برنامج السراج المنير: المدينة المنورة تستقبل الرسول
- •هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع أبي بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط كدليل.
- •في طريقهم التقوا بسراقة بن مالك وأم معبد التي وصفت النبي وصفاً كاملاً.
- •وصل النبي إلى قباء يوم الاثنين، وبقي هناك أربعة أيام ثم توجه إلى المدينة.
- •صلى الجمعة في بني سالم بن عوف، ثم دخل المدينة حيث بركت ناقته في مكان أصبح مسجده لاحقاً.
- •بدأ النبي ببناء المجتمع الجديد عبر محاور متعددة: أولها بناء المسجد ليكون مركزاً للمسلمين.
- •آخى بين المهاجرين والأنصار، فبلغوا حوالي تسعين رجلاً، وكانت هذه المؤاخاة قائمة على الحب في الله.
- •مثال المؤاخاة بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، حيث عرض سعد تقاسم ماله وأهله.
- •كانت هذه المؤاخاة تورث بينهم حتى نسخها القرآن بآية "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض".
- •انتقل النبي بعد ذلك لوضع وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين واليهود وسائر سكان المدينة.
- •أسست وثيقة المدينة لمفهوم المواطنة وكانت أول دستور عرفه البشر.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن التعايش في السيرة النبوية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير عن التعايش كما جاء في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: في الحلقة الماضية يا مولانا وصلنا إلى بدء رحلة الهجرة إلى يثرب التي أصبح اسمها بعد ذلك المدينة المنورة.
قرار النبي بالهجرة إلى المدينة ورفقاء رحلته صلى الله عليه وسلم
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. النبي صلى الله عليه وسلم قرر أن يهاجر إلى المدينة هجرة إيمان؛ لأن الصحابة الكرام من الأنصار من الأوس والخزرج قد أسلموا، وأن الصحابة الكرام من المهاجرين قد ذهبوا إلى هناك حتى بلغوا نحو خمسين رجلًا.
والنبي صلى الله عليه وسلم قرر أن يهاجر، فهاجر معه أبو بكر ومعه عامر بن فهيرة، مع أحد المشركين كدليل وهو عبد الله بن أُريقط الذي لم يرد في الكتب أبدًا أنه أسلم.
أحداث طريق الهجرة ولقاء سراقة وأم معبد والزبير بن العوام
وفي طريق الهجرة التقوا بـسراقة بن مالك من بني مُدلج، والتقوا أيضًا بـأم معبد التي وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفًا كاملًا. وحديث هند بن أبي هالة وأم معبد هما فيهما حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قبل الوصول إلى قباء التقوا بـالزبير بن العوام وهو قادم من الشام، فأهدى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عباءة.
دخول النبي قباء يوم ميلاده وإقامته أربعة أيام ثم التوجه إلى المدينة
ودخل النبي قباء يوم الاثنين، وفي هذا اليوم كان قد أتم ثلاثًا وخمسين عامًا عليه الصلاة والسلام، يعني هو دخل في يوم ميلاده صلى الله عليه وسلم. دخل قباء وجلس هناك في مضارب عمرو بن عوف الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس.
ثم أخذ الناس وذهب إلى المدينة، من قباء للمدينة مسافة حوالي سبعة أو ثمانية كيلومترات، فنقول مثلًا أنه في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة غادر قباء متجهًا إلى المدينة.
صلاة الجمعة الأولى في بني سالم بن عوف وإرسال النبي إلى بني النجار
فأذّن عليهم الظهر وهم في مضارب أو في منطقة سالم بن عوف، فصلى بهم الجمعة، صلى بهم بمائة رجل. انتبه أن الناس وهو في قباء أرسل إلى بني النجار فخرجوا بالسلاح لاستقبالهم.
انتظار الأنصار لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم عند ظاهر الحرة
قبل ذلك كما ورد أن الأنصار كانت تتوقع قدوم النبي بعد أن سمعت أنه خرج من مكة. قالوا: كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرّتنا - الحرة التي هي مثل هضبة المقطم هكذا، هضبة تكون موجودة في ظاهر حرتنا - يعني المكان الذي نظهر فيه لكي نستطيع الرؤية لمسافة بعيدة.
ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، بحيث أن الشمس تكون حميّة، وذلك في أيام الحر.
يوم قدوم النبي إلى المدينة ورؤية الرجل اليهودي له من فوق النخلة
حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جلسنا كما كنا نجلس يعني كل يوم، فلم يبقَ ظل، لقد انتهى، الساعة الثانية عشرة قد حانت. نعم، دخلنا بيوتنا.
