برنامج السراج المنير: الاندماج والتواصل
- •استعرض الدكتور علي جمعة قصة هجرة المسلمين إلى الحبشة، وكيف حاول عمرو بن العاص قبل إسلامه استردادهم من النجاشي ملك الحبشة.
- •أراد عمرو بن العاص إحراج المسلمين أمام النجاشي بإخباره أنهم يقولون عن عيسى إنه عبد، فاستدعاهم النجاشي للاستفسار.
- •اجتمع المسلمون واتفقوا على قول الحق والصدق مهما كانت العواقب.
- •أجاب جعفر بن أبي طالب بأن عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
- •أقر النجاشي بصحة قولهم وشبه الفرق بين عقيدته وعقيدتهم بعود صغير.
- •منح النجاشي المسلمين الأمان ورفض تسليمهم لقريش ورد هداياهم.
- •عندما نازع ابن عم النجاشي ملكه، عرض المسلمون القتال معه لكنه رفض.
- •أرسلوا الزبير بن العوام لمراقبة المعركة وبشرهم بانتصار النجاشي.
- •أشار الدكتور علي جمعة إلى أهمية دراسة نموذج الحبشة للاستفادة منه في التعايش مع الآخر.
مقدمة الحلقة والترحيب بفضيلة الإمام الدكتور علي جمعة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
[المذيع]: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا مرحبًا وسهلًا بكم.
تذكير بأحداث هجرة الحبشة ومحاولة عمرو بن العاص استرداد الصحابة
[المذيع]: في اللقاء السابق يا مولانا وصلنا إلى عندما انتقل الصحابة بالهجرة إلى الحبشة، وكان سيدنا عمرو بن العاص ما زال على الشرك، جاء يحاول استردادهم، وفي النهاية قال إنه سيضع الصحابة في مأزق.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كان عمرو بن العاص حينئذ، وهو لم يُسلِم بعد، ذهب إلى النجاشي ومعه عبد الله بن أبي ربيعة، وكان عبد الله بن أبي ربيعة رقيق القلب، بعكس عمرو بن العاص الذي كان حينئذ دبلوماسيًا ماكرًا، يريد أن يصل إلى مصلحته أو إلى هدفه بأي وسيلة كانت.
مكيدة عمرو بن العاص بسؤال النجاشي عن عقيدة المسلمين في عيسى عليه السلام
عمرو بن العاص عندما رأى موقف النجاشي، وقد كان عادلًا استمع إلى الطرفين وأعمل عقله فيما سمع، قال: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم، يعني سيدبر لهم مكيدة كاملة عند النجاشي.
فقال له عبد الله بن أبي ربيعة الذي كان في الوفد معه، والسيدة أم سلمة تقول عنه: وكان أتقى الرجلين فينا، يتقي الله فينا، أي: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا.
قال: والله لأخبرنهم أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. مسألة دقيقة، مسألة تتعلق بقضية لاهوتية، قضية تتعلق بديانة، وهذه الكلمات كيف تقع على ذهن النجاشي؟ ماذا يقصد بكلمة عبد؟ فإن الإسلام ينظر إلى سيدنا عيسى باعتباره من سادة المرسلين، لكنه عبدٌ لله في النهاية.
سؤال النجاشي للصحابة عن عيسى عليه السلام وشعورهم بالمأزق
ثم غدا عليه [عمرو بن العاص] من الغد، كما تقول الرواية التي أخرجها البيهقي عن أم سلمة، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم. أتعلم من المرة الماضية، المرة التي فاتت قال له: لا ترسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه.
قالت أم سلمة: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط. أهو هذا شعور بمأزق كبير؟ لا، بل هو شعور عندما يلبس على الإنسان، يعني الآن ماذا سأقول؟ عقيدتي تقول أن عيسى رسول وأن أمه صديقة وأن عيسى روح الله وكلمته، ولكنه عبد لله، إنه رسول لله وعبد لله.
يعني المسألة هنا فيها أبحاث تتعلق بالعقيدة قد يفهمها كثيرًا الأكاديميون، لكن هذا الملك هل هو متعلم أم غير متعلم؟ وكيف سيقع الكلام عليه؟ كيف سيتقبله؟ كيف سيتقبله؟
قرار الصحابة بقول الحق والصراحة أمام النجاشي دون خوف
فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله. يبقى إذن أحيانًا في بعض المواقف الصعبة في هذه البلاد، تُحل بالشفافية والصراحة والمصداقية.
جميل، قل يعني الحق، ستخاف من ماذا؟ قل الحقيقة ولا تخف، ولا تخف، والتلبيس سيُكتشف.
قالوا: والله نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، كائنًا في ذلك ما هو كائن، أي الذي يحصل يحصل، لكن قولوا الصراحة.
هذه نقطة يفتقدها كثير من الأقليات في المجتمع الذي يعيش في البلاد الأجنبية، فيحاول خوفًا من أن يفهموه خطأً، فيقع في الكذب. أنا أقول: لا، قل الصدق، فهم سيفهمون، الصدق منجاة ولو ظننتَ فيه هلاكك.
جواب جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي عن عيسى عليه السلام وموافقة النجاشي
جميل ما شاء الله. فلما دخلوا عليه قالوا لهم، قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ المتحدث الرسمي، وهذا أيضًا أمر يجب علينا أن نراه في الجماعات القائمة في بلاد غير المسلمين، أن يكون هناك متحدث رسمي باسمهم.
فقال جعفر الذي هو المتحدث الرسمي باسم الجماعة، جعفر بن أبي طالب، جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
قالت [أم سلمة]: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود. يعني الفرق بين الذي نظنه في سيدنا عيسى والذي تظنونه هو كهذا العود. أنت أتيت بكلام صحيح هكذا.
نعم، شعرة ما بينهم يعني. نعم، هذا الكلام ظاهر في الإنجيل الذي موجود إلى الآن والذي يعتقد فيه المسيحيون، يقول: أبانا الذي في السماء، نعبد أبانا الذي في السماء، تعني أن شخصًا يعبد ربنا.
ردة فعل بطارقة النجاشي وموقفه الحازم في حماية الصحابة
ثم بعد ذلك أصبح هناك خلاف في الناسوت واللاهوت وما هذه القصة، وهي أمور معقدة كثيرة. لكن يبدو أنه تناخرت بطارقته، أي أحدثوا ضجة وأصواتًا حوله حين قال ما قال.
عندما قال هذا الكلام، قلق البطارقة وتساءلوا ما معنى هذا الكلام، خشية أن يكون ينكر ألوهية المسيح وماذا يقول عن القصة؟ يعني حصل إزعاج.
فقال النجاشي - يبدو أنه كان دارسًا - وإن نخرتم، أي هذا ما أقوله أنا هو الصحيح، شئتم أم أبيتم. أنتم تقولون كلامًا ومحتارون، أما أنا فأعرف ما أقوله.
اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، وكلمة شيوم في لغته تعني آمنون، معناها آمنون. يعني يقول للصحابة: أنتم أصبحتم آمنين في أرضي.
حماية النجاشي للصحابة ورفض الرشوة ورد هدايا عمرو بن العاص
جميل، من سبكم غرّمناه، سيدفع غرامة. قبل ذلك من يمسكم، ولكن الذي يسبكم، أي من سبكم.
يعني خلاص انقطعت محاولات عمرو بن العاص. نعم، ما أبدًا ولا أوذي رجلًا منكم. طبعًا عندما يقول: ولا أوذي رجلًا منكم، معناها ولا امرأة. نعم، حقًا.
فغضب [النجاشي] من المحاولات المستمرة التي قام بها عمرو بن العاص بالأساس وعبد الله بن أبي ربيعة الذي كان معه في الوفد، فقال: ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها. ما هذا؟ هذا ملك وغني وغير محتاج!
والله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي مُلكي، فكان له ابن عم النجاشي في كل فترة يظهر له بقصة جديدة، ابن عم النجاشي يريد أن يأخذ الملك منه، يتنازع معه على الملك، وبعد ذلك يقوم الله بنصره عليه.
قال: الله، حسنًا، لقد نصرني الله أول مرة، هل أخذ الله رشوة مني حتى آخذ رشوة؟ فأخذ الرشوة فيه سبحانه وتعالى! لا أطيع الناس أبدًا في هذا، يعني الذي يقول يقول، لكن أبدًا أنا لن أسلم هؤلاء الصحابة.
عودة عمرو بن العاص منكسراً والدعوة للتأمل في دروس هجرة الحبشة
رجع عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة منكسري الخاطر، ورجعوا إلى مكة.
هذا المشهد نريد أن نتأمله، أن نقف عنده، أن نقرأه بدقة، أن نتصور مواقفه، ثم أن نأخذ منه العبر والقواعد التي نستطيع أن نتعايش بمثلها.
فإن ما حدث مما روته أم سلمة وغيرها مما فعله جعفر إنما هي نماذج رضي الله عنها، نماذج رضي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نماذج نستطيع أن نحاكيها في عصرنا الحاضر. هذا هو غرض هذا اللقاء وهذه الحلقات.
الانتقال إلى الجزء الثاني من الحلقة وتجربة الحبشة الثرية في التعايش مع الآخر
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، انتهى وقت الجزء الأول. حسنًا، بعد إذن فضيلتك، سننتقل إلى فاصل ثم نعود لنستكمل، ونريد أن نعرف موقف رسول الله عليه الصلاة والسلام من هذه الأحداث وهكذا، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل مع الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
مولانا، نحن نريد أن نعرف: وصلنا إلى محاولة عمرو بن العاص الفاشلة، نريد أن نعرف أو نأخذ نموذجًا من نماذج التعايش مع الآخر من تجربة الحبشة؟
[الشيخ]: نعم، تجربة الحبشة في الحقيقة تجربة ثرية جدًا، وللأسف فإن القليل هم الذين اطلعوا عليها ووقفوا عند كنوزها الحقيقية. فأنا أدعو العلماء وطلبة العلم أن يتبحروا في هذا الموقف؛ لأن تجربة الحبشة كانت تجربة ثرية تفيدنا جدًا في عصرنا وفي العصور التي ستأتينا فيما بعد.
نزاع ابن عم النجاشي على الملك وخوف الصحابة من تغير الحال
حدث مثلًا كما تكلمنا في القسم الأول من هذه الحلقة أن ابن عم - كما ورد في بعض الروايات - أن ابن عم النجاشي كان ينازعه الملك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: في رواية السيدة أم المؤمنين أم سلمة تقول: فوالله إنا لعلى ذلك الحال من الضيافة الكريمة من البقاء، وقال لهم: الذي سيسبكم سأغرمه، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه.
رواية ابن هشام هكذا: الرجل الذي نزل هذا هو ابن عمه الذي كان قبل ذلك نزع منه الملك، ثم نصر الله النجاشي عليه إلى آخر هذا النزاع.
هذا النزاع ليس مدروسًا جيدًا، كنا نريد أن ندرسه ونتوسع فيه تاريخيًا، أي تاريخيًا، وسنجد إن شاء الله وتنفتح الأمور.
حزن الصحابة وعرضهم القتال مع النجاشي دفاعاً عن البلد
قالت السيدة [أم سلمة]: فوالله ما حزنا حزنًا قط أشد من الحزن على هذه الحالة. خافوا أن يُنزع النجاشي منه الملك وتصبح مشكلة عليهم، ستصبح مشكلة لأن الرجل القادم قد لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه الصحيح.
فهنا حدث موقف من الصحابة قوي جدًا: عرضوا على النجاشي أن يكونوا معه، أي أن يقاتلوا معه.
[المذيع]: أليس كذلك؟
[الشيخ]: حسنًا، هذا هو نفس الموقف الخاص بالأمريكيين عندما يقولون للمواطنين: تعالوا قاتلوا في سبيل أمريكا دفاعًا عن وطنكم الجديد، دفاعًا عن وطنكم.
فهم قدّموا للنجاشي طلبًا بالالتحاق بالجيش حتى يدافع عن البلد ضد هذا الشخص المعتدي.
رفض النجاشي اشتراك الصحابة في الحرب واعتبارهم ضيوفاً لا مواطنين
النجاشي رفض في هذه المرة. عندما تتأمل الروايات تجد أنه رفض وقال لهم: لا، أنتم ضيوفي، كأنهم لم يحصلوا على الجنسية بعد.
قد يكون في بعض الأحيان يحصل المرء على البطاقة الخضراء (الإقامة الدائمة) لكن لا يحصل على الجنسية، فيمكنه فعل كل شيء إلا أن يُعيَّن رئيسًا للجمهورية أو أن ينضم إلى الجيش وما إلى ذلك.
لا، أنتم في حمايتنا، نحن نرعاكم وأنتم في حمايتنا، ما زلتم ضيوفًا ولستم مواطنين، كأنه لم يصبح مواطنًا بعد.
ولماذا أقول ذلك؟ لأنه فيما بعد قبل، إذا يوجد حالة يكون الإنسان مقيمًا إقامة دائمة، الإنسان في حالة إقامة دائمة ومعه البطاقة الخضراء كما يقولون، ولكنه لم يحصل بعد على الجنسية، ثم يحصل على الجنسية.
إن هذه الأنظمة التي نظن أنها أنظمة جديدة، الجديد فيها هو طريقة عرضها ووضعها في بنود وقواعد وما إلى ذلك، لكن الأفكار قديمة هي وما زالت موجودة.
إرسال الزبير بن العوام لمراقبة المعركة ودعاء الصحابة للنجاشي
قال لهم: لا، أنتم ليس لكم حرب، فلا تحاربوا معي. فذهب الصحابة وقالوا: حسنًا، وماذا بعد؟ إنه ذاهب إلى النيل وسيحارب من الناحية الأخرى، هل هناك منا رجل يخرج حتى يحضر المعركة ويأتينا بالخبر؟
جميل، فقال الزبير: أنا أذهب إليكم. فذهب الزبير، وقف على شاطئ النيل والمعركة على الشاطئ الآخر، يراقب ما يحدث دون أن يشترك في هذه الحادثة.
نعم، فالزبير بن العوام كان ما زال صغيرًا، فقاموا بنفخ قربة له وأنزلوه فيها، فسبح بواسطة هذه القربة في النهر حتى وصل إلى ناحية النيل التي يجتمع فيها القوم، وظل يراقب من بعيد أيضًا.
هم واقفون على الشاطئ بعيدًا قليلًا هكذا، والزبير في الشاطئ الآخر مع الموقع، وجالسون يفعلون ماذا؟ يدعون الله للنجاشي.
مشروعية الدعاء للنجاشي وبيان فضله على الصحابة المهاجرين
انظر إلى الكلام، انظر إلى مواقف كل كلمة قالتها السيدة أم سلمة، نريد أن نقف عندها ونعيش فيها حقًا.
لا يأتي أحدهم الآن ليقول له: هذا يدعو لكافر ما هذا؟ يدعون للرجل الكريم الذي حنا عليهم، الذي آواهم في بلاده، الذي رفض أن يسلمهم، الذي حماهم، الذي رفض أن يشتركوا في الحرب حتى لا يتعرضوا للخطر، الذي عمل لهم القانون: من يسبهم يُغرَم.
يا رب انصر النجاشي على عدوه! جالسين هكذا وهم في حالة من الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى.
انتصار النجاشي وفرحة الصحابة بنصره على عدوه
فالزبير من الناحية الثانية عَرَفَ أن النجاشي هزم هذا الرجل الذي هو العدو، والذي يُقال إنه ابن عمه، وأنه - الحمد لله - قضى عليه قضاءً شديدًا. كانت المعركة واضحة أنه هو الذي انتصر.
فذهب [الزبير] يُشير إليهم، فقالوا له: ما الأمر؟ ما الحكاية؟ فخلع ثيابه إشارةً إلى أن أبشروا، أبشروا فقد ظفر النجاشي وأهلك الله عدوه.
تقول السيدة أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: فوالله ما فرحنا فرحة قط مثلها. الحمد لله، مضت على خير.
الرد على من ينكر فرح الصحابة للنجاشي وأهمية التعايش مع الآخر
قد يأتي أحدهم الآن ويقول: الله! وأنت تفرح للكفار؟ يا لهذه الواقعة! هؤلاء لم يعيشوا مع الصحابة هكذا.
إنهم هم يدّعون أن الصحابة كانوا هم السلف الصالح الخاص بهم، ولكنهم لا يفعلون هذا. هم لم يقرؤوا ولم يعيشوا ما فعلته الصحابة من تعايش مع الآخر، من اندماج، من معيشة هي التي نشرت الإسلام.
هل تدري أن الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، منذ أن هاجر إلى المدينة إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، بعضهم جلس في الحبشة واستقر فيها ولم يعد، ولم يهاجر مرة أخرى.
هل تعلم أن أصل المسلمين في الحبشة اليوم هم أبناء هؤلاء الصحابة؟
دروس هجرة الحبشة في فهم الأخلاق والتعايش ونقد الاهتمام بالجزئيات
هل تعلم أنهم يمثلون النسبة الأكبر؟ هل تعلم أن الحالة التي نعيش فيها اليوم جاءت من هذه المواقف وهذه الأحداث؟
القلوب التي فهمت مراد الله من خلقه، والتي فهمت معنى الأخلاق، والتي فهمت كيف تعيش مع الآخر، وأن الخروج عن هذا النظام الكلي إنما هو يؤدي إلى تشويه صورة الإسلام والمسلمين.
وأن الاهتمام بالجزئي وترك الصورة الكلية التي نحن في أشد الحاجة إليها لتصحيح هذه الصورة في أذهان العالم، هذا الاهتمام الجزئي يعتبر في حد ذاته، ولأنه يشوه ويكرس الصورة السيئة للإسلام والمسلمين، يُعد صدًا عن سبيل الله ويُعد حجابًا بين الخالق والمخلوق.
هل تتحمل أنت يوم القيامة أيها المسلم الذي تعيش في الجزئيات وتظن أنك قد أديت ما عليك، مع أنك تصد عن سبيل الله بغير علم؟ هل تتحمل؟ نظر إلى الجزئيات ولم ينظر إلى الأمر الكلي. هل أنت مستعد أن تقف أمام الله سبحانه وتعالى بهذه الصورة؟ أعوذ بالله.
ختام الحلقة والوعد بدراسة نموذج الحبشة في الحلقات القادمة
[المذيع]: مع فضيلتك يا سيدنا، في الحلقات القادمة نريد أن نتعرف على الفرق بين النظر للجزئيات والنظر للكليات، ونريد أن نعرف رأي سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في النموذج الثاني الذي هو خاص بالحبشة إن شاء الله؛ لأن نموذج الحبشة ينبغي علينا أن ندرسه، ودراستها ستكون مفيدة إن شاء الله.
اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير.
وإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، كيف حالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكرًا.
