برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة الحادية عشر | قصة سيدنا يوسف الجزء الرابع
- •يروي النص قصة سيدنا يوسف عليه السلام كوزير في مصر وكيفية إدارته للأزمة الاقتصادية بنجاح باهر.
- •استطاع يوسف تطويع الشعب بأكمله والملك مع حاشيته لقيادة الأزمة بحكمته وعلمه.
- •اتبع نظاماً اقتصادياً محكماً في السنوات السبع الرخاء بتخزين القمح والمحاصيل الاستراتيجية.
- •في السنوات السبع العجاف، بدل آلية توزيع القمح بمقابل، فجمع الأموال أولاً، ثم المنتجات، ثم العقارات والأراضي، وأخيراً الخدمات.
- •حولت خطته مصر من دولة منهارة ومهددة بالمجاعة إلى واحدة من أغنى دول الأرض.
- •عندما قدم إليه إخوته طالبين الطعام، عرفهم ولم يكشف عن نفسه، وطلب منهم إحضار أخيهم.
- •استخدم يوسف حيلة صواع الملك للاحتفاظ بأخيه بنيامين.
- •نصح سيدنا يعقوب أبناءه بالدخول من أبواب متفرقة لمنع الحسد وإظهار السلام والتواضع.
- •تمثل القصة نموذجاً للعفو والتسامح عند انتصار الخير على الشر.
مقدمة الحلقة: لقاء يوسف عليه السلام بإخوته في مصر بعد تبدل الأحوال
في مصر، ومن جديد يلتقي يوسف عليه الصلاة والسلام مع إخوته، ولكن قد تبدلت الأحوال؛ فلم يعد يوسف هذا الفتى الصغير الذي أُلقي في غيابة الجب خائفًا، بل أصبح هو عزيز مصر، هو الرجل القوي الذي عبر بهذه البلاد من المحنة الشديدة ومن الجوع والقحط.
وأيضًا الآن يأتي إليه إخوته لكي يلتمسوا منه المؤونة، يلتمسوا الغذاء، يلتمسوا الأمان، لكنهم حتى الآن لا يعرفون أنه يوسف عليه الصلاة والسلام. حلقة جديدة من مصر أرض الأنبياء.
نجاح يوسف عليه السلام في قيادة الأزمة الاقتصادية بمصر
بنجاح باهر وبتجربة زاخرة اشتملت على كثير من المبادئ والنظريات الاقتصادية التي تعلمها البشر بعد ذلك، وأكدت هذه القصة أن النبي يوسف تمكن من تطويع الشعب بأكمله حتى الملك مع حاشيته، لينطوي الجميع تحت لوائه في قيادة الأزمة بنجاح باهر، وعمل نافع مستمر برصيد أخلاقي كبير عند الله وعند الناس.
تقييم تجربة يوسف عليه السلام كرجل دولة وإنقاذ مصر من الأزمة
[المذيع]: أرحب بحضراتكم مشاهدينا الكرام، والحديث يتواصل في مصر أرض الأنبياء مع فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، ومازلنا في رحلة ومسيرة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في أرض مصر، وكيف بارك هذه الأرض بزيارته المباركة. فضيلة الدكتور، أرحب بحضرتك.
أهلًا وسهلًا.
أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.
أهلًا بفضيلتكم. فضيلة الدكتور، يعني الآن نستكمل هذه المسيرة لسيدنا يوسف وهو الآن رجل دولة في مصر، بعد أن خرج من السجن وأصبح رئيسًا للوزراء أو وزيرًا للاقتصاد - إن جاز التعبير - وتولى أمر البلاد في فترة كانت عصيبة. كيف تُقيِّم هذه التجربة لسيدنا يوسف، وأن الله سبحانه وتعالى قد كتب لمصر النجاة على يديه الكريمتين؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سيدنا يوسف بعدما خرج من السجن وأصبح وزيرًا، قد يكون للزراعة من أجل الإنتاج، وقد يكون أيضًا للمالية، وإلى أن وصل إلى عزيز مصر أي رئيس وزراء مصر كما ذكرتَ حضرتك أنه أصبح رجل دولة.
