برنامج السراج المنير: العفو عند المقدرة
- •تحدث الدكتور علي جمعة عن خُلق العفو عند المقدرة وارتباطه بالرحمة، مبيناً أن الله كتب على نفسه الرحمة.
- •أوضح أن النبي ﷺ قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
- •استشهد بقصة حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسل كتاباً يخبر أهل مكة بتحركات النبي ﷺ في فتح مكة، فأرسل النبي علياً والزبير والمقداد لاسترداد الكتاب.
- •عندما علم النبي ﷺ بالأمر، استمع لتبرير حاطب الذي أوضح أنه أراد حماية أهله في مكة لأنه ليس له قرابات تحميهم.
- •رغم طلب عمر بن الخطاب قتله، عفا النبي ﷺ عنه قائلاً: "إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
- •أكد الدكتور جمعة أن النبي ﷺ فرّق بين الفعل والفاعل، وأن رحمته كانت منهجاً في التعامل مع المخطئين.
- •ذكر نماذج أخرى من عفو النبي كقصة أبي لبابة والمرأة الحامل من الزنا.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن خلق العفو عند المقدرة
[المذيع]: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله. فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: مرحبًا بكم، أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: لا زلنا يا مولانا تحت نور السراج المنير صلى الله عليه وسلم، نريد أن نتعرف على خُلُق العفو عند المقدرة وارتباطه بالرحمة بين المسلمين وغير المسلمين.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ربنا سبحانه وتعالى كتب على نفسه الرحمة وأقرّ لنا بذلك؛ حتى يُخفِّفَ عنّا أنوارَ الجلالِ بسحائبِ الجمالِ.
الله كتب على نفسه الرحمة وتجلياتها في القرآن الكريم
الله قال:
﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 12]
يعني الذين خسروا أنفسهم غلَّفها لهم بالرحمة، قال سبحانه وتعالى. يكفي أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الله جميلٌ.
وقال:
﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: 133]
لكنه لم يفعل ذلك بكم مع القدرة والقوة.
حديث الراحمون يرحمهم الرحمن ورحمة الحيوان في السنة النبوية
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: والنبي صلى الله عليه وسلم فيما علّمنا قال:
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
من في السماء جلّ جلال الله. ويقول عندما سأله رجل: إنني لأذبح الشاة وإنني أرحمها، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «إن الشاة إن رحمتها رحمك الله، إن الشاة إذا رحمتها رحمك الله»
يعني الرفق بالحيوان أو رحمة الحيوان أيضًا حتى وأنا أذبح الشاة.
قصة المرأة البغي التي دخلت الجنة بسقي كلب والمرأة التي دخلت النار بسبب هرة
بل إنه صلى الله عليه وسلم حكى لنا من قصص بني إسرائيل أنه قد دخلت امرأة بغيّ الجنة لأنها وجدت كلبًا عطشًا فسقته. وأخرج البخاري هذا الحديث بعد حديث الغار، وأن رجلًا فعل مثل ذلك فدخل الجنة.
وفي المقابل، دخلت امرأة النار بسبب هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
رحمة النبي في التعامل مع الآخرين وقصة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة
كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا، وهذه الرحمة تجلت حتى في العلاقات مع الآخرين وأيضًا مع أصحابه. عندما وقعت غزوة بدر، جعل النبي صلى الله عليه وسلم أهل بدر في المنزلة العليا.
ومنهم شخص يُدعى حاطب بن أبي بلتعة، وحاطب بن أبي بلتعة لم يكن لديه عائلة قوية في مكة تحافظ على أملاكه أو مصالحه وما إلى ذلك. وحاطب بلتعة من أهل بدر، يعني صحابي جليل.
حاطب بن أبي بلتعة وقع في خطيئة، وهي أنه حسب حسابات خاطئة وقال: أنا سأرسل للمشركين حتى أخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيفعل كذا وكذا بهم في الغزوة التي هي فتح مكة، في فتح مكة.
إرسال حاطب كتاباً مع امرأة إلى مكة واستمرار العلاقات رغم العداء
فأوحى الله لنبيه في هذا الشأن. كان حاطب قد كتب كتابًا وأعطاه لامرأة عجوز ذاهبة إلى مكة، مسافرة إلى مكة.
لنلاحظ أن المدينة فيها أناس يسافرون إلى مكة، سبحان الله، وأن مكة فيها أناس يسافرون إلى المدينة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: العلاقات مستمرة، على الرغم من حالة العداء، يعني توجد حرب، لكن هناك انتقال ومصالح وكل شيء.
إرسال النبي لعلي والزبير والمقداد لاسترداد كتاب حاطب من روضة خاخ
فجاء سيدنا علي وقال [النبي ﷺ] له: يا علي، اذهب أنت والزبير والمقداد بن الأسود وتوجهوا إلى مكان تعرفونه يُسمى روضة خاخ، وفي روضة خاخ هذه ستجدون امرأة مسافرة ومعها كتاب، من فضلكم أحضروا هذا الكتاب منها، هذا الكتاب مهم ويجب أن نأخذه منها.
انطلق سيدنا علي، وسيدنا علي فارس، الزبير فارس، المقداد بن الأسود فارس، وكان كل واحد منهم يساوي ألف رجل.
مواجهة المرأة في روضة خاخ واستخراج الكتاب من ضفيرة شعرها
انطلقوا وذهبوا واقتحموا عليها في روضة خاخ المفاجئة، ووجدوها فعلًا كما أخبر النبي ﷺ. أما سيدنا علي رضي الله عنه، فلم يرَ عورة محرمة عليه في حياته قط، وقالوا إن هذا سبب تسميته أو إطلاق كلمة كرّم الله وجهه. قالوا لأنه إما أن يكون لم يسجد لصنم حيث أسلم صغيرًا، وإما أنه لم يرَ عورة قط.
[المذيع]: جميل!
[الشيخ]: لماذا نقول هذا الكلام؟ لأجل القصة الآتية: فقال [سيدنا علي]: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي من كتاب، ليس معي شيء، فتشوني؛ لأن هؤلاء صحابة وهم يُحترَمون المرأة.
تهديد المرأة بتفتيشها واستخراج الكتاب من ضفيرتها لأمن المسلمين
ولكن هذه القضية هنا أصبحت أمن قومي، أمن قومي.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: فقلنا: لتُخرجنّ الكتاب أو لنُلقينّ الثياب، نفتشك تفتيش ذاتي؟
[المذيع]: سنخرجه.
[الشيخ]: لا، ليته كذلك، هو سيضربها بالسيف، ولأنه فنان.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: سيقطع الملابس، ستسقط.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ستصبح عارية أمامه، فهي تحمل كتابًا تخبئه في ثيابها؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فاتضح أنها ليست مخبأة [في ثيابها]، بمجرد أن شعرت في عيونهم أنهم جادون، أخرجتها من ضفيرة شعرها المضفورة عليها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ضفرت شعرها عليه، لكن خلاص، لم يقبضوا عليها ورجعوا بها [بالرسالة] إلى المدينة.
إحضار الكتاب للنبي وتعامله الرحيم مع حاطب بن أبي بلتعة رغم خيانته
انتبه إلى هذه اللفتات: فأتينا به [بالكتاب] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخذوا الكتاب وأتوا به رسول الله كما أمرهم، فهو لم يقل لهم أن يقبضوا على السيدة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ولم يعذبوها ولم يفعلوا بها أي شيء، لقد هددوها فقط لكي ينجزوا المهمة التي تتعلق بأمن المسلمين وأمن الدنيا كلها.
ففتح النبي الخطاب فوجد أنه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه حتى الذي هو عرفه حتى حاطب.
فقال رسول الله: يا حاطب ما هذا؟
اعتذار حاطب بن أبي بلتعة وطول بال النبي في التعامل مع جريمة الخيانة العظمى
قال [حاطب]: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، لا تظن فيّ سوءًا وتتعجل فيّ، أنا سأشرح لك. قال [النبي ﷺ]: اشرح.
هذا الفعل — طول البال — من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فهذه جريمة يمكن تصنيفها وتكييفها بأنها خيانة عظمى تستوجب الإعدام فورًا.
فقال [حاطب]: إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، يعني لست منهم أصلًا، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدًا جميلة يحمون بها قرابتي.
تبرير حاطب لفعله وتصديق النبي له وموقف عمر بن الخطاب
فيقولون: نعم، حاطب بن أبي بلتعة نبّهنا، فهذه جميلة نحفظها له ونحمي أولاده وأقاربه. والله يا رسول الله ما كفرت، والله ما رضيت بالكفر بعد الإسلام، والله لم أرتد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد صدقكم [حاطب].
هنا بقي فيها [ملاحظة مهمة] نحن اليوم: هذا الموقف يبدو لي لا يمكن أن يرضى به أحد.
الهدي النبوي هو الصحيح وما عليه الناس اليوم من حمق يخالف منهج النبي
صحيح، كان من الممكن أن السيدة [المرأة حاملة الرسالة] تمزقت، وللعلم فإن الموقف الذي أتحدث عنه هو الصحيح وهو الهدي النبوي، وهو الذي سيدخلنا الجنة، وهو الذي سيعمّر الدنيا.
أما ما عليه الناس الآن من هَتْر — والهَتْر في القاموس معناه الحمق — ما هو ضد النماذج الربانية النبوية هو الخطأ، وهو الذي يُفسد في الأرض.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: قال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، لقد اعترف.
[المذيع]: نعم، حسنًا، لنعرف ما الذي أمر به مولانا سيدنا رسول الله، ولكن بعد الفاصل إن شاء الله. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
العودة من الفاصل وسؤال المذيع عن رد النبي على طلب عمر قتل حاطب
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله، عدنا من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا، قبل أن نخرج إلى الفاصل، كانت فضيلتكم تحكي لنا قصة حاطب بن أبي بلتعة والكتاب الذي أرسله إلى مكة، وكيف أن سيدنا عمر كان يريد أن يقطع رأس سيدنا حاطب؟
[الشيخ]: نعم، قصة حاطب بن أبي بلتعة مليئة بالفوائد وينبغي علينا أن ندرسها. وقصة حاطب بن أبي بلتعة وردت في أكثر من عشرين رواية، كل رواية تختلف عن الرواية الأخرى، ومظنة هذا مسند الإمام أحمد.
العلاقة بين مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وحديث أم زرع
وبالمناسبة فإن كل ما ورد في البخاري تجده في مسند الإمام أحمد، ولكن ليس العكس. يعني جميع أحاديث صحيح البخاري موجودة في مسند الإمام سيدنا أحمد، وعنده في مسنده أحاديث أخرى كثيرة جدًا؛ لأن البخاري يحتوي على سبعة آلاف وخمسمائة حديث بالمكرر، لكن هناك خمسة وثلاثين وستة وثلاثين ألف وأشياء كثيرة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هناك حديث واحد فقط أخرجه البخاري ولم يخرجه الإمام أحمد وهو حديث أم زرع، والذي فيه من رواية السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أن إحدى عشرة امرأة في الجاهلية جلسن وتحدثن عن سيرة أزواجهن بالخير والشر، فنأخذ منه من حديث أم زرع الصفات الجيدة والصفات السلبية التي تكون في الأزواج من أجل بناء الأسرة الطيبة.
رد النبي على عمر بأن حاطباً من أهل بدر ونزول آية سورة الممتحنة
وكذلك حكاية حاطب بن أبي بلتعة، نريد دراسة وافية لكل مرويات هذا الحديث الذي معنا، ونحن نشير إلى بعضها.
ما قاله عمر رضي الله تعالى عنه وكان شديدًا في الحق: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. هذا الكلام أصبح ثابتًا خلاص.
قال صلى الله عليه وسلم وهو الرحيم بأمته:
قال رسول الله ﷺ: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»
لا إله إلا الله! في حاطب بن أبي بلتعة نزل قوله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: 1]
الخطاب القرآني يثبت إيمان حاطب ويرشده مع التفريق بين الفعل والفاعل
انظر إلى الخطاب هنا، إنه خطاب فعلًا يثبت أن نظرة سيدنا رسول الله هي الصحيحة، وأن هذا الرجل مؤمن ولكنه وقع في خطأ من ضعف بشري؛ لأن ربنا وجّهه وقال له:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [الممتحنة: 1]
هذه شهادة لحاطب [بالإيمان]، ويرشده ويعلمه:
﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الممتحنة: 1]
هذا هو سبب المعاداة التي بيننا وبينهم، نحن لسنا نعاديهم إلى الدنيا [أي ليست عداوة دنيوية]، نحن نعاديهم لأنهم كفروا بما جاءكم من الحق.
تفصيل آيات سورة الممتحنة في وصف فعل حاطب بالضلال مع التفريق بين الفعل والفاعل
النقطة الثانية:
﴿يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1]
يعني وصف ما فعله حاطب بأنه من ضلّ سواء السبيل، من أنه من ضلال سواء السبيل.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وبالرغم من ذلك إلا أنه فرّق بين الفعل والفاعل. الفعل سلبي منقوض حرام، ارتكب خطيئة، لكن الفاعل كان من أهل بدر.
التفريق بين الإنسان وفعله منهج نبوي والحسنات يذهبن السيئات
وهذا يؤكد لنا ما ذكرناه وما نذكره دائمًا من أن النبي صلى الله عليه وسلم في التعايش أمرنا أن نفرّق بين الإنسان وبين فعله وألا نخلط بينهما؛ لأن كثيرًا من بلاء العصر الذي نحن فيه هو الخلط بين الإنسان وفعله.
كثير جدًا من بلاء العصر الذي نحن فيه أن السيئات تُذهب الحسنات [عند الناس]، في حين أن منهج الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]
ليست العكس. انظر عندما قال: لعل الله اطّلع على أهل بدر، انظر كيف قدّم هذا [حاطب] خدمة للأمة [في بدر].
حب النبي لرد الجميل وتقديره للنجاشي وعبد الله بن جدعان والمطعم بن عدي
كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب رد الجميل كثيرًا، ولذلك تحدثنا عن هذا الأمر عندما كنا نتكلم عن الحبشة وعن النجاشي، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخدم وفد النجاشي بيديه، فيقول أصحابه: يا رسول الله، نكفيك هذا. فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنه قد أكرم أصحابي، أريد أن أرد له الجميل»
يرد الجميل لرجل هو من أهل الجاهلية، عبد الله بن جدعان، فيتبسم ويذكره بالخير. وهكذا يرد الجميل للمطعم بن عدي لأنه آوى المسلمين، وكذا إلى آخره.
تقدير النبي للمطعم بن عدي رغم كفره ونقد القسوة المتعلمة من الفهم المغلوط
هو [المطعم بن عدي] كافر، ولكنه [النبي ﷺ] يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لو طلبهم مني المطعم بن عدي في أسرى بدر لأعطيته هؤلاء النتنى»
لماذا؟ لأنه كان يقدّره، كان يقدّر ويحب المطعم بن عدي ويقول إنه يحبه. كيف هذا وهو كافر؟ ويهجم عليه هكذا هجومًا عجيبًا بهذا الشكل!
لا أعرف من أين تعلموا هذه القسوة، تعلموها من الفهم المغلوط، تعلموها من الجهل.
سؤال المذيع عن مشاهد أخرى من العفو النبوي عن المنافقين والمخطئين
فنحن أمام نموذج رائع في قصة حاطب بن أبي بلتعة.
[المذيع]: قد يقول بعض الناس يا مولانا أنه عفا عن حاطب لأنه من أهل بدر، ولأن رسالة [حاطب] وصلت إلينا وربنا ستر. نريد أن نعرف في خلال الدقيقتين المتبقيتين يا مولانا على بعض المشاهد الأخرى من السيرة النبوية للسراج المنير صلى الله عليه وسلم في العفو عن بعض المنافقين أو بعض المخطئين.
[الشيخ]: النبي عليه الصلاة والسلام كان هكذا دائمًا.
عفو النبي عن أبي لبابة ونعيمان وماعز بن مالك كنماذج للرحمة النبوية
أنه عندما ربط أبو لبابة نفسه في سارية عندما ذهب إلى بني قريظة وأشار فقط ولم يتكلم، ورأى أن في ذلك خيانة، رجع وعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وعندما كان نعيمان يشرب الخمر، رجع وعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
ماعز حتى أن الذي اعترف بالزنا، قال له [النبي ﷺ]: لعلك قبَّلت، لعل كذا؛ حتى يتراجع. ثم ذهب إلى أهله فقال: أمجنون هو؟ يعني أراد أن يحيله إلى لجنة طبية لتقرر أنه مجنون ولا يُقيم عليه الحد.
رحمة النبي في إقامة الحدود وقصة المرأة الحامل من زنا
كان النبي عليه الصلاة والسلام رحيمًا بأمته، في إقامة الحدود كانت من أجل الضبط وليست من أجل الانتقام والتشفي.
النبي عليه الصلاة والسلام عندما جاءته الفتاة تحمل أو حامل من زنا، قال: حتى تلدي. فلما ذهبت وولدت قال: حتى ترضعيه. فلما فعلت هذا وهو لا يقبض عليها ولا يسألها ولا يراجعها ولا يتتبع عوراتها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ربّى الأمة، وقد ترك لنا قواعد لتربية أمته.
مشكلة العصر في قراءة السنة لمخالفتها وما ينتج عنها من قسوة وتشويه للإسلام
المشكلة في عصرنا أن كثيرًا ممن يقرؤون السنة كأنهم يقرؤونها لمخالفتها، وهذا أمر عجيب غريب. ولذلك لا تنتج معهم دعوة، ولا ينتج معهم أمر ملموس.
والذي ينتج هو قسوة القلب والعنف وكراهية الناس وتشويه صورة الإسلام، وكل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم بريئًا منه.
ختام الحلقة وشكر الشيخ علي جمعة والوعد بلقاء قادم
[المذيع]: بارك الله فيكم يا مولانا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على الوعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
