • ابن مسعود كان يخاطب لسانه بقوله: "قل خيراً تنعم، واسكت عن شر تسلم، قبل أن تندم".
  • الفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة كالعورات والخصوصيات.
  • البذاءة لؤم، والنبي لم يكن فاحشاً ولا بذيئاً ولا لعاناً، وقال: "الجنة حرام على كل فاحش".
  • حذر الرسول من السباب فقال: "المتسابان شيطانان يتعاويان ويتهاتران".
  • السكوت عن الشتيمة فضيلة، فعندما يسكت المسبوب تقوم الملائكة بالرد على السابّ.
  • من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه مباشرة أو بالتسبب.
محتويات الفيديو(25 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن آفات اللسان

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: مرحبًا بكم، أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: الله يحفظك يا سيدنا. نحن في هذه الحلقة تقريبًا الحلقة السادسة، كنا تحدثنا عن عدة آفات من آفات اللسان يا مولانا. وفي هذه الحلقة اليوم إن شاء الله نتحدث عن الفحش وبذاءة اللسان، لكن في البداية نريد أن نتعرف على أشد الآفات التي يمكن أن يرتكبها اللسان وعظم خطر هذا اللسان، لكي يعرف من كان غير متابع لنا في الحلقات السابقة.

أهمية اللسان في السنة النبوية وحديث حصائد الألسنة

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا بالتنبيه على أهمية اللسان، تعلَّم الصحابة منه هذا. من خير ما قاله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «فلتقل خيرًا أو لتصمت، أو لتسكت»

ومن خير ما قاله له وهو يعلم معاذًا رضي الله عنه:

قال رسول الله ﷺ: «وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم - وفي رواية: على وجوههم - في النار إلا حصائد ألسنتهم»

وصية ابن مسعود للسانه في إحياء علوم الدين وتجريد اللسان كشخص يُنصح

سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه، وفي [إحياء علوم الدين] يوردها الغزالي، كان يقول: يا لسان! ابن مسعود يخاطب اللسان لكي يعظه؛ لأن هذا اللسان هو مشكلة، هذا اللسان نحتاج أن نلتفت إليه قليلًا. يا لسان، قل خيرًا تنعم، واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم.

فابن مسعود أولًا يعلم تلامذته، وثانيًا يناجي نفسه ويذكرها.

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]

ومن التذكار أن تذكر نفسك، ويخاطب اللسان بمثل هذه العبارة البليغة.

[المذيع]: لقد اعتبره جارحة لها عقل، أي أنه يخاطبه ليأخذ ويعطي معه في الكلام.

[الشيخ]: نعم، جرَّده وجعله شخصًا أمامه كأنه يسمع النصيحة، وقال له: يا لسان! فخاطبه: قل خيرًا تنعم، واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم. ووزنها الوزن - هذا الوزن يسمونه ماذا؟ يعني نوع من أنواع المحسنات البديعية؛ لكي يكون الكلام جميلًا ولطيفًا وخفيفًا على النفس ويُحفظ بسهولة.

حديث أحداث الأسنان سفهاء الأحلام وخطر من يتكلم بلا علم

كذلك روى سيدنا أبو حامد الغزالي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:

قال رسول الله ﷺ: «يخرج في آخر الزمان أقوامٌ أحداث الأسنان - أي الشباب صغار السن - لكنهم غير متعلمين، سفهاء الأحلام، ليس لديهم حكمة، يقولون من كلام خير البرية - يعني قال رسول الله، قال رسول الله - لا يجاوز إيمانهم حناجرهم»

فهو ينبهنا على أهمية اللسان وأنه ينبغي علينا أن نهتم به ولا نتعجل؛ لأنه مفتاح الشر ومفتاح أحداث كثيرة سوف تحدث بعد ذلك.

[المذيع]: وهل هذا الحديث سيدنا ينبهنا به أنه المفروض أن الكلام يطابق العمل؟ يعني هؤلاء الشباب سفهاء الأحلام يقولون كلامًا من كلام خير البرية لكنهم لا يطبقونه.