أساس رجل الدولة: الحكمة والعلم في منهج يوسف عليه السلام
ورجل الدولة أساسه الحكمة، هي أن يضع الشيء المناسب في المكان المناسب، والعلم هو ألا يتحدث المرء بما لا يعرف.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
فالحكم أو الحكمة والعلم هما أساس رجل الدولة. متى يكون الرجل رجل دولة؟ سيدنا عمر كنا نسميه رجل دولة لأن عنده الحكمة وعنده العلم، سيدنا علي رجل دولة لأنه عنده الحكمة وعنده العلم.
سياسة يوسف عليه السلام في الادخار وبناء المخزون الاستراتيجي
وهكذا في السنوات السبع الرخاء كان [سيدنا يوسف] يدخر، وكان أيضًا يدخر ويشتري للدولة. ماذا يعني أن يشتري للدولة؟ يعني أن خزانة الدولة تشتري من المحصول، يجعل مخزونًا استراتيجيًا، يجعل مخزونًا استراتيجيًا.
وبعد ذلك جاءت سبع سنوات عجاف، قال [سيدنا يوسف]: حسنًا، لدينا مبدأ توصلنا إليه - يا عيني - بعد عناء وتجربة استمرت ربما خمسين سنة ونحن نحاول أن نُسعد الناس بما أسميناه بالاشتراكية، والاشتراكية كان هدفها الأساسي هو العدالة الاجتماعية.
منهج يوسف في تقديم الخدمة مقابل ثمن وجمع أموال البلاد
جاء [سيدنا يوسف] في السنة الأولى وقال لهم: يا جماعة، تقديم الخدمة لا بد أن يكون له مقابل. هذا الكلام سمعناه قريبًا من رؤساء الوزراء المتأخرين هؤلاء، أعني الذين تولوا في العشر أو الاثني عشر أو الخمسة عشر سنة الأخيرة.
حقًا، ماذا سنفعل؟ قال لهم: تفضلوا، القمح موجود، لكن أحضروا النقود لأبيعه لكم، لا لأوزعه لكم على البطاقة، لن أوزعه لكم مطلقًا هكذا، لا، خذوا وأعطوا، فجمع أموال البلاد وأصبحت في خزينته.
تدرج يوسف في تملك الدولة للموارد عبر سنوات القحط
قالت لهم الدولة في السنة الثانية: حسنًا، أنتم تُنتجون بعض الأشياء، يمكنكم أن تعطوني هذه الأشياء في مقابل [القمح]، أي مقايضة.
وفي السنة الثالثة قال لهم: حسنًا، أين العقارات وأين الأراضي الزائدة لديكم؟ أعطوني إياها مقابل القوت.
وفي السنة الرابعة قال: حسنًا، لديكم بعض الخدمات، قدموها لي. وهكذا إلى أن امتلك البلاد لصالح الدولة.
ما هو؟ يوجد ملكية تُسمى الملكية العامة، وملكية تُسمى ملكية الدولة، وملكية تُسمى الملكية الخاصة. فهو جعل الدولة تستولي على الملكية الخاصة لمصلحة مَن؟ لمصلحة الشعب.
تحول مصر من دولة مهددة بالمجاعة إلى أغنى دول الأرض بحسن الإدارة
فبعد السبع سنوات أصبح كل شيء تحت سيطرته [سيطرة سيدنا يوسف]، ثم بعد أن قال لهم: حسنًا، ما رأيكم الآن؟ سأفاجئكم. فجأة قالوا له: ماذا؟ قال لهم: كل هذه الأشياء تابعة للدولة.
انظر كيف تحولت الدولة من وضع إلى آخر؛ كانت الدولة مهددة بالفقر والمجاعة، وكادت أن تكون دولة منهارة، فأصبحت دولة من أغنى دول الأرض. بماذا؟ بحُسن الإدارة.
هذه النظرية البسيطة التي علّمها لنا سيدنا يوسف، أي كانت هي منهجه في الحكم حتى جاء العام الذي يُغاث فيه الناس.
الروايات القرآنية في مجيء إخوة يوسف إلى مصر والصراع بين الخير والشر
وقصة إخوته معهم، حسنًا، مجيء إخوته، وهنا الروايات الحقيقة كلها شيقة، ولكن الروايات القرآنية كيف تعاملت مع فكرة رجوع إخوة يوسف أو مجيء إخوة يوسف إلى مصر والتعرف عليه، وأكيد هناك حِكَم في هذه المقابلة مرة أخرى ما بين سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام وإخوته.
الصراع بين الخير والشر، الصراع بين الحق والباطل، الصراع بأن ما عند الناس ينفد وما عند الله باقٍ. الفكرة الأساسية التي تعلمها الإنسان عبر وجوده في هذه الحياة الدنيا وهو يعمر الكون ويعبد الله ويزكي النفس.
الأخلاق المستفادة من قصة يوسف ولقاء الخير بالشر
خرجنا بحقائق، هذه الحقائق هي التي تسمى الأخلاق، التي عند أرسطو ولا الذي عند ابن مسكويه أو الذي عند غيره، كلها واحدة، هي الأخلاق هذه.
فالذي حصل هو إدراك سنة الله في كونه بهذا اللقاء، لقاء الذي قدَّم الشر ولقاء الضحية التي قدمت الخير.
قصة يوسف عليه السلام مع إخوته هي قصة العفو وجمع الشمل
قصة سيدنا يوسف مع إخوته هي قصة العفو.
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92]
يعني لا مؤاخذة عليكم. قصة اليوم هي عن سيدنا [محمد ﷺ] عندما دخل مكة وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فدخل الناس في دين الله أفواجًا.
قصة سيدنا يوسف جمعت الشمل، هذه القصة معروفة حتى في الثورات، في كتب كُتبت عن الثورات التي قامت في العالم، ويقال لك أن أول مبدأ من المبادئ التي لا تُنسى هو العفو.
العفو يفتح صفحة جديدة ويوسف يربي إخوته قبل المسامحة
العفو، حسنًا، لنبدأ صفحة جديدة؛ لأن الحساب مؤلم، ولأنه كان متداخلًا، ولأن القضية لن تتساوى في نتائجها ما سيحدث من العفو.
لكن سيدنا [يوسف] أيضًا كان في - لن أقول عتاب - ولكن يعني عندما بدأ الكلام، مثل يوسف عليه السلام حينما قالوا له:
﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]
فأسرّها يوسف في نفسه وأخذ بنيامين. فيبدو حتى أن سيدنا يوسف كان في نفسه شيء من إخوته، يعني هكذا نلمح.
تربية يوسف لإخوته وصنع قصة صواع الملك لتحقيق هدفين
يعني يربيهم، يربيهم لأنهم ارتكبوا جريمة، يربيهم لأنهم سيستقبل بهم حياة جديدة في مصر. فصنع قصة أخيه وقصة صُواع الملك وقصة كذا إلى آخره من أجل أمرين:
أولًا: أنهم يتعظوا ويتربوا وينكشف لهم الحال.
ثانيًا: وأنهم يأتوا بأبيه وأمه وأخيه [بنيامين] الذي لم يُحضروه هذه المرة أيضًا؛ لأنه هو يوسف أخوه بنيامين أولاد راحيل.
فالمهم أنه يريد إدخال هؤلاء الناس مصر، ولكنه يريد إدخالهم على ما يقتضيه ذلك العفو، فصنع لهم كل هذه القصة بدقائقها وتفاصيلها.
كيفية التعامل بين الخير والشر عند انهزام الشر: العفو والصفح
التي ستستنبط منها كيفية التعامل بين الخير والشر عند انهزام الشر، فماذا يفعل الخير؟
﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]
نعم، ماذا يفعل الخير؟ يفعل بأنه يبدأ صفحة جديدة. ماذا يفعل الخير؟ اذهبوا فأنتم الطلقاء. ماذا يفعل الخير؟ يفعل وضع أسس جديدة لما هو في المستقبل.
الانتقال للحديث عن حكمة يعقوب في دخول أبنائه مصر من أبواب متفرقة
[المذيع]: حسنًا فضيلة الدكتور، أستأذنك فيما قابل هذه الأيام نتحدث فيه، ولكن بعد الفاصل، ونتناول حكمة سيدنا يعقوب لأبنائه بأن لا يدخلوا من باب واحد وأن يدخلوا من أبواب متفرقة، ثم ما الذي حدث وكيف رفع سيدنا يوسف بعد ذلك أبويه على العرش، عرش مصر إن شاء الله.
