برنامج مصر أرض الأنبياء الحلقة الثالثة | قصة سيدنا إبراهيم ج1
- •سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء وخليل الرحمن، ولد في أور الكلدانيين بشرق تركيا حاليًا قبل نحو ألفي سنة قبل الميلاد.
- •اشتق اسمه من معنى "أب رحيم"، حيث كانت الرحمة أساس شخصيته وتعامله مع الآخرين، ومنها تولد الحب والعطاء والتفكر.
- •أُلقي في النار من مكان مرتفع بواسطة المنجنيق بعد أن جمع قومه الحطب لحرقه، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا.
- •اتصف بالبر بوالديه رغم شركهم، وكان مستقيمًا "حنيفًا" في تفكيره وتدبره.
- •حاجج النمرود بقوله: "ربي الذي يحيي ويميت" فقال النمرود: "أنا أحيي وأميت"، فرد إبراهيم: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب"، فبُهت النمرود.
- •هاجر إلى مصر مع زوجته سارة التي شهدت معجزة تحول التراب إلى طعام بقدرة الله.
- •تمثل سيرته دروسًا في الإيمان والتفكر والصبر والحكمة والرحمة.
مقدمة برنامج مصر أرض الأنبياء وتقديم سيرة إبراهيم عليه السلام
[المذيع]: سيرة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ستكون محطتنا الثانية في مصر أرض الأنبياء؛ سنتعرف على سيرة خليل الله إبراهيم، وسنتعرف على الكثير من الصفات التي فيها العقل، التي فيها التفكر والتأمل والتدبر في خلق الله، حتى يهتدي إلى الإله الواحد سبحانه وتعالى.
حتى فكرة أن يكون عطوفًا ورحيمًا بوالده الذي كان على الشرك وكان يعبد غير الله؛ هناك الكثير من الصفات التي سنتعرف عليها بكل تأكيد في هذه الرحلة في مصر أرض الأنبياء.
﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا﴾ [مريم: 41-42]
إبراهيم أبو الأنبياء؛ له نصيب من اسمه، فهو أب رحيم، وهو خليل الرحمن، ومن أولي العزم من الرسل. آتاه الله سبحانه وتعالى رشده في صغره، وابتعثه رسولًا واتخذه خليلًا في كبره.
أول دعوته كانت لأبيه؛ دعا إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، ولما عاند قال له: «سلام عليك، سأستغفر لك ربي». كان حليمًا في محاجاته لقومه، مؤمنًا بهداية الله لهم رغم تواعدهم له وإلقائه في النار، فكانت بردًا وسلامًا كما قال ربنا سبحانه وتعالى.
﴿سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الصافات: 109]
تقديم المذيع للبرنامج والترحيب بفضيلة الدكتور علي جمعة
[المذيع]: مساء الخير على حضراتكم، ونرحب بكم ونلتقي مرة أخرى في هذا اللقاء الطيب المبارك الذي نتحدث فيه مع فضيلة الدكتور علي جمعة حول مصر أرض الأنبياء.
هذا البرنامج الحالي من أول حلقة ونحن نتتبع العلم ونتتبع الروايات الشعبية في سير أنبياء الله الذين عاشوا وقدموا إلى مصر. كنا نتحدث في الحلقتين السابقتين عن نبي الله إدريس، وتعلمنا من فضيلة الدكتور الكثير في حياة سيدنا إدريس عليه السلام وعلاقاته بمصر.
اليوم سنتحدث إن شاء الله عن نبي آخر وهو أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم؛ وأولًا: من هو سيدنا إبراهيم، وكيف عاش، وما هي صفاته، وأشياء كثيرة إن شاء الله، إلى أن نصل إلى علاقة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بمصر.
اسمحوا لي أن أرحب بفضيلة العلامة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بحضرتك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بفضيلتكم، شكرًا جدًا مولانا.
سؤال عن سيرة سيدنا إبراهيم في المجمل وإجابة الشيخ بمولده وحياته
[المذيع]: نتحدث الآن عن أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم، وحينما يُذكر اسم سيدنا إبراهيم تأتي في الذاكرة الكثير من الدروس، تأتي الكثير من المعاني الروحانية لأبي الأنبياء. فكيف يرى في المجمل وفي البداية فضيلة الدكتور علي جمعة سيرة نبي الله إبراهيم عليه السلام؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
كانت مصر قد تشرفت بمقدم سيدنا إبراهيم مع زوجته السيدة سارة عليهما السلام، ولكن سيدنا إبراهيم وُلِدَ في منطقة تسمى بأور الكلدانيين، وأور الكلدانيين الآن من ناحية الخريطة السياسية تقع في شرق تركيا.
وطبعًا حينئذ في الزمن الأول؛ لأن سيدنا إبراهيم عاش نحو ألفي سنة قبل الميلاد تقريبًا، فهو في هذه الدنيا كانت الدنيا ليس فيها هذه الحدود السياسية المعروفة الآن، ولا فكرة الدولة القومية أو الدولة الحديثة التي نشأت فيما بعد.
موقع أور الكلدانيين ومدينة مولد سيدنا إبراهيم عليه السلام
كان [سيدنا إبراهيم] في منطقة هناك تسمى أور؛ أور هي كأنها منطقة أو قرية أو مكان ما، مثل مدينة أو ما شابه ذلك. أور الكلدانيين؛ لأن هؤلاء الكلدانيين قد عبروا من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين التي هي فلسطين حاليًا.
فقد وُلِدَ سيدنا إبراهيم في أور الكلدانيين، في أورفه الآن، في مدينة بالتحديد ما زالت تُسمى حتى الآن مدينة الأنبياء، وهي غازي عنتب. طبعًا في شمال سوريا، بينها وبين حلب أيضًا مسافات بسيطة بالنسبة للمسافات الجغرافية.
وقد حدثت حادثة إلقائه في النار ونجاته منها أيضًا في هذه المدينة؛ هناك المكان الذي أُلقي منه إبراهيم وهو مكان مرتفع شبيه بقلعة صلاح الدين عندنا، مثل جبل المقطم هكذا، أي مثل جبل - أعني مثل مسجد محمد علي والقلعة في الأعلى بالضبط.
وصف مكان إلقاء إبراهيم في النار وجمع الحطب لإحراقه
وفي الأسفل يوجد الميدان الذي في مسجد السلطان حسن والسلطان الرفاعي والشيخ علي أبو شباك، فانظر إلى هذا الارتفاع كله؛ هذا هو المكان الذي أُلقي منه إبراهيم من الأعلى. ما زال هذا المكان موجودًا إلى الآن، وما زال المكان الذي أُوقدت فيه النار موجودًا.
لأنهم يقولون إنهم جلسوا سنوات وهم يجمعون الحطب لإبراهيم حتى يُحرق. وكانت المرأة فيهم - في هؤلاء القوم المشركين - تقول نذرًا للإله الذي يعبدونه: «إن حققت لي الطلب الفلاني، فسأجمع طنًا من الحطب لأجل حريق إبراهيم».
للدرجة هذه كان هناك غل وحقد من قوم سيدنا إبراهيم المشركين عليه؛ مسألة دعوته وهو ما زال في الصغر. وهو ما زال في الصغر، وهو - سمعنا - فتى يُذكر يُقال له إبراهيم.
قصة إلقاء إبراهيم في النار بالمنجنيق ومعجزة نجاته
ففي أور الكلدانيين حدث هذا، وحدث أنه أُلقي من العلو هذا إلى الساحة الكبيرة هذه؛ الساحة الكبيرة كلها كانت مشتعلة نارًا.
﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]
إذن أول من صنع المنجنيق صنعه حتى يُلقى منه إبراهيم، وفكرة هذا المنجنيق هي فكرة الرافعة البسيطة؛ وهي أنه سيوضع في كفة هنا وسيضربونه هكذا، فترتفع جثة إبراهيم - أو جسد إبراهيم عليه السلام - ويقع في النار التي هي مشتعلة في ما يشبه الميدان كله من هذا العلو كله.
فهناك هذه النار ستحرق، وجسمه سيتحطم ويتكسر.
﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]
لكن ليس بردًا فقط، وسلامًا على إبراهيم؛ حيث إن إبراهيم عندما أُلقي في هذه النار نزل سليمًا. سبحان الله! هذه معجزة رآها كل واحد منهم بعيني رأسه؛ إنها لا تحتاج إلى كلام، لأنها كما تقول: الإله يتكلم. سبحان الله!
رواية إيمان آزر وأم إبراهيم عند رؤية معجزة النار وبقاؤه فيها أربعين يوماً
حتى قيل إن مولانا - أنا آسف للمقاطعة - يقال إن أباه أو عمه، يعني آزر، قال له: «نعم الرب ربك يا إبراهيم». يعني لا أعرف ما مدى صدقية هذه المقولة، قالها وهو في الأعلى ينظر إليها.
هو وأمه في الأعلى؛ أم إبراهيم، ويقول السعيدي أنها كان اسمها نونة. نعم، لأن إبراهيم ابن تارح - قوم يسمونه في الكتاب المقدس تارح - الذي هو سماه القرآن آزر، ومعه زوجته التي هي أم إبراهيم.
فأم إبراهيم عندما رأت ابنها هكذا قالت له: «خذني معك»، فسقطت من ذلك العلو عطفًا على ابنها من النار. وهكذا، واستمرت هذه النار مشتعلة أربعين يومًا وإبراهيم يخرج منها، وقال بعد ذلك: «لم أعش أيامًا أسعد من هذه الأيام».
الله سبحانه وتعالى سقاه، والناس جالسة فوق تتفرج كل يوم؛ إنها كانت معجزة بكل المعاني، لا أحد قادر على النزول، والذي سينزل سيحترق حقًا، وإبراهيم في برد وسلام.
دلالة معجزة النار وهجرة إبراهيم بعد انعدام التفاهم مع قومه
برد وسلام؛ يعني ليس فقط أنه لم يحدث ضرر، بل برد وسلام. نجا من المنجنيق حقًا، ونجا من الارتفاع والتكسير، ونجا من النار، وأنقذه [الله] من المدة التي جلسها حتى تركوه.
نعم، لم يكونوا ليتركوه؛ فكل هذه المعجزات جعلت سيدنا إبراهيم في المكانة العليا. وبالرغم من ذلك لم يعد هناك تفاهم ولا قدر مشترك بينه وبين قومه، فهاجر.
وكانت الهجرة هي مفتاح الحل دائمًا لبداية جديدة لحياة جديدة.
[المذيع]: حسنًا مولانا، أستأذن فضيلتكم، بعد الفاصل سنتحدث عن هذه الصورة وهذه المجادلة والحوار الشيق الذي يمتلئ بالقيم والمعاني بين سيدنا إبراهيم وبين النمرود، عندما دعا سيدنا إبراهيم إلى التوحيد وإلى عبادة الله الواحد، وما الذي يمكن أن نستخلصه إن شاء الله من هذه القيم، ونحن نرحب بفضيلة الدكتور.
سؤال عن حوار إبراهيم مع النمرود وقصة اهتدائه للتوحيد
[المذيع]: مولانا، تحدثنا في الجزء الأول من الحلقة عن بدايات سيرة سيدنا إبراهيم وحياته وإلقائه في النار، وسننتقل طبعًا إلى قصة النمرود والحوار الكبير الذي دار بينه وبين النمرود. كيف ترى هذا الحوار؟ وحتى في البداية، قصة اهتداء سيدنا إبراهيم للتوحيد هي قصة تحتاج منا التأمل والاكتساب منها.
[الشيخ]: الإيمان هو أن يستطيع مواجهة بهذه الحجة ملكًا جبارًا ومتكبرًا بحجم النمرود، مما يعني أنه بالتأكيد كان هناك قناعة وإيمان عميق بداخله.
سيدنا إبراهيم قيل أنه سُمي هكذا لأنه كان أبًا رحيمًا؛ فاسم إبراهيم يعني «أب رحيم»، والأب الرحيم معناه أن الذي يحركه الرحمة. والرحمة إذا لاحظنا عندنا في القرآن نجدها أنها البداية:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
نجدها هي البداية؛ أول حديث نعلمه للتلاميذ:
«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
إذن فالذي كان يحرك هذا النبي الكريم هو الرحمة.
الرحمة أصل صفات إبراهيم وكيف تولد الحب والعطاء والتعقل والحكمة
الرحمة يتولد منها الحب، والحب يتولد منه العطاء؛ الحب عطاء، يقول لك هكذا هو طبعًا الحب والعطاء، وجاءني لجعله واحدًا. والعطاء يتولد منه التفكر والتعقل والحكمة.
كل هذا يأتي من الحب؛ عندما يحب شخص ويفكر، تجده عندما تُعرض عليه مسألة يعتذر لها ويعطيها احتمالات، ويصبح مثل القاضي - نفسية القاضي - في هذه المسألة: أن يفكر ويتأمل ويعتذر ويدرس الأمور من كل ناحية.
وهذا هو الذي نسميه بـالتعقل والتفكر والحكمة وإلى آخره؛ كل هذا آتٍ من العطاء، الذي هو آتٍ من الحب، الذي هو آتٍ من الرحمة.
هذه الرحمة جعلته بارًا بوالديه، جعلته متأملًا في الكون، جعلته رافضًا لما هو ضد العقل والمنطق الذي منحه ربنا سبحانه وتعالى؛ خُلِقنا عليه. يريد أن يلفت الناس إلى التعقل وإلى التفكر، فلم يؤذِ أحدًا، وإنما ذهب للأصنام التي لا تشعر ولا تحس ولا تفكر، وهي أصلًا صنعة، وهي أصلًا فتنة، فكسَّرها.
