برنامج الملتقي "مفهوم العدالة ومشكلات منظومة العدالة المصرية" ج2 | أ.د. علي جمعة - لقاءات

برنامج الملتقي "مفهوم العدالة ومشكلات منظومة العدالة المصرية" ج2 | أ.د. علي جمعة

48 دقيقة
  • استضاف برنامج "الملتقى" وزير العدل المستشار أحمد الزند والمفتي الأسبق الدكتور علي جمعة للحديث عن قضايا العدالة بمستوياتها المختلفة.
  • أكد الزند وجود "زلزال تشريعي" في الطريق لمعالجة بطء التقاضي، موضحاً أن التشريعات القديمة والتعليم المتدهور من أسباب البطء.
  • أوضح الوزير أن ميكنة المحاكم وإدخال التقنيات الحديثة من ضمن خطط الإصلاح، مشيراً إلى عقد بروتوكولات تعاون بهذا الصدد.
  • ناقش الدكتور علي جمعة مسألة علانية العقوبات، مؤكداً أنها جائزة وليست واجبة في الفقه الإسلامي.
  • رفض المفتي الأسبق فكرة تنفيذ العقوبات علناً أمام الناس، مشدداً على أن العقوبة في الإسلام غايتها الردع وليس الانتقام.
  • أشار الزند إلى رفض مجلس القضاء الأعلى إنشاء محاكم استثنائية للإرهاب، مفضلاً تخصيص دوائر داخل المحاكم العادية لنظر قضايا الإرهاب.
  • تطرق اللقاء إلى قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن دياناتهم، وتحديات زيادة السكان وتأثيرها على العدالة.
محتويات الفيديو(56 أقسام)

مقدمة الملتقى والترحيب بالضيوف من نادي القضاة

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلًا بحضراتكم في الملتقى من داخل نادي القضاة، امتدادًا لسهرة جميلة نكملها هذا الأسبوع.

في الأسبوع الماضي كنا في ضيافة النادي وفي ضيافة المستشار أحمد الزند وزير العدل، ونتحدث عن العدالة بمفاهيمها ومستوياتها المختلفة. تشرفنا بالحديث مع سيادة الوزير عن إشكالات كثيرة، والإشكالات القادمة في الحلقة اليوم.

كما شرفنا أيضًا في اللقاء الأسبوع الماضي العلامة الدكتور والمفتي الأسبق الدكتور علي جمعة، نتحدث عن الجانب الفقهي والديني، ونتحدث عن الجانب القضائي والقانوني، ونتحدث عن جانب اجتماعي يخص المجتمع المصري.

سيادة الوزير، يشرفنا في الملتقى، أهلًا بك دائمًا معنا، ألف شكر. أرحب أيضًا بالدكتور علي جمعة، مولانا أنت دائمًا تشرفنا، أهلًا وسهلًا بكم.

سؤال المذيع عن بطء التقاضي والثورة التشريعية وإجابة الوزير

[المذيع]: سيادة الوزير، لو سمحت نبدأ ملفًا تلو ملف، ولنأخذ أيضًا النقاط بإجابات سريعة قليلًا، كتعليقات سريعة حتى نستطيع تغطية كل النقاط. نبدأ بحكاية بطء التقاضي، ما هي الثورة التي تحدثت عنها والتي تحدث عنها السيد الرئيس؟ هل نستطيع أن نبشر الناس بأنها ستحل لغز اللوغاريتم؟ عدالة بطيئة، أين العدالة الناجزة؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين.

أنا في حديث سابق في منبر إعلامي آخر بشرت المصريين بأنه في الطريق زلزال تشريعي وليس ثورة، وأنا أقصد أن الزلزال أقوى من الثورة؛ لأنه قد يأتي على الثورة. رأيت الحديث أو الحكمة: الماء أشد من ذلك، والهم أشد من ذلك.

عزم الوزير على إنهاء بطء التقاضي وأثره على التنمية والنهضة

ونحن عاقدون العزم بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن يكون التقاضي سهلًا ميسورًا، وأن نودع من القاموس القضائي المفرد الكريه إلى نفوسنا جميعًا وهو بطء التقاضي؛ لأنه لا يقتصر على بطء التقاضي فحسب، بل هو:

  • بطء في التنمية،
  • بطء في الأخلاق،
  • بطء في الأحاسيس،
  • بطء في تقدم البلد،
  • بطء في النهضة،
  • بطء في التطور.

فهو يمكن أن تُشتق منه مفردات عدة، كلها تجتمع حول السلبية أو المفهوم السلبي.

أسباب بطء التقاضي وأثر التشريعات القديمة وانهيار التعليم

وكما ألمحتُ إلى أن للقضاة نصيبًا قليلًا في هذه المسألة، ولكي نكون موضوعيين ونتحدث بصراحة، فإن السبب الأول هو التشريعات التي لم تعد تناسب لا الزمان ولا المكان ولا الأخلاق ولا الإنسان.

ومن يقول إن ذمم الناس - ومولانا أقدر مني ومنا جميعًا - على أن الأحكام تتغير بتغير الأزمان وليس تغير الأدلة أو البراهين. من يقول إن شاهد اليوم أمام المحكمة هو نفسه شاهد الأربعينات؟ لقد تغير.

بل إنه جزء يخجل الكثيرون من زملائي عن ذكره، يصب أيضًا في خانة بطء التقاضي، أنه التعليم الذي انهار. أنت تتعامل مع بعض معاونيك فلا تستطيع أن تقرأ ما كتبوه، وإن استطعت فبالكاد تفهم.

ضرورة ميكنة المحاكم وإدخال التقنيات الحديثة في العملية القضائية

العالم الآن يضع جهاز تسجيل يسجل ويكتب ما يتحدث به الشاهد أو المحامي أو المتهم، فيخرج شريط من هذا الجهاز مكتوب فيه كل ما قيل. لا شك أنك حينما تقرأ مذكرة أو صحيفة دعوى أو أي مستند في قضية بخط واضح مقروء، يسهل عليك الأمر.

يعني نحن ليس لدينا يا سيدي تسجيل أو تقييد إلا أن تُكتب بخط اليد حتى الآن، بخط الأيدي. لكن هناك توجه طيب إن شاء الله لميكنة المحاكم وإدخال التقنيات العالية عليها، وقد عقدنا عدة بروتوكولات تعاون في هذا الصدد.

تناقض الغرب في انتقاد القضاء المصري مع سعيه للتعاون معه

لكن دعني أذكرك بشيء لأبين لك مدى تناقض الغرب، وأنه ليس عادلًا ولن يكون عادلًا. إذا كان القضاء المصري فيه ما يقولون، فلماذا يهرعون [إلينا]؟ أنا كل أسبوع أتلقى من السفراء المعتمدين لدى جمهورية مصر العربية دعوات لزيارات الدول الأوروبية وعقد بروتوكولات قضائية للتعاون فيما بيننا وبينهم.

