برنامج السراج المنير: النماذج الأربعة لكيفية التعايش - السراج المنير, السيرة, سيدنا محمد

برنامج السراج المنير: النماذج الأربعة لكيفية التعايش

21 دقيقة
  • عرض الدكتور علي جمعة في برنامج "السراج المنير" نموذج مكة في التعايش مع الآخرين من خلال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • كان النبي يحب وطنه مكة رغم أذى أهلها، فقال عند هجرته: "إنكِ أحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني ما خرجت منكِ".
  • حب الوطن أول دروس التعايش، ويجعل الإنسان يفصل بين الشخص وفعله، فيكره الأفعال السيئة لا الأشخاص.
  • اشتهر النبي بين قومه قبل البعثة بالصادق الأمين، مما جعلهم يرضون بحكمه عند تنازعهم على وضع الحجر الأسود.
  • تميز النبي بالصبر على أذى المشركين، فلم يرد على إساءات عقبة بن أبي معيط عندما خنقه أثناء الصلاة، ولما ألقى أحشاء الجزور على ظهره.
  • رفض النبي الانتقام الشخصي وقدم المبادئ على المصالح، وآثر الدعوة على الرد بالعنف حين طلب منه خباب بن الأرت الانتصار.
  • كان النموذج المكي قائماً على الصبر والتعايش في بلاد السيطرة فيها لغير المسلمين.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن نموذج مكة وحب النبي لوطنه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

[المذيع]: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بك يا سيدنا. في الحلقة السابقة يا مولانا، كنا قد وصلنا في نهاية الحلقة إلى الكلام عن نموذج مكة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ردّ الجميل لأبي طالب بأنه أخذ سيدنا علي أو أخذه وربّاه، نريد أن نستكمل الحوار أو نستكمل التعرف على نموذج مكة.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سيدنا صلى الله عليه وسلم وُلِد في مكة وعاش في مكة، فإذا به يحب وطنه ويعلمنا حب الأوطان.

حب النبي لمكة رغم أذى أهلها وتعلق قلبه بوطنه

[المذيع]: جميل، ما شاء الله.

[الشيخ]: بالرغم من أنَّ أهلَ مكةَ أهلُ أذى.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وقد آذَوْه، وأهلُ جاهليةٍ وقد جَهِلوا عليه، إلا أنه كان يحب مكة جدًا.

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: وكان صلى الله عليه وسلم في هذا الحب يقول لما أخبره ورقة بن نوفل: يا ليتني كنت فيها جذعًا إذ أخرجوك منها، قال: أَوَ مُخْرِجِيَّ هم؟ والتفت إليها [إلى مكة] وقال:

«ألا إنكِ أحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني ما خرجت منكِ»

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: هذا عند الهجرة، كان قلبه معلقًا بالوطن عليه الصلاة والسلام.

ذكريات النبي في مكة ومعنى حب الوطن وتعلقه بالمدينة

الذكريات، إلى أين سيذهب؟ هنا كانت سيرته، كانت عبادته، كانت خلوته، كان عمله، كانت زوجته عليه الصلاة والسلام، كان أولاده، ومن مات منهم ومن عاش. يعني شيئًا [عظيمًا]، حبّ الأوطان، الوطن يعني ماذا؟ مجموعة من الذكريات.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: عليه الصلاة والسلام عندما ذهب إلى المدينة أيضًا كان قلبه متعلقًا بمكة، ووجد أن أبا بكر مرض وأن بلالًا قد مرض، وبادئ الأمر ما هي الحمى التي حدثت؟ هذه الحمى جعلتهم يتذكرون ماذا؟ أين أنت يا مكة وأيامك.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فقال:

«اللهم أخرج الحمى من المدينة»

عليه الصلاة والسلام، واضعف المرض ولا حاجة [في ذلك].

«اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة»

أول دروس التعايش حب الوطن والفصل بين الشخص والفعل

فإذن أول درس للتعايش هو الحب، أن يحب الإنسان وطنه.

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: ماذا سيفعل الحب في الإنسان؟ إنه سيجعله يفصل بين الشخص وبين الفعل، يفصل بين الشخص وبين الفعل على طول [أي دائمًا]. الذين يقولون عنها: حبيبك يبتلع لك الحصى، شيء كهذا يعني أنه لا يكره الناس.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يكره الأفعال، لا يكره الناس ولكن يكره أفعالهم السيئة، أفعالهم السيئة.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: لكن لا يكره الناس.

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: وهذه تؤدي إلى حسن النصيحة، أي وتؤدي إلى حسن التبليغ، وتؤدي إلى الهداية في النهاية.

[المذيع]: ما شاء الله.

حب الوطن يؤدي إلى لقب الصادق الأمين وثقة المشركين بالنبي

إذا كان أول درس هو حب الوطن الذي سيؤدي إلى الفصل بين الأشخاص والأفعال، الذي سيؤدي إلى حسن النصيحة والحكمة، فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة، صفة الحب، حدثت معه أمر غريب وهو أن كل المشركين قبل النبوة وكل شيء أحبوه واستأمنوه، فسُمي بالصادق الأمين عليه الصلاة والسلام.

[المذيع]: هذه رقم واحد، نعم.

[الشيخ]: التوجه إليه والرضا بحكمه بين الناس هذه رقم اثنين. كان محلًا لإيداع ودائعهم عنده.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يتركون الأمانات عند النبي عليه الصلاة والسلام.

قصة الأعرابي الذي استرد وديعته من أبي جهل بمساعدة النبي

عند النبي مرة واحد [أعرابي] جاء واضعًا وديعة عند أبي جهل، لكن هذا بعد النبوة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فذهب إلى أبي جهل وقال له: ليس لك لدي شيء.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فذهب [الأعرابي] يبكي عند الكعبة، والمشركون جالسون ليس لديهم أخلاق، قالوا له: أتعرف من الذي سيجلب لك حقك؟ ذاك الذي هناك، وأشاروا إلى سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. طبعًا، أبو جهل يكره النبي ويسعى بكل وسيلة لإيذائه، فكانوا يدبرون مكيدة للأعرابي ومكيدة لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، إن جاز التعبير.

[المذيع]: آه.

[الشيخ]: فالرجل ذهب إليه [إلى النبي] وقال له: أنا عند أبي جهل لي وديعة وجئت أطالب بها الآن، قال له [أبو جهل]: ليس لك شيء. وقال له الناس الذين هناك إنك أنت الذي تستطيع حل هذه المشكلة. قال له: حسنًا، توكلنا على الله، ما دام قالوا لك إنني أنا الذي سأحل المشكلة، تعال معي.

النبي يسترد الوديعة من أبي جهل وإلقاء الرعب في قلبه

وذهب [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى منزل أبي جهل ودخل عليه وقال له: أعطني هذا الرجل الذي وعدته به [أي وديعته]، فقال له: حاضر، ودخل وأحضرها من البيت وأعطاها له.

فالمشركون أرسلوا رسولًا ليرصد ماذا [سيحدث] مع النبي؟ وأبو جهل ماذا سيفعل مع النبي؟ كان أبو جهل هذا ضرابًا وكان شريرًا، أي كان مؤذيًا.

[المذيع]: هل سيضرب سيدنا النبي أم ماذا سيفعل؟ ماذا؟ وكيف سيسخر منهم يعني؟ يريدونه أن يتحكم [في الموقف].

[الشيخ]: فإذا به ذهب داخلًا يأتي بالوديعة، فيقولون لأبي جهل: أنت أحرجتنا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: نحن أرسلناه كي نصنع نوعًا من الضحك وما إلى ذلك. قال [أبو جهل]: والله رأيت فحل إبل خلف محمد كاد أن يلتهمني، إنه أحضر معه فحل إبل ليخيفني.

[المذيع]: ها.

[الشيخ]: هو الله قد ألقى في قلبه الرعب الشديد، وأيد سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

اشتهار النبي بالصادق الأمين وقصة وضع الحجر الأسود قبل النبوة

وسيدنا النبي ماذا فعل؟ سيدنا النبي اشتُهر فيما بينهم من حسن خلقه، ومن حبه لوطنه، ومن الفصل بين الفاعل والفعل، بالصادق الأمين.

فمرة عليه الصلاة والسلام وهو عنده خمسة وثلاثين سنة تقريبًا، يعني قبل الوحي، قبل النبوة.

[المذيع]: قبل النبوة بقيمة خمس سنوات، نعم.

[الشيخ]: كانت قريش قد هدمت الكعبة وبنتها من جديد.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وأرادوا أن يعيدوا الحجر الأسود إلى مكانه. كان كل زعماء القبائل يتخاصمون قائلين: أنا الذي سأضع الحجر، أنا الذي سأضع الحجر، ألست أنا من دفعت كذا، ألست أنا من فعلت كذا، ألست أنا وهكذا اشتدت الخصومة.

حكمة النبي في حل خصومة وضع الحجر الأسود ورضا الجميع بحكمه

فقالوا: حسنًا، سنحتكم إلى أول شخص يدخل علينا من هنا. فلما دخل وجدوه محمدًا، استبشروا وهللوا وكبروا وقالوا: جاءكم الصادق الأمين الذي هو الشخص الذي نرتضيه جميعًا، واستبشروا خيرًا.

أنه كيف يرسل ربنا سيدنا النبي الذي اتفق عليه الجميع راضيين بحكمه، والذي هو حَكَم مرضي عند الجميع، كيف يرسله الآن. وعرضوا عليه المشكلة: كل واحد منا يريد أن ينال شرف الوضع، فماذا نفعل؟

قال لهم: هذه مسألة بسيطة، وذهب وخلع عباءته ووضعها ووضع الحجر فيها، وقال لهم: كل واحد يمسكها من طرف، ثم بعد ذلك أنا سأضعه، فيكون كلكم قد اشتركتم في النقل والوضع والتبرك، ويكون لكم أن تقولوا هكذا: أنا الذي وضعت الحجر، أنا الذي وضعت الحجر، مع إننا متعددون من غير ذلك.

النبي نموذج في الوصول لمرتبة الصادق الأمين بحب الوطن والأخلاق

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطينا نموذجًا لأنه يفعل هذا، فها نحن نترجم ذلك: لقد وصل إلى مرتبة الصادق الأمين عندهم جميعًا، والحكم المرضي عندهم جميعًا. لماذا؟ لأنه حب الأوطان صحيح.

تعال اليوم إذن، شخص يأتي ويظهر من يقول لي إنني لا أحب مصر لأنني مسلم، فهذا كلام فارغ. كيف يكون المسلم لا يحب وطنه؟ عندما يقول: أنا أحب الإسلام كله، ماذا يعني بذلك؟ وهل يتعارض حبك للإسلام مع حبك لوطنك؟

هذه القضية عندما تؤسس بشكل صحيح من البداية، فإن سيدنا النبي علمنا أن نحب الأوطان وأن نفصل بين الأشخاص والأفعال.

تعاليم النبي في الأخلاق والتوازن بين المبادئ والمصالح

علمنا أننا نحكم بينهم، علمنا أننا نتخلق بالأخلاق التي تجعلنا مقبولين قبولًا عامًا منهم: الصدق والأمانة والنصيحة والإخلاص. علمنا أننا أمناء، ولذلك نحن نبدأ بالمبادئ ولا نضيع المصالح، ونعمل التوازن ما بين المبادئ والمصالح.

[المذيع]: حسنًا، نذهب إلى فاصل يا مولانا ونعود لنستكمل الحديث عن التوازن بين المبادئ والمصالح.

سؤال المذيع عن نماذج صبر النبي على أذى المشركين في مكة

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ها قد عدنا إليكم بعد الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا، فضيلتكم أوضحتم لنا في الجزء الأول أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الوطن وتكرّم بوضع الحجر الشريف بيده الشريفة بعدما وضعه على عباءته، إذن هم كانوا يتقبلون تصرفات النبي أو حكمته، لكن هل توجد نماذج أخرى للصبر على المكاره من بعض المشركين؟ كلنا نعرف بعض الأحداث التي فيها بعض السفهاء من المشركين يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام، نريد أن نتطرق إلى هذا الأمر.

[الشيخ]: كان النبي عليه الصلاة والسلام إمامًا في الحلم، كان إمامًا في الحلم.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: كان إمامًا في الحلم والصبر كما أنه كان إمامًا في الحكمة.

صفات النبي قبل النبوة والتوازن بين المبادئ والمصالح في مواجهة الجاهلية

وما ذكرناه من حب الوطن ومن الحكمة والنصيحة والأمانة والصدق والصبر إلى آخر هذه الصفات كانت أيضًا قبل النبوة. ووضع الحجر الأسود الذي تحدثنا عنه كان قبل النبوة.

عندما واجههم في قضية التوازن ما بين المبادئ والمصالح، هذه مشكلة كبيرة في العالم خاصة في هذه الديار التي تحارب الدين وتحارب خاصة الإسلام وما إلى ذلك، وتحارب الدين كله.

قضية بماذا نبدأ: بالمبادئ أم بالمصالح؟ فهو لديه فكرة المشرك هذا أنه مصالح فقط ولا مبادئ، وإذا تخلقنا أو التجأنا إلى مبادئ فمن أجل المصالح، فمن أجل المصلحة يعني من أجل المصالحة.

نقد النظرية البراجماتية المادية ومقارنتها بالجاهلية

وهذه هي نظرية يسمونها البراجماتية.

[المذيع]: نعم، مصالح فقط.

[الشيخ]: لكن ما شأني بذلك؟ وهذا هو ما يقوله فريدمان الآن أنه مات، وأن كل شيء يقوم بالدولار، حتى الأخلاق، حتى المقدسات، حتى كل شيء.

وهذا ما كانت الجاهلية تقول لك فيها: الذي تعرف ديته اقتله. لا، نحن عندنا لا يقتلونه، صحيح أن الذي يعرف ديّة أحدهم يستطيع التعامل معها، لكنني لن أقتله. هل تقدر على دفع ديته؟ نعم، أقدر على دفع ديته، ولكن القتل حرام، وهذا سيُدخلني جهنم إذا قتلت عامدًا متعمدًا.

فإذن هذه النظرة المادية التي تقدم مصالح الدنيا على المبادئ كانت هي المسيطرة على المشركين.

قصة عقبة بن أبي معيط وخنقه للنبي أثناء صلاته عند الكعبة

ولذلك أول ما أُرسل النبي صلى الله عليه وسلم وجهر بالرسالة رأينا سفهاءهم وهم يؤذونه. فـعقبة ابن أبي معيط،

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد يصلي في الكعبة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فجاء بعباءته ولفها وخنق النبي.

[المذيع]: لا حول ولا قوة إلا بالله.

[الشيخ]: خنق النبي من الخلف هكذا، أي أنه غير متمكن منه.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: كان من الممكن أن يموت في يديه، ولكن الله سبحانه وتعالى قال بعد ذلك أي علمه وقال:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

لم يستطع أحد قتله بالرغم من كل ما حضره من الغزوات وكل ما حارب في سبع غزوات كبيرة بنفسه، وكنا إذا اشتد الوطيس احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يستطع أحد قتله عليه الصلاة والسلام لأن الله قال:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

أبو بكر يدافع عن النبي من خنق عقبة بن أبي معيط

هذا عقبة ابن أبي معيط عندما خنق النبي، إمرأة ذهبت وأخبرت أبا بكر، فجرى إلى صاحبه ودفع عقبة بعيدًا عنه قائلًا:

﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ﴾ [غافر: 28]

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ هذا معناه أن عقبة كان يخنق خنقًا قاتلًا ليس [مجرد أذى].

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يعني هذه قضية تتعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولاقى هذا [الأذى] ولاقى هذا، واجه غيره، ولكن واجه هذا بأن هؤلاء هم العملاء خاصتنا، أصحاب الدعوة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: الذين يجب أن ندعوهم حتى آخر رمق فيهم.

قصة إلقاء أحشاء الجزور على ظهر النبي وهو ساجد ودعاء فاطمة

النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجدًا أيضًا، فجاؤوا وقالوا: ألا يوجد أحد يذبح اليوم؟ قالوا: بنو فلان كانوا يذبحون. فعقبة بن أبي معيط هذا أيضًا،

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ذبح جزورًا فأتاه بأحشائها الداخلية ورماها على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم. لو قام النبي عليه الصلاة والسلام هكذا لاضطربت الدنيا، يعني لحدثت فوضى بالمخلفات كلها.

فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يرفع رأسه بل ظل ساجدًا، بينما كان أحدٌ ينتظر مَن يُزيل هذه المصيبة. جاءت السيدة فاطمة عليها السلام، فأخذته [أي الأحشاء] من على ظهره، ودعت على مَن صنع ذلك بالنبي.

دعاء السيدة فاطمة على صناديد قريش ومقتلهم يوم بدر في القليب

قالت [السيدة فاطمة]: اللهم عليك بالملأ من قريش، أبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف. ودعت عليهم السيدة فاطمة، بدأت بالدعاء على الذين كانوا يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام على أبيها.

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول الذي روى الحديث: فرأيتهم قتلى يوم بدر من دعت سيدتنا فاطمة عليهم، وهم الذين قُتِلوا.

[المذيع]: سبحان الله.

[الشيخ]: فرأيتهم قتلى يوم بدر فألقوا في بئر [يُسمى القليب]، باستثناء أمية بن خلف الذي كان جسيمًا، أرادوا إلقاءه في البئر لكن فوهة البئر لم تكن متسعة بما يكفي لضخامة جسمه وطوله، فتقطعت أوصاله من محاولة الرمي هكذا، تمزّق فلم يُلقَ [في] البئر، حفروا له حفرة ودفنوه فيها.

كانوا يسمون هذه البئر القليب.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فسُمّي هؤلاء بأهل القليب الذين دعت عليهم السيدة فاطمة ودعا عليهم النبي على فكرة أيضًا في موقف آخر.

صبر النبي على الأذى وتقديم الدعوة على الانتقام الشخصي

إذن نحن أمام شخص قد علّق قلبه بالله، شخص صبر على الأذى، شخص قدّم الدعوة متجاوزًا الانتقام الشخصي فلم ينتقم، فهناك صبر جميل والله المستعان على ما تصفون.

عندما جاء إليه خباب بن الأرت وقال: يا رسول الله، استعرض بنا الوادي، يعني تعال لننزل ونضربهم ونجعلها دامية، نقوم باغتيالات وقتال، فاحمرّ وجهه غضبًا، أي تغير لونه من شدة الغضب.

غَضِبَ صلى الله عليه وسلم وقال:

«ألا إني رسول الله ولينصرني الله حتى تسير الظعينة من مكة إلى الحيرة لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها»

رفض هذا [أي رفض العنف والاغتيالات].

الصبر على الأذى في النموذج المكي والدعوة السرية في دار الأرقم

وقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيوضع المنشار في مفرق رأسه فينشر ما بين لحمه وعظمه، لا يرده ذلك عن دينه شيئًا. يعني الصبر لدرجة العدوان على الذات، ماذا سنفعل؟

فنحن في النموذج المكي في بلاد هي أوطاننا لكن السيطرة لغير المسلمين الذين يؤذون المسلمين ولا يرضون لا بحرية العقيدة ولا بحرية الممارسة، فعلينا أن نصبر.

النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أيضًا بدأ سرًا، ولذلك كان يجتمع مع أصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم.

ختام الحلقة والوعد باستكمال الحديث عن الدعوة السرية والصبر على المكاره

[المذيع]: حسنًا يا مولانا، انتهى وقتُ الحلقةِ، هل يمكننا أن نستكملَ في الحلقةِ القادمةِ الدعوةَ سرًا ونستكملَ الصبرَ على المكارهِ في الأوطان؟

[الشيخ]: نعم، في النموذجِ الأولِ.

[المذيع]: اسمحوا لي باسمِ حضراتِكم أن نشكرَ فضيلةَ الإمامِ العلامةِ الدكتورِ علي جمعة على وعدٍ باللقاءِ مع فضيلتِه في الحلقاتِ القادمةِ إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكرًا.