برنامج السراج المنير:المواجهة بالحكمة والموعظة الحسنة
- •تحدث الدكتور علي جمعة عن النموذج الثاني للمسلمين وهو هجرة الحبشة، موضحًا أن الهجرة نوعان: هجرة أمن وهجرة إيمان.
- •هجرة الأمن تكون إلى بلاد تراعي حقوق الإنسان وتقبل التعددية، بينما هجرة الإيمان تكون إلى دولة ستقوم على أسس يرضاها الله.
- •أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة قائلاً: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا عظيمًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق".
- •هاجر المسلمون متفرقين إلى الحبشة طلبًا للأمن على دينهم وأنفسهم.
- •أرسلت قريش عمرو بن العاص ومن معه محاولين استرداد المهاجرين واستخدموا الإعلام الموجه والهدايا لتشويه صورة المسلمين.
- •رفض النجاشي تسليم المسلمين قبل سماعهم، فتحدث جعفر بن أبي طالب عن الإسلام وقرأ من سورة مريم.
- •تأثر النجاشي وبكى وقال: "إن هذا والذي جاء به عيسى لا يخرجان إلا من مشكاة واحدة".
مقدمة الحلقة والترحيب بفضيلة الإمام الدكتور علي جمعة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
[المذيع]: أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا أهلًا ومرحبًا بكم.
الانتقال من نموذج المسلم في بلد معادٍ إلى نموذج الهجرة إلى الحبشة
[المذيع]: أهلًا بك يا سيدنا، في الحلقات الماضية من برنامج السراج المنير يا مولانا، تحدثنا عن النموذج الأول وهو نموذج المسلم في بلد يحكمها غير المسلمين مع عداوتهم لهم. نريد أن ننتقل إلى النموذج الثاني، نموذج الهجرة إلى الحبشة.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ضاق الحال بالمسلمين في مكة، وهكذا يمكن أن يضيق الحال بالمسلمين في بلاد ترفضهم، وهنا يشرع الله سبحانه وتعالى الهجرة.
والهجرة قد تكون هجرة أمن، وقد تكون هجرة إيمان؛ هجرة أمن وهجرة إيمان، طبقًا للبلد الذي سوف أذهب إليه.
الفرق بين هجرة الأمن وهجرة الإيمان وضوابط كل منهما
هجرة الأمن: أنا ذاهب إلى بلاد قد لا تكون بلاد مسلمين، إنما بلاد تراعي حقوق الإنسان، بلاد ذهبت إلى بلاد ليس بينها وبين الإسلام في حد ذاته عداوة. النظام يتقبل ويقبل التعددية، يقبل حرية الاعتقاد.
ولذلك أنا سأنتقل من البلد التي هي مكة إلى جهة أخرى آمن فيها على نفسي ومالي وعرضي وديني، وهذه هي ما تُسمى بهجرة الأمن؛ لأن المقصود من تحولي عن وطني هو الأمن وليس الإيمان.
بخلاف الهجرة إلى المدينة فإنها من هجرة الإيمان؛ لأنني ذاهبٌ إلى دولةٍ ستقوم على أسسٍ يرضى عنها الله سبحانه وتعالى، تدافع عن الدعوة وتعدُّها قضيتها، وتنشر مبادئ التسامح في العالمين، مبادئ السلام الاجتماعي والأمن المجتمعي، قضية أخرى.
إذن، فهناك هجرتان: هجرة أمن وهجرة إيمان.
نصيحة النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة لعدل ملكها وصدق شعبها
[المذيع]: جميل ما شاء الله!
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أصحابه في هذا الضيق، فيما أخرجه الإمام البيهقي في [السنن الكبير]، قال:
قال رسول الله ﷺ: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا عظيمًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق»
يبقى نظر أولًا للنظام وثانيًا للشعب. النظام في عدل، نعم العدل أساس الملك. والشعب صادق، فيه صدق، ليس فيه كذب ولا مكر ولف ودوران.
وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه؛ لأنه كان رؤوفًا رحيمًا بأصحابه عليه الصلاة والسلام.
رواية أم سلمة عن ضيق المسلمين في مكة وعجز النبي ﷺ عن دفع الأذى عنهم
فهذه النصيحة لاقت عند بعضهم مكانًا ورحلوا إلى الحبشة. ستنا أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وكانت حينئذ زوجًا لأبي سلمة رضي الله تعالى عن الجميع. أبو سلمة هاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة وهاجر بعد ذلك إلى المدينة، وكان من أوائل المهاجرين هنا وهناك.
أيضًا في [السنن الكبير] للبيهقي قالت: لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفُتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والشدة والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم.
وكان صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه، لا أحد يستطيع أن يأخذه ويضع عليه صخرة مثل بلال، ولا يضربوه ولا يقتلونه مثل عمار وآخرين؛ لأنه من سادة هذا البلد ومن أبناء ساداتها.
حماية بني هاشم للنبي ﷺ وأمره أصحابه بالهجرة إلى الحبشة
[المذيع]: نعم، والآل بني هاشم سيدافعون عنه عليه الصلاة والسلام.
[الشيخ]: نعم، وعمه [أبو طالب] لا يصل إليه شيء مما يكره أو مما ينال، يعني عمه موجود وقومه موجودون ولا يمكن أن يصل إليه شيء من هذه الأشياء مما يناله أصحابه.
قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن في أرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه»
قالت [أم سلمة] رضي الله تعالى عنها: فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها. كانوا يسافرون منفردين، أفواجًا، واحدًا واحدًا، هكذا تسربوا واحدًا تلو الآخر، واحد كي لا يشعر المشركون بهم.
معايير اختيار بلد الهجرة وأسباب اختيار الحبشة تحديداً
إذا كان الانتقال من مكة إلى الحبشة كان بنصيحة رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا كانت هذه هجرة من نوع هجرة الأمن، فإذا أهاجر هجرة الأمن ينبغي عليّ أن أتخير بين بلاد الله. ما هو أمامهم قريبة تهامة وأمامهم قريبة اليمن عن الحبشة، لكن هنا ذهبوا إلى الحبشة لأمور:
وهي أن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وأنها أرض صدق، وأنها أرض قد شاعت فيها المسيحية التي هي دين من عند الله، له كتاب يؤمنون فيه بالله، ويؤمنون فيه بيوم القيامة، يؤمنون فيه بتكليف، ويؤمنون فيه بتشريف الإنسان، إلى آخر ما جاءت به الكتب من عند ربِّنا سبحانه وتعالى.
موقف النجاشي من الإسلام وتأكيده على وحدة المصدر بين عيسى ومحمد
ولذلك عندما سمع النجاشي بعد ذلك عن حال هذا الإسلام، بالرغم من الفتنة التي أحدثها الرُسُلُ من أهل قريش عمرو وصاحبه، خطَّ خطًا في الأرض وقال: والله ليس هناك ما بين ما جاء به عيسى وما جاء به محمد أكثر من هذا الخط.
يعني شيء كأنه يريد أن يقول: وجهان لعملة واحدة، يعني كما يقولون شعرة ما بين هذه وما بين هذه، يعني نعم هذا هكذا وهذا هكذا، هو هو هو هو؛ لأنه عندما نرسم خطًا ونتصور أنه مرآة، فهذه صورة هذا وهذا صورة هذا. صحيح.
انتقال المسلمين إلى الحبشة ومجاورتهم خير جار النجاشي وأمنهم على دينهم
فإذا حدث إذن أنهم انتقلوا إلى بلد جديد، جاوروا فيها خير جار. هكذا تقول أم سلمة: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا فيها خير جار، النجاشي، ما شاء الله.
فأمنّا على ديننا وعبدنا الله سبحانه وتعالى، لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه.
[المذيع]: وقريش يا مولانا لم تتركهم في حالهم، بعثوا عمرو بن العاص وآخر بهدايا.
[الشيخ]: نعم، لكن هذا ليس لنا تدخل به، يفعلون ويسوون.
كيف يتصرف المسلم في بلد عادل عند مواجهة محاولات التشويه والإعلام الموجه
[المذيع]: حسنًا، كيف يتصرف المسلم في هذا الجو؟
[الشيخ]: نعم، إذا أردنا أن ندرس، مرادنا أن نذهب إلى الحبشة ونعتبرها نموذجًا. والنموذج فيه أن الإنسان يعيش في بلد عادل، يعيش في بلد لا يرفضه، يعيش في بلد طلبًا للأمن. وأنه ماذا يفعل عندما يواجه الأحداث؟
ومن ضمن هذه الأحداث أن مكة أرسلت عمرو بن العاص ومعه زميله من أجل الفتنة، ومن أجل استرداد هؤلاء، ومن أجل تشويه الصورة.
هناك صناعة تُسمى صناعة الصورة؛ قد تصنع صورة لشيء سيء على أنه مفرح ومبهج، وقد تصنع صورة لشيء مبهج على أنه حزين ومؤسف. فهذه صناعة الصورة لها فن، هذا الفن هو الإعلام الموجه، يعني الإعلام الموجه والإعلام المضلل.
وسائل تشويه الصورة من البلاغة والرشوة والتهديد والاستعطاف
[المذيع]: نعم، المضلل.
[الشيخ]: الذي يجعل من الفسيخ شربات ومن الشربات فسيخًا. أيضًا تجعل من الحبة قبة، وتجعل من الحبة قبة، وتشوه. فذاهب [عمرو بن العاص] لأجل أن تكون الأمور واضحة: نستردهم، ونعذبهم، ونقتلهم، وأيضًا نشوه الصورة عند هذا الملك.
بوسائل تشويه الصورة قد تكون بالبلاغة والفصاحة، وقد تكون بالمكر والدهاء، وقد تكون بالهدية والرشوة.
[المذيع]: الرشوة، جميل.
[الشيخ]: نعم؛ لأنها تجعلنا نميل ونجعل القلوب تميل. قد تكون بالتهديد بالمصالح، وأننا سنقطع عليكم الطريق أو نحو ذلك. قد تكون بنوع من الاستعطاف مثلًا. المهم أن نصل إلى نتيجة أو نصل إلى مرادنا.
التشويق لمعرفة تصرف المسلمين والعودة بعد الفاصل لاستكمال الحديث
فماذا يفعل المسلمون؟
[المذيع]: حسنًا، دعنا نعرف يا مولانا ماذا يفعل المسلمون؟
[الشيخ]: آه، بعد الفاصل، هذا ما نريد أن ندرسه إن شاء الله.
[المذيع]: فاصل. السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة.
محاولة قريش استرداد المسلمين من النجاشي وغضبه من استخفافهم بعقله
[المذيع]: قبل أن نخرج إلى الفاصل يا مولانا، كنا قد وصلنا إلى محاولة قريش أن يستردوا المسلمين بإرسال عَمرو بن العاص، وكنت فضيلتك شرحت لنا معنى الإعلام الموجّه.
[الشيخ]: عندما جاء عَمرو ومن معه بالهدايا للنجاشي وكذلك إلى آخره، طلبوا منه أن يُسلِّم هؤلاء [المسلمين] إليهم حتى يعودوا إلى قومهم؛ لأنهم قد جاؤوا يفرقون بين الرجل وأبيه وبين الرجل وأمه.
وعليه أن يصدّق عَمرو ومن معه وأن لا يستمع إليهم [أي إلى المسلمين]؛ لأن كلامهم فيه لحن لطيف وأنهم فصحاء وبدأوا يضحكون عليك.
غضب النجاشي يعني: أنا ليس عندي عقل؟ أي أنني لن أعرف الشخص الذي يتكلم ويضحك علي؟ إنكم تستخفون بي وتقولون إنني قاصر، وتريدون الولاية والتدخل في الشؤون الداخلية. لقد حوّل الأمر إلى مسألة دبلوماسية.
رفض النجاشي تسليم المسلمين وإصراره على سماع الطرفين قبل الحكم
غضب النجاشي جدًا وقال: لا والله، لا والله، يعني لا والله يعني مثل حاشا لله، لا والله لا أُسلمهم إليهما.
لما الرواية تقول لا أُسلم إليهما، معناه أن المستشارين الخاصين به يقولون: نعم صحيح، سلم لهم سلم لهم. فقال: لا والله لا أُسلمهم إليهما.
قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، أبدًا حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم. فإن كانوا كما يقولان سلّمتهم إليهما وأرجعتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. لو اتضح أنهم فارين لأرجعهم!
العدالة المطلقة للنجاشي وصفات القاضي العادل من الحلم والأناة
نحن أمام عدالة مطلقة، أمام نفسية القاضي العادل الذي استمع من الخصم الأول فلم يحكم حتى يستمع من الخصم الثاني. هذا هو معنى أن العدل أساس الملك؛ أنه يجب على الحاكم أن يكون بنفسية القاضي.
ما هي نفسية القاضي هذه؟ إنها ليست سمّاعًا، ليس سمّاعًا لا يصدق أي شيء يُقال له أبدًا.
﴿وَمِنْهُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التوبة: 47]
يصدقون.
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»
أول ميزة للقاضي هي الحلم والأناة، هي أنه ليس سماعًا.
مزايا القاضي العادل من التأني والحلم والفصل بين الحق والباطل
مزايا القاضي هكذا، التي يجب على الحاكم الذي يريد أن يقيم حكمه على العدل أن يتأنى وأن يكون حليمًا وأن يوسع صدره، وألا يكون سماعًا لحاشيته وبطانته أو ينفرد أحدهم به، لا أبدًا.
يسمع ماذا تريد، وفي ذهنه الفصل بين الفاعل والفعل، وفي ذهنه القسطاس المستقيم والمعيار الذي يقيس به الحق من الباطل والخير من الشر.
خطبة جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي ووصفه لحال الجاهلية وبعثة النبي ﷺ
فجعفر بن أبي طالب الذي رباه العباس، قلنا في حلقة سابقة أنه كلّم النجاشي. جاء وقال له: نعم، من الكلام، قُل.
فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف.
فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده وننبذ الأصنام، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة.
أمرنا بالصدق وبالكف عن المحارم وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، والدماء نهانا عنها، وعن الفواحش وعن شهادة الزور وعن قول الزور وأكل مال اليتيم.
وصف جعفر للديانة الإسلامية أمام النجاشي وتعداد أمور الإسلام
[المذيع]: ما هذا؟ إنه يصف له الديانة.
[الشيخ]: نعم، يصف له الديانة. جميل، ونهانا عن قذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.
قالت أم سلمة: فعدَّد عليه أمور الإسلام. استغل هذا الموضوع لكي يدعوه إلى الإسلام.
[المذيع]: نعم، يعرف.
[الشيخ]: لأنه، آه، هذا التعريف مهم، التعريف العام فيما يتعلق بدين الإسلام، ما شاء الله.
تكوين الصحابة مجتمعاً منظماً في الحبشة بمتحدث رسمي هو جعفر بن أبي طالب
قال [جعفر]: فصدقناه وآمنا به. نعم، هذه من واجبات ما يسمونه الآن المجتمع (كوميونيتي).
[المذيع]: ماذا يعني المجتمع؟
[الشيخ]: تعني الجماعة. الصحابة في الحبشة كوّنوا مجتمعًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وليس أن يتخاصم كل شخص مع آخر كما نشاهد في بعض البلدان، يتخاصمون مع بعضهم في الغربة، يعني نعم.
ليس كما يقولون أن هذه الجماعة جماعة سيئة خارجة عن النظام وخارجة عن... ليست خائنة. آواهم في بلاده، نتهمهم بالخيانة لأنهم ليسوا مسلمين؟ لا لا لا.
فآمنا عليه وصدقناه. إذن فالمجتمع يكون به كالمتحدث الرسمي للمجتمع الذي هو سيدنا جعفر بن أبي طالب.
[المذيع]: كأنهم عاملين جالية ولها متحدث.
[الشيخ]: هكذا هو جماعة المسلمين.
شكوى جعفر للنجاشي من اعتداء قومهم عليهم وإجبارهم على ترك دينهم
واتبعناه على ما جاء به من الله سبحانه وتعالى. يقول له [جعفر للنجاشي] هكذا: ألا نشرك به شيئًا. سيدنا جعفر يقول للنجاشي أنه اتبعه [النبي ﷺ]، اتبعناه جميعًا هكذا وصدقناه.
ماذا نفعل الآن؟ فاعتدى علينا قومنا عدوانًا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، وردونا إلى عبادة الأوثان، وجعلونا نستحل ما كنا نستحل من قبل من الخبائث والمحرمات.
فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك.
مخاطبة جعفر النجاشي بالعاطفة واختيارهم إياه على من سواه ورجاء عدم الظلم
إنه يخاطبه بالعاطفة أيضًا، جئنا نحتمي بك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: واختاره على من سواه.
[المذيع]: نعم، نفس الكلمة التي قالها [النجاشي من قبل].
[الشيخ]: إذن هذا ذكي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: خاطبوا الناس على قدر عقولهم، ما شاء الله. نعم، يعني كان من الممكن أن نهرب ونذهب إلى مكان آخر، لكننا اخترناك أنت يا نجاشي، اخترناك هكذا.
ورغبنا في جوارك، ورجونا ألّا نُظلم عندك أيها الملك. هو يعلم أنه لا يظلم أحدًا، وسيدنا [جعفر] قال له، فيأتيه من الموضع الذي يقول له: ألست أنت لا تظلم أحدًا؟ حسنًا لا تظلمنا إذن.
قراءة جعفر سورة مريم على النجاشي وبكاؤه وبكاء أساقفته تأثراً بالآيات
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال جعفر: نعم، وقرأ عليه صدرًا من سورة مريم.
انظر إلى الاختيار الجميل حقًا، لم يقرأ له أي شيء آخر، بل قرأ له سورة مريم؛ ليبين له موقف الإسلام من مريم. واليهود يسبونها حقًا، لأجل ذلك يقول له أن هذا ليس كذلك، بل أمه [مريم] صديقة، هذه مسألة أخرى.
وإذ يروي القصة من بدايتها، فوالله لقد بكى النجاشي. السيدة أم سلمة تقول هكذا: عندما سمع الآيات من سورة مريم بكى حتى اخضلت لحيته، أي تبللت هكذا من البكاء.
إذن هذا الرجل مؤمن ولديه قلب رقيق وقلب يستجيب للموعظة. وأبكت أساقفته، رجال الدين المسيحيين الذين كانوا واقفين، بدأوا يبكون، بدأوا يبكون حتى ابتلّت مصاحفهم، أي أن الدموع نزلت على صحفهم، الكتب التي في دينهم وهم كاتبينها باليد وبالحبر القديم فطُمست.
حكم النجاشي بأن الإسلام والمسيحية من مشكاة واحدة وتهديد عمرو بن العاص
ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى لا يخرجان إلا من مشكاة واحدة. انطلق، امشِ أنت وهو [يقصد] عمرو بن العاص.
فلما خرج عمرو قال: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم، سأفعل فيهم مقلبًا، أو سأقول عنهم كلمةً تجعله يغضب عليهم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا -: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا. أنت الآن جئت تأتي تضرب وستفتري عليهم، أنت قلت الصدق ولم يطاوعك.
تحذير عبد الله بن أبي ربيعة لعمرو من الافتراء والتشويق لاستكمال القصة
حسنًا، أنت الآن تريد أن تفتري عليهم. سيقول له [عمرو]: هؤلاء سيصنعون عندك انقلاب، يقولون عن عيسى أنه عبد، ولست أدري.
لا، لا، سيقول له: هؤلاء يريدون أن يأخذوا الحكم منك.
[المذيع]: نعم، حسنًا، دعنا نعرف يا مولانا ماذا؟ نستكمل القصة الشيقة المثيرة هذه في الحلقات القادمة إن شاء الله.
انتهت الحلقة مع فضيلتك إن شاء الله. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، وعلى وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير.
فإلى ذلك الحين نستودعكم، أستودِع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