إذا كنا مسيّسين وإذا كانت أحكامنا دون المستوى، فلماذا تتعاون معنا إذن؟ بل بالعكس، جزء رئيسي من مدخولات وزارة العدل هي منح من الغرب، آخرها اتفاق أنا وقعته أمس مع الأخت الفاضلة الدكتورة نجلاء الأهواني وزيرة التعاون الدولي بثلاثة ملايين دولار أمريكي لشق من العملية القضائية.

ازدواجية الغرب السياسية وتسييس التعليقات لا الأحكام القضائية

هذا كلام في الظاهر كالإعلانات مدفوعة الأجر في الصحف، يعني الحكومات في الغرب تقول شيئًا وهي تعلم أنه كذب، لكنها توظفه لأمور سياسية. يعني نوع من الشد والتعصب السياسي، وإذا دخلت السياسة من الباب خرجت الأخلاق وخرجت القيم وخرج الصدق وخرج كل شيء طيب ونبيل.

يعني إذا لم تكن أحكام القضاء المصري هي المسيّسة، ولكن تعليقات الآخرين من دول أو من أشخاص أو من جماعات هي التي تعتبر تعليقات مسيّسة لغرض وهوى بسبب الخصومة.

سؤال عن علانية العقوبة والردع وحكمها في الفقه الإسلامي

[المذيع]: السؤال: طالما الناس تشتكي من بطء التقاضي، يكون من المؤكد أنهم متضررون من شيءٍ معين. أولًا، لن أتحدث عن وجود حق لي أو أرض متنازَع عليها حيث يصدر الحكم للورثة أو الأحفاد، يعني لن أتحدث عن هذه النقطة، بل سأتحدث عن جزئية تخصنا في موضوعنا اليوم وهي موضوع الردع والزجر الذي أراده الله وشرع به العقوبة.

شيء مثل جريمة الزنا فيها نوع من علانية العقوبة، والله تعالى قال ذلك في القرآن:

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]

لماذا يكون الموضوع فيه علانية وأناس يشاهدون؟ يعني هل الله يريد أن يشاهد الناس عذاب الآخرين؟ من أجل الذي في قلبه مرض؟

مطالب الناس بالقصاص العاجل لقتلة الأبرياء من الشرطة والجيش

[المذيع]: فمولانا، الناس تسأل عن الذين قتلوا مدنيين وشرطة والجيش، قتلوا شخصًا بريئًا ولا يهمني التصنيف، التصنيف الوحيد الذي يهم هو أنه بريء دون ذنب أو إثم، بل بالعكس له حصانة زائدة، بالإضافة إلى أنه إنسان ومسلم ومن أبناء وطنه، وهو يدافع عن الأرض والعرض.

فالمجتمع يخاف ونحن نجلس نحاكمهم شهرًا وشهرين وسنة وسنتين، ولا أحد يسمع شيئًا عن القصاص العادل، ولا يرى منظر هذا المجرم وهو يُضرب ويُعدم بالرصاص أو يُشنق. لماذا يا مولانا لا تسمح لي [بالحديث عن هذا]؟

قبل تفضُّل فضيلة العلامة، الذي حدث - قلت إنه - هو خير دليل يدحض كذبهم على أن الأحكام مسيّسة. الشهر والاثنان والثلاثة والأربعة والستة والسنة لكي يأخذوا من الفرصة والدفاع وتمحيص الأدلة ما يأخذه غيرهم، رغم ما حضرتك قلت إن الجريمة مُصَوَّرة. تفضل يا مولانا.

حكم علانية العقوبة في الفقه الإسلامي بين الجواز والوجوب

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

القضية هي أن علانية العقوبة مسألة جائزة وليست واجبة في الفقه الإسلامي، ولا بد علينا أن نأخذ هذا في عين الاعتبار. والفرق بين الجواز والوجوب أن الوجوب نأثم إذا ما تركناه، أما الجواز فيجوز للظرف الزماني والمكاني وصورة الإسلام في العالمين أن نأخذ بالعرف كما أمرنا الله سبحانه وتعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

ولذلك فعلانية العقوبة مسألة ترجع إلى جماعة المسلمين أو جماعة المفكرين أو أولياء الأمور أو وجهاء المجتمع في مجتمع ما.

رأي الشيخ في علانية العقوبة والفرق بين العلانية والإدراك

[المذيع]: ما هو اجتهادك الشخصي؟ هل أنت مع أم ضد [علانية العقوبة]؟ خصوصًا - سأجمل السؤال -

[الشيخ]: أنا لست مع علانية العقوبات.

[المذيع]: سأكمل السؤال بعد إذن فضيلتك، أنه في المجتمع الأمريكي، سواءً كان الإعدام بالكرسي الكهربائي أو بالغاز أو بالحقن السامة، يتم ذلك في غرف مغلقة، وهذه الغرف تكون مصنوعة من الزجاج، ويحضر النائب العام وكذلك عدة أشخاص آخرين، وكذلك يحضر أهالي القتيل أو الضحية أو الشهيد.

[الشيخ]: هذه ليست علانية، هذا إدراك. وهذا الإدراك حضوره محدود، لكن العلانية هي أن يقام ذلك في ميدان التحرير أو في ميدان الشهيد هشام بركات أو في ميدان جامعة أمام العالمين، بحيث أنني أرى هكذا هذه العقوبة قد نُفذت.

الفرق بين صيغة الأمر بالجواز والوجوب في آية علانية العقوبة

وهذا [الإعدام العلني] موجود في التاريخ الإسلامي، موجود. و"ليشهد" وليس "ولم يقل واشهدوا"؛ أن درجة أمر الفعل المضارع المقترن باللام أقل من درجة "افعل" في إدراكها.

ما هذه الدرجة؟ هي درجة الوجوب ودرجة الجواز كما قال بعض العلماء.

[المذيع]: لا، لماذا تقول حضرتك إن الزمن تغير، وأن مفهوم العقوبة أنها رادعة أو أنها للانتقام؟

[الشيخ]: لا، نحن لا نريد انتقامًا، خلاص. يبقى إذن أنا مع من يرى أنها لا تكون علانية بهذا المعنى، ولكن من الممكن أن ندل بها على الخبر أنه اليوم أُعدم فلان وأنه أُعدم بالطريقة الفلانية وهكذا. هذه شفافية الأخبار أو شفافية الأحداث.

