برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة التاسعة | قصة سيدنا يوسف الجزء الثاني - شخصيات إسلامية, مصر أرض الأنبياء

برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة التاسعة | قصة سيدنا يوسف الجزء الثاني

25 دقيقة
  • يتناول النص قصة نبي الله يوسف عليه السلام في مصر بعد أن ألقاه إخوته في الجب وباعوه بثمن بخس لا يتجاوز ثلاثة دراهم معدودة.
  • اشتراه عزيز مصر (رئيس الوزراء) بمبلغ كبير من الذهب وطلب من زوجته إكرام مثواه وتربيته تربية حسنة.
  • بقي يوسف في قصر العزيز حتى بلغ أشده (حوالي 25 سنة) وأصبح رجلاً قوي البنية، ذا جمال فائق ورث بعضه من سارة وحواء.
  • راودته امرأة العزيز (راعيل أو زليخة) عن نفسه وهمت به، وكاد أن يهم بها لولا أن رأى برهان ربه.
  • حاولت اتهامه كذباً بمراودتها عندما هرب منها، فقالت: "ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن".
  • دعت نساء المدينة بعد انتشار خبر افتتانها به، فقطعن أيديهن من شدة جماله حتى قلن: "ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم".
  • تحتوي قصة يوسف على عبر اجتماعية ونفسية وتربوية وقضائية وسياسية كثيرة.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

مقدمة عن محن سيدنا يوسف في مصر وجماله الذي سبب له المتاعب

بقاء سيدنا يوسف في مصر ورحلته فيها لم تكن مفروشة بالورود؛ فرغم أنه نشأ في قصر عزيز مصر بعد أن ألقاه إخوته في غيابة الجب، لكن هذا البقاء سبّب له الكثير من المتاعب.

ربما أيضًا جمال سيدنا يوسف سبّب له الكثير من المتاعب التي سنراها إن شاء الله في هذه الحلقة؛ بسبب أن امرأة العزيز افتُتنت به، وبسبب هذا الجمال أيضًا قطّع نساء مصر أيديهن بعد أن رأينه وأكبرنه.

وبسبب هذا الجمال الفائق لنبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام - أسفًا - حُبس في السجن. سنتحدث في مصر أرض الأنبياء في هذه الحلقة عن هذه الرحلة وهذه المحن التي تعرّض لها سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام.

تلاوة آية شراء يوسف وعصمته من مراودة امرأة العزيز

﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]

اطمأن قلب يوسف لنعم الله، فعصمه من مراودة امرأة العزيز عن نفسه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب. وغلّقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنّعت، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها.

ويوسف شابٌّ بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبيٌّ من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء وحماه عن الشهوة، فهو سيد النجباء.

﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يوسف: 24]

ترحيب المذيع واستكمال قصة بيع سيدنا يوسف بثمن بخس

[المذيع]: نرحب بكم حضرات المشاهدين الكرام لنستكمل هذه الرحلة من أرض الأنبياء وبرنامج مصر أرض الأنبياء. نستكمل هذه الرحلة والمسيرة لأنبياء الله الكرام والرسل الكرام الذين جاءوا إلى أرض مصر. نستكمل مع فضيلة الدكتور علي جمعة قصة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه أُلقي في الجب وتأملنا ذلك في الحلقة السابقة، ومن ثم جاءت القافلة واشتروه بثمن بخس.

فضيلة الدكتور، السلام عليكم.

[الشيخ]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا بفضيلتكم.

[المذيع]: أهلًا وسهلًا مولانا. توقفنا عند نقطة مشوقة في الحلقة الماضية، وحضرتك ذكرت وتفضلت بأن هؤلاء المسافرين اشتروا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام بثمن بخس من إخوته الذين عادوا إلى الجب.

[الشيخ]: نعم، مرة أخرى.

كيف ذهبوا بسيدنا يوسف إلى مصر وصفات جماله الموروثة

[المذيع]: حسنًا، بعد أن باعوه بهذا الثمن البخس، وخصوصًا هذا الرجل الذي جاء من الحجاز مثلًا، أو من منطقة مكة، أو من قلب الجزيرة العربية، كيف ذهبوا به إلى مصر؟ ولماذا ذهبوا به أساسًا إلى مصر؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كان يوسف قد أُوتي شطر الحُسن إن صح التعبير؛ كان سيدنا يوسف جميلًا جدًا.

وكما ورد في بعض الروايات الشعبية أنه كانت عيناه كبيرتين، وكانت بين حاجبيه شامة، وعلى خده خال، وكانت كل هذه من علامات الحسن والجمال. أبيض الوجه، وقد ورث هذا الجمال من سيدتنا سارة التي كانت قد ورثته من سيدتنا حواء حقًا، وحواء كانت شيئًا مختلفًا تمامًا من الجنة.

بيع سيدنا يوسف بثمن بخس دراهم معدودة وقيمتها الحقيقية

فالمهم أنهم عندما باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، يعني درهمين أو ثلاثة دراهم، أي ثلاث دراهم معدودة، يعني خذها: واحد، اثنان، ثلاثة.

من الذي اشتراه؟ اشتراه إخوة يوسف عندما رجعوا - في الشرح هكذا في التفسير - فلما رجعوا وجدوه أنهم [أي القافلة] أخذوه، قالوا له: على فكرة، هذا العبد خاصتنا. قال لهم: حسنًا، خذوا نقودًا فيه واشتريه هنا.

فدفع ثلاثة دراهم، الدرهم اثنان جرام وتسعة من عشرة فضة، يعني يقول ثلاثة جرام، فيكون تسعة جرام فضة. جرام الفضة اليوم بسبعة جنيه، فتسعة في سبعة بثلاثة وستين جنيهًا. يعني باعوه بأقل من مائة جنيه.

﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ [يوسف: 20]

لأنه أصلًا ثلاثة وستين جنيهًا هذه لا تكفي لوجبة غداء ولا تكفي لوجبة عشاء للشخص.

من هو عزيز مصر وكيف بيع يوسف في سوق مصر بالمزاد

[المذيع]: طيب مولانا، بعد أن ساروا به إلى مصر، كيف بيع للعزيز؟ والسؤال أيضًا: من هو هذا العزيز، رئيس وزراء مصر؟

[الشيخ]: كلمة العزيز هي مصطلح ومعناه رئيس وزراء مصر. كانوا يسمون الملك فرعون، ويسمون العزيز رئيس وزراء مصر.

فلما ساروا به إلى مصر نزلوا بالسوق؛ لأن ملك بن ذعر هو الذي أخذه ودفع فيه هذه الدراهم، وهو والدهم الذي ذهب وقال: هذا الطفل يخصني. أي لجمال يوسف وعمره اثنا عشر سنة أو ثلاثة عشر سنة، وعليه ملامح تدل على أنه ابن أناس حقيقيين [من أصل طيب]، فقال: سأبيعه وسأبيعه بمبلغ جيد.

مزاد بيع يوسف في السوق وشراء العزيز له بدنانير ذهبية

في هذا المجال كان عزيز مصر نازلًا إلى السوق حينئذ. أحد الأشخاص الذين في السوق قال: لا، أنا... لا، أنا... قد عملوا عليه مزادًا. فلما عملوا عليه مزادًا قالوا: حسنًا، هذا الشخص سنزنه فضةً على سيدنا يوسف وزنًا، وليس دراهم معدودة.

﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ [يوسف: 20]

أصبح الوزن الخاص بقى فضة. الثاني قال: لا، سأزنه مسكًا، سأزنه هكذا مسكًا. انظر، هو مثلًا عنده ثلاثة عشر سنة أو عنده ستة وخمسون كيلو، خمسون كيلو، أي خمسون كيلو فضة أو خمسون كيلو مسك. خمسون كيلو مسك، بدأنا هنا بماذا؟ بالزيادة، بالضبط.

ثمن شراء العزيز ليوسف بأربعين ديناراً ذهبياً وقيمتها اليوم

فجاء العزيز وقال: أنا سأدفع فيه ما تتفقون عليه، أنا الذي سآخذه وبالدينار الذهبي. ودفع فيه دنانير ذهبية كثيرة، قيل إنها أربعون دينارًا.

أربعون الدينار هو أربعة جرامٍ وربع من الذهب الخالص عيار واحد وعشرين. هل تعرف هذا الكلام؟ هكذا أربعون دينارًا يعني كم؟ يعني مائة وسبعين جرامًا من الذهب.

فيصبح لدي مائة وسبعين جرامًا من الذهب، أقسمهم على ثمانية، مائة وستين على ثمانية، سيكونون عشرين جنيهًا ذهبيًا. بكم سعر الجنيه الذهبي اليوم؟ بخمسة آلاف وخمس مائة جنيه. خمسة آلاف في عشرين تساوي كم؟ خمسة آلاف في عشرين تساوي مائة ألف جنيه.

فهو دفع فيه مائة ألف جنيه نقدًا على الطاولة، بعد أن كانوا ستين أو سبعين جنيهًا في الثلاث دنانير الفضة.

[المذيع]: نعم، الدراهم التي هي خاصة بإخوته تلك.

معنى أكرمي مثواه وتربية يوسف تربية الولد في بيت العزيز

﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ﴾ [يوسف: 21]

هذا الولد كريم النسب. تأمل كلمة أكرمي مثواه، أي وفّري له مكانًا جيدًا ينام فيه، واجعلي له مكانًا للطعام الطيب ليأكله، وهكذا إلى آخره. فهذه ليست معاملة عبد بصيغتها في هذه الفترة أبدًا.

ولذلك قال لها مباشرة:

﴿عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: 21]

ولماذا قال أو نتخذه ولدًا؟ وقد تزوجها منذ عدة سنوات ولم ينجبا. يأمل أن ينجب؛ الناس الذين لا يأتيهم إنجاب عندهم أمل أن الله سيرزقهم. وقد حدث كثيرًا أن يتزوج الشخص عشر سنوات ولا يأتيه شيء، ومن غير أن يفعل شيئًا تجد الزوجة حاملًا. فعنده أمل أن الله سيرزقه.

حسنًا، افترض أنه لم يرزقه، إذن يكون هذا [يوسف] مكان الولد، يكون جميلًا وهذا شيء جميل. أو نتخذه ولدًا، فهو مصمم منذ اليوم الأول أنه سيربيه تربية الولد.

تربية يوسف كابن للعزيز وتهيئته ليكون وريثاً له

تربية الولد تعني ماذا؟ معناها سيُعامل جيدًا، سيتربى جيدًا، سيتعلم جيدًا بالفعل. إذن سيعمل له الشيء الذي فيه تهيئة لأن يكون ابن العزيز.

التشابه بين أمان إبراهيم ويوسف في مصر وقوله ادخلوا مصر آمنين

[المذيع]: حسنًا مولانا، قبل أن نستكمل في هذه النقطة التي يمكننا ملاحظتها إذا ربطنا الأحداث أيضًا بقصة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أنه عندما جاء إلى مصر كان أيضًا خارجًا من خوف فأمِن في مصر، وسيدنا يوسف جاء بعد خوف وأمِن في مصر.

وسيدنا يوسف لخّص كل ما تتحدث عنه عندما أحضر أباه وأمه وأحضر إخوته وقال لهم:

﴿ٱدْخُلُوا مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [يوسف: 99]

[الشيخ]: وهو يعرفها ويراها لأنه حدث له مثل هذا.

[المذيع]: وجُبّ الأحزان الذي أُلقي فيه يُقال إن الذي حفره سام بن نوح - انتبه - من قديم الزمان.

[الشيخ]: ولكن الله بدّله وأمام عينيه، فأصبح هذا الماء المالح ماءً عذبًا، كما بدّل:

﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]

[المذيع]: نعم، فهو شعر بالأمان.

[الشيخ]: نعم، وكذلك مكّن الله سبحانه وتعالى لسيدنا يوسف في الأرض.

[المذيع]: نعم.

حياة يوسف في القصر وافتتان امرأة العزيز ونسوة المدينة بجماله

[المذيع]: حسنًا، القصر يا مولانا، كيف كانت المعيشة في القصر؟ وفكرة حتى افتتان امرأة العزيز والصورة القرآنية المرسومة ببلاغة، يعني ما بعدها بلاغة في وصف هذا الحسن وافتتان امرأة العزيز، ومن ثم نسوة المدينة، بعد أن راودته عن نفسه امرأة العزيز. يعني كيف كانت معيشته في القصر ولماذا افتتنت به إلى هذا الحد؟

[الشيخ]: لدينا مراهق عمره ثلاثة عشر عامًا يتربى الآن في بيت رئيس الوزراء. ولنأخذ هذه العبارة:

﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يوسف: 22]

إذن عندما بلغ أشده، كم ذلك؟ عندما نأخذ معنى أشده في القرآن، نجد أنه السن الذي فيه الرشادة، السن الذي فيه الفتوة، السن الذي فيه الكمال.

معنى بلوغ الأشد وعمر يوسف عند المراودة وتغيراته الجسدية

من كم إلى كم؟ إنه من خمسة وعشرين إلى أربعين. ليس من المعقول أنه مكث كل هذا الوقت حتى بلغ الأربعين، إذن على الأقل له خمسة وعشرون، من خمسة وعشرين سنة.

ولذلك هناك، عندما جاء:

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15]

يعني أشده وبعد ذلك أربعين سنة. صحيح، لكن هنا ليس أشده فقط، بل يكون أشده فقط البداية، وأربعون سنة تكون النهاية. صحيح، فيكون إذا كان عندي في حدود الخمسة والعشرين، فكم بقي في بيت العزيز يتربى؟ تقريبًا اثنا عشر عامًا على الأقل أو ثلاثة عشر عامًا.

حسنًا، ماذا حدث إذن؟ التغيرات البيولوجية التي نراها في أبنائنا من سن الثالثة عشرة إلى سن الخامسة والعشرين، أصبح رجلًا. يعني إنه يغير الملابس كل سنة لأنه ينمو، ينمو، ينمو. سن الخامسة والعشرين هذا ربما آخر النمو وقد انتهى، وأصبحت عضلاته متكونة تمامًا.

قوة أجساد أبناء الأنبياء وحقيقة علاقة زليخة بالعزيز

وهذا ابن يعقوب حقًا، الذي عندما تذهب إلى هناك ستجد ابن إبراهيم، الذين كانوا يتحملون كل ذلك، أجسادهم أجساد قوية.

الجانب الآخر الذي جعل بعض المفسرين يقولون لك: زليخة في الحقيقة أنها لم تكن عاقرًا أو غير قادرة على الإنجاب، لا، وإنما العزيز لم يكن قادرًا على الوصول إلى زليخة.

فهي امرأة شابة مفعمة بالحيوية والجمال وما إلى ذلك، وترى هذا الشاب موجودًا عندها بالفعل. وبعد ذلك أيضًا هناك جانب نفسي غريب جدًا.

[المذيع]: حسنًا يا مولانا، عفوًا، أنا آسف جدًا للمقاطعة، سنكمل هذه الجزئية النفسية، يمكننا أن نتحدث عنها بعد الفاصل.

موقع قصر عزيز مصر في منف وتل العزيزية قرب القاهرة

في العزيزية عاش سيدنا يوسف عليه السلام في قصر عزيز مصر. فعلى بُعد عشرين كيلومترًا فقط من القاهرة تقع قرية ميت رهينة جنوب مركز البدرشين، تلك البقعة التي كانت تسمى قديمًا منف وكانت عاصمة لمصر لسنوات وسنوات.

ومنها خرجت الكثير من الآثار وعلى رأسها تمثال رمسيس الثاني الذي كان يزين ميدان رمسيس. شمال ميت رهينة تقع قرية زراعية يعمل أهلها بالزراعة والسياحة أيضًا، تسمى تل العزيزية.

يؤمن أهلها أنها سُميت هكذا نسبةً إلى عزيز مصر الذي تربى في قصره نبي الله يوسف. وإذا كان من المؤكد أن يوسف عاش وحكم مصر، فيكون من المنطقي أن يحدث ذلك في العاصمة منف وفيها قصر العزيز.

الجانب النفسي في علاقة يوسف بامرأة العزيز وحياء يوسف وخجله

[المذيع]: أرحب بحضراتكم مرة ثانية وبفضيلة الدكتور علي جمعة. فضيلة الدكتور، حضرتك تكرمت قبل الفاصل ذكرت أن هناك أكثر من عامل في العلاقة بين سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام وامرأة العزيز؛ فقد كان فتى أو شابًا في الخامسة والعشرين من عمره، مفتول العضلات، رجلًا بمعنى الكلمة، نبيًا ابن نبي ابن نبي.

وكذلك أن علاقتها الزوجية لم تكن مكتملة مع العزيز، وكان هناك جزئية نفسية وأنا قاطعتك قبل الفاصل، فأردت أن أعرفها.

[الشيخ]: الجزئية النفسية التي كثير من الناس لا يلتفت إليها أنه كان حييًا خجولًا سيدنا يوسف. خجول ومستحٍ، وكما يقولون: كل ممنوع مرغوب. فهو ليس متفلتًا، ليس مكشوف الوجه كما يقولون، أي أنه محتشم وهكذا إلى آخره، إنه خجول.

حدود يوسف مع زليخة وقصة المراودة وإغلاق الأبواب

عامل له حدود، والحدود هذه واضحة في المحادثة التي حدثت بينه وبين راعيل - هي اسمها كان راعيل أو زليخة. زليخة هذه هي الصفة الخاصة بها، وكانت زليخة هذه كأنها معناها الجميلة أو جميلة الجميلات أو شيء مثل ذلك في لغة من اللغات.

فراعيل هذه أو زليخة تراه أنه منصرف عنها لأنه خجول، كسوف كما يقول المصريون. فأغلقت الأبواب وقالت:

﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23]

هيت لك يعني هُيِّئت لك، أي أنني مدبّرة هذا المجلس ولابد أن تكون معي. فأبى وقال: لا.

﴿إِنَّهُ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ [يوسف: 23]

ويقصد به [العزيز].

معنى كلمة ربي في قول يوسف إنه ربي أحسن مثواي

أناس كثيرون وأنا كنت منهم في فترة قريبة كنا نعتقد أنه ربي أحسن مثواي يقصد الله سبحانه وتعالى لأنه نبي ابن نبي ابن نبي.

كلمة رب في اللغة تُطلق على عشرين معنى، منها: سيد البيت، ومنها المربي، ومنها الصاحب، ومنها كذا وكذا. واستُعملت هنا استعمالًا لغويًا يدل على هذا التعدد للفظ، هذا الذي منها أنها أُطلقت على الله جل جلاله لأنه رباه، ربه يعني الإنسان من الذي رباه؟ رباه ربه، فهو رب العالمين.

نعم، لكن هنا معناها أنه ربي يعني هو سيدي، أي هو الذي أنقذني من السوق وقال لها: أحسني مثواي. وأحسني مثواه تعني الصفحة الأمامية في المصحف [أي الآية السابقة]، وجاءت هنا أنه ربي أحسن مثواي، أي استقبلني في بيته، كيف أكون خائنًا؟ هذا لا يصح.

وصف القرآن لموقف يوسف بين البشرية والعصمة ومعنى ولقد همت به

فاستمرت تضغط عليه وتتلاعب بالكلام لكي يتزحزح عن موقفه، أبدًا [لم يتزحزح].

وعندما يصف القرآن هذا الموقف، فإنه يصف يوسف ليس بعيدًا عن البشرية لكنه أيضًا منزهًا عن السوء. انظر كيف أنه ليس بعيدًا عن البشرية لكنه منزه عن السوء:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24]

عندما تسمع لمشايخنا الكبار: الشيخ المنشاوي والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الباسط، كان فطنًا وله وقفة هنا. أتفهم؟ كان هناك قوم يقرؤونها بما يفسر معناها بشكل صحيح.

فيقول لك: ولقد همت به، ويتوقف. بالفعل لا يقول: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، فتحصل مساواة في الهم، أي أنها همت به وهو همّ بها. لا، لم يحدث هكذا إطلاقًا.

التركيبة القرآنية الصحيحة لآية الهم وتقديم وتأخير المعنى

هذه التركيبة، ما هذه التركيبة؟ ولقد همت به - وقفة تامة - وانتهى. هي التي همت به.

ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها. صدق الله. هل انتبهت كيف أصبحت؟ ولولا أن همَّ، ثم أن رأى برهان ربه. لقد أخَّرنا هذه وقدمنا همَّ بها لكي نفهم وجه الأمر.

أي أنها همت به، وهو بشر، كان سيهمّ بها لو لم يكن رأى برهان ربه. لكن الحمد لله أنه رأى برهان ربه.

ما هو البرهان الذي رآه يوسف ورؤية يعقوب بالتخاطر

طيب، ما هو هذا البرهان الذي رآه؟ قالوا إن هناك الكثير من الآراء. قالوا إنه نزل له ملك وقال له: إياك أن تفعل هذا وإلا متَّ كما يموت الطائر في السماء. عندما الطائر يموت في السماء يسقط يهوي.

فهو تصور هذا الموقف أن كل الذي بُني وأبوه ونبوة أبيه ونبوة جده ونبوة أبي جده ستضيع. فهو يعني أنه في القمة الآن، إنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، كل هذا يضيع من أجل هذه المرأة.

فقالوا إنه شاهد يعقوب على سبيل ما يُسمى بالتليباثي أو ما يُسمى بالتخاطر أو غير ذلك إلى آخره، وهو يفعل له هكذا: احذر أن تفعل هذا. كانوا قديمًا يفعلون لنا هكذا ونحن صغار، لا أعرف الآن هل توقفوا عن ذلك، وحسنًا أنهم توقفوا عنها بسبب فيروس كورونا وغيره.

ارتداع يوسف وقصة إخفاء زليخة للصنم وفراره من الباب

المهم أنه ارتدع وخاف وقال: ما هذا؟ وقد عملت أيضًا حركة شجعته على هذه القصة [أي على الرفض]، أنها ذهبت وخلعت قميصها وأخفت الصنم الذي كان موجودًا والذي كانوا حينئذ يقدسونه.

فقال لها: ماذا تفعلين؟ قالت له: حتى لا يرانا. فقال لها: يرى ماذا؟ هذا لا يرى ولا يسمع، وإذا كنتِ أنتِ خائفة من هذا، فأنا لا أخاف من رب العالمين الذي يعلم السرَّ وأخفى؟

فدخل عليهم سيدُها:

﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ﴾ [يوسف: 25]

فاستبق الباب وقام يجري وهي مُقفلة الأبواب، فذهب يجري ليفتح الباب ويهرب، فألفيا سيدها لدى الباب.

كذب امرأة العزيز واتهامها ليوسف ودفاعه عن نفسه

فكذبت مباشرة وقالت:

﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: 25]

قال [يوسف]:

﴿هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ [يوسف: 26]

إلى آخر القصة.

دعوة امرأة العزيز لنسوة المدينة والعبر الاجتماعية في سورة يوسف

[المذيع]: حسنًا مولانا، هناك فكرة أيضًا أنها دعت نساء المدينة بعد أن ذاع الأمر بأن امرأة العزيز تهوى وتعشق وقد فُتنت بيوسف الذي ربّته في بيتها. هل هناك حكمة؟ هل هناك دلالات في هذا المشهد القرآني البديع؟

[الشيخ]: إن قصة سيدنا يوسف مليئة بعبر اجتماعية ونفسية وتربوية وقضائية وسياسية وأمور أخرى عجيبة الشكل. ولذلك ألَّف فيها الشيخ العلمي مجلدين كبيرين وسماها مؤتمر سورة يوسف.

وكان الإمام محمد عبده يجلس للتفسير ووقف عند سورة يوسف من كثرة ما ذُكر فيها من أسس للعدالة وللقضاء الشرعي وكذا إلى آخره. فسورة سيدنا يوسف شيءٌ بديع.

تقطيع نسوة المدينة أيديهن من جمال يوسف وقولهن ما هذا بشراً

ومنه هذا الجزء وهو أنها قد دعت أربعون امرأة قطّعن أيديهن كما ورد في القرآن. وفي الروايات الشعبية أنه مات منهن سبعة، لا ولكن من الحسن، من الحسن حيث قلن:

﴿مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31]

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه.

خاتمة الحلقة والوعد باستكمال رحلة يوسف في مصر أرض الأنبياء

[المذيع]: أشكر فضيلتك جزيل الشكر على هذه المعرفة التي تهدينا إياها كل حلقة وكل لقاء مع فضيلتكم.

[الشيخ]: شكرًا لكم، شكرًا جزيلًا لحضرتك.

[المذيع]: والشكر موصول طبعًا لحضراتكم، وإن شاء الله في اللقاءات القادمة سنستكمل هذه الرحلة والمسيرة في مصر أرض الأنبياء، وسيرة ورحلة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في أرض مصر. إلى اللقاء.