برنامج السراج المنير: الحكم بظاهر الأشياء - السراج المنير, السيرة, سيدنا محمد

برنامج السراج المنير: الحكم بظاهر الأشياء

20 دقيقة
  • يتحدث الدكتور علي جمعة عن التعامل مع النفاق والمنافقين في المجتمع الإسلامي وفق المنهج النبوي.
  • أكد أن الأصل هو الحكم بالظاهر وترك السرائر لله تعالى، فلا يتهم المسلم أخاه بالنفاق الاعتقادي.
  • حذر النبي ﷺ من علامات النفاق العملي مثل الكذب والخيانة والغدر والفجور في الخصومة.
  • النفاق الاعتقادي يعني إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، كما قال تعالى: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون".
  • المنافقون يسعون لإثارة الفتنة وإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، ونشر الكراهية والانتقام.
  • ضرب الدكتور مثالًا بقصة الأنصاري والمهاجري، وكيف أخمد النبي ﷺ الفتنة بقوله: "دعوها فإنها خبيثة".
  • فرق بين منهج الإزاحة ومنهج الإزالة، فالإزاحة تعني بناء الخير الذي يقضي على الشر تدريجيًا.
  • الإزالة تمثل التفكير الراديكالي الذي يريد هدم كل شيء دون امتلاك بديل.
  • المنهج النبوي يقوم على الإزاحة والبناء، لا على الهدم والإزالة.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال موضوع الحكم بظاهر الأشياء والنفاق

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير صلى الله عليه وسلم، مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: مرحبًا، في الحلقة الماضية مولانا كنا نتحدث عن إفشاء السلام، وفي نهاية الحلقة تطرقنا إلى موضوع الحكم بظاهر الأشياء "هلا شققت عن قلبه"، نريد أن نستكمل هذا الأمر يا سيدنا؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، عليه الصلاة والسلام. في النموذج الثاني الذي تعددت فيه أنواع المواطنين، يظهر لنا نوع وهو النفاق.

منهج النبي في التعامل مع النفاق والحكم بالظاهر

النبي صلى الله عليه وسلم وضع لنا في هذا النموذج طريقة للتعامل مع هذه القضية. أول هذه الطريقة أن نحكم بالظاهر وألا يتهم بعضنا بعضًا بالنفاق؛ لأن النفاق أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وقد يطّلع عليه رسوله أو قد لا يطّلع عليه رسوله.

ولذلك فبعد انتهاء الرسالة وانتقال النبي إلى الرفيق الأعلى، فإنه لا أحد يستطيع أن يتهم أخاه بالنفاق حتى لو كان عند الله فعلًا منافقًا.

علامات النفاق العملي التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم

ومن هذا المفهوم وضع النبي صلى الله عليه وسلم علامات هي أقرب للنفاق العملي، من أجل أن يكرّهنا فيها أو يبعدنا عنها أو يحذرنا منها. فقال عليه الصلاة والسلام:

قال النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منها فهو على شعبة من شعب النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر»

وفي رواية أخرى: آية المنافق أربعة، وزاد: "وإذا خاصم فجر"، وفي رواية أخرى: آية المنافق ثلاثة، وجاء بثلاثة من هذه، يعني "خاصم فجر" بدل "إذا عاهد غدر".

إذن هو يحذرنا من الكذب، يحذرنا من الخيانة، يحذرنا من الفجور في الخصومة، يحذرنا من كذا.

الفرق بين النفاق العملي والنفاق الاعتقادي وحقيقة كذب المنافقين

طيب، افترض أن الإنسان في هذا [النفاق العملي]، قال: فهو منافق، كيف؟ أصبح يقول إن هذا العلامة [علامة النفاق]، أصبحوا يقولون نفاق عملي وليس نفاقًا اعتقاديًا. إذن ما شكل النفاق الاعتقادي؟ شكله أن فيه كفرًا، قال تعالى:

﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: 1]

نحن ناقصين شهادة المنافقين:

﴿وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]

إذن هو يقول إنك لرسول الله، وهذه المقولة تخالف اعتقاده، فهو كاذب في الاعتقاد ليس في المقولة نفسها.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لأن هذه المقولة التي قالها بلسانه لا يعتقدها، فهو كاذب حينما يقول "نشهد" يعني: نقرّ ونعترف ونؤمن أنك لرسول الله، لكنه ليس كذلك، بل إنه لا يعتقد في هذا.

اتخاذ المنافقين أيمانهم جُنّة وإيمانهم ثم كفرهم والطبع على قلوبهم

طيب، هو يحلف كثيرًا، عندما تقول له: أنت مؤمن؟ يقول لك مؤمن: نعم والله، نعم والله.