تصحيح صورة الإسلام وفلسفة العقوبة الرادعة لا الانتقامية

لكن لا أرى أن نرجع مرة أخرى ونعلق [المحكوم عليهم] كما كان يفعل الأمريكان. وأنا لا علاقة لي بالأمريكيين أو بالإنجليز، أنا أتحدث عن تصحيح صورة الإسلام في العالمين.

فهل نعلق الناس في المشانق كما علق سليم خان طومان باي على باب زويلة؟ لا، أنا لست مع هذا؛ لأن الدنيا تغيرت.

هل سيؤثر معي الأمر إن كان الغرب منصفًا أم لا؟ منذ متى وأنا أهتم برأي الغرب؟ بالضبط. الأمم الكبيرة يهمها - ليس لي أن يتدخلوا فيهم - أنا لي أن أتدخل بأحداث صورة أريد أن أصل بها إلى الإنسانية وأدعوهم وأقول افعلوا هذا؛ لأننا فلسفة العقوبة عندنا إنما هي فلسفة رادعة بالأساس وليست فلسفة انتقام.

سؤال عن جواز إنشاء محاكم استثنائية خاصة بقضايا الإرهاب

[المذيع]: سيادة الوزير، بعض الناس ستقول: طيب هل يجوز بسبب الظروف الخاصة والأوقات الخاصة والأماكن الخاصة تُجرى ظروف استثنائية خاصة؟ بمعنى مثل لجنة امتحان الثانوية العامة في العملية التعليمية شيء مقدس، وأتمنى ألا يستمر هذا الأمر مستقبلًا وأن تصبح عملية عادية جدًا ويكون لدينا تعليم حقيقي وليس شكليًا. فعندما يكون هناك شخص مريض تُجرى له ظروف خاصة، ويمكن أيضًا إنشاء محكمة خاصة للإرهاب؟

[الشيخ]: لا شك أنه المسألة تكتنفها صعوبة متعددة الأوجه. كثير من الناس ينسى أو يتناسى أن القاضي أولًا وأخيرًا ملتزم بالقانون، وأن المشرع القانوني ملتزم بالدستور. فالقاضي لا يحكم بهواه ولا بغرضه، وإن حكم بغير الدستور والقانون فالحكم مصيره إلى الإلغاء. تمام.

العلاقة بين الدستور والقانون وإنسانية الإسلام وسماحته

إن الدستور عندما يحدد أمرًا أو يقننه أو يدستره، لا بد أن يكون القانون ترجمة أمينة وصادقة لهذه المادة الدستورية. وهنا إشكاليات كبرى، لكنني أعتبرها إشكاليات إيجابية تصب في خانة ما تحدث به العلامة فضيلة الدكتور علي جمعة.

من أن إنسانية الإنسان وعالمية الإسلام، وأن التيسير قبل التعسير، وأن الإسلام هو دين الرحمة والسماحة والعدل، وأن الرحمة فوق العدل.

لا شك أنه رؤية طفل صغير لمنظر [عنيف]، وإن كانت بعض القنوات الآن تتساهل وتبث الأحداث كما وقعت، مثل التفجيرات وأشلاء الأرجل والأيدي المقطّعة، وهذا يعني إثمًا سيحاسبون عليه. نحن بذلك نربي مجتمعًا تطبّعت علاقاته مع العنف.

رفض مجلس القضاء الأعلى للمحاكم الاستثنائية في قانون الإرهاب

حينما يكون العنف مطاردًا لكل مشاهد في كل أمر من الأمور، فماذا تنتظر؟ إلا أن العنف يولّد عنفًا.

بالفعل كانت هناك مادة في قانون الإرهاب الذي سيصدر قريبًا تتحدث عن محاكم خاصة. رُدّ هذا القانون من مجلس القضاء الأعلى - الذي يتهمون قضاة مصر بأن أحكامهم مسيسة وبأنهم أوذوا.

وكنا إلى عهد قريب نقول شهداء الشرطة والجيش والمواطنين، الآن دخل القضاء على المحك وأصبح شهداء القضاء والجيش والشرطة وبني الوطن. حتى هذا لم يمنعنا أن نكون عادلين في أنه لا نعود مرة أخرى إلى محاكم استثنائية.

موقف مجلس القضاء الأعلى من المحاكم الاستثنائية واقتراح الدوائر المتخصصة

وقال مجلس القضاء الأعلى في تعقيبه على طلب إلغاء هذه المادة بأنه أيًا ما كان المسمى وأيًا ما كان الظرف الذي سيُسن فيه التشريع، فإن هذا نوع من المحاكم الاستثنائية يرفضها الدستور والقانون وتأباها النفوس السليمة واستقلال القضاء وسيادة القانون.

ويُطلب الاستعاضة عن ذلك بدوائر داخل أي محكمة تُخصص لنظر قضايا الإرهاب لتدفع بها إلى الفصل بسرعة. تمام.

هذا فيما يتعلق بالمحاكم الاستثنائية.

أسباب تأخر قانون الإرهاب والمراجعات لصالح الدستور والعدالة

على صعيد آخر، قانون الإرهاب مما لا شك في أنه تأخر كثيرًا. أخبرك يا سيدي عن سبب التأخير: إنها مراجعات لصالح الدستور والقانون والإنسانية والعدالة، حتى لا يقال أن مصر صدر فيها قانون خالف قاعدة من هذه القوانين.

وآخر توجيه صدر من السيد الرئيس ووصلني بالأمس كوزير للعدل أن هذا التوجيه يثني على ما تم إلغاؤه من إجراءات كانت تتنافى مع منطق القضاء السليم، ويطلب أيضًا إعادة النظر في أمور أخرى حتى يكون القانون بلا أدنى شبهة توحي بأنه قد صدر ضد جماعة أو ضد فريق أو ضد طائفة من الناس.

سؤال صعب عن تدخل مؤسسة الرئاسة في القضاء وتسييس الأحكام

[المذيع]: أسأل سؤالًا صعبًا قليلًا: تفضل. شخص من مؤسسة الرئاسة اتصل بك وقال لك: والله يا معالي المستشار، يعني القضايا التي تنظرونها الآن، يعني الرئاسة ترى أنه من الأفضل أن الأحكام لا تكون قاسية هكذا؛ لأننا نتعرض لضغط خارجي كبير جدًا، ونحن مثلًا متجهون نحو مصالحة مع الإخوان، فنريد ألا تكون هناك انتقادات كثيرة للدولة المصرية.