[الشيخ]: لا يطبقونه؛ لأنهم وقفوا به عند ظاهره ولم يعرفوا مناهجه، أي أنه أمسك بالحديث ويريد أن فهمه هو الذي يُطبَّق.

خطورة التصدر بلا علم وضرورة سؤال أهل الذكر المختصين

ولذلك عندما تدخل على الفيسبوك ووسائل الاتصال الاجتماعي تجد أمورًا عجيبة جدًا مضحكة كتبها الأولاد. كتبوا: الله! هل فهمي هذا ما أفهمه أنا؟ فهل هناك فهم آخر؟ هناك فهم آخر وثالث ورابع، وقد تكون كل هذه الفهوم الأربعة على الحق، أو هي وجوه من أوجه مكعب الحق، أو قد تكون خطأً وباطلًا.

ولذلك فإنها تحتاج إلى علوم مساعدة وتحتاج إلى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنبياء: 7]

الخطأ الذي ارتكبته أيها الشاب أنك تكبرت عن التعلم؛ لأنك ذهبت للتعلم من غير جهته، لم تذهب إلى الجهة المختصة به. فهذا هو الذي يجعلهم لا يتبعون سنة سيدنا رسول الله؛ لأنهم حدث لهم أنه تصدَّر قبل أن يتعلم، ومن تصدَّر قبل أن يتعلم كمن تزبَّب قبل أن يتحصرم، صيَّر نفسه زبيبًا.

[المذيع]: قبل أن تصبح حصرمًا، صغيرًا قبل أن يصبح عنبًا أصلًا.

حديث السنوات الخداعة والرويبضة وخطر تصدر غير المؤهلين

[الشيخ]: نعم، وكلما ازداد العصر فتنة كلما حدث فيها اختلاف. سيدنا [رسول الله ﷺ] كان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكَذَّب فيها الصادق، ويُؤتَمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة»

الخداعة يحدث فيها مثل السراب هكذا؛ ترى مياهًا وهو ليس هناك مياه، ترى أن هذا كأنه عالم وهو ليس بعالم. كيف يكون عالمًا وهو لم يقرأ على العلماء ولم يتعلم العلوم بطريقة منهجية ولم يكن من أهل الذكر بذلك؟ بل هو الذي أسمى نفسه عالمًا.

أي أن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين واحد مثلًا تخرج في الأزهر، والآخر لم يتخرج في شيء، هو فقط ذهب إلى المسجد وخلط بين التديُّن والدين.

الرويبضة السفيه الذي يتكلم في كل شيء بلا تخصص

[المذيع]: السفيه يتكلم في أمر العامة، فأصبح زعيم وقائد يتكلم بلسان الشعب كله.

[الشيخ]: سبحانه وتعالى! أصبح يتكلم هو قليلًا في الطب وقليلًا في الهندسة وقرأ قليلًا في السياسة ويقول لك: آه لا، أنا أنا خبير في أي شيء.

فضل كف اللسان وملك الغضب والاعتذار إلى الله تعالى

ولكن ما تعلمناه وله أثر في عمارة الكون:

قال رسول الله ﷺ: «من كفَّ لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره»

هذا ما تعلمناه، وهذا ما يقوله سيدنا أبو حامد الغزالي في [الإحياء] في مسألة الحفاظ على اللسان.

حكمة السكوت عن السفيه وعدم الرد على قليل الأدب

نعم، وأورد أيضًا عن عمرو بن علي: إذا نطق السفيه فلا تجبه، فخير من إجابته السكوت.

سكتُ عن السفيه فظنَّ أنني عييتُ عن الجواب، وما عييتُ. ظنَّ أنني لا أعرف الرد عليه، ظنَّ أنني عندما سكتُّ أنني لا أعرف الرد. لكن أنا لا، أنا أعرف الرد جيدًا، ولكنني أقول: دعنا نتجاوز عن قلة الحياء وقلة الأدب وسفاهة اللسان إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس، ودعك من حكاية الرد على هذا.

ولذلك:

قال رسول الله ﷺ: «طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه، وأنفق الفضل من ماله»

الفضل من الكلام هو الزيادة، كلام الزيادة دعك منه.

