برنامج إحياء علوم الدين | حـ7 | الرياء | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 07 | أ.د علي جمعة
- •الرياء مشتق من الرؤية، وهو أن يقوم الشخص بعمل طاعة ليراه الناس ويحصل على مدحهم ورضاهم.
- •للرياء خمسة أقسام: في البدن، والزي، والقول، والعمل، والأشياء والأتباع.
- •الرياء في البدن كإظهار التعب من الصيام والقيام، وفي الزي كلبس ملابس غير متناسقة ليظهر بمظهر الزاهد.
- •دوافع الرياء: حب الشهرة والمجد والعظمة وطلب المصالح الشخصية.
- •وصف النبي الرياء بأنه الشرك الأصغر، وقال: "لا يقبل الله عملًا فيه مثقال ذرة من رياء".
- •يجب التفريق بين الرياء وبين إظهار العمل الصالح للتشجيع على الخير.
- •للرياء مقامان في العلاج: الأول خلعه من أصوله بمعرفة أضراره، والثاني دفعه فور حدوثه.
- •من أهم سبل معالجة الرياء: القناعة بعلم الله، والخوف منه وحده ورجاؤه، وإخفاء العبادات وتعويد النفس على العمل في السر.
مقدمة الحلقة السابعة من برنامج إحياء علوم الدين عن الرياء
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: الحلقة اليوم يا مولانا هي الحلقة السابعة من برنامج إحياء علوم الدين، نريد أن نتحدث فيها عن الرياء. ما هو الرياء أو ما حقيقته؟ وهل له درجات؟ وما هي هذه الدرجات؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. من الصفات المذمومة التي أمرنا الشرع أن نبتعد عنها كلمة رياء، أتت في اللغة العربية مشتقة من الرؤية، من الرؤية؛ فأنا أريد أن يراني الناس وأنا أفعل خصلة من خصال الخير حتى يستوجب هذا مدحهم ورضاهم.
حقيقة الرياء وتوجه العمل لغير الله سبحانه وتعالى
يعني عندما يرونني وأنا أقوم بخصلة من خصال الخير هم يعظمونني ويحبونني؛ لأن الناس تحب أن ترى هذا. فالرياء أتى من هنا، أنني بهذا العمل لم أتوجه به إلى الله، لم أخلص نيتي لله، بل أشركت معه أو لم ألتفت إلى الله إطلاقًا والعياذ بالله تعالى، بل التفت إلى الناس حتى يروني، فسُمّي رياءً.
أقسام الرياء الخمسة عند الإمام الغزالي: البدن والزي والقول والعمل والأشياء
فالمرائي له أقسام أيضًا، هذه الأقسام هي:
- البدن.
- الزي.
- القول.
- العمل.
- الأشياء.
نستطيع أن نقول هكذا عليها الأشياء، سواء كانت هذه الأشياء أتباعًا وحاشية وبطانة وما شابه، أو كانت الأشياء مثل السيارة أو مثل غيرها إلى آخره. فالإنسان في هذه الأمور يحب أن يرائي الناس، يراه الناس.
الرياء بالبدن وإظهار التعب والنحول ليراه الناس صائماً قائماً
من ناحية الدين مثلًا، نضرب أمثلة من ناحية الدين: الرياء في البدن ماذا يكون؟ كيف يكون في البدن؟ أن أُظهر نفسي هكذا وأنا متعب ووجهي أصفر، فأقول: أنا صائم، وطوال الليل كنت قائمًا أصلي، فأنا متعب. ثم أُغمض عيني هكذا نصف إغماضة، وأنا لا أقصد إلا أن يراني الناس هكذا.
يا للعجب! هذا الرجل يقوم الليل، هذا الرجل يصوم النهار. أو أترك شعري دون تسريح، لماذا؟ أنا تقيّ لا تهمني الدنيا أصلًا. لا، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يترك شعره غِبّة، يعني لا يتركه يومين متتاليين، بل كان لابد أن يُعتنى به.
وعندما رأى شخصًا هيئته أشعث أغبر هكذا قال [ما يدل على عدم الرضا عن هذا المظهر]، وكانت لحيته بالسوية. الناس أيضًا الآخر غارت العين، هذا من كثرة المذاكرة أو من كثرة القرآن.
الرياء بالزي ولبس الملابس السيئة لإظهار الزهد والتقوى
كذلك الرياء بالزي، الإمام الغزالي يقول هكذا: الرياء بالبدن والرياء بالزي. الرياء بالزي مثل أنه يلبس أشياء سيئة غير متناسقة مع بعضها، لماذا؟ لأنني لا يهمني هذا الأمر.
لا، النبي عليه الصلاة والسلام كان أجمل الناس، والسَّمْت هذا السَّمْت عليه درجة. وقد قال عليه الصلاة والسلام:
«إن الله جميل يحب الجمال»
كيف لا أفعل شيئًا يحبه الله حقًا؟ فمسألة أن أرتدي ملابس سيئة لكي يقول الناس عني أنني رجل تقي أو صالح أو زاهد، هذا هو الرياء.
الرياء بزي مخصوص والفرق بين الزي الدال على العلم وزي التفاخر
وكذلك المراء بزي مخصوص هكذا، إلا أن يكون زي دلالة. يعني مثلًا الزي الأزهري الذي نلبسه له دلالة، ما دلالته؟ أنني ذهبت وامتحنت بعدما ذاكرت وحفظت، ثم رسّبوني ونجّحوني إلى أن حصلت على الشهادة الأزهرية.
حسنًا، وما فائدة ذلك؟ أن الناس تتعرض لي وتسألني فأقف [للإجابة]، وألا تسأل غيري. نعم، ولكن لماذا هذه الأنانية؟ لماذا أنا فقط الذي أجيب؟ لا، أي شخص درس وتعلم هو الذي يجيب في الدين. لكن دعونا لا نخلط الأمور، إنما كثيرون جدًا يتصدرون دون تعلم، فأصبح هذا الزي من أجل ألا نقع في مشكلة.
أما إذا أنه تزيّا بزي يريد فيه التفاخر، يقول لك: هذا أنا أصلًا، انتبه، أنا ألبس ماركة. ماذا تعني هذه الماركة؟ أي علامة تجارية مميزة، انتبه أنها بكذا وكذا. نعم، هذا تفاخر بالزي، ويكون فيه نوع من أنواع الرياء.
الرياء بالملابس المرقعة وتحريك الشفتين بالذكر وإظهار الغضب للمنكرات
أو الذي يلبس ما يسمونه يا مولانا الملابس المرقعة ويضع سبحة لأنني رجل من العلماء والولادة [أي من أهل الولاية]، لكن هذا أصبح غير مستخدم الآن، حتى أنهم توقفوا عنه.
نعم، وتحريك الشفتين بالذكر فقط وهو جالس، لماذا تحرك شفتيك؟ قال: لكي يقول الناس عنه أنه ذاكر [لله]، أو يمسك سبحة ويتظاهر بأنه يذكر الله.
نعم، لا إله إلا الله. لقد رأيت بعض الناس يُظهر الغضب أيضًا للمنكرات وهو يفعلها، يا ساتر يا رب! لا، هذا يكون رياءً.
الرياء بالعمل كإطالة الصلاة والرياء بمن حولي من الأكابر
الرياء يكون بالعمل أيضًا؛ كثيرًا ما يصلي ويطيل الصلاة وينظر إليّ، فأقوم بإطالة صلاتي وأفعل هكذا.
نعم، والرياء يكون بمن حولي أيضًا على فكرة. أنا أسير مع هؤلاء الناس الأكابر، انتبه! نعم، كنت بالأمس مع فلان الفلاني وجلستُ معه، هذا نوع من أنواع الرياء.
يوجد رياء الآن يقول لك: أنا كنت في لندن، يعني هو يسافر إلى لندن، كنت مسافرًا وانتهى الأمر. ليس من الضروري أن أقول كنت مسافرًا في لندن لأجل المكانة، أو سافرت إلى إيطاليا لكي أجلب الملابس من هناك وذاك. فيقوم الآخر بالرد عليه: نعم، أنا في السنة الماضية عندما كنت في لندن.
لا، اتركوا هذا الأسلوب وانتبهوا إلى أنفسكم، راقبوا تصرفاتكم؛ لأن هذه أمور صغيرة، وعندما تتخلون عنها ستجدونها سهلة جدًا وأفضل.
دوافع الرياء من حب الشهرة والمجد والطمع في حظوظ الدنيا
[المذيع]: حسنًا، ما الدافع يا مولانا الذي يجعل الإنسان يتكلف هذا الأمر؟ لماذا؟ هل هو ناقص داخليًا أم ما هو الوضع؟
[الشيخ]: يعني حب ماذا؟ حب الشهرة والمجد والعظمة والكبر. يعني هو يريد أن ينال حظًا من حظوظ الدنيا، أي انتبه أنني مهم، أنني غني، أنني قوي، أنني عالم، أنني إلى آخره.
ففي حظ من حظوظ الدنيا يريد أن يلفت إليه نظر امرأة، يلفت إليه نظر تلاميذه، يلفت إليه نظر جيرانه. يعني إذا يبقى شخص ممكن أيضًا يريد غرضًا معينًا، نعم، ليس حظًا من حظوظ الدنيا لكن فيه غرض معين، مصلحة يعني.
أصناف المرائين بين طلب المصلحة والتفاخر والشهوة
فيريد مصلحة، فهذه أصناف المرائين: إما أن يكون يريد مصلحة، وإما أنه يريد الفخر والتفاخر ولفت النظر، وإما أنه يريد شهوة في نفسه، وكلها مذمومة.
[المذيع]: يريد مصلحة يا سيدنا بعد إذن فضيلتك، يعني مثلًا يريد أن يشارك أحدًا فيُظهر له أنه أمين، أو يريد أن يتزوج فتاة فيُظهر لأبيها أنا رجل متدين، إذا هو متدين ويصلي في الجامع ويتخشع وهكذا، هو هذا المقصود به؟
[الشيخ]: كذلك، نعم، هو ليس كذلك [في حقيقته]، يفعل هكذا لكي يقضي مصلحته. كثير من الناس يقول لك في فترة الخطوبة: الله، أنت لست الإنسان الذي عرفناه! هذا صحيح؛ لأنه كان يرائي. لستِ أنتِ الفتاة التي جلست معها خاطبها سنة؛ لأنها كانت ترائي.
الرياء في فترة الخطوبة وإظهار المحاسن ثم التغير بعد الزواج
تُظهِر له كل المحاسن ويُظهر لها كل المحاسن. صحيح، وبعد الزواج ماذا؟ يكفي هكذا، لقد أنهيناه! هذا هو الرياء. نعم، هذا نوع من أنواع الرياء طبعًا، سبحان الله.
التفريق بين الرياء الحقيقي وما يوهم به إبليس من ترك العمل خوف الرياء
[المذيع]: حسنًا، دعنا نذهب إلى الفاصل يا سيدنا ونعود لنستكمل مواضيع الرياء. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. ونحن خارجون من الفاصل يا مولانا تحدثنا مع فضيلتكم عن موضوع الرياء. نريد أن نعرف فقط مسألة دقيقة ربما يتحدث عنها الناس، وهي عندما أُعطي عطية في السر، فبعض الأغنياء يقول لك عطية السر غير عطية العلن، أنا في السر يمكنني أن أعطي عشرة أغنياء، لكن الناس لو كانوا جالسين فمن المفترض أنني كرجل غني أعطي مائة، فيقولون هذه ليست رياءً، أنا أقصد أن هذه عطاء السر غير عطاء العلن. أو أنا وأنا أصلي غصبًا عني لابد أن... يا مولانا، الرياء كله حرام حتى لو كان فيه نسبة ضئيلة؟
[الشيخ]: لا، أصل الأمثلة التي ضربتها حضرتك هذه ليست رياءً، ليست رياءً أصلًا.
تحذير ابن الجوزي من مدخل إبليس في ترك السنن بحجة الرياء
يتكلم ابن الجوزي في كتابه [تلبيس إبليس] أنه أحيانًا يدخل إلينا إبليس ليمنعنا من الخير من هذا المدخل، يوهمني أنني بذلك أرائي وأنا ليس برأيي [أي لست مرائيًا].
أنا صلّيتُ الفرض فأريد أن أصلي السنة؛ لأن الناس كلها تقوم لتصلي السنة ونحن في المسجد. نعم، فيأتي الشيطان ويقول له: لا، إنك بهذا ستكون مرائيًا، أنت بهذا ترائي، لا تصلِّ السنة.
هو ليس مرائيًا، فقم وصلِّ! ما هو أنا ما فائدة ذهابي إلى المسجد؟ أنني أتشجع. نعم، وأقوم لأصلي السنة مع الناس عندما أجدها، فعندما أرى الناس يصلون السنة وآتي أريد أن أصلي السنة معهم أيضًا، هذا هو السبب، هذه هي فائدة ذهابي إلى المسجد. هذا جميل، ولذلك هذا ليس رياءً.
صدقة العلن التي تشجع الناس ليست رياءً بل سنة حسنة
أنا أعطي عشرة جنيهات في السر، جئنا للناس ونحن في أمرٍ ما، وجمعنا في العلن، فواحدٌ دفع مائة جنيه، فقلت أنا: وأنا مائة أيضًا، ولماذا أكون أقل منه؟ هيا تعال بمائة.
فشجعت الناس على أن يضعوا [المال في سبيل الخير].
قال النبي ﷺ: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من تبعها إلى يوم الدين»
ما شاء الله، فيكون إذن هذا ليس رياءً، هذا ليس رياءً. جميل.
تحريم الرياء في القرآن والسنة ووصفه بالشرك الأصغر
نعم، لنقول: هل هذا من أقسام الرياء أم لا؟ الرياء قد حرمه الله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾ [الماعون: 4-6]
الرياء هو أن يقصد المرء وجهًا غير وجه الله. ولذلك قال النبي ﷺ:
«إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء»
لا إله إلا الله، يبقى إذن الرياء أنني أبتغي بأعمالي غير وجه الله سبحانه وتعالى.
عدم قبول الله لعمل فيه مثقال ذرة من رياء والأمر بالصدقة سراً وعلناً
وكان يقول صلى الله عليه وسلم:
«لا يَقبل الله عز وجل عملًا فيه مثقال ذرة من رياء»
مثقال ذرة من رياء، هذه الذرة، نعم هذه الذرة، النملة الصغيرة، نعم هذه النملة الصغيرة. حسنًا، ما وزنها؟ كم يبلغ وزنها؟ إنها شيء خفيف جدًا.
فإذا لم يحدث هكذا [أي لم يكن فيه رياء]، والله تعالى يقول:
﴿إِن تُبْدُوا ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 271]
إذا أمرنا [الله] بالسر أمرنا بالعلن، وأمرنا بكل هذا.
قسمان لإظهار العمل: نفس العمل والتحدث عنه وحكم كل منهما
إظهار العمل هذا له قسمان، يقول الإمام الغزالي هكذا: أحدهما نفس العمل، والآخر التحدث عن العمل. نفس العمل والتحدث عنه.
نعم، كما قلتَ حضرتك هكذا، أن أعطيتُ عشرة أو مائة أو كذا، أو علنًا أو كذا. إظهار العمل أن أنا أعطي المائة علنًا أمام الناس. والثاني بقى أنني في اليوم التالي أقول: بالأمس دفعت مائة.
نعم، فلا ينبغي علينا أن نترك العمل الخير ونقول لأنفسنا كي لا يحدث الرياء. نعم، إذا أردت أن تفعل ذلك فافعله.
افعل العمل ولا تتحدث عنه إلا لفائدة واجعل الأمر كله لله
الكلام عن العمل جميل، أي افعل العمل ولا تتحدث عنه، ولا تتحدث عنه. الله! لكن يعني كما قلنا نقلًا عن ابن الجوزي هكذا، فإذا كان هذا خطأ لأنني لا أترك العمل، إنما أترك التحدث عن العمل إلا إذا كان التحدث عن العمل فيه فائدة، وحينها أجعل الأمر كله لله سبحانه وتعالى.
[المذيع]: يعني هي المسألة نية يا سيدنا.
[الشيخ]: بالطبع.
قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
علاج الرياء عند الغزالي: مقام قلع الأصول ومقام دفع الخواطر
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، ما هو دواء الرياء؟ ما طريقة معالجة القلب؟ فضيلتكم ذكرتم لنا مرة سابقة أن ما يخرج على اللسان أو على الجوارح يكون مطابقًا لما في داخل القلب. نعم، كيف نطهر قلوبنا من الرياء يا مولانا؟
[الشيخ]: لقد قال الغزالي رحمه الله تعالى: إن علاج الرياء له مقامان:
- •المقام الأول: هو خلعه من عروقه وأصوله، واقتلاعه بجذوره بشدة.
- •المقام الثاني: هو دفع ما يخطر منه في الحال.
أي أنه وضع له شيئين: شيئًا طويل الأجل وشيئًا قصير الأجل [عاجلة يعني].
المقام الأول لعلاج الرياء: قلع أصوله من حب المحمدة والفرار من الذم والطمع
فأما مقام قلع عروقه وأصوله فيقول [الغزالي]: فلتعلم أن أصل الرياء حب المنزلة والجاه والفخر، وإذا فُصّل رجع إلى ثلاثة أصول وهي:
- حب لذة المحمدة: هذه هي النقطة الأولى.
- الفرار من ألم الذم: هذه هي النقطة الثانية.
- الطمع فيما في أيدي الناس.
فيكون الألم واللذة كما يقول الفلاسفة، نعم، أو اللذة والألم والطمع.
وعلاجه أن تعلم مضاره الظاهرة جميعها، وما يفوته من مصالح في القلب وفي السلوك، وما يُحرم عنه في الحال من التوفيق. يعني أنك تُحرم من التوفيق في الدنيا وفي الآخرة عند الله سبحانه وتعالى في الثواب.
الدواء العملي للرياء: إخفاء العبادات وتعويد النفس على العبادة في السر
وأما الدواء العملي فهو أن يعوّد نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب. يعني أنه يصلي ويغلق على نفسه ويعوّد نفسه أن يتعبد في السر، كما وُصِف، أي اجعلها علاقة بينه وبين الله.
نعم، ما للناس وما لهذا الأمر، سواء كانت صلاة أو صيامًا أو زكاة أو غير ذلك.
المقام الثاني لعلاج الرياء: القناعة بعلم الله والخوف منه ورجائه وحده
المقام الثاني: دفع الرياء فورًا أثناء العبادة إلى آخره. يجب على العبد أن يلزم قلبه في جميع أوقاته القناعة بعلم الله في جميع طاعته. ربنا يعلم إذا كنت أنا صادقًا أو غير صادق.
هكذا هو الغزالي، هذا نص كذلك: علم الله في جميع طاعته، ولا يستطيع أن يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله تعالى.
إذا أردت أن تبتعد عن الرياء فخف الله ولا ترجُ إلا الله، لا بد من رجاء الله. فأما من خاف غيره وارتجاه فإنه يشتهي أن يطلع الناس عليه. إن من عنده ضعف في إيمانه وفي خوفه من الله ورجائه له - نعم، الخوف والرجاء - فليكن خائفًا من ربنا وأنت ترجوه.
نعم، إذا خفت من ربنا وأنت ترجوه لن يكون لديك دافع للرياء. صحيح، لن يكون لدي دافع لأن أرائي الناس أبدًا. صحيح، لا أعرف هذه من أي شيء [تأتي].
أما إذا خفت غيره ورجوت غيره، ترجو الناس، فلن تستطيع التخلص من الرياء.
الرياء هو الشرك الأصغر ويدب دبيب النمل ويحتاج إلى انتباه شديد
جميل، والرياء هو الشرك الأصغر، يعني مصيبة كبرى.
قال النبي ﷺ: «وإن الرياء ليدب دبيب النمل»
كما في الحديث، نعم عليه الصلاة والسلام، إن الرياء لا يُذاب بل يُسمع صوت دبيب أرجل النمل في القلب كدبيب النمل.
إذن هو شيء صعب جدًا ويحتاج إلى انتباه شديد من غير وسواس، ولكن يجب علينا أن نلتفت إلى أنفسنا وأن نأخذ حذرنا جدًا في هذا المقال.
حديث احفظ الله يحفظك علاج جامع للرياء ولكل داء في القلب
[المذيع]: يعني إذا سيدنا، في آخر فضل حوالي دقيقة، الحديث الذي رواه سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال لسيدنا عبد الله بن عباس:
«يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»
هذا الحديث أعتبرُه علاجًا للرياء إذا جاز التعبير، أنني لا أرجو إلا الله سبحانه وتعالى ولستُ خائفًا من أحدٍ غيره؟
[الشيخ]: هذا صحيح، وهذا ما يُسمى بـالوصية الجامعة. نعم، وهذه أيضًا ليست أصل الوصية الجامعة، فهذه علاجٌ للرياء وعلاجٌ لكل شيء، لكل شيء. صحيح.
يعني الإنسان ولذلك سيدنا [سفيان بن عبد الله الثقفي] قال ماذا؟ قال له: قُلْ لي في الإسلام قولًا لا أسأل أحدًا بعدك. فقال [النبي ﷺ]:
«قُلْ آمنتُ بالله ثم استقم»
ثم استقم، هذه هي القضية هكذا.
ختام الحلقة والدعاء والوعد بلقاء جديد من برنامج إحياء علوم الدين
[المذيع]: ربنا يحفظك يا مولانا، ويزيدك علمًا، وينفعنا بعلم فضيلتك يا مولانا.
[الشيخ]: الله يحفظك.
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة. على وعدٍ باللقاء مع حضراتكم في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