أو على العكس، أننا استبطأنا العقوبات والناس في الشارع غاضبة جدًا ويريدون الأحكام تكون رادعة وتكون سريعة جدًا جدًا جدًا جدًا. سترى سيادتك أن هذا توجه عام للدولة المصرية التي أنت جزء منها وستقبله، أم ستراه على أنه تدخل في القضاء وأنه لا يجوز وأن هذا فعلًا يجعل القضاء مسيسًا؟ وسترد على من سيتحدث إليك في هذه المكالمة تقول له ماذا؟

رد الوزير على اتهامات تسييس القضاء والفرق بين المراجعة والتدخل

[الشيخ]: إنهم ضعاف العقول الذين يتصورون التصور الثاني. أما من يدرك قواعد العدل ومسؤولية الحكم وسلطات ولي الأمر، فهي مسألة الحكم وماهيته.

إنه مراجعة بين السلم التنفيذي كما تفضلتم، مثلما يحدث من مراجعات في السلم القضائي والسلم التشريعي والسلم الإعلامي. كل جماعة تتداول فيما بينها التراتبية الإدارية.

نعم، فقد يكون هناك وجهة نظر معينة تخالف أو تقابل أو تتضاد مع وجهة نظر أخرى، ويتم الاحتكام إلى المنطق في عرض وجهتي نظر. وحينما يغلب المنطق الأول المنطق الثاني أو العكس، فإن الأمور تسير في نصابها الصحيح.

الفصل بين السلطة التنفيذية والقضائية وعدم التدخل في الأحكام

لكن مؤسسة الرئاسة ليس لها مصلحة [في التدخل]، وإنما هذا يتم في عملي كوزير عدل، جزء من السلطة التنفيذية. أفرّق تمامًا بين هذا وبين الأمر نفسه إذا حدث مع السلطة القضائية، حيث صدر القانون وصار قانونًا فلا صوت لأحد يعلو على صوت القضاء. لا مراجعات ولا اتهامات.

ولكن قد يرى الحاكم من منظور قومي أو أمني أو فيما يصب في خانة الصالح العام أن يوجه أن الإرهاب كاد يعني يأتي على الأخضر واليابس، نريد حلًا.

هو التدخل في القضاء، التدخل المرفوض الذي لم يحدث ولن يحدث أن يملي عليك أحد أن تحكم بكذا أو لا تحكم بكذا. هذا على مسؤوليتي.

استقلال القضاء المصري تاريخياً وعدم حدوث إملاء على القضاة

لم يحدث [التدخل في القضاء] في الماضي، حتى في العصور التي نتهمها بأنها كان لها توجه معين، ولا حتى في العصر الذي نفضنا غباره ورفضناه؛ لأن الأمر يجري بين اثنين لا ثالث لهم: من يطلب ومن يُطلب منه.

إذا تجرد - إذا يعني - تحلل الطالب من القيود، فالمطلوب منه متمسك بحقه، لا يرضى بتدخل شخص ما ولا جهة ما إطلاقًا.

الاحتفاء المبالغ فيه بتعيين أول عميدة مسيحية لكلية الطب

[المذيع]: أردت أن أستوضح هذه النقطة. فضيلة الدكتور علي جمعة لو سمحت، منذ أيام وجدت ما يمكن وصفه بزفة إعلامية واحتفاء إعلامي أرى أنه مبالغ فيه، وأقول لحضراتكم لماذا:

الاحتفاء يا مولانا كان بتعيين أول عميدة لكلية الطب في جامعة قناة السويس، دكتورة فاضلة مسيحية. أنا رأيتها يا سيدي دكتورة مصرية. فما مدى صحة هذا الكلام؟ وما تعليق حضرتك على هذا الاحتفاء؟

[الشيخ]: الكبير بتعيين أختنا الفاضلة أمر تضحك منه الثكلى وتسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع! الله الله! لأننا انتهينا من هذه [القضية].

شرح المثل العربي عن غرابة الاحتفاء بتعيين مسيحية في منصب

مرة أخرى لكي نحفظها: تضحك منه الثكلى يعني امرأة مات لها أحد، فهي جالسة تضحك كالمجنونة؟ لا، إن الحدث غريب هو الذي جعله مدهشًا.

وتسقط منه الحبلى أي من شدة الضحك امرأة حامل فظلت تضحك حتى أسقطت الولد.

ويشيب منه الأقرع الذي ليس عنده أصلًا شعر!

يعني والله أخرج مسلم في مقدمة صحيحه:

«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

تجاوزنا هذا [الأمر منذ زمن].

تاريخ مصر في المواطنة وتولي المسيحيين مناصب رفيعة منذ عهد الخديوي

رؤساء وزراء مصر من عهد الخديوي إسماعيل فيهم ثلاثة أو أربعة [مسيحيون]: يوسف باشا وهبي، ونبار باشا، وبطرس غالي باشا وإلى آخره.

تجاوزنا هذا منذ زمن، منذ أن اخترعنا نحن المصريون فكرة الدولة المدنية التي لا هي علمانية ولا هي دينية، لا تنكر الدين وتنحيه، ولا هي أيضًا تفرق بين مواطنيها.

ففي عام ألف وثمانمائة واثنين وخمسين وقعنا على اتفاقيات إنهاء الرق، بينما كان العبيد هم الذين يأبون ذلك ويقولون: إلى أين ستأخذوننا؟ حتى ماتوا مع أسيادهم أحرارًا.

الخط الهمايوني وإنهاء التمييز الديني والمواطنة الكاملة في مصر

في هذا الزمن صدر الخط الهمايوني الذي يتحدث بعض الناس عنه بإعجاب، وفيه إنهاء للتمييز بين المواطنين على أساس ديني، وفيه أشياء أخرى ولكن في هذا الحد، أنه أصبحنا مواطنين.

لم يتقدم ولو شخص واحد للشرطة أو للجيش أو للقضاء أو لغيره وقيل له: أنت مسلمٌ أو مسيحيٌ. القضية قضية كفاءة وقضية أننا في بلد واحد، وأننا في نموذج المدينة [المنورة] أولًا قبل أن يخلو منها اليهود ويخرجوا.

معيار الكفاءة في التعيين لا النسب أو الدين على منصة القضاء

يعني نفس الكلام ينطبق على منصة القضاء، أنَّ ابن المستشار ليس شرطًا أن يصلح مستشارًا؛ لأنه من الممكن أن يكون غير كفء. أو ابن الرجل البسيط من الممكن أن تكون لديه مقومات وتعلَّم تعليمًا جيدًا، ومن الممكن أن يكون ليس لديه مقومات.

وبالتالي أنا أرفضه بسبب عدم كفاءته، وليس لأنه إنسان بسيط أو فقير. طبعًا بدون شك، شخص لا يعرف كيف يقود، كيف سأعطيه السيارة ليقودها؟ وهكذا لا يهمني إن كان ابن مستشار أو ابن غير ذلك. لا إطلاقًا، أبدًا.

مصر دولة قانون ومؤسسات شاركت الحضارة العالمية وأخذت ما يناسبها

نحن دولة قانون فصلنا بين السلطات الثلاث، نحن دولة لها برلمان، نحن دولة لها دستور، نحن دولة لها قانون، نحن دولة شاركنا الحضارة العالمية وأخذنا منها ما يوافقنا.

ليسموه بالإنجليزية Local Know-how أي المعرفة المحلية التي تخدمني ولا تضرني.

من الغريب أن نتحدث بمثل هذا، وهذا من كلام الجماعات الإرهابية التي تريد أن تنشئ موضوعات. أنا أعلم أنها تتعلق بالتواصل الاجتماعي والاحتفال وما إلى ذلك. تريد أن تنشئ موضوعات حتى ننشغل بها عما يجري في مستقبل قناة السويس ومحور قناة السويس.

إنجازات الدولة المصرية التي تحاول الجماعات الإرهابية صرف الانتباه عنها

وما يتم في هذه البلاد من المليون فدان، ومن تلك الطرق الرائعة التي أُنشئت في وقت قياسي، ومن كل هذه الإنجازات الخمسة التي لم يستطع فيها من أراد الكرسي وكان على وزنه أنه يعملها في المائة يوم فلم يعملها في سنة، وهذا أدخل نفسه وجماعته في هذا [المأزق].

أنا أريد أن أقول إن هذا الكلام ينبغي علينا أن نتجاوزه.

الحاكم هو القاضي وليس رغبات الناس وحضارة القضاء في الإسلام

من الحاكم؟ أنت تقول القضاء والمجتمع. الحاكم هو القاضي هو الذي في القمة، وليس الحاكم هو آراء الناس أو رغبتهم التي تريد أن تعدم هذا أو تعفو عن هذا أو ما إلى ذلك.

نحن دولة قضاء وهذه حضارة قضاء وتتميز بالقضاء منذ عهد علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وشريح القاضي الذي كان يعدل بين الناس وبين الخصوم حتى في المجلس، أبو يوسف القاضي وهكذا.

وإلى الآن المستشار أحمد الزند، نحن والحمد لله جيناتنا أصبحت فيها العدالة.

رفض حكم الغوغاء والفرق بين القضاء العادل وحكم الناس بأنفسهم

لو أن أحدهم يتكلم عني بسوء أو يشتمني أو يريد أن يكون الناس هم الذين يحكمون - الناس هم الذين يحكمون! - هذا كان موجودًا مع الرواد الأمريكيين في الغرب، وكانوا يجتمعون ويحكمون على الرجل ويشنقونه. أهذا عدل أم ليس عدلًا؟ ليس كذلك.

لدينا هكذا [نظام قضائي]، وما كان لدينا هكذا أبدًا. نحن طوال حياتنا لدينا قضاء وقضاء عادل دائمًا.

سؤال عن تأثر المفتي والقاضي بالسب والشتم من الجماعات الإرهابية

[المذيع]: هل تتأثر سيادتك كمفتي أو القاضي يتأثر كقاضٍ - أعتذر - بالسب والشتم، أم أن هذا الموضوع معزول تمامًا عاطفيًا وشعوريًا عند حضرتك وعند القاضي؟

[الشيخ]: أحد أفراد الجماعات الإرهابية قال لي: أنتم واقفون مع الحكام وأنتم علماء السلطة.

قلت له: يا رب، يا رب! كان الحكام يرفعون علينا سماعة الهاتف لكي يسألوني ونحن نجيبهم، ويكونون أناسًا أتقياء أنقياء؛ لأن سلطان العلماء العز بن عبد السلام كانوا يلجؤون إليه فيجيب، وكانوا يستفتونه فيفتي.

إنجازات دار الإفتاء من مائة وعشرين ألف فتوى إلى نصف مليون سنوياً

أنا توليت دار الإفتاء ومعي مائة وعشرون ألف فتوى منذ ذلك الحين. سيدي الشيخ محمد أمين المهدي العباسي وصل إلى مائة وعشرين ألف فتوى، والآن الحمد لله دار الإفتاء تصدر نصف مليون فتوى في السنة.

مائة وعشرين ألفًا، هذا أمر عظيم. أحضر لي أخي واحدة فقط كانت مع السلطان، واحدة فقط جعلت الطلاب يعملون ست رسائل دكتوراة في دار العلوم وفي الأزهر وعدة أبحاث عن هذه الفتوى الوهمية التي ملؤوا الأرض ضجيجًا بها.

الرد على اتهام الإرهابيين بأن العلماء يفتون للسلطان ويحكمون بغير ما أنزل الله

هي أن "تثقفونا معًا"، فقام واحد من الإرهابيين وقال لي: الشيخ الببلاوي يقول إن فاروق من أهل البيت. قلت له: هل هذه فتوى؟

  1. أولًا، هل الشيخ الببلاوي قال هكذا؟
  2. ثانيًا، هل فاروق قال هكذا؟
  3. أم أنها مجرد إشاعات وحكايات المقاهي؟

النقطة الثالثة: الشيخ الببلاوي قال ذلك تسليمًا، حسنًا، وهل هذه فتوى؟ توصيف لمشكلته أم ليست فتوى؟ أم لم يحدث أصلًا والأمر كله كذب في كذب؟

وكذلك [قالوا]: أنتم تحكمون بغير ما أنزل الله. قلت له: حسنًا، أين هذا؟

النظام القضائي المصري والمحكمة الدستورية العليا كضمانة للشريعة

نحن لدينا نظام قضائي يقول إنه أولًا: دستور يقول لي إن الإسلام هو [دين الدولة] ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

وبعد ذلك تأتي لي مادة وأنا أرى كمحامٍ أو أرى كقاضٍ أو أرى كذا أنها مخالفة للشريعة الإسلامية، فأذهب إلى أين؟ لدينا مؤسسة ضخمة اسمها المحكمة الدستورية العليا، وأذهب لأعرض عليهم وهم أشخاص عارفون بالشريعة وعارفون بكذا إلى آخره.

ولو قرأت الأحكام التي صدرت منها - لدي تسع مجلدات منها - هؤلاء هم المجتهدون الحقيقيون؛ لأن كلامهم مُحصّن بكل وسائل السلامة: أصول فقه على منطق على شريعة على عدالة ناجزة.

تفسير المحكمة الدستورية لمفهوم الشريعة الإسلامية وتأييد الأزهر له

[المذيع]: حسنًا، اختلفوا يا مولانا في المادة، اختلفوا يا مولانا لجنة الخمسين في مفهوم الشريعة الإسلامية.

[الشيخ]: المحكمة رجعت إلى تفسير المحكمة الدستورية مباشرة، ونحن أيدنا في ذلك في الأزهر أستاذ علاء.

عندما تم الخلاف داخل لجنة الخمسين في إعداد الدستور حول ماهية الشريعة الإسلامية، ولم يجدوا أفضل مما قالته المحكمة الدستورية بالدقة والتعريف تمامًا، وهيئة كبار العلماء أيدت ذلك.

أريد أن أقول لك شيئًا واحدًا فقط: قلت لهم أحضروا لي مادة واحدة نرفع أمرها بطريقتها وإجراءاتها إلى المحكمة الدستورية. فقال: هذا في مادة تقول لا أعرف ماذا عن زنا الزوجة وما إلى ذلك. نرفعها يا سيدي للدستورية.

الفرق بين الدولة المؤسسية والجماعات الإرهابية التي تسعى لدولة موازية

ولكن هناك فرق بين الجماعات الإرهابية وبين دولة لها هيكلها ومؤسساتها ووضعها.

كل الهذيان والحمق الذي يتصرفون به في قنواتهم الفضائية يرجع إلى أنهم يريدون إنشاء الدولة الموازية والدين الموازي والهرم المقلوب، وكل هذا لا يستمر وسيصطدمون في حائط القدر.

رسالة من طالب أزهري عن غياب العدالة والانتماء داخل الجامعة

[المذيع]: سأرى ما يقوله الناس الآن، أعني الناس الذين على الفيسبوك. بعض الناس يتحدثون، فمثلًا هناك ابن من أبنائي في الأزهر يتحدث عن أنه بالنسبة لنا نحن، الأزهر يقول هو كأنه وطن صغير.

فعندما أشعر أنه لا يوجد احتضان أو لا يوجد عدالة أو ما يوجد نوع من الإحساس بأنني آخذ حقي في التعليم، عدالة في توزيع الدرجات، دائمًا أشعر بعدم الولاء والانتماء لهذا البلد.

هذا شخص سأجيبه، حسنًا سأجيب قبل أن ننسى. لا يا سيدي، لا عليك، سأقول بسرعة هذا. ابننا عماد شعبان...

رسالة عن العدالة البيئية وغياب تطبيق القانون في المناطق العشوائية

[المذيع]: هناك شخص آخر يتحدث عن العدالة في شكلها البيئي. الأستاذ فريد فكري يقول إنه جلس أمام التلفاز وكذلك في جزء الفندق المجاور لنا، فوجد أنه بعد الحادث المؤلم للأسف الذي غرق فيه أبناؤنا وبناتنا في المركب - حادثة الصندل المؤسفة - قال إنه لم يجد الضجة والفوضى التي كانت موجودة أمام التلفاز والأغاني الشعبية - أنا لا أريد أن أسميها الشعبية ولكن الأغاني الهمجية التي كانت تُعزف - والصوت العالي الذي كان يمثل إرهابًا، أي بيئة غير طبيعية.

وبالتالي أرى أنه ليس من العدل أن توجد أماكن تحدث فيها مشاكل فيُطبق فيها القانون، ومناطق أخرى عشوائية وفيها أناس فقراء ومهمشون في الصعيد وفي المناطق الريفية لا يوجد التزام ولا تطبيق للقانون، وهذا ليس عادلًا أيضًا.

حضرتك ترد بسرعة هكذا وتقول ماذا؟ لأن الناس ترى أن هذا أحد أوجه العدل.

رد الوزير على طالب الأزهر وتجربته الشخصية في الوصول لمنصب وزير العدل

[الشيخ]: ابننا الفاضل في جامعة الأزهر قد لا يعلم أنني خريج جامعة الأزهر تمامًا، وبمجهودي وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى أولًا وبفضله اعتليت منصب وزير العدل في قطر هو سيد الأقطار في جمهورية مصر العربية، ليست في دولة كذا أو كذا أو كذا أو كذا.

النعي على أن الناس لا تُمكِّن، هو أن كل واحد يتناول القضية من منظوره الخاص، وقد يكون محقًا، قد يكون على حق. لكنني في الأول وفي الآخر مرتبط بعدد من الدرجات الوظيفية.

أزمة السياسة التعليمية وكثرة كليات الحقوق وعدم القدرة على الاستيعاب

وسياستنا التعليمية التي أوصلتنا إلى حد الغرق، فهي تُنشئ كليات متشابهة تخرج خريجين متشابهي الثقافة والعلم. ربما خمسة عشر أو ستة عشر كلية حقوق، لا أستطيع استيعاب إلا العدد الذي أريده.

ومع ذلك كل الانتقادات التي وُجهت إلى مسألة التعيين - ما قيل منها بحق أو بغير حق - وافق السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على إنشاء مدينة قضائية متكاملة في منطقة شرق القاهرة قريبة من العاصمة الجديدة إن شاء الله.

الأكاديمية القضائية الجديدة ونظام القبول والدراسة التطبيقية

أول ما تضم [المدينة القضائية] هي الأكاديمية القضائية التي ستكون معنية بأمر القبول في النيابة العامة أو الجهات القضائية الأخرى، بعد دراسة لمدة سنتين دراسة تطبيقية وأكاديمية متصلة، ولجان امتحان من خارج القضاء تمامًا.

جميل، من ينجح يُعيَّن ومن يرسب لا يُعيَّن. هذا هو الشق الأول.

سؤال عن استهداف جامعة الأزهر وعلاقة الجماعة الإرهابية بطلابها

[المذيع]: قبل الشق الثاني، مُداخلة أو برقية سريعة من مولانا عن تصور البعض أنه في استهداف لجامعة الأزهر وطلبة جامعة الأزهر؛ لأن هناك قناعة عند المواطنين أنها هي التي خرجت يعني عنف أكثر وإرهاب أكثر.

وأنه يوجد يعني في الجماعة المسماة الجماعة الإرهابية أو جماعة الإخوان طلاب كثيرون في جامعة الأزهر ينتمون فكريًا إليها، وقد ضربوا وأحرقوا، بل ويقال أن بعض الأساتذة كانوا يُدخلون متفجرات وشماريخ في حقائب سياراتهم. هل هذا يعني أن الترصد لأبنائنا [في الأزهر] موجود؟

وأنا طبعًا أرفض. عن كل ما يُقال أحيانًا أنظر لأجد بعض أبنائنا في جامعة الأزهر لا يعجبهم الكلام الذي يُقال في البرنامج، فأنظر لأجد بعض الشتائم. لا عليك يا بني، أنت في سن أولادي، يعني عفا الله عنك وعني، فأنا متصدق بعرضي على كل ما تقوله.

رفض استباحة الدماء والرد على فكر الجماعات الإرهابية

[الشيخ]: نحن ليست لدينا خصومة مع أحد، لكن عندما يتبنى أحدٌ فكرَ استباحة الجريمة وأنها حلال، وأن دماءنا جميعًا - أنا وحضرتك والسيد المستشار وحضراتكم - دماؤنا مستباحة لمجرد أننا نتبنى فكرة سياسية معينة، أعتقد أنه يجب علينا أن نقول لا لهذا الفكر.

[المذيع]: مولانا، هل هناك ترصد [لأبناء الأزهر]؟

[الشيخ]: حضرتك، توجد مشكلة أساسية قبل جامعة الأزهر. جزء من المجتمع يواجه مشكلة أساسية وهي زيادة عدد السكان.

تجاوز الكتلة الحرجة السكانية وأثرها على الخدمات والعدالة الاجتماعية

لقد تجاوزنا ما يُسمى بالإنجليزية Critical Mass وهي نقطة المعادلة أو الكتلة الحرجة. هل تنتبه؟ لقد تجاوزنا الكتلة الحرجة كثيرًا.

فنتج عن ذلك أن الخدمات غير قادرة على الوفاء، وأن العدالة الاجتماعية غير قادرة على الوصول إلى كل فرد، وأن التعليم يعاني من مشاكل إلى آخره.

عندما كنا قليلين كان لدينا خمسة عشر معهدًا أزهريًا. اليوم لدي عشرة آلاف. كان الخمسة عشر معهدًا أزهريًا كله من أوله إلى آخره بالكليات خمسة عشر ألف شخص في سنة خمسين، وكنا حينها حوالي سبعة عشر أو ثمانية عشر مليونًا.

نسبة الجماعة الإرهابية في المجتمع واحد في الألف تاريخياً وحالياً

اليوم ثمانية عشر مليونًا في خمسة يصبحون تسعين مليونًا، يعني نحن كأننا زدنا خمس مرات. الأزهر زاد وأصبح اثنين مليون، يعني خمسمائة ألف في الجامعة ومليون ونصف في المعاهد الأزهرية، بدلًا من خمسة عشر ألفًا. اضربهم في خمسة يصبح خمسة وسبعين، بدلًا من خمسة وسبعين ألفًا أصبحنا اثنين مليون.

إذا كان هذا يعطيني مؤشرًا على أن الأزهر قائم بدوره بنسبة [مقبولة]. الجماعة الإرهابية في أي مجتمع تمثل واحدًا في الألف.

وعندما قبض جمال عبد الناصر على هذه الجماعة الإرهابية، قبض على ثمانية عشر ألف شخص في نصف ساعة، وكنا حينها ثمانية عشر مليون نسمة، أي واحد في الألف بالضبط.

نسبة المتطرفين في الأزهر ضمن الحدود المسموحة وفق المعادلة السكانية

اليوم ونحن تسعون مليون نسمة، فإن الواحد في الألف يعني تسعين ألف، وهؤلاء هم الموجودون في السجن بإذن النيابة. لا، ولا يصلون إلى ربع هذا المبلغ من الناس.

إذا كانت زيادة السكان مشكلة، فيجب علينا أن نذكرها في كل مقام؛ لأنها تكون وراء العدالة المبتغاة والعدالة الناجزة؛ ذلك لأن القضاة أمامهم أكوام من القضايا ويريدون أن يراعوا الله سبحانه وتعالى في أحكامهم.

أبناؤنا هؤلاء الذين ما زال لديهم أمل في مواجهة الفكر بالفكر، هؤلاء ما زالوا واحدًا في الألف. إذا دعوتَ يا مولانا تذهب أنه عندما تضرب الاثنين مليون ستجدهم عشرين ألف شخص، الذين خرجوا كانوا خمسمائة شخص فقط، أي أنني ما زلت ضمن النسبة المسموحة للتأثر بالمجتمع وما فيه تمامًا.

تراجع مستوى العلم عند المتطرفين وعدم جدوى الحوار معهم

الفرق فقط أن فضيلة الشيخ لم يوضح أنك كنت تتحاور معه حقيقةً. كانوا في الماضي بعضهم على علمٍ صحيح فيه تضليل وإضلال، لكن كانت عادةً القاعدة الأساسية أنك تتحاور معه.

الآن أنت عندما تجلس معهم تصبح حلقةً كوميديةً، فهم لا يعلمون شيئًا، وبعد ذلك من بضاعته السب والشتم. أعتقد أن هذا لا يصلح في جامعة الأزهر ولا حتى في جامعة السوربون.

العدالة قائمة في التعامل مع جامعة الأزهر دون تمييز أو حرمان

[المذيع]: الثمانية عشر ألفًا يا معالي الوزير، أخرجهم [عبد الناصر] لأنه وجد أنه لا يوجد شيء [يدينهم]، وبقي ألفان وستمائة من الثمانية عشر [ألفًا]. العدالة قائمة ومستمرة، أليس كذلك حضرتك؟

هل تُعامل جامعة الأزهر معاملة خاصة؟ هل يُحرمون من التغذية؟ هل يُحرمون من المباني الفخمة التي أحرقوها؟ هل يُحرمون من جميع المزايا؟ مصائر!

ألا يكون التعليم الجامعي عندنا مجانًا؟ وهل يُحرمون من المدينة الجامعية التي تأخذ قروشًا معدودة في الشهر لتسد حاجة جزء كبير من أبنائنا القادمين من الريف؟

[الشيخ]: أنا أطمئنك على أن جامعة الأزهر بخير وتسير في الطريق المستقيم، ولكل قاعدة شواذ.

العدالة الاجتماعية والانضباط البيئي وعدم المبالغة في جلد الذات

وأختم بالجزئية الخاصة بالعدالة الاجتماعية في أن حتى الانضباط البيئي، الانضباط في الريف وفي الحضر وفي الصعيد.

أحيانًا نَجلِد أنفسنا - وانتبه لهذا - فنصوّر الأمر المبالغ فيه - لا أريد أن أقول الكاذب - إلى حقيقة. عالِج المشكلة من حيث نشأت.

كيف نشأت العشوائيات؟ وبحق، أنا حينما أنتقل من إقليم إلى إقليم لا بد أن أكون على بيّنة من أمري أن الإقليم الذي سأنتقل إليه فيه فرصة عمل. فلا يصح أن أترك مكانًا ليس فيه فرصة عمل لأذهب إلى مكان ليس فيه فرصة عمل ولا محل إقامة.

شرف العمل والكسب الحلال ومسؤولية الفرد في مشكلة العشوائيات

يعني الذي يبحث عن مصدر رزق يجده مهما تكبد في هذا السبيل من عرق. وأنا أرى أبناء أشرف - ويشرف كل مصري به - طلبة في كليات الطب والصيدلة في الصيف تعمل في البناء، يحمل على كتفيه الإسمنت والزلط والرمل ويكتسب بطريقة شريفة.

إن موضوع العشوائيات يحتاج حلقة خاصة به، تحليل أسبابه. ولكن إلقاء كل الهم وكل المسؤولية على الدولة وكأن هذا الرجل أو الأسرة التي تعيش في العشوائيات بريئة تمامًا من أي إسهامات في هذا الأمر، وأنا أعتبر أن عليهم جزءًا من المسؤولية.

الحاجة إلى الأمن والتنمية والتوزيع العادل للثروة

نحتاج إلى الأمن لكي تكون هناك تنمية، ولكي يكون هناك استثمار، ولكي تكون هناك فرص عمل، ولكي نستطيع أن نعمل ونوقف منفذ الاستيراد المفتوح هذا. هذا مشروع واحد من مشاكلنا الكبيرة أننا لا نسميها بأسمائها.

الصحيح تمامًا، ونحن نخاف من هذه الفئة ونخشى هذه الفئة ونحسب حسابًا لهذه الفئة. وإذا تحدث أحدٌ لا يعرف أن الحق أحقٌ أن يُتبع، فحسنًا، شكرًا.

إذا كنت تريد أن تبحث عن مشكلة العشوائيات بحق وتريد أن تقضي عليها، فهناك مسؤولية على الشخص، وأنا أقول ذلك بملء فمي ولا أخاف. الأهم أن يكون هناك توزيع عادل للثروة، وتوزيع عادل للتنمية ونتائجها، وتوزيع عادل للمال والثروة أساسًا.

أهمية حسن الإدارة والثروة البشرية وبرقية أخيرة عن العدالة

[المذيع]: ليست هناك فضيلة للإمام، فضيلة الإمام نحسن الإدارة، فضيلة الإمام شرح وقال إننا زدنا كم ضعف. الدولة وهي تعاني وتأن، ثروتك البشرية [هي الأساس]، التعليم قضى عليه.

برقية أخيرة يا مولانا، لو سمحت أن نختم بها قضية العدالة، برقية من جملة واحدة.

[الشيخ]: كما قلت: العدالة هرم على رأسها القضاء، كما قلنا أن العدل هو أساس الملك، كما قلنا أن العدل اسم من أسماء الله تعالى، وقلنا أن العدل ممكن لأن الله قد أمر به:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ﴾ [النحل: 90]

[المذيع]: شكرًا مولانا، جزاكم الله كل خير.

كلمة الوزير الأخيرة عن نذر نفسه للوطن وتطوير الشهر العقاري

[المذيع]: سيادة الوزير، جملة أخيرة توجهها للمشاهدين مع وعد، أي إنجاز في العدالة أن ننجزها بشكل صحيح.

[الشيخ]: أنا نذرت نفسي لهذا الوطن طالما كنت على قيد الحياة. أنا وغيري في الدولة كثيرون لا تُلقى عليهم الأضواء ولا ينبغي أن تُسلط عليهم الأضواء حتى لا يكون العمل فيه رياء يفسده.

نعمل لما يقرب من عشرين ساعة في اليوم. وقضية اليوم الذي أرضى فيه الناس، رضي البسطاء قبل الأغنياء، رضي عن المحاكم أنه ذهب فوجد محكمة نظيفة، جلس على كرسي واستقبله موظف محترم، لم يطلب منه أحد أن يدفع قرشًا.

دخل على قاضي الشهر العقاري - نحن نفعل فيه المستحيل الآن - خلال ثلاثة أشهر إن شاء الله سترى شهرًا عقاريًا نموذجيًا على مستوى مصر كلها. سيكون نموذجيًا إن شاء الله، كله سيكون نموذجيًا بإذن الله.

خطة الوزارة الطموحة واهتمام الرئيس بجوهر العدالة وشكلها

[المذيع]: شكرًا جزيلًا. حضرتك ذكرت لي شيئين كنت أتحدث عنهما: العدالة الناجزة، وإنجاز الثورة التشريعية، وموضوع المحاكم والشهر العقاري والفرص والعدالة التي أمام كل الناس.

أنا أعرف أن هناك كثيرًا من الملفات. الخطة طموحة، فيها إخلاص، فيها عزيمة، وفيها أيضًا اهتمام من رأس الدولة بها، أي الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولا أقول فيه إلا ما يرضي ربنا، لا نزكيه على الله.

وكما قال لي بنفس النص: أحزن عندما أرى محكمة من الخارج شكلها ليس جميلًا، فما بالك عندما يتعلق الأمر بجوهر العدالة؟

حسنًا، إن شاء الله سنحسن ما نستطيع في الظاهر والباطن، وعلى الله قصد السبيل. مهمة ومسؤولية ثقيلة، نتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يعينكم عليها.

ختام الحلقة والشكر للضيوف والمشاهدين والتطلع لمستقبل مصر

[المذيع]: شكرًا سيادة المستشار أحمد الزند وزير العدل، شكرًا مولانا العالِمُ الجليلُ الدكتورُ علي جُمعة. شرّفتمونا في الملتقى، كُنّا سُعداءَ بهذه الاستضافةِ من نادي القُضاة.

أشكرُ الحضورَ الكِرام، وأشكرُ كُلَّ مَن تابَعَنا على الشاشة، وكُلَّ التعليقات التي وصلَتْني على صفحتِنا على الفيسبوك. الإعلامي علاء بسيوني في الملتقى، أنتظرُ دائمًا مُداخلات وتعليقات وأسئلة حضراتِكم.

إن شاء الله سيكون هناك أيضًا عبر تويتر تعليقات وتغريدات لحضراتكم، ونستطيع أن نتواصل على الهواء مباشرة؛ لأنه يهمنا جدًا هذا التواصل، وهذه الآراء هي التي توجه اتجاهاتنا في عرض القضايا والإشكاليات والمشاكل الاجتماعية.

أنا أعلم أن هناك مشاكل كثيرة في مصر، ليس لأن مصر بلد سيء، ولكن لأن مصر بلدٌ طموح، وبالتالي فإن البلد الطموح تحدياته أكبر من البلاد العادية. الهمُ كبيرٌ نعم، لكن الله أكبر، وإن شاء الله بجهد المخلصين سنصبح غدًا أفضل.

ولعل بادرة افتتاح قناة السويس بما تحمله من أحلام وردية - إن شاء الله - بالعمل وليس بالكلام فقط، تحمل الخير لبلدنا مصر بكل أحلام الغد المشرق بإذن الله تعالى.

أراكم على خير، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.