الفرق بين إمساك فضل اللسان وإنفاق فضل المال

يعني انظر إلى الكلام: طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه، دع كلام الزيادة. وماذا عن الزيادة من المال الذي يفوق حاجتي؟ أأمسكها مثل اللسان؟ لا، أعطها للناس.

ولذلك ينبغي للإنسان أن يتحدث هكذا. ورُبَّ:

قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أنها ستبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي إليها بالًا من سخط الله وما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة»

أهمية عدم الرد على السفيه وشعر الإمام علي في الحلم عند السفاهة

[المذيع]: ما شاء الله، حسنًا سيدنا، الفاصل الأول قرب أن ينتهي. لقد تحدثنا عن خطر اللسان وتحدثنا عن أهمية أن أحافظ على لساني فلا أرد على مَن يخطئ. وكما يقال الشيء بالشيء يُذكر، كان سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه يقول:

يخاطبني السفيه بكل مذمة فآبى أن أكون له مجيبًا يزيد سفاهة فأزيد حلمًا كعودٍ زاده الإحراق طيبًا

سنذهب إلى فاصل ثم نعود لنتحدث عن الفحش وأمثلته.

تعريف الفحش وبذاءة اللسان والتعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة

[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. نحن خرجنا يا مولانا للفاصل وقلنا سنعود لنتحدث عن الفحش والبذاء، ما هي أنواعهما؟

[الشيخ]: الفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة. كلمة مستقبحة تعني مثلًا: تتحدث عن العورات، تتحدث عن خصوصية العلاقة بين الرجل والمرأة، تتحدث عن أمور الإنسان تربَّى على ألا تُقال في المجالس وفي الخطب وما إلى ذلك.

أبدًا، هذه تُقال على استحياء، تُقال بطريقة قليلة جدًا، لكنه يتحدث بمنتهى الصراحة.

تفسير ابن عباس للفاحشة المبينة ببذاءة اللسان وسب الأهل

ولذلك:

﴿إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]

فابن عباس يفسر الفاحشة ببذاءة اللسان.

[المذيع]: يعني ببذاءة اللسان! بعض الناس فهموها على أنها الخطيئة [أي الزنا]؟

[الشيخ]: التي هي أنه هذا الزنا مثلًا، لا ليس هو الزنا. ابن عباس يقول إنها تسب أهله.

[المذيع]: هي:

﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]

[الشيخ]: بأن تفعل ماذا؟ تسب أمَّه، تشتم أمَّ زوجها (حماتها)، أنها تسب حماها (أبو زوجها)، أنها تسب وهكذا دائمة السب. فماذا يعني ذلك؟ يعني الفحش، يلزم منه [إخراجها من البيت].

الفرق بين السباب العادي والشتيمة البذيئة وتعريف الفحش بالتفصيل

[المذيع]: مجرد السباب يا مولانا أم التي يسمونها شتيمة بذيئة؟

[الشيخ]: لا، الشتيمة البذيئة، أو الخروج عن المعتاد. يعني لا تقل له يا ابن كذا ويا ابن كذا، وهذا أيضًا سباب قبيح. وليست أي السباب، ليس السباب المختص بالعورات وبألفاظ الجماع مثلًا وما إلى ذلك.

لا، إنما القضية هنا هي الفحش، هو التعبير بالكلمات الصريحة. أي وكما قلنا أن هذا يعني مثلًا العورات، مثل قضاء الحاجة، البول والغائط وغيره. أتعلم أن قضاء الحاجة هذا مما يُخفى وليس مما يُعلن.

الأشياء التي يُستحيا منها أيضًا تكون من الفحش. فالفحش هو التعبير بالألفاظ الصريحة عما ينبغي ستره. هذه الكلمة - ستره - تشمل ماذا؟ تشمل العورات، وتشمل الجماع، وتشمل الأشياء مثل البول والغائط وما إلى آخره من الكلام. هذا القبيح هو الفحش.

نسبية الفحش واختلاف ما يُقال بحسب المقام والحضور

فأيضًا الفحش نسبي، يعني من الممكن جدًا أن الرجال حينما يكونون بمفردهم يكون لهم كلام، لكنهم لا يذكرونه أمام النساء؛ لأنه عيب. فيكون استعمال هذه الكلمات أمام النساء من قبيل الفحش أيضًا.

افترض أن هناك عيوبًا جسدية أو خلقية أو غير ذلك إلى آخره، يُستحى منها، فأيضًا التصريح بها علنًا هكذا يُعدُّ كنوع من أنواع الفحش والبذاءة.

الباعث على الفحش بين إرادة الأذى والاعتياد على البذاءة

الباعث على الفحش: إما أن يكون أنني أريد أن أؤذي من أمامي، وإما أنني معتاد على هذا. يعني أولاد الشوارع معتادون على البذاءة والألفاظ وكذا إلى آخره.

فالسب والشتم وهذه الأشياء، كل هذا مذموم في دين الله. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تُسبَّ قتلى بدر من المشركين.

[المذيع]: سبحان الله! إي لا أسب المشركين الذين ماتوا في بدر!

[الشيخ]: المشرك الذي مات في بدر:

قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون، وتؤذون الأحياء»

تؤذون [أبناءهم وأهلهم الأحياء]، وهو أولًا هم قد ماتوا.

النهي عن سب الأموات لأنه يؤذي الأحياء والبذاءة لؤم

[المذيع]: وذاهبين إلى جهنم، حتى لن تنفع الشتائم.

[الشيخ]: أيضًا هم عند الله. إن الذي تفعله هو أنك تؤذي ابنه وتؤذي زوجته وتؤذي [أهله الأحياء].

قال رسول الله ﷺ: «ولكن تؤذون الأحياء، ألا إن البذاءة لؤم»

انظر ماذا يقول سيدنا [رسول الله ﷺ]: ألا إن البذاءة لؤم.

صفات النبي ﷺ في ترك الفحش والبذاءة والأسوة الحسنة

ولذلك لم يكن [رسول الله ﷺ] فاحشًا ولا بذيئًا ولا لعَّانًا ولا صخَّابًا بالأسواق. كان صلى الله عليه وسلم لا تُسمع منه العيبة عليه الصلاة والسلام.

ولذلك:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]

فهناك أحاديث كثيرة جدًا تنفِّر من هذا [الفحش والبذاءة]:

قال رسول الله ﷺ: «ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحش ولا البذيء»

ويقول صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها»

ماذا تريد بعد ذلك؟ انظر، الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها.

البذاء والبيان شعبتان من النفاق وذم الفصاحة في الباطل

وكان [رسول الله ﷺ] يقول:

قال رسول الله ﷺ: «البذاء والبيان شعبتان من النفاق»

البذاء هو قلة الأدب، وقد عرفناها. والبيان أن تكون شخصًا فصيح اللسان ومتحدثًا بارعًا ولكنه يتكلم بالباطل، وعنده بيان وقدرة على توصيل المعلومة، لكنه «من البيان لسحرًا»، فهو عنده بيان لكنه منافق.

وكان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يحب الفاحش المتفحش، الصيَّاح في الأسواق»

الصيَّاح الذي صوته عالٍ في الأسواق. انظر إلى الهدوء النفسي [الذي يدعو إليه الإسلام].

أدب الباعة المتجولين في الماضي بالصلاة على النبي بدل الصياح

[المذيع]: حتى لو كان ينادي على بضاعته أيضًا كما نسمع الضوضاء هذه؟

[الشيخ]: أي أنه في الماضي كان الباعة المتجولون عندنا يقولون وهم ينادون على بضاعتهم: صلِّ على النبي.

[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.

[الشيخ]: لكي لا يكون هناك صياح في الأسواق. ويقول لك: صلِّ على النبي، فأنت تسمع صوته وتعرف أنه بائع الفجل، أو بائع الجوافة، أو بائع كذا. كانوا يصلون على النبي، وكانت هذه من الأذكار حتى وهم يبيعون البضاعة.

وصية النبي للأعرابي بتقوى الله وعدم سب أي شيء

وكان [رسول الله ﷺ] يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إن الفحش والتفاحش ليس من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلامًا أحاسنهم أخلاقًا»

هذا كلام سيدنا [رسول الله ﷺ] الذي وصل إلينا هكذا. مرة أعرابي قال لرسول الله: أوصني، فقال:

قال رسول الله ﷺ: «عليك بتقوى الله، وإن امرؤ عيَّرك بشيء يعلمه فيك، فلا تعيِّره بشيء تعلمه فيه، اجعل وباله عليه وأجره لك، ولا تسبَّنَّ شيئًا»

لا تسبه! لا تسب هذه الطاولة، لا تسب شيئًا. إذا كنت أمشي هكذا وصدمتني الطاولة، لا تقل لها: الله يخرب بيتك! لا تسبها.

وقال الأعرابي: فما سببتُ شيئًا بعد ذلك أبدًا.

تحويل الموعظة النبوية إلى عمل دائم لا مجرد تجربة

انظر كيف تحويل الموعظة والوصية إلى عمل! الرجل لم يأخذ الكلام من سيدنا رسول الله وقال: نجربه. لا نجربه، بل علينا أن نعيشه ونعمله دائمًا.

مرة صحابي قال لرسول الله: يا رسول الله، إن الرجل من قومي يسبني وهو دوني - أقل مني - أي لا يساوي عندي شيئًا، أنا زعيم كبير وهو دوني، هل عليَّ من بأس أن أنتصر منه وأسبُّه أنا أيضًا؟

فقال:

قال رسول الله ﷺ: «المتسابَّان شيطانان يتعاويان ويتهارجان»

كما يعوي الذئب مع الذئب هكذا.

قصة أبي بكر مع الرجل الذي شتمه والملَك الذي كان يرد عنه

لكن عندما يسبُّ أحدهم الآخر والآخر يسكت، تقوم الملائكة بالرد عليه.

ولذلك سيدنا أبو بكر رضي الله عنه مرة كان جالسًا وشخصٌ كان يشتمه أمام النبي ﷺ. كان [أبو بكر] ساكتًا، فأبو بكر تضايق من الرجل. لقد زاد الرجل من كلامه، فهمَّ أن يرد عليه بشدة، فقام سيدنا عليه الصلاة والسلام [وانصرف].

فذهب أبو بكر وراءه وقال له: يا رسول الله، أتركتني هكذا والرجل جالس يتكلم ويعيب فيَّ؟

فقال له:

قال رسول الله ﷺ: «كنتَ في حضور ملَك يرد عليك، وأنت ما إن بدأت ترد حتى رحل الملَك، فقلت أمشي أنا أيضًا»

[المذيع]: الآن سيأتي الشيطان [بدل الملَك].

سباب المؤمن فسوق وسب الوالدين من أكبر الكبائر

[الشيخ]: فكان يقول صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر»

وكان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، كيف يسب أحدنا أباه أو أمه؟ فقال: يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه، ويسب أمه فيسب أمه»

فإذن، الإنسان هو يعني عمل هذا الكلام [أي تسبَّب في سب والديه بسبِّه لوالدي غيره].

[المذيع]: حضرتك يا سيدنا، نرى أن بعضهم أصبحوا يسبون الأب والأم الحقيقيين الذين أنجبوهم؟

[الشيخ]: هو نفسه يسب أباه! هو فعلها. هذه مصيبة كبرى وتؤذن بسوء العاقبة. كثيرًا جدًا رأينا أولئك الذين سبوا آباءهم وماتوا هم على ميتة سيئة فظيعة، أو أنه ضلَّ ضلالًا مبينًا إلى آخره.

خاتمة الحلقة والشكر للشيخ علي جمعة على حديث آفات اللسان

[المذيع]: نعوذ بالله من ذلك. نشكرك يا مولانا، وقت الحلقة ينتهي بسرعة مع فضيلتك. إن شاء الله في حلقات قادمة نستفيد وننتفع بعلم فضيلتك.

إن شاء الله، اسمحوا لي باسم حضراتكم نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.