حجة إبراهيم في كسر الأصنام ورحمته بأبيه رغم تهديده بالرجم
ولما سُئِل [إبراهيم عن كسر الأصنام] قال:
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]
«لعلهم يرجعون، لعلهم يفكروا»؛ لكي يُرجعهم ثانيةً. كل هذا لأنه أبو رحيم.
[المذيع]: طيب يا مولانا، فهذه الرحمة حتى عندما قال له أبوه:
﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا إِبْرَاهِيمُ لَأَرْجُمَنَّكَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 46]
فما كان رد سيدنا إبراهيم إلا أن قال له:
[الشيخ]: «سأستغفر لك ربي»؛ هذا الاستغفار الذي كان يقوم به مع أبيه هو من صلة الرحم، وأكثر من ذلك أنه أخذه معه في الهجرة؛ أخذه معه في الهجرة، أخذ سارة وأخذ أباه وأخذ لوطًا وأخذ أمه وذهب سائرًا بهم.
بالرغم من أنه حتى بعد ذلك نُهي عن أن يستغفر لأبيه؛ لأنه كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه أخذه.
وفاء إبراهيم وبره بالوالدين وكراهية الفعل لا الفاعل
وإبراهيم الذي وفى؛
﴿وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ﴾ [النجم: 37]
ذلك لأنه كان محلًا لرضا الله سبحانه وتعالى عنه من هذا البر بالوالدين، من هذا البر للأقارب.
كراهية الفعل وليست كراهية الفاعل؛ وهذه حكمة من هذا التدبر والتأمل في الكون والمنطق الذي مكّنه حينئذ أن يتكلم مع النمرود بهذه الحجج.
[المذيع]: نعم، صحيح، صحيح.
[الشيخ]: طيب، ذُكر سيدنا إبراهيم في القرآن الكريم بأنه كان حنيفًا مسلمًا.
[المذيع]: نعم، نتوقف عند هذا المعنى حنيفًا مسلمًا.
معنى كلمة حنيفاً في اللغة العربية والأفعال السلبية
كلمة حنيفًا عندنا أفعال في اللغة العربية تسمى الأفعال السلبية، والأفعال السلبية هذه ما معناها؟ معناها أنها تعطي عكس المعنى.
ماذا تعني حنفة؟ تعني إعوج؛ حنف بمعنى اعوجاج.
[المذيع]: نعم، وماذا عن تحنف؟
[الشيخ]: تحنف تعني استقام.
[المذيع]: يبدو أنها حنفية، نسميها الحنفية لأنها معوجة، معوجة لأنها مشتقة من كلمة حنف بمعنى اعوجاج.
[الشيخ]: نعم، بمعنى اعوجت.
[المذيع]: حسنًا، عندما تدخل عليها تحنف.
[الشيخ]: نعم، تصبح بمعنى الاستقامة؛ فعندما نضيف التاء «تحنف» يصبح معناها استقام، أي سُلب منه الحنف، سُلب منه الحنث.
[المذيع]: نعم، أي أخلف وعده.
[الشيخ]: صحيح، تحنث تعني وفى بوعده؛ هذه هي اللغة العربية جميلة، فهذه يسمونها تاء السلب أو الأفعال السلبية.
أمثلة على الأفعال السلبية في اللغة العربية كهجد وتهجد
هَجَدَ يعني نام، وتَهَجَّدَ يعني استيقظ وصلى، أي لم ينم؛ فإذن التاء هنا نفت وسلبت النوم، والتاء هنا نفت وسلبت الاعوجاج.
حنيفًا مسلمًا يعني مستقيمًا؛ وما هو الخط المستقيم؟ معناه أقصر مسافة بين نقطتين؛ لأنك أنت لو صنعت قوسًا هكذا ستكون المسافة أطول، لكن هذا أقصر مسافة.
فما الذي يأتيك؟ لِمَ لا تكون مباشرًا هكذا؟ يقول لك الناس وهم يتحدثون مع بعضهم: «لِمَ لا تكون مباشرًا يا أخي، مستقيمًا مستقيمًا، كن مستقيمًا هكذا».
كلمة مستقيم هذه بالفارسية، ومباشر هذه بالإنجليزية، لكن كن مستقيمًا ما تكن حنيفًا أنت! لماذا تلتوي وتدور؟ من أين يأتي هذا؟ من استعمال العقل.
وهنا استطاع [إبراهيم] أن يجادل النمرود.
حجة إبراهيم على النمرود بالشمس وعنصر التوفيق الرباني في الجدل
النمرود - ربنا سبحانه وتعالى أقام عليه حجة كبيرة جدًا مع إبراهيم - لأنه قال له ماذا؟
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258]
ويصبح إذا عندما تتأمل في الآية تجد أنه من الممكن أن النمرود كان يستطيع الرد عليه، لكن الله صرفه عن الإجابة وجعل إبراهيم يكون في هذا الموقف؛ هنا عنصر التوفيق الرباني، وليست مسألة رص كلام وأدلة وما إلى ذلك، بل هو توفيق من الله.
كيف كان يفعل؟ يقول له: «أأنت به؟ فها هو الله يهيئ الأمور من الشرق، هنا هاتها أنت من المغرب». حسنًا، لقد كان يقول له: «حسنًا اجعل ربنا يُطلعها من المغرب، اعكسها اعكسها، واجعل ربك هذا الذي أنت تتحدث عنه هو الذي يفعلها هكذا».
لكنه لم يستطع أن يقول هذا الكلام؛ إنه جالس يفكر في ذات الشيء لأنه مغرور وذاته عالية، أنانيته عالية جدًا، فتنصمت عليه ولم أهدئه.
الدرس المستفاد من موقف النمرود وقصة النمرود مع إبراهيم والطعام
فيكون علينا أن نتعلم من ذلك أن المسألة ليست مسألة ترتيب كلام، بل المسألة مسألة قبول وتوفيق من عند الله.
من الروايات التي وردت في الكتب في شأن هذا النمرود أنه كان يوزع الطعام وكان محتكرًا للطعام، فإبراهيم وسارة وأبوه - وإذا أراد أن يأكل فذهب إليه - وهو جالس يتحكم في خَلق الله ويفعل هكذا.
لقد أجرى معهم هذا الحوار لأنه كان يقول لهم - كأنه يقول لهم مثل فرعون عندما قال في مصر:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
وأنا الذي أطعمكم وأنا الذي أسقيكم وأنا يمكنني أن أمنع عنكم الطعام.
فدخل إبراهيم معه في هذه الجدلية أو هذا الحوار:
﴿أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]
ودخل الآن ودخل في هذا، وبعد ذلك ذهب من غير طعام؛ لم يرضَ أن يعطيه، قال له: «حسنًا جزاءً لك أنا لن أعطيك طعامًا حتى أرى من أين ستأكل».
معجزة تحول التراب إلى طعام لإبراهيم وسارة وختام الحلقة
فذهب إبراهيم؛ انظر إلى الصدق الآن وكيف يفعل مثلما ربنا [أعطاه] نجاة من النار كما نجّاه الله من الارتفاع والسقوط. أخذ بعض التراب ووضعهم في الشوال، ثم وضعهم على دابته وعاد حتى تطمئن سارة قليلًا أنه عائد إليهم.
وعندما وصل نام، ففتحت سارة الشوالين الموجودين فوجدتهما طعامًا. سبحان الله! سبحان الله! هذه المعجزات التي كانت تجري على يد الأنبياء كانت تجعل الناس ترى الله وهو يطعمني ويسقيني.
[المذيع]: نعم يعني هذا، نعم صحيح، وإذا مرضت فهو يشفين.
[الشيخ]: فالله سبحانه وتعالى هو الذي أطعمه جزاء هذا التعقل والتفكر والتدبر والعلم والجرأة أنه يتكلم هكذا مع حضرة من بيده مقاليد الأمر حينئذ في ظاهر الأمر. ولذلك في النهاية وجدت هذا، فلما استيقظ رأى المُشَمَّر والمُحَمَّر والمُؤَمَّر، قال: «ما هذا؟ أأنت جلبت هذا الطعام؟» قالت له: «بل أنت الذي أحضرته، الذي كان على الدابة في الحقيقة». سبحان الله.
فإذا نظرت إلى هذه الحياة بهذه الكيفية، ترى فيها أخلاق سيدنا إبراهيم الذي هو في النهاية أب رحيم.
[المذيع]: نعم، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. شكرًا جزيلًا فضيلة الدكتور، جزاكم الله كل خير، شكرًا لكم، شكرًا جزيلًا لفضيلتكم. وإن شاء الله نلتقي غدًا بإذن الله في حلقة جديدة نستكمل فيها سيرة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولكن هذه المرة مرتبطة أيضًا بمصر هذه الأرض الطيبة، أراكم على خير إن شاء الله، إلى اللقاء.