مصر صومعة العالم وأهمية الصوامع في تخزين الحبوب وخطة يوسف
مصر صومعة العالم ومخزن غلال الإمبراطورية الرومانية، هنا يصبح الحديث ليس فقط عن زراعة القمح وإنما عن تخزينه. الصوامع من أهم وأقدم الوسائل التي اعتمد عليها المصريون في تخزين الحبوب، وكانت هي الأساس الذي بنى عليه سيدنا يوسف خطته في إنقاذ مصر من المجاعة.
حيث طالب بزيادة مساحة زراعة القمح واستهلاك ما يكفي للحياة وتخزين النسبة المتبقية في سنابلها في صوامع ضخمة.
تُعتبر مخازن الغلال التي وُجدت في معبد الرامسيوم بالأقصر، والتي بُنيت بقباب من الطين، من أشهر الصوامع في مصر والعالم القديم، واستمرت في عملها لمدة ألف وخمسمائة سنة حتى الغزو الروماني. وكانت الصومعة الواحدة تكفي لإطعام مصر كلها.
يُقال عن منيا القمح في الشرقية أن اسمها الأصلي قرية القمح، ثم سُمِّيَت من القمح، وكان بها الكثير من الصوامع للتخزين، وهي مبنية على أطلال مخازن قمح يوسف.
سؤال المذيع عن حيلة يوسف في أخذ بنيامين وذكاء النبوة
[المذيع]: أرحب بحضراتكم مرة أخرى، ومازلنا في هذه المسيرة في مصر أرض الأنبياء، ومحطة مهمة هي محطة وجود سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام على أرض مصر.
فضيلة الدكتور، قبل أن نتحدث عن سيدنا يعقوب وما الذي كان في نفسه ألا يُدخِل أبناءه من باب واحد لمصر ويدخلوا من أبواب متفرقة، ولكن سأتوقف فقط عند سيدنا بنيامين شقيق سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام. فكرة أن يأخذوا سيدنا يوسف [بنيامين] وبهذه الحيلة، ما الذي تفهم منها فضيلة الدكتور؟ هل بالفعل كان سيدنا يوسف على هذا القدر من الذكاء، على هذا القدر من بُعد النظر، أنهم سيأتون مرة أخرى وأن يأخذ أخاه بهذا الشكل، وفكرة أن يدس صُواع الملك في رحالهم بهذه الطريقة؟
[الشيخ]: هو سيدنا يوسف كان يريد أولًا أن يتأكد من حياة يعقوب، هل يعقوب ما زال على قيد الحياة؟ لأنه لم يسألهم فعلًا سؤالًا صريحًا، نعم، وهو لا يريد أن يكشف عن شخصيته.
اللقاء الأول بين يوسف وإخوته ومعرفته لهم دون أن يعرفوه
وأول ما دخلوا عليه فعرفهم، عرف أنهم هم؛ لأنه حافظ كيف هؤلاء الناس. ولذلك حدث لقاءان: اللقاء الأول الذي نتحدث عنه الآن، وهو أنه التقى بهم أول لقاء.
صحيح، في أول لقاء عندما رآهم عرفهم: مَن أنتم؟ وما قصتكم؟ وأنتم إخوته، هم لا يعرفونه. ما حدث بعد ذلك، قال لهم: بل أحضروا لي أخًا لكم من أبيكم.
عبارة "من أبيكم" وحدها إشارة إلى أنه يعرف من أين جاؤوا ومن هم أبناء من وما إلى ذلك.
شهرة يعقوب في مصر وعلاقة أبناء إبراهيم بأرض مصر
في ذلك الوقت، كان هؤلاء الأبناء يعلمون أن يعقوب معروف في مصر وأنهم سامعين به. مصر تلك التي استقبلت إبراهيم وسارة.
صحيح، فهم يعرفون أن إبراهيم أنجب إسحاق، وأن إسحاق أنجب يعقوب، ويعقوب ما زال هناك وله صِيت كرجل صالح، وأن هؤلاء الناس أبناء الصالحين.
فهم لم يتعجبوا من سؤال سيدنا يوسف أنه: هل لكم أخ من أبيكم؟ "من أبيكم" صحيح؟ لأن أبانا شخص عَلَم معروف، أي عَلَم مشهور. وكانوا هم يقولون: نحن أبناء - اتذكروا - يعقوب إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم.
