برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة الثامنة والعشرون | قصة سيدنا موسى وأخوه هارون رضي الله عنهما
- •تميزت شخصية سيدنا هارون عليه السلام بالهدوء النفسي، فهو شخصية حكيمة تسبق تفكيرها نشاطها.
- •اتصف هارون بالرفق والحكمة، مما جعله محبوباً لدى بني إسرائيل أكثر من موسى.
- •كان هارون أكبر من موسى بثلاث سنوات، وكانت طفولته مستقرة لم يتعرض فيها للخطر من فرعون لأنه ولد في سنة لم يكن فيها قتل الأطفال.
- •اختاره الله ليكون رِدءاً لموسى استجابة لدعائه، وذلك لفصاحته وقدرته على التواصل مع الناس.
- •قدم هارون وحدة بني إسرائيل على عقيدة التوحيد عند فتنة العجل، مفضلاً بقاء وحدتهم حتى عودة موسى.
- •توفي هارون على أرض مصر في سيناء حيث هيأ الله له سريراً حملته الملائكة، وقد استقرت روحه في السماء الخامسة.
- •وصفه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج بـ "النبي الصالح والأخ الصالح".
- •يقال إن مقامه موجود في منطقة سانت كاترين بجنوب سيناء.
مقدمة الحلقة عن طفولة سيدنا هارون وشخصيته الهادئة
[المذيع]: على عكس أخيه موسى عليه السلام، كانت طفولة سيدنا هارون أكثر هدوءًا واستقرارًا، فلم يكن طفلًا أو وليدًا مطاردًا من فرعون، ولم يُلقَ في نهر النيل من أمه خوفًا عليه.
ربما انعكس هذا على شخصية سيدنا هارون، وهو ما تتبعنا أجزاءً منه في الحلقات السابقة، وسنستكمله اليوم كذلك في حلقة جديدة من مصر أرض الأنبياء، سنتحدث فيها عن ميلاده، سنتحدث عن شخصيته، سنتحدث كذلك عن ربما المكان الذي دُفنت فيه على أرض مصر في منطقة سانت كاترين بجنوب سيناء.
هارون عليه السلام السند والوزير في مواجهة فرعون
﴿وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىٓ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰنًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [القصص: 34-35]
هارون عليه السلام هو السند والأخ، وهو الوزير في مواجهة فرعون والسحرة. كان قمة في الالتزام بقرارات موسى عندما ولّاه زمام قوم بني إسرائيل، وعندما ذهب [موسى] لميقات الله.
كان [هارون] حكيمًا في فتنة العجل، وكان حكيمًا في علاجها بالهدوء، وفي ترك السامري ومن سوّلت له نفسه بالوقوع في تلك الخطيئة. عاتبه موسى فردّ عليه هارون بما قدّم الوحدة على الإيمان:
﴿خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [طه: 94]
هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
تقديم الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة للحديث عن مفتاح شخصية هارون
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، كما اقتربنا في الحلقات السابقة من شخصية سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، وتعرفنا على الكثير من الجوانب الشخصية والروحانية في شخصه الكريم، اليوم نتحدث عن نبي الله هارون شقيق موسى، وكذلك شقيقه في هذه الرحلة الطويلة مع بني إسرائيل وفي مواجهة فرعون وهامان وقارون وما إلى ذلك.
اليوم نتحدث عن مفاتيح هذه الشخصية، شخصية هارون عليه السلام. فضيلة الدكتور، أهلًا بكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بحضرتك فضيلة الدكتور. لقد تتبعنا في أكثر من شخصية كريمة وكان آخرها سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فكرة مفتاح الشخصية، كيف يمكن أن نستخدم هذا المفتاح أيضًا مع شخصية سيدنا هارون وقد تطرقنا إليه في رحلة سيدنا موسى في الحلقات السابقة؟
مفتاح شخصية هارون عليه السلام هو الهدوء النفسي والرفق
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كان مفتاح شخصية هارون يمكن أن نلخصها أو نجملها في كلمة الهدوء النفسي من الداخل.
فهو هادئ، هادئُ النفسِ، يُحسِنُ التفكيرَ. هادئُ النفسِ فيهِ صفةُ الرفقِ الذي قالَ فيهِ سيدُنا صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وهوَ يؤكدُ على أهميتِهِ:
قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الرفقَ ما دخلَ في شيءٍ إلا زانَهُ، وما نُزِعَ عن شيءٍ إلا شانَهُ»
[المذيع]: نعم، نعم.
[الشيخ]: هادئُ النفسِ يُسيطرُ على نفسِهِ، فيسبقُ التفكرُ النشاطَ، وهيَ أزمةُ العصرِ الحديثِ للإنسانِ الحديث.
أزمة إنسان العصر الحديث وأهمية سبق التفكير على النشاط
لديه أزمة تحدث عنها الفلاسفة والكتّاب. يقول ريني جونو: إن أزمة إنسان العصر الحديث أن نشاطه قد سبق فكره. إذا هو ليس هادئ النفس، يعمل قبل أن يفكر، مرة يخيب ومرة يصيب.
هادئ النفس عندما يسبق تفكيره نشاطه، فإنه يحسن التأمل والتفكر، فإنه يتخذ القرار السليم. اتخاذ القرار السليم هذا يعني براءة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، يعني ماذا؟ يعني حكمة.
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
هدوء النفس مفتاح شخصية هارون النبي المرسل
هادئ النفس تتجلى عليه نفحات رحمانية صمدانية لا تتجلى على ثائر النفس. فهدوء النفس هو مفتاح شخصية سيدنا هارون، وهو نبي مرسل، يعني أرسله الله كرامةً لموسى.
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 36]
[المذيع]: حسنًا دكتور، بهذه المناسبة، لنفترض أنه لو لم يدعُ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام الله سبحانه وتعالى بأن يرسل إليه هارون، ففي هذه الحالة هل كان سيدنا هارون سيصبح نبيًا أو رسولًا؟
[الشيخ]: أنا لا يدخل في ذهني مثل هذا التحيُّر أو هذا التساؤل. السؤال لا يستوعبه عقلي.
لا يكون في الكون إلا ما أراده الله ودعاء موسى من خلق الله
كيف؟ لا يكون في الكون إلا ما أراده الله، ودعاء موسى من خلق الله حقيقةً. فلو لم يخلق الله دعاء موسى، فهذا يعني أن هارون غير موجود أصلًا أو ليس نبيًا.
صحيحًا، لكن الذي وفّق موسى للكلام مع رب العالمين هو رب العالمين.
[المذيع]: صحيح، صحيح.
[الشيخ]: والذي جعل هناك إجابة لهذا السؤال والدعاء هو رب العالمين. فالسؤال ليس معكوسًا: لِمَ دعا موسى ربه بأن يأتي هارون ويكون له رِدءًا وهو أفصح مني لسانًا؟ لأن الله أراد ذلك، أراد أن يساعد موسى وأن يثبت فؤاده وأن يقوي جَنانه وأن يجعل له المواجهة باطمئنان مع أخيه هارون.
لماذا لم يُذكر هارون في الوحي لأم موسى وهل تكلم الله معه
لكن لماذا ربُّ العزة سبحانه وتعالى عندما قال لأم موسى:
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]
[المذيع]: نعم، هنا مثلًا لم يقل وأخيه.
[الشيخ]: وعندما يأتي ذكر لسيدنا هارون أيضًا أنه سيكون من المرسلين مثل موسى عليه السلام، هل سمعت ذكر أنه تكلم [الله مع هارون]؟ لقد انتهى الأمر، إنه لم يتكلم [الله معه مباشرة كما تكلم مع موسى].
هارون الأخ الأكبر الذي سلّم القيادة لموسى بهدوء نفسي
كان [هارون] يكبر سيدنا موسى بثلاث سنوات على الأقل، فهو أخوه الكبير، وبالرغم من ذلك فإنه سلّم القيادة لموسى أيضًا؛ لأن مفتاح شخصيته الهدوء النفسي، لا يطلب قيادة ولا يطلب إدارة ولا يطلب التصدر.
سيدنا موسى له شخصية رجل الدولة، قادر على هذا ويفعلها بدون معاناة. لكن سيدنا هارون هو الحكيم.
[المذيع]: مثلًا.
[الشيخ]: الحكيم الذي يُطمْئِن.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الحكيم الرفيق الذي يُشعر من حوله بالأمن والأمان والحنان، يحتوي بني إسرائيل ويحتوي الخلافات التي بينهم، يحتوي موسى نفسه.
إكرام الله لموسى بقرب هارون ذي الشخصية الهادئة اللينة
[المذيع]: سبحان الله، هل تلاحظ كيف أنه صحيح أن موسى ردّه الله إلى أمه، إنما لمدة كم يعني؟
[الشيخ]: لمدة التربية، يعني عشرة أو اثني عشر أو خمسة عشر سنة. لكن بعد هذه المدة، ما عادت أم موسى ترى ابنها قليلًا؛ لأنه أصبح شابًا ودخل في خضم الحياة وزحمتها، فابتعدت أم موسى التي هي في الظاهر غريبة عن القصر، وتركته لآسيا [بنت مزاحم] لتكمل المشوار.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: سيدنا هارون متى كان يرى سيدنا موسى ما لم يكن يراه مثلًا -أتفهم ما أقصد- وهو يعلم أنه أخوه ويعلم أنه يشكو إليه. فإذا ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يُشبع نفسية سيدنا موسى بقرب هارون منه، وهارون اتصف -والحمد لله- بأنه ليّن هيّن منفتح الشخصية، يتمتع بالهدوء النفسي، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى أكرم سيدنا موسى بسيدنا هارون.
نشأة هارون وصفاته قبل البعثة ومفتاح شخصيته الهدوء النفسي والرفق
[المذيع]: نعم، طيب، الناشئة إذن، هل في الأثر كيف كان [هارون] قبل أن يوحى إليه؟ يعني كيف كانت طفولته؟ كيف كان شبابه؟ كيف كانت الصفات الأولى لديه في تعامله مع بني إسرائيل حتى قبل أن يُبعث؟
[الشيخ]: هو في كل ما ورد عنه من أخبار، مفتاح شخصيته الهدوء النفسي. مفتاح شخصيتُه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة:
قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه، وإنَّ الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»
بنو إسرائيل كأقلية في مصر وشعورهم بالغربة وعدم الاندماج
ملخص ما هو: شخص يظهر في بني إسرائيل يشعرون بشعور الغربة، يتجمعون في أماكن حتى يمارسون عبادتهم وحتى يمارسون عقائدهم وحتى يمارسون كأقلية يعني في وسط، كأقلية في وسط مصر، كأقلية حي خاص وسميناه حارة اليهود وسميناه كذا إلى آخره.
هذا الشعور بالغربة وعدم الاندماج في المجتمع يأتي دائمًا من الأسرة. عندما دخل المسلمون مصر مثلًا تزوجوا من أهل البلاد فذابت المسألة كلها وأصبحت نسيجًا واحدًا.
اندماج المسلمين في المجتمع المصري وهوية القبط الأصلية
عندما يقول لي أحدهم إنك غريب قادم من الجزيرة العربية لأنك مسلم، أقول له: لا، فجدي ربما يكون هو رمسيس أو تحتمس أو أي شخصية مصرية قديمة أخرى. أنا الذي ذبت في المجتمع والمجتمع ذاب فيّ، فأنا المجتمع المصري.
nحن قبط في الأساس.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: نحن قبط في الأساس باعتبار الجنسية، ثم بعد ذلك دخلنا في دين الله أفواجًا. فإذا هذه البلد هي بلدي، هذه البلد أنا جزء منها، والجميع ممن ينتمي إليها ويحبها ويعمل بالصالح هو جزء منها.
[المذيع]: يا رب بارك في حضرتك. طيب، نعود مرة ثانية بعد الفاصل إن شاء الله، بعد إذن حضرتك، لشخصية سيدنا هارون ونرى ملامح القوة في هاتين الشخصيتين، وربنا سبحانه وتعالى قال لسيدنا موسى:
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35]
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: فبالتأكيد هذه الشدة ناتجة عن قوة، فبعد الفاصل إن شاء الله.
آثار الأنبياء في سانت كاترين ومقام النبي هارون في سيناء
لا تزال سانت كاترين تحتفظ بريح الأنبياء الكرام، فبجانب آثارهم الباقية حتى يومنا هذا، حيث تزخر المنطقة بأضرحة وقبور الأنبياء، وبها قبر النبي صالح والنبي شعيب والنبي هارون عليهم جميعًا السلام.
فعلى تبة مرتفعة في وادي الراحة وفي المقابل من النحت الصخري للعجل الذهبي، نستطيع رؤية مقام النبي هارون الذي توفي على أرض سيناء في سنوات تيه بني إسرائيل.
هناك الكثير من الروايات التي تقول إن هذا المقام رمزي لا جسد فيه، وأن قبور الأنبياء لا نعلمها. وإذا كان من المؤكد بالفعل أن هارون توفي في سيناء، فلا دليل على مكان قبره حتى الآن.
لماذا لم يكن هارون مهددًا بالذبح كموسى وقصة قتل فرعون سنة وتركه سنة
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى، وأجدد الترحيب بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بحضرتك مرة أخرى.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: قبل أن أترك المجال لفضيلتك في الإجابة على ملامح القوة في شخصية سيدنا هارون؛ لأنه كان سندًا وسندًا له [لموسى]، ولكن بمجرد سؤال هكذا عارض يعني فكرة: لماذا لم يصبح أو لم يكن مُهددًا بذبح سيدنا هارون كما كان سيدنا موسى؟
[الشيخ]: بعد ثلاث سنين كان مُهددًا. لو كان فرعون ذبح كل أطفال بني إسرائيل لما بقي من بني إسرائيل أحد، ولكن المنجمون عندما قالوا له أنه سيولد ولد في سنة معينة، هذه السنة يعني مثلًا لو افترضنا أنها وترية، سنة ثلاثة، فهذه هي العلامة.
نظام فرعون في قتل المواليد سنة وتركهم سنة وولادة هارون وموسى
إذن سنة أربعة لا يوجد [خطر]، لن يفعل [فرعون شيئًا]. فكان فرعون يعني الذي مولود في سنة أربعة هؤلاء لن يفعلوا لك شيئًا، خمسة سيفعلون لأنه وتر، ستة لن يفعلوا لك شيئًا، سبعة سيفعلون لأنه أثر [وتر]. فكان فرعون يقتل سنة ويترك سنة.
[المذيع]: عظيم.
[الشيخ]: سيدنا هارون جاء في السنة التي فيها النجاة، والتي بعدها بسنتين مثلًا وُلِد، أو بثلاث، بعد ذلك بثلاثة، فجاء في السنة الوترية موسى، فكان عليه القتل [أي كان مهددًا بالقتل].
فصاحة هارون دليل على قوة تفكيره وعلمه وارتباط اللغة بالفكر
[المذيع]: القوة صارت إلى جانبه [هارون]، هدوء النفس كما تفضلت وذكرت. وفي القوة، يعني:
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35]
يعني هذه المساندة تدل على القوة، الشدة تدل على القوة.
[الشيخ]: عندما نأتي ونقول هو أفصح، صحيح أفعل للتفضيل، يكون فصيحًا. وهذه الفصاحة كيف تأتي؟ قالوا إن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، ما دام فصيحًا فهذا يعني أنه يعرف كيف يفكر تفكيرًا مستقيمًا، يكون عالِمًا، يكون قد استطاع أن يحصل على الفصاحة لأنها موجودة [فيه بالفطرة والتعلم].
حب موسى للعلم وأثره على بني إسرائيل واختياره هارون العالم سندًا له
كان سيدنا موسى يحب العلم كثيرًا وكان يعظم العلم والعلماء، ولذلك حتى عندما يتكلم المفسرون، دائمًا يذكرون أن بني إسرائيل كانوا علماء. هل تنتبه؟ وربنا أمرنا أن نسأل:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
أمرنا أن نذهب إلى علماء بني إسرائيل، سنجد عندهم هذا الأمر؛ فقد أحبوا العلم. في أمم أخرى لا تحب العلم، بل تحب العبادة وتحب التقوى وتحب الأخلاق وتحب نفع المجتمع والناس، لكن العلم، العلم، اليهود طوال عمرهم يحبونه.
من أين جاء هذا؟ من سيدنا موسى؛ لأنه كان محبًا للعلم، فاختار من يسنده ويقف معه وكذلك وهو عالم.
قوة هارون بعلمه وحكمته وتجلي هدوء النفس في حواره مع موسى
العلم كما يقولون في الإنجليزية "باور" [Power]، يعني هذه السلطة والقوة. فسيدنا هارون كان قويًا بعلمه وحكمته التي نتجت من هدوء النفس.
هدوء النفس أيضًا تجلى في الحوار، عندما تمالك سيدنا هارون نفسه، وبأخلاق الأنبياء وهدوئهم، ردّ على سيدنا موسى عندما أخذ برأسه ولحيته وقال:
﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِرَأْسِي وَلَا بِلِحْيَتِي
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [طه: 94]
هذه القضية تتضمن قضيتين: القضية الأولى علاقته مع موسى في هدوئه وفي رده عليه وهو يأخذ بلحيته وبرأسه ويجره إليه ويقول له: يا ابن أمي. يعني انظر إلى الحنان، انظر إلى الأمان النفسي أو الهدوء النفسي.
تفضيل هارون لوحدة الأمة على مواجهة فتنة العجل وأولوية الأمن قبل الإيمان
أما القضية الثانية فهي مع بني إسرائيل أنفسهم. فضَّلوا أن يكونوا على كلمة رجل واحد وألا يتفرقوا، وهذا أهم من عقيدة رقم واحد وهي التوحيد وعدم الوثنية بهذا العجل.
هذا شيء غريب، يحافظون على وحدتهم حتى على خطأ إلى أن يأتي سيدنا موسى ويرى أمره. أصبح الأمن قبل الإيمان، الأمن قبل الإيمان.
هذا ما تفعله الجماعات الإرهابية وليسوا يعلمون، والكلام هذا افتقدوه. هم يريدون الإيمان ولو أفسد الأرض. القضية ليست كذلك، فهذا حفظ النفس مقصدنا [من مقاصد الشريعة]، وبعد ذلك العقل، ثم الدين، ثم العرض وكرامة الإنسان، وأخيرًا المال حتى تستقيم الحياة.
تفضيل وحدة الأمة على الإيمان في ترتيب الأولويات وموقف هارون الحكيم
فإذا هذا الملمح الذي يأخذونه في تفضيل وحدة الأمة على الإيمان الذي هو هدف الإنسان في الحياة، الإيمان الذي يأتي في ترتيب الأولويات في المرتبة الأولى.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فالنقطة الأساسية هي أنني:
﴿خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [طه: 94]
لأن سيدنا موسى ترك له بني إسرائيل أمانة، فلابد أن يعود إليهم كما هم. أما الانحراف وتقديسهم للعجل وعبادتهم له وطاعتهم له فسيعالجها [موسى]، لكن المهم ألا يتفرقوا، بل سيتم علاجهم.
عدد من عبدوا العجل وعدد من أُعدموا وحكمة هارون في التعامل
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ويقول لك إنهم كانوا ستمائة ألف الذين عبدوا العجل، لكن اثني عشر فقط من أصل ستمائة ألف هم الذين أُعدموا وقُتلوا.
هذا الكلام الذي ذكرناه في حلقات سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. إذن فهارون كان حكيمًا، وتأتي هذه الحكمة من وضع الشيء المناسب في المكان المناسب وفي الزمان المناسب للشخص المناسب في الحال المناسب.
حكمة هارون من هدوئه النفسي وقربه من بني إسرائيل واتهامهم لموسى بقتله
يأتيه [ذلك] من الهدوء النفسي، الهدوء النفسي. ولذلك كان يُقال أن، أو في بعض الروايات أن سيدنا هارون كان أقرب لبني إسرائيل من سيدنا موسى.
حتى عندما توفي سيدنا هارون، قيل في بعض الروايات أن بني إسرائيل اتهموا سيدنا موسى بقتله، فهذا هو أيضًا وجه من وجوه [حبهم لهارون]، فبرّأه الله مما قالوا.
يعني هذا وجه أنهم قالوا له: أنت قتلت هارون. كانوا يحبون هارون كثيرًا؛ لأن هارون لم يكن شديدًا عليهم، ولم يكن يأمرهم بالجدية، بل كان يأمرهم بالسياسة هكذا وبالهدوء وبالراحة وباللين وبالرفق.
قصة وفاة هارون عليه السلام وكشف الله السرير الذي تحمله الملائكة
فعندما ذهب سيدنا موسى مع هارون، أوحى الله إليه [إلى موسى] أني سأقبض هارون. فسيدنا موسى حزن. قال له [الله]: لا تحزن، إنما سنميته ميتة جميلة، ميتة فيها سعادة وما إلى ذلك. فسلّم أمره لله خلاصًا.
الله سبحانه وتعالى أوحى إليه:
﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَأْخِرُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأعراف: 34]
فكشف الله سبحانه وتعالى لسيدنا موسى سريرًا تحمله الملائكة. فلما انكشف له هذا السرير، عرف أنه هذا السرير الذي سينام عليه هارون.
[المذيع]: كان ذلك على أرض مصر يا مولانا؟
[الشيخ]: كان على أرض مصر، على أرض مصر.
شاهد قبر هارون في سانت كاترين وتأييد الروايات الشعبية لذلك
[المذيع]: نعم، نعم. وقال إن هناك شاهدًا في سانت كاترين أو تحديدًا في جنوب سيناء عمومًا، يُقال إنه قبر سيدنا هارون عليه السلام.
[الشيخ]: كل هذا وارد وكل هذا معقول المعنى ومع الروايات، ويؤيدها أيضًا الرواية الشعبية أو النقل الشعبي والاستفاضة الشعبية لهذه القضية.
تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة هارون ونومه على السرير ووداعه لموسى
فعندما كُشِفَ له هذا السرير، قال هارون: يا موسى إنني تَعِب، أنا متعب ومُجهَد. فقال له [موسى]: أتحب أن ترتاح؟ قال: نعم. قال: إذن، فما رأيك في هذا؟ وأشار إليه في اتجاه السرير الذي يراه هارون.
وليس رآه وقد ذهب، فنظر هكذا، وجد هارون سريرًا مرتبًا بشكل جميل يبدو مريحًا. فقال له: هوِّن عليك يا موسى. قال: نعم. فنام على السرير.
وعندما نام عليه قال: إنني ارتحت يا موسى، هكذا أنا قد ارتحت. فبكى موسى لأنه علم أنه في هذه اللحظة سيُقبض روحه.
إحاطة الملائكة بهارون عند وفاته واستقراره في السماء الخامسة
فوجد هارون الملائكة تحيط به، فعرف هو أيضًا أن هذه ساعته؛ لأننا قلنا أن الأنبياء تأتيهم الملائكة قبلها بقليل هكذا، فمنهم من يلقاها بعشر دقائق، ومنهم من يلقاها بيوم، ومنهم من يلقاها بيومين، يعني حسب الترتيب الإلهي.
فعرف أنه هكذا، فقال: وداعًا يا موسى، واستقر في السماء الخامسة. واستقر يعني رُفِع [إلى السماء الخامسة].
أصبح موسى من شدة قهره عليه الفراق؛ لأنه كان يحبه كثيرًا وكان يريد أن يبقى بجانبه:
﴿لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى﴾ [المائدة: 25]
استقر [هارون] في السماء الخامسة، حتى إذا ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم [في رحلة المعراج] قال له: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح.
ختام الحلقة والثناء على سيرة هارون عليه السلام والصلاة عليه
[المذيع]: نعم، لأجل الصلاح الذي أعطاه لأخيه الصغير، حقًا كريم الله صلى الله عليهم جميعًا وسلم تسليمًا.
[الشيخ]: اللهم آمين.
[المذيع]: يا رب، اللهم آمين. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليهم جميعًا. أشكر فضيلتك جزيل الشكر على هذا الإبحار المعرفي الهائل والشيق في سيرة سيدنا هارون عليه الصلاة والسلام.
[الشيخ]: عليه الصلاة والسلام.
[المذيع]: شكرًا جزيلًا لفضيلتك، شكرًا لكم وشكرًا موصولًا لحضراتكم، إلى اللقاء.