﴿ٱتَّخَذُوٓا أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2]

أي حماية، يعني شيئًا يحميهم، حصنًا يحميهم.

﴿فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: 2]

ذلك، انظر إذن، هذا هو الكلام هنا:

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: 3]

أي أنهم أولًا آمنوا فعلًا، وفعلًا دخل في عقولهم أنه رسول الله، وفعلًا دخل في عقولهم أنه وحي من عند الله، وفعلًا دخل في عقولهم أن الإسلام هو دين الله، وبعد فترة "ثم" للترتيب مع التراقي كفروا.

﴿فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 3]

الطبع أصبح تمامًا على قلوبهم، والله سبحانه وتعالى في القرآن وصف هذه القلوب سواء من الكفار أو المنافقين بعشرة أوصاف من ضمنها هذه الطبيعة، بعشرة أوصاف.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: القفل والران والغين والطبع وهكذا.

صفات المنافقين في سورة المنافقون وأساس العلاقة معهم

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: 4]

هذا هو الظاهر.

﴿وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4]

يعني فصحاء جدًا، ولذلك أخاف من كل عليم اللسان.

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4]

هذه الآيات المباركات من سورة المنافقون، سورة نزلت لهؤلاء تفضح أحوالهم.

فالحقيقة أن العلاقة مع المنافقين أُسست على هذين الأمرين:

  • الأول: أننا نأخذهم بالظاهر والله يتولى السرائر. بعض الناس يظن أن هذا التركيب حديث، لا، هو ليس حديثًا إنما هو مأخوذ من مجمل الأحاديث.
  • الأمر الثاني: أن هناك نفاقًا عمليًا نحذر ونمتنع منه ونحذر منه، وهو يتعلق بسلوك نُربي أبناءنا على البُعد عنه، مثل البُعد عن الكذب، عن الخيانة، عن الغدر، عن الفُجور في الخصومة ونحو هذه الآيات [العلامات].

خطورة وجود المنافقين في المجتمع وإثارتهم للفتنة والعودة إلى الجاهلية

[المذيع]: فضيلتك يا مولانا أوضحت لنا أن الإسلام لا يُربي منافقين، ولذلك لا إكراه في الدين. نريد أن نعرف ما خطورة وجود المنافقين في وسط المجتمع؟

[الشيخ]: يقومون بإثارة الفتنة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: أو يعودون مرة أخرى إلى الجاهلية.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: الإنسان من الممكن أن يخطئ، ومن الممكن أن تصدر منه أشياء مخالفة. سيدنا أبو ذر قال لسيدنا بلال: يا ابن السوداء.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فعندما قال له ذلك، غضب بلال وأخذ موقفًا. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له:

قال النبي ﷺ: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية»

فيك جاهلية، نبّهه. سيدنا أبا ذر، هذا رجل عظيم جدًا، وسيدنا النبي قال أنه يُبعث أمة واحدة، يعني أمر عظيم جدًا، لكن أخطأ خطأً، فالنبي نبّهه أن هذا من فعل الجاهلية.

دور المنافق في تخريب المجتمع وإرجاع الناس إلى فلسفة الكراهية والفساد

المنافق جالس يخرّب في المجتمع لكي يُرجع الناس مرة أخرى من هذه القيم العالية التي نحن جالسون نبنيها إلى فلسفة الكراهية، فلسفة الانتقام، فلسفة الفساد في الأرض، فلسفة الخصومة.

النبي عليه الصلاة والسلام لم يدخر وسعًا في تعليمنا كيف نسد أبواب الخصومة والفساد. يقول ماذا؟

قال النبي ﷺ: «فلا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته حتى يذر»

أي حتى يدع، حتى يترك.

[المذيع]: يعني نعم، حتى يذر يعني حتى يدع هذه الحاجة.

[الشيخ]: فلماذا يقول هكذا؟ لكي لا تخاصم أخي، ولكي لا تتشاجر معه. وهو يقول لي لا تتشاجر معه، فإذا ذهب ليستأجر شقة، أذهب لأستأجر نفس الشقة وأزاحمه؟ قالوا: لا، قياسًا على النهي عن البيع على البيع والخطبة على الخطبة، كذلك يكون الإيجار على الإيجار.

تعليم النبي تقليل الخصومة وتكثير المودة في مقابل فعل المنافق

لم يذكر [النبي ﷺ] الإيجار عن الإيجار، لكنه علمنا أن نقلل الخصومة ونكثر المودة والحلاوة ونسير مع بعضنا هكذا وهو في أمان الله. فأمرنا بصلة الرحم، وأمرنا بالانتماء إلى الأمة، وقال لنا: لينوا في أيدي إخوانكم، وأمرنا بالجماعة، كلها أشياء تجعلنا نقلل الخصام والنزاع.

يأتي المنافق، أما المنافق يعلمني كيف أكره، كيف أنتقم، كيف أفسد وهكذا.

[المذيع]: حسنًا، فلنعرف يا مولانا ماذا يفعل المنافق بعد الفاصل بإذن فضيلتك، إن شاء الله فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.

عودة بعد الفاصل وتلخيص ما سبق عن المنافق وإيقاع العداوة بين المسلمين

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. قبل أن ندخل في الفاصل يا مولانا، كنت فضيلتك تخبرنا أن المسلم لا يبيع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته، بينما المنافق يريد أن يوقع العداوة والشحناء والبغضاء بين المسلمين.

[الشيخ]: هكذا شأن المسلمين فيما بينهم، وكذلك شأن المجتمع حتى بين المسلمين وغير المسلمين: الحب والود والبر، يعني الشيء الواحد هكذا هو. لكن يأتي [المنافق] ويقول له: لا، أنت ستسكت له، أنت! أنت تحبه أم ماذا؟

قصة جابر بن عبد الله في الغزوة وحادثة المزاح بين المهاجري والأنصاري

أعطيك مثالًا على هذا عن سيدنا جابر بن عبد الله قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب معه أناس من المهاجرون كثيرون، حيث سار معه عدد كبير من المهاجرين حتى أصبحوا كثرة، وكان معه أيضًا أنصار وهم ذاهبون في غزوة في أمان الله.

وكان من بين المهاجرين رجل لعّاب يحب اللعب والمزاح، يعني يحب المزاح. وبينما هو يسير يضرب أخاه بمرفقه هكذا، ويضربه على رأسه من الناحية الأخرى، وقال إنه وهكذا فكسع مهاجرًا أنصاريًا، أي أسقطه وعرقله وأعطاه ضربة قوية.

الذي نقول عنه في لغتنا المصرية أعطاه ضربة قوية باللغة الإنجليزية.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يعني شيئًا كهذا، فدفع أنصاريًا.

غضب الأنصاري واستنجاد كل فريق بقومه ودعوى الجاهلية

فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا، يعني عندما يكون المرء سائرًا ويعرقلني شخص هكذا، هو يمزح فقط، كل شيء على ما يرام. ما موقفي إذن؟ أحبه، فأقوم وأقول له: ماذا هكذا؟ طيب، لم يرد عليك يا صديقي، سأضايقك مرة أخرى هكذا.

قالوا إنهم يحبون بعضهم، لكن هذا الغضب وثوران الغضب والزيادة، يعني: لا، لن نسكت، والله لقد ضربك، أستسكت له؟ لقد ضربك! وفي المرة القادمة سيكسر يدك.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: هذا به ماذا؟ ماذا هذا؟ استولى على مكانه [المنافق أشعل الفتنة]، فأصبح أحدهم يُشعل غضب الأنصار غضبًا شديدًا، فصاحوا: يا للأنصار! يا للأنصار! يعني أنني سأستعين بالأنصار ضد هذا الرجل. فقال المهاجري: يا للمهاجرين!

تغلغل ثقافة النبي في تربية الصحابة حتى في لحظات الغضب

انتبه أنهم استعملوا ألفاظ المحبة: الأنصار والمهاجرين، هذه ألفاظ المحبة، سبحان الله! فهو لم يقل مثلًا: يا للأوس، يا للخزرج. هذا يقول يا للأنصار، يعني مسلمون طيبون وجيدون وهم إخوان المهاجرين، والآخر يقول يا للمهاجرين.

وهذا يبين لك مدى تغلغل ثقافة وعلم سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في تربية هؤلاء الناس، حتى في غضبهم، يعني حتى في غضبهم، حتى فيما يحدث هكذا من الفتنة.

تدخل النبي لإطفاء الفتنة ووصفه لدعوى الجاهلية بأنها خبيثة

فخرج عليهم النبي: ما الأمر؟ ما هذا؟ ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ يا للأنصار! يا للأنصار! أتضربون بعضكم؟ ما هذا؟ عليه الصلاة والسلام: ما الحكاية؟ قالوا: يا رسول الله، هذا وقع، وهذا ضربه.

فقال النبي:

قال النبي ﷺ: «دعوها فإنها خبيثة»

هذه الدعوة التي فيها الفتنة وفيها الهيجان وفيها كذا إلى آخره. نزل الكلام بردًا وسلامًا عليهم.

فهذا ما يفعله المربي في مقابل الذي يشعل النار. هذا فعل المنافقين من ناحية، وهذا فعل الباني الذي يبني إنسانًا ويبني أمة من ناحية أخرى.

الفرق بين من يريد البناء ومن يريد الهدم ومنهج الإزاحة مقابل الإزالة

يتبين لنا من هذا أن بعض الناس يريدون البناء، وبعض الناس فنّهم في الهدم. بعض الناس يريد أن يهدم وحسب بكل وسيلة. بعض الناس نخاطبها هكذا ونقول له: لا، ابنِ ابنِ الخير، والخير سيتم به الإزاحة.

عندما تبني تُزيح الباطل وتُزيح الخطأ. فيقول لي: لا، أنا أريد الإزالة لا الإزاحة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يريد أن يزيل تمامًا، يعني يهدم. أنت الآن أزلت، لكن عندما تزيل، هل عندك شيء تبني به؟

مثال هدم البيت دون القدرة على إعادة بنائه وأهمية التوسعة بدل الهدم

كان رجلٌ يمتلك بيتًا ضاق به وبأهله حيث إنهم قد كثروا، فهدم البيت، لكنه لا يملك موادًا ولا أموالًا ولا مكانًا ولا قدرة ولا مهندسًا يبني له البيت. فهدم البيت، فأصبح بدلًا من أن كان في بيتٍ ضيق، أصبح في الشارع.

إنما الصحيح أن نبني حوله، نوسعه، أي نبني غرفة ونضمها إلى البيت ونضمها ويصبح هكذا إلى آخره.

مثل الفندق الذي لدينا هذا الذي كان قصرًا من أصول العائلة الملكية، وبعد ذلك جاءوا وقالوا إنهم يريدون هذا المكان ليجعلوه فندقًا. قالوا: سنهدم هذا القصر. فقالوا لهم: لن تستطيعوا بناءه مرة أخرى، فالصناع الذين بنوه لا يأتي مثلهم. ماذا نفعل إذن؟ ابقوا على القصر وابنوا هنا وهناك حوله.

هذا تفكير سليم: قم بعمل توسعة وليس هدمًا لما لا يمكن أن يُبنى مرة ثانية. فحافظوا على المبنى الأثري ووسعوه من هنا ومن هناك، وأصبح شيئًا جميلًا جدًا.

منهج الإزاحة في العقل الإسلامي مقابل التفكير الراديكالي في الإزالة

أريد أن أقول إن هناك منهجًا في العقل اسمه الإزاحة، أن الخير يزيح الشر، أنه كلما انشغلنا بالبناء فإنه يقضي على الخراب. وفي منهج اسمه الإزالة، وهذه الإزالة تحتاج إلى وقت وجهد ومال، وقد تفلت منا بلادنا إذا قدمنا الإزالة على الإزاحة.

وعندما نتأمل في المنهج النبوي نجد أنه مبني على الإزاحة؛ فهو لا يمكن أن يقضي على الشر، لكنه بالمداومة على فعل الخير يختبئ الشر، يقل الشر.

التفكير الخاص بالإزالة هذا يسمونه ماذا؟ التفكير الراديكالي. ماذا يعني راديكالي؟ يعني جذري، يعني يريد أن تتوقف الدنيا لكي نعيد بناءها. هذا كلام غير واقعي.

نحن نعمل في البناء فيقل الخراب، ونعمل في الخير فيقل الشر، ونعمل بالصدق فيقل الكذب.

حال المدينة في عهد النبي ومثال الشجرة في الفرق بين الإزالة والإزاحة

فهكذا كانت حالة المدينة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[المذيع]: بعد إذنك يا مولانا، لأنه تبقى حوالي دقيقة، لقد خطر في ذهني مثال وفضيلتك تحدثنا هذا الكلام العلمي الجميل: إنه مثل الفرق بين الإزالة، كمن بدلًا من أن يقلم فروع الشجرة، فهذا يريد أن يزيلها من جذورها ليبدأ في زرع بذرة جديدة تنبت له بعد سنين هكذا. الأفضل أن يقلم الأشجار.

[الشيخ]: هذه تمامًا هي قضية التفكير. المصيبة الأكبر من ذلك أنه ليس معه البذرة، ليس معه البذرة أيضًا التي سيزرع بها الشجرة الجديدة، ولا المياه.

لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكنه يريد أن يزيل الشجرة على أمل. وهنا يختلط المأمول والمرغوب في الممكن.

السياسة فن التعامل مع الممكن وحقيقة الابتلاء في الدنيا وختام الحلقة

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: حتى عندما عرفوا السياسة قالوا إنها فن التعامل مع الممكن، فن التعامل مع الممكن، ليس الخيال والرغبات. نحن نريد أن تصبح هذه الأرض جنة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لكنها لن تكون جنة أبدًا، ولن يكون فيها إلا الخير والشر، والصحيح والخطأ، والمرض والصحة. وعلينا أن نثبت نجاحنا في هذا الابتلاء وهذا الامتحان.

[المذيع]: بارك الله فيك يا مولانا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير. فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.