قصة شمعون وغضبه الشديد وكيف هدّأه ابن يوسف عليه السلام
بِشر! والله أصيح صيحة تُسقط حوامل مصر! هذا شمعون الذي كان يصرخ، فالحوامل تسقط من صراخه، الذي ذكرنا مرة أن شعره كان يبدو مثل الدبابيس هكذا، هو من الأمر.
وفي الروايات الشعبية أن شمعون هذا قد حدثت له حالة الغضب هذه، وكانت هذه الحالة من الغضب تزول لو أن أخًا من إخوة يعقوب وضع يده عليه. فأي أخ من إخوة يعقوب إذا وضع يده ولمسه فقط على شمعون، يهدأ، يذهب الغضب.
آه! فلمّا رأى يوسف منه الشرار خارجًا من عينيه، وأشياء من هذا القبيل، قال لابنه: اذهب والمسه، أمسكه. قال: لِمَن؟ ابنه، ابن يوسف، ابن سيدنا يوسف.
عمر سيدنا يوسف وقت اللقاء وتعجب شمعون من ابن يوسف
آه، هكذا! هنا كان [سيدنا يوسف] قد تزوج خلاص، أصبح متزوجًا، وكان قد أنجب وانتهى الأمر. فنحن الآن في السنوات السبع [العجاف]، فها نحن هنا في العام الذي فيه يعصرون، يعصرون يعني يُغاث فيه [الناس]، فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون.
فجاء العام هذا، نحن في خمسة عشر سنة هكذا: سبعة في سبعة في واحد، بالإضافة إلى التسع سنين السجن، فيكون هذا أننا أربعة وعشرين، بالإضافة إلى الخمسة وعشرين يكون أننا تسعة وأربعين حاليًا، يعني سيدنا يوسف عنده تسعة وأربعين سنةً في هذا الموقف.
فنادى الولد، فأمسك الولد عمَّه. نعم، عمُّه. هل أنت منتبه؟ كيف هدأ؟ فنظر إليه هكذا: هناك شيء ما، هناك شيء ما. هل هذا من يعقوب؟ أم ماذا؟ هذا من نسلنا؟
تعجب شمعون وعدم تخيل إخوة يوسف أنه نجا وأصبح عزيز مصر
هذا أيضًا يعني طرف آخر، في جانب آخر، أنه قال: إن هذا أمر عجيب، إن هذا أمر عجيب! أهذا من ولد يعقوب؟
وبالرغم من ذلك إلا أنهم منغلقين، غير قادرين أن يروا، غير متخيلين أن يوسف نجا، غير متخيلين أن النجاة حصل فيها كل هذا العلم والحكمة، غير متخيلين أنه هو الذي ظلموه وهو الذي أهانوه إلى آخره.
فهدأ [شمعون]، فقال لهم [سيدنا يوسف]: والله ما أنا أعطيكم شيء أمام أنت تتقافز، فاقفز! أنا لن أعطيك شيئًا إلا عندما تُحضر أخًا لك من أبيك. قالوا له: حسنًا.
حب يوسف لإخوته رغم ما فعلوه وإرسالهم إلى يعقوب بالبضاعة
ولكي لا يكسر بخاطرهم، يعني ما زال يحبهم بالرغم من كل ما فعلوه به، ما زال يحبهم. وضع لهم بضاعتهم التي يطلبونها في رحالهم وأرسلهم.
فذهبوا ليعقوب، فلما لم يصدقهم فكّوا الرحال فوجدوا البضاعة فيها، فقالوا له: هذه هي البضاعة، بضاعتنا رُدَّت إلينا.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: 65]
بدأ يعقوب يرى علامة معينة تدل على أن هناك شيئًا وراء هذه القصة.
سؤال المذيع عن رد فعل يعقوب وذكاء يوسف في التعامل مع إخوته
[المذيع]: ماذا يقول لهم [يعقوب]؟ لا، أم ماذا يقول لهم؟
[الشيخ]: نعم، ماذا؟ الولد الذي أمسك شمعون هذا، فأصبح هادئًا. على فكرة، