برنامج إحياء علوم الدين | حـ8 | الغرور | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 08 | أ.د علي جمعة
- •الغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى والشهوة، ومن اعتقد أنه على خير في العاجل أو الآجل بناءً على شبهة فاسدة فهو مغرور.
- •أشد أنواع الغرور هو غرور الكفار، يليه غرور العصاة الذين يتفاخرون بمعاصيهم ويتمنون على الله مغفرته دون عمل صالح.
- •يخطئ من يقول "قلبي أبيض" بلا عمل، فقد قال النبي: "لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".
- •المغترون أصناف منهم: من أتقن العلوم الشرعية وأهمل أفعاله، ومن واظب على الطاعات الظاهرة دون مراقبة قلبه، ومن اشتغل بالوعظ ظانًا أنه موصوف بما يدعو إليه.
- •علاج الغرور يكون بثلاثة أمور: العقل الذي يتحكم في السلوك، والمعرفة لأن من عرف نفسه عرف ربه، والعلم الذي يدل على الله.
- •المناجاة مع الله لها أثر كبير في القضاء على الغرور، وبزواله تدخل الأنوار إلى القلب.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن الغرور
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: تحدثنا في سبع حلقات سابقة يا مولانا عن كتاب إحياء علوم الدين وعن أمور منها البعد عن الغيبة والنميمة إلى آخره. اليوم إن شاء الله يا سيدنا نريد أن نصل إلى موضوع الغرور. ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]
ما هو الغرور وما هي مواصفاته؟
تخلية القلب من القبائح وتنبيه الغزالي على آفات النفس والغرور
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في دور التخلية - تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح - نبّهنا الإمام الغزالي عن قضية الوسواس، وعن قضية الكذب، وعن قضية الغيبة والنميمة، وعن قضية السخرية والاستهزاء، وعن قضية الرياء والفحش والبذاءة.
وينبّهنا أيضًا فيما ينبّهنا على الغرور والكبر والفخر. هذا والإنسان إذا كان عنده غرور - والعياذ بالله تعالى - فإنه لا يستمع إلى أحد؛ ولذلك الشيطان كان من أسمائه الغَرور.
الفرق بين الغُرور والغَرور ومعنى خداع الدنيا للإنسان
الغَرور وهي التي وردت في الآية التي تفضلتم بها:
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]
الغَرور الذي هو الشيطان هنا؛ لأنه هنا فرق بين غُرور بضم الغين وغَرور [بفتحها]، وهو غَرور لأنه يَغُرّنا ويؤدينا إلى الغُرور أيضًا. فهو غُرور الدنيا، كيف تكون تَغُرّني؟ يعني تخدعني.
يا دنيا غُرّي غيري! وفي عبارة "غُرّي غيري" نوع من أنواع المحسّنات البديعية جميلة؛ لأنها نفس الحروف لكن ترتيبها مختلف: غَرِّي غَيْري، غَرِّي غَيْري.
[المذيع]: سمّوه جناس تقريبًا يا مولانا، هذا ناقص يعني محرَّف.
[الشيخ]: نعم، محرَّف وليس تامًّا.
حقيقة الدنيا الفانية وخداعها للإنسان وزوالها عن كل أحد
نعم، طيب. يا دنيا غَرِّي غَيْري، يعني ابحثي لك عن شخص غيري تغرينه؛ لأنني أعرف حقيقتك: أنكِ إلى زوال، أنكِ فانية، أنكِ لا تساوين شيئًا، أنكِ لم تبقي ولم تدومي لأحد، بل ينزعك الله من يد هذا ويضعك في يد هذا.
إن أمرك ليس بيدك يا دنيا، وإنه في النهاية سيكون موت حقيقي. فقال تعالى:
﴿وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ﴾ [الحديد: 14]
الأماني أيضًا ماذا تفعل بالمرء؟ تجعله مغرورًا في نفسه.
حديث الكيّس من دان نفسه وعلاج الحماقة بالنهي عن الغرور
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:
قال النبي ﷺ: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على الله» وهو غير راضٍ أن يعمل.
[المذيع]: نعم، لكل داء دواء يُستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها.
[الشيخ]: صحيح، وكان بعض مشايخنا يقول: حتى الحماقة وجدت من يداويها، وجدت من يداويها؛ لأن سيدنا صلى الله عليه وسلم داوى الحماقة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: داوى الحماقة بأن نهانا عن الغرور.
تعريف الغرور وكونه من الأمراض الشائعة المستوطنة بين الناس
فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى والشهوة ويميل إليه طبع الإنسان، وبذلك نُخدع من الشيطان. فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل وإما في الآجل، وكان اعتقاده هذا عن شبهة فاسدة، فهو مغرور.
إذن، وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون في هذا. أكثر الناس إذن عندهم الغرور، فالغرور من الأمراض الشائعة المستوطنة.
[المذيع]: صحيح.
أنواع الغرور: غرور الكفار وغرور العصاة والفساق
أما أنواع الغرور فأشد الغرور هو غرور الكفار - أعوذ بالله - وغرور العصاة والفساق الذين لا يرون فيما يفعلون أي غضاضة.
أما غرور الكفار فأشار إليه قوله تعالى:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 86]
أما غرور العصاة فربنا كريم، وليس على العاصي والفاسق أن يفتخر بمعصيته. وهكذا فلا ينبغي لأحدهم أن يتفاخر بالمعصية. كثير من الناس تتفاخر بالمعصية وترى أن المعصية إنما هي شيء محمود، وهذا ليس صحيحًا. المعصية نكد.
التوازن بين الرجاء في رحمة الله والخوف من مقامه سبحانه
الرجاء في وجه الله مطلوب، كل شيء، ولكن هذا الرجاء لا بد أن يكون وجهه الثاني هو الخوف. فلا بد من أن يعرف العاصي أنه مع أن الله كريم ونرجو رحمته، ولكن الله سبحانه وتعالى أيضًا له رهبة وله هيبة.
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»
فلا بد أن نظن فيه خيرًا وأن نظن فيه المغفرة والرجاء، وأيضًا أن نظن فيه أنه حكيم وأنه عزيز.
قال النبي ﷺ: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»
الرد على من يقول قلبي أبيض ويتمنى على الله دون عمل
[المذيع]: جميل سيدنا، الحديث الذي تفضلت به فضيلتك والذي هو «أنا عند ظن عبدي بي»، في بعض الناس يقولون - وهذا ما نراه للأسف في مجتمعنا - يقول: أنا قلبي أبيض وأنا أعلم أن ربك رب قلوب، وأنا متأكد أن الله كريم، مهما كنت أرتكب المعاصي فأنا أرجو رحمته، الله سيغفر لي، لا شأن لكم بهذا الأمر، ربي هو رب القلوب وقلبي أبيض.
[الشيخ]: نرجو الله سبحانه وتعالى أن يغفر له.
[المذيع]: آمين يا رب.
[الشيخ]: ولكن هذا تَمَنٍّ على الله الأماني.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ما زلنا نقوله: نحن نرجو الله ولسنا نملي عليه.
التحذير من التمني على الله والأمن من مكره دون عمل صالح
لا، عندما يقول لي: أنا قلبي أبيض ودعني مع ربي، حاضر تفضل مع ربك وأنت قلبك أبيض وكل شيء، ولكنك هكذا تمنيت على الله الأماني.
على فكرة، وأنا عندما أعلِّم أولادي سأقول لهم: إياكم أن تفعلوا هكذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى:
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]
فكيف أأمن مكر الله؟ فلا بد من العمل. وربنا قرن الإيمان بالعمل:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَـٰهَدُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُولَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 218]
ليس آمنوا فقط.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أنهم هاجروا وجاهدوا، أولئك يرجون رحمة الله. فالرجاء إنما هو في رحمة الله عند العمل، لكن إذا كان تواكلًا أو لا يعمل، يقول لك: ربنا سيكرمني.
الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل الصالح
[المذيع]: نعم، يعني لو كان التمني، ما الفرق بين الأماني والرجاء والعمل؟
[الشيخ]: الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل. العمل: أنت الآن في رجاء وفي عمل، لا يوجد مانع، والله سبحانه وتعالى يجازيك خيرًا.
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 185]
فإذن سنوفّى أجورنا وكل شيء. لكن الأماني التي هي يريد أن يجلس ويستقر فيها هكذا ويقول: إن قلبي أبيض، وأن قومًا قد غرّهم بالله الغرور.
حديث النبي: لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل
النبي يقول هكذا:
قال النبي ﷺ: «إن قومًا قد غرّهم بالله الغرور، يقولون: نحن نحسن الظن بالله»
ها هم يقولون نحن نحسن الظن بالله!
قال ﷺ: «لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل»
عليه الصلاة والسلام، هذا كلام سيدنا رسول الله. انظر كم جميل! يعني شيء حلو جدًا هكذا يا رسول الله.
أنا رجل قلبي طيب وقلبي أبيض وأنا في علاقة طيبة بيني وبين الله وهكذا إلى آخره. حسنًا، جميل، صحيح، ما تقوله كله حسن، وعلاقتي هذه ليست من شأنكم. حسنًا، موافق.
مثال الساعة المعطلة والرد على من يدّعي صلاح القلب دون عمل
طيب وبعد ذلك؟ قالوا: وبعد ذلك؟ أنا لن أفعل! إذن يعني إنه لأجل حسن الظن بالله؟ قال له: نعم. قالوا: لو أحسنت الظن لأحسنت العمل.
جميل، وضرب الناس مثلًا على ذلك: المنبّه الذي خلقه لنا الله، هذه الساعة. نعم، عندما تكون عقاربها لا تعمل يكون قلبها فاسدًا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: يجب أن نذهب بها إلى الساعاتي ليصلحها. نعم، لأنه لو أن هذه الساعة بطاريتها قد انتهت فارغة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لا تعمل، لا يمشي، يجب أن أغيّر لها الحجارة [البطارية].
[المذيع]: صحيح.
لا بد من العمل مع حسن الظن بالله وإلا كان غرورًا يخدع صاحبه
هذا هو القلب هكذا. الإنسان الذي لا يعمل ويقول قلبي أبيض فأنا لن أعمل، سنقول له: قلبك أبيض، نحن نحب ذلك، قلبك أبيض والعلاقة بينك وبين الله جيدة، ولكن لا بد من العمل.
نعم، لأنك لو أحسنت الظن لأحسنت العمل، وما في عمل في الخارج يكون هناك غرور يخدعك، يوجد شيطان يخدعك. لو أحسنت الظن لأحسنت العمل.
[المذيع]: نعم، ما شاء الله. نثني عليك يا سيدنا، سنذهب إلى فاصل ونعود لنستكمل الحوار عن الغرور، الغرور والغَرور. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسباب التمني والغرور وأصناف المغترين عند الإمام الغزالي
[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. خرجنا للفاصل يا مولانا وعدنا، نريد أن نكمل الحوار المشوّق مع فضيلتكم عن الغرور. ما أسباب التمني التي تجعل الناس يتمنون أو يصبحون مغرورين ويقولون أنا سأكون من الذين ينجون يوم القيامة؟ هل هناك أسباب معينة ذكرها الإمام الغزالي؟
[الشيخ]: حيث تعرّض لهذا في كتاب إحياء علوم الدين وقال إن المغترّين أصناف كثيرة. منهم فرقة - وهو يتحدث هكذا عن عصره أيضًا، لكن ما شاء الله يعني إنه يصف حالًا مستمرة إلى عصرنا كأنه يتحدث عن وقتنا.
[المذيع]: يا سلام!
الفرقة الأولى من المغترين: من أتقنوا العلم وأهملوا العمل به
[الشيخ]: منهم فرقة أتقنوا العلوم الشرعية والعقلية وأهملوا النظر في أفعالهم.
[المذيع]: نعم، نظريًّا ليس عمليًّا، معه علم الدين لكن ليس لديه التديّن.
[الشيخ]: جميل، ولذلك لم يحفظوا جوارحهم عن المعاصي. فهؤلاء اغترّوا بعلمهم، اغترّوا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان لا يعذّب مثلهم.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: وهذه الحكاية ممنوعة في الدين؛ لأنه لا بد أن يكون هذا العلم دافعًا للتديّن.
الفجوة الكبيرة بين علم الدين والتدين والخلط بينهما
لدينا فجوة كبيرة جدًّا بين الخلط بين علم الدين والتديّن؛ المتديّن يظن نفسه أنه عالم من علماء الدين وهذا خطأ، وعالم الدين ليس على التديّن الكافي وهذا خطأ أيضًا.
أنا عالم دين، أنا داخل الجنة!
[المذيع]: نعم نعم.
[الشيخ]: سواء فعلت أو لم أفعل، أنا في الجنة لأنني عالم! وهذا خطأ.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فيكون إذن هناك مصيبتين: المصيبة الأولى أن أكون عالم دين ولست متديّنًا، والمصيبة الثانية أن أكون متديّنًا وأظن نفسي عالم دين بمجالستي لعلماء الدين. لأنني تديّنت يا سيدي، أنت لا تمتلك مؤهلات العلم! يقول لك: والله أنا أصلي كل فرض في وقته. حسنًا، وما علاقة هذا؟ هذا تديّن مطلوب يُطلب من الجميع أن نفعل هكذا.
الفرقة الثانية: من أتقنوا العلم والعمل لكن أهملوا مراقبة قلوبهم
فرقة أخرى أتقنوا العلم وعملوا به، فواظبوا على الطاعات الظاهرة وتركوا المعاصي، إلا أنهم لم يراعوا ويراقبوا قلوبهم.
[المذيع]: لا إله إلا الله.
[الشيخ]: لم يبذلوا ما نذكره منذ حلقات من التخلية والتحلية [تخلية القلب من الآفات وتحليته بالفضائل]. نعم، فتراهم تركوا أنفسهم فدخل الكبر، دخل الحسد، دخل الرياء، دخل طلب العلوّ في الأرض، إرادة السوء، يعني دخلت أشياء كثيرة جدًّا في القلب.
[المذيع]: لا إله إلا الله.
[الشيخ]: رسول الله يقول:
قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
فأمرنا أن نتعهد الأعمال والقلوب، وأن القلب هو الأصل؛ إذ لا ينجو إنسان:
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]
إلا من أتى الله بقلب سليم.
الفئة الثالثة: المغرورون بالوعظ والكلام دون تطبيق على أنفسهم
في الفئة الثالثة: اشتغلوا بالوعظ والتذكير والكلام في الأخلاق والزهد وما إلى آخره، لكنهم مغرورون أيضًا. يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد صاروا موصوفين بها.
[المذيع]: نعم، مجرد أنني أدعو الناس للصدق فأنا صادق هكذا؟
[الشيخ]: لا! هذه هي الحكاية: أن ابدأ بنفسك أيْ ثم بمن تعول.
فهناك فِرَق كثيرة من الغرور: هناك من اغترّ بعلمه، وهناك من اغترّ بعمله، وهناك من اغترّ بأن أخذ جانبًا وترك جوانب أخرى.
أهمية مناجاة الله والجلوس معه للقضاء على الغرور
كل هذا يؤول بنا إلى أن نقول: يا رب، يا رب، أي يا رب وفّقني لأن أكمل الطريق، يا رب وفّقني لأنني لا أنسى شيئًا، يا رب وفّقني ألّا أتكبر ولا أكون متكبرًا.
مناجاة الله شيء مهم جدًّا، وهي من الأشياء التي حُرمنا منها في عصرنا الحاضر لكثرة الأحداث وما إلى ذلك. المناجاة هي أن تجلس مع الله هكذا، وهذه أوقات مباركة الآن.
إن الجلوس مع ربنا والعيش معه سبحانه وتعالى والتوجه إليه بهذه المناجاة يصنع أثرًا كبيرًا جدًّا في القضاء على الغرور.
ملاحظة أن الغزالي وصف غرور العلماء والمتدينين لا أصحاب المال والنفوذ
[المذيع]: هنا يا سيدنا ملاحظة مهمة جدًّا، أو شيء ورد على خاطري: أن الإمام أبا حامد الغزالي وهو يتحدث ويصف، معظمهم علماء متدينين! لم يذكر سيرة مثلًا المغرور بماله، المغرور بنفوذه، أو المغرور الذي يقول: ألا تعلم من تكلّم؟ ألا تعلم من أنا؟ إلى آخره.
[الشيخ]: ذكر أيضًا أن فرقة ينفقون الأموال في الصدقات على المساكين ويطلبون بذلك المحافل الجامعة، ويكرهون التصدّق في السرّ. إنهم يتصدقون في العلن بكميات كبيرة، لكن في السرّ لا.
[المذيع]: نعم.
الإرشاد إلى قراءة كتاب إحياء علوم الدين والعيش معه
فهو ذكر أصنافًا كثيرة، ولكن لأن البرنامج دقائق معدودة فنحن نُرشد الناس أيضًا إلى أن يرجعوا إلى الإحياء ويعيشوا مع الإحياء؛ لأن هذا الإحياء كان العلماء قديمًا يُخلّصونه ثم يذاكرونه مرة أخرى.
منهم من قرأه أربعين مرة، ومنهم من قرأه ستين مرة وهكذا؛ لأنه برنامج عمل جميل يمكن أن يعيش فيه [الإنسان].
علاج الغرور بالعقل والعلم والمعرفة وأهمية الهمة في طلب الحق
[المذيع]: حسنًا، في الختام تبقّى لدينا بضع دقائق. نريد أن نعرف ما علاج الغرور؟ ذكرت لنا المناجاة يا مولانا، فهل هناك أساليب أخرى للعلاج؟
[الشيخ]: هناك أساليب كثيرة للعلاج.
[المذيع]: لدينا حوالي ثلاث أو أربع دقائق يا مولانا.
[الشيخ]: نعم، الإنسان إذا فترت همته في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر واستوعر الطريق، وإذا صحّ منه حبه للشيء وهواه للشيء اهتدى إلى الحيل، اهتدى إلى الحيل.
[المذيع]: الحيل، نعم.
[الشيخ]: الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، فهو يريد الحيلة التي يذهب بها إلى المطلوب.
ثلاثة أمور للنجاة من الغرور: العقل والعلم والمعرفة
فالعبد ينجو من الغرور بثلاثة أمور جميلة: بالعقل والعلم والمعرفة.
[المذيع]: العقل والعلم والمعرفة، جميلة.
[الشيخ]: العقل هذا اختلفوا، وما هو العقل هذا يعني؟ لكن العقل سُمّي عقلًا في اللغة العربية لأنه يمنع الإنسان من فعل الأخطاء، يعقله، يعقله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: العقال الذي هو الشيء الذي يربط شيئًا، ولذلك إخواننا في الخليج وغيره الغترة التي يلبسونها يضعون عليها عقالًا، عقالًا لأنها تُعقِل ماذا؟ الغترة هذه حتى لا تنزلق من هنا أو من هناك.
فالعقل هو فطرة غريزية، العقل هو فطرة غريزية كأنه نور في القلب يدرك به الإنسان حقائق الأشياء.
العقل أساس السعادات وقصة لوحة درجاتكم في الجنة على قدر عقولكم
العقل؛ لأن الأساس أن أساس السعادات كلها هو العقل، أساس السعادات كلها هو التكليف هو العقل.
[المذيع]: جميل جدًّا.
[الشيخ]: كنت أسير مع شيخي هكذا في القاهرة، فوجدنا لوحة تقول: "درجاتكم في الجنة على قدر عقولكم". لوحة معلّقة في الشارع هكذا! قال: يا سلام! لو كنت عرفت هذه العبارة وأنا صغير لكنت ألّفت فيها كتابًا: درجاتكم في الجنة على قدر عقولكم.
فقلت له: لماذا يا سيدنا الشيخ؟ قال: لأن العقل هو الذي يتحكم في السلوك، العقل هو الذي يتحكم في السلوك، والقلب هو الذي يتحكم في العقل.
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: فلا بد أن يعلو القلب على العقل والعقل يعلو على السلوك، ولو حدث ذلك يتخلص الإنسان من الغرور.
المعرفة: من عرف نفسه عرف ربه وغلب حب الله على قلبه
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: هو العقل والمعرفة. فمن عرف نفسه عرف ربه؛ لو عرفت أنني ضعيف عرفت أن الله قوي، ولو عرفت أنني فقير ومحتاج عرفت أن الله غني ولا يحتاج لأحد، أنا لو عرفت أنني فانٍ عرفت أن الله باقٍ. فمن عرف نفسه عرف ربه.
فإذا عرف أحدنا هذه الحقائق فإنه يبتعد عن الغرور. المعرفة: من عرف نفسه فقد عرف ربه، حينئذ يغلب حب الله على قلبه. إذا عرف ربه غلب حب الله على قلبه، سيأتي له الغرور من أين يأتي حقًّا إذا كان حب الله قد دخل في قلبه؟
العلم الحقيقي هو الذي يدل على الله ويحول المعلومات إلى نور
الأمر الثالث الذي أقاوم به الغرور هو العلم. العلم، والعلم هنا - انظر في لغة القرآن - العلم هو الذي يدلّك على الله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أيّ معرفة لا تدلّ على الله فهي مجرد معلومات، معلومات وليست علمًا. أما العلم فهو الذي يدلّك على الله.
[المذيع]: الله، ما شاء الله.
[الشيخ]: فلو أنك رأيت شخصًا ألّف كتابًا من ثلاثة مجلدات اسمه "الطب محراب الإيمان"، كل ما يرى هذا الرجل - وهو طبيب جرّاح الإنسان - كلما ينبهر ويقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، سبحان الله!
أهو هذا علم الطب؟ وهل هو علم الطب؟ نعم، هو بالطبع الطب في معلومات كثيرة، عندما نسندها إلى الله تسمّى في اللغة وفي الشرع وفي القرآن علمًا.
خاتمة الحلقة: زوال الغرور يدخل الأنوار في القلب
[المذيع]: الله يستحقك يا سيدنا.
[الشيخ]: يسمّى علمًا. فهناك ثلاثة أشياء: العقل والمعرفة والعلم، وهذه الأشياء الثلاثة تبعدنا عن الغرور، نتخلّى عنه إن شاء الله.
أتعلم ماذا سيحدث عندما يزول الغرور؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الأنوار تدخل القلب.
[المذيع]: ما شاء الله، الأنوار تدخل القلب! ربنا يفتح عليك يا سيدنا وينفعنا بأنوار فضيلتك إن شاء الله. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.
فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