قدم رسول الله؛ لأنه أصلًا صلى الجمعة في بني سالم بن عوف ودخل المدينة. فلما دخل كانت قد أصبحت الساعة الواحدة، فلما حلّت الساعة الواحدة كانوا هم قد دخلوا البيوت.
فكان أول من رآه رجل من اليهود، كان هذا الرجل اليهودي على نخلة يجني بعض البلح أو شيئًا ما، فرأى النبي من بعيد فقال: هذا جَدُّكم يا بني قيلة - بني قيلة الذين هم الأنصار - يعني جَدُّكم يعني الرجل الكبير الذي لكم، الذي أنتم تنتظرونه.
خروج الأنصار لاستقبال النبي وجلوسه تحت ظل نخلة مع أبي بكر
قال: فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدناه قد جلس إلى ظل نخلة، يعني هو تعب من المشي من بني سالم حتى المدينة، ومعه أبو بكر في مثل سنه.
يُقال إن أبا بكر كان أكبر من النبي، أو أصغر من النبي - النبي هو الذي كان أكبر منه بسنتين. ويُقال أنه بالرغم من أن أبا بكر كما قيل أنه أصغر من النبي، إلا أن شكله كان يبدو أكبر من النبي.
عدم معرفة الأنصار للنبي من أبي بكر حتى ظلله أبو بكر بردائه
نعم، كان هناك شيب في اللحية أو شيب في اللحية، وإجهاد في الوجه، يعني كانوا الذين يعطونه - يعطونه هذا أكبر من هذا. وكان أكثر الصحابة لم يشاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، فيذهبون لأبي بكر - الصحابة الذين هم في المدينة، الأنصار الذين في المدينة.
نعم، فيذهبون لأبي بكر فيشير له [أي يحسبونه النبي]؛ لأنهم لا يعرفون من هو الرسول ومن هو أبو بكر أم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
حتى سخنت الشمس قليلًا بهذا الشكل على الساعة الواحدة والنصف أو الاثنتين، فذهب أبو بكر وخلع الرداء وظلل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فعرفناه عند ذلك يا حبيبي، أصبح أبو بكر هو الذي يفعل معه هذا [أي يظلله فعرفوا أنه الخادم لا المخدوم].
نزول النبي عند أبي أيوب الأنصاري وبناء المسجد النبوي كمرتكز للدولة
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزل إلى المدينة لم يرفع التكليف، تُركت الدابة تسير. نزل عند أبي أيوب الأنصاري، الدابة بركت في مكان أوحى الله إليه أنه سيكون مسجدك، ووجدوا أنه ليتيمين من بني النجار فاشتراه بالمال عليه الصلاة والسلام.
وبدأ في بناء المؤسسة، في بناء المسجد. إذن لا بد عندما ندخل هذه البلاد أن يكون لنا مرتكز، مكان نتحرك منه ونذهب ونأتي ويكون هو هذا المكان، ومن غير مكان يكون هناك تيهان.
بناء العلاقات الاجتماعية وتأسيس ثقافة التراحم بين المسلمين في المدينة
والأمر الأول: قال الله إذ كان اليهود يصنعون المكائد بين الأوس والخزرج، والأوس والخزرج يتقاتلون مع بعضهم البعض، وبعد ذلك أتيت [أي الإسلام] عليهما. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ في بناء العلاقات الاجتماعية، وذلك كان على وجوه:
الوجه الأول: يقول لهم:
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» ويشبك بين أصابعه هكذا.
قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
هذه الأشياء بنت ثقافة جديدة، فيجب إذن على المسلمين في هذا النموذج من بناء الثقافة من تصحيح العلاقات.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وتوزيع النبي لهم أخوة في الله
القضية الثانية التي نأخذها أنه [النبي ﷺ] آخى بين المهاجرين والأنصار، جمعهم فبلغوا حوالي تسعين رجلًا، هؤلاء التسعون نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار. قال له: أنت أخو هذا، وأنت أخو هذا، وأنت أخو هذا.
ثم آخى عليًا - رضي الله تعالى عنه وعليه السلام - لحق بالنبي في قباء فدخل معه المدينة. فلما دخل معه المدينة قال: وقف في هذا الموقف ووزع الناس على بعضهم، قال: هذا أخي وأخذ بيده.
بعد ذلك أصبح سيدنا [علي أخا النبي ﷺ]؛ لأنه هو أخوه. لماذا؟ لأنه تربى في بيت أبي طالب، هذا من ناحية. ثم إنه أخذ عليًا عليه السلام كما أخذ العباسُ جعفرَ أي ابنَ أبي طالب حتى يخفف من العبء على أبي طالب.
إصلاح النبي للعلاقات بالتربية والأحاديث والتآخي ونسخ التوارث بالمؤاخاة
فالذي نأخذه في هذا النموذج أن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد ما دخل بدأ في إصلاح العلاقات بمجموعة من التربية والأحاديث وبقضية التآخي عليه الصلاة والسلام.
في التآخي كان الأخ من المهاجرين أو الأنصار يرث أخاه، يرث أخاه، يرث أخاه كأنهما وُلدا أبٍ وأمٍ واحدة، كأنهم. حتى نزل في ذلك القرآن فنسخ هذا:
﴿وَأُولُوا ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]
فلما نزلت الآية نسخت المؤاخاة [في الميراث]. إنما فكرة المؤاخاة كانت تريد أن تحل مشكلة وهي الوافد مع الأصيل.
الانتقال إلى فاصل إعلاني والعودة لاستكمال الحوار عن المؤاخاة
[المذيع]: نستأذن حضرتك يا مولانا نذهب إلى فاصل ونعود لنستكمل هذا الحوار إن شاء الله. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
العودة من الفاصل واستكمال الحديث عن المؤاخاة ودور الحب في حل مشكلة الوافد والأصيل
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. كنت فضيلتك تشرح لنا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
[الشيخ]: هذه المؤاخاة هي شيءٌ بديعٌ جديدٌ وفكرٌ عالٍ لحل مشكلة من المشكلات وهي مشكلة الوافد والأصيل. المؤاخاة التي آخى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كان وراءها الحب.
كتاب حاكموا الحب والتحذير من السخرية بأفعال الأكابر بسبب غياب الحب
وأنا ألفت كُتيبًا صغيرًا اسمه «حاكموا الحب»؛ لأن الناس عندما يقرؤون هذه النصوص ويقيسونها بما هم عليه الآن بعد ما نسوا الحب، لا يفهمونها ويفهمونها على غير وجهها، بل ويسخرون منها في بعض الأحيان والعياذ بالله تعالى.
فقلت لهم: لا تسخروا، إنما هاتوا الحب وحاكموه واقتلوه. لا حول ولا قوة إلا بالله! وبعدما تقتلون الحب عيشوا إذن حياتكم في كراهية، في غباء، في أي شيء إذن.
حاكموا الحب قبل أن تعترضوا على هؤلاء الأكابر. ذكرت هذا شرحًا وتفهيمًا وليس دفاعًا؛ لأن هذا أظهر من الظاهر وأقوى من أن يُدافع عنه. بعدما قتلنا الحب في قلوبنا وفي حياتنا، نأتي ونتكلم عن الأكابر ونسخر أو نتعامل معها بهذا الأسلوب المتدني.
إذن، هذا لا يحتاج إلى دفاع، إنما هو يحتاج إلى التفهيم وإيضاحه، لعل الله سبحانه وتعالى أن يُحدِث بعد ذلك أمرًا.
قصة عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وعرض المال والزوجة من فرط الحب
جاء في صحيح البخاري عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف. طبعًا أنس بن مالك أمه هي أم سليم بنت ملحان، وزوجها أبو طلحة، وأتت أم سليم بأنس خادمًا للنبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني. أنس عنده عشر إلى إحدى عشرة سنة يخدم النبي في المشاوير وفي غيرها.
قدم علينا - يعني على المدينة - عبد الرحمن بن عوف، فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع. وكان سعد كثير المال، طبعًا الكثرة هنا كثرة نسبية؛ لأن أهل المدينة لم يكونوا بغنى أهل مكة، ولكن هذا كان سعد بن الربيع أحد الأغنياء.
عرض سعد بن الربيع نصف ماله وإحدى زوجتيه على عبد الرحمن بن عوف
فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا. أخي عبد الرحمن بن عوف، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، أنت تأخذ نصف المال وأنا آخذ نصفه. ولي امرأتان.
عبد الرحمن بن عوف لما نزل على أخيه سعد بن الربيع، فسعد بن الربيع عنده زوجتان، كانوا يأكلون معًا ويشربون معًا. هؤلاء الناس ألقى الله الحب في قلوبها، فأصبح عبد الرحمن يحب هذه الأسرة، وهذه الأسرة تحب عبد الرحمن.
فيقول سعد بن الربيع: أنا مالي سأقسمه نصفين، نصف لك ونصف لي، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فطلقها حتى إذا حلّت تزوجتها.
الرد على من يستغرب عرض سعد زوجته وبيان أن غياب الحب سبب الاستنكار
لا إله إلا الله! الناس تقف عند هذه النقطة وتتساءل: ماذا يعني أنه يتنازل عن زوجته؟ أهي زوجته هذه كانت شاة أو بقرة حتى يطلقها؟ ربما إذا طلقها لن ترضى أن تتزوج عبد الرحمن بن عوف.
لا، لا حول ولا قوة إلا بالله! كل هذه الأسئلة أسئلة مشروعة في غياب الحب، وأسئلة عجيبة في وجود الحب وفي معيشة الحب.
هؤلاء الناس كانوا يحبون بعضهم، فإذا قلنا للناس الآن هم ليسوا متصورين؛ لأن أبدًا ما هؤلاء لم يحبوا ولم يحبهم أحد، قتلوا الحب ثم أتوا فاعترضوا على ما ورد عن الأكابر عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع.
حقيقة الحب في الله بين الصحابة وافتقاد الناس لهذا المعنى اليوم
لا يا أخانا، هؤلاء كانوا يحبون بعضهم حبًا لم ترَ مثله قط. كان سعد يحب عبد الرحمن فيقول له هكذا، وكان يحب زوجتيه، وكانت الزوجتان تحبان عبد الرحمن وتحبان سعدًا في الله.
ويبدو أن كلمة «الحب في الله» أصبحت غريبة، لا أحد يعرف ما هذا! خلاص، الحب أصبح محصورًا في الجنس، في الحب بطريقة معينة. لا، لم يكونوا هكذا، بل كانوا يحبون في الله. هذا الحب الذي افتقدناه.
رد عبد الرحمن بن عوف على سعد وطلبه الدلالة على السوق ونجاحه في التجارة
انظر إذن إلى - يعني هذا كلام سعد، وكلام سعد منطلق من أننا الأربعة نحب بعضنا ونحب بعضنا في الله - فقال عبد الرحمن: يا أخي بارك الله لك في أهلك وفي مالك، دلني على السوق.
وذهب إلى السوق، وكان عبد الرحمن ناصحًا في التجارة، وأخذ يتاجر حتى اغتنى جدًا ما شاء الله.
ولما مات عبد الرحمن بن عوف بعد ذلك - وكان من السابقين الأولين من المهاجرين - لم يستطيعوا أن يحصوا أن يعدوا ماله وتركته، فكانوا يعدونها بالكيل وليس بالعد، لن نعد دينارًا ودراهم، بل بالكيل، بالكيل، ما شاء الله!
قصة نجاح عبد الرحمن بن عوف نموذج لدور الحب والقلب في بناء الحياة
فإذا نحن أمام قصص نجاح شخص ليس معه ولا مليم. انظروا إلى الحب، انظروا إلى ماذا فعل القلب في هؤلاء الناس، ما شاء الله!
[المذيع]: حسنًا يا سيدنا، هكذا وصلنا إلى المؤاخاة وروح التكافل، منهج رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة في التعامل مع أصحابه.
التدرج في بناء الدولة من المسجد إلى المؤاخاة ثم وثيقة المدينة
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن علمهم ورباهم، بعد أن وقف هذا الموقف من المسجد وإنشائه، بعد أن آخى بينهم، بدأ في الدائرة الأوسع.
ولذلك أيضًا نحن في هذه البلاد نأخذ قضية التدريج في البناء شيئًا فشيئًا إلى أن نصل إلى بناء جماعي ثابت في هذا النموذج وهو نموذج الدولة متعددة الأطراف.
إنشاء وثيقة المدينة بين المسلمين واليهود وبداية مفهوم المواطنة
النبي صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الدائرة التي بعدها وهي إنشاء ما يسمى بـوثيقة المدينة أو بـصحيفة المدينة، بين المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم، وبين أيضًا اليهود؛ لأنهم كانوا مقيمين في المدينة، وبين كل من هو مدني يحب هذه المدينة، يعشقها، يدافع عنها، هي وطنه.
فبدأ مفهوم المواطنة في صحيفة المدينة.
ختام الحلقة والوعد باستكمال الحديث عن وثيقة المدينة كأول دستور عرفه البشر
[المذيع]: طيب، وقت الحلقة انتهى يا سيدنا، سنخرج إن شاء الله ونعود في الحلقات القادمة لنستكمل مشروع المواطنة في وثيقة المدينة، هي مثل دستور المدينة المنورة، ونبدأ مع حلقة جديدة مع هذه الوثيقة التي كانت أول دستور عرفه البشر ما شاء الله، وكانت أنبه دستور ينبه على المواطنة ما شاء الله.
ربنا يفتح عليك يا سيدنا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على الوعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله لنستكمل موضوع السراج المنير والتعايش مع الآخر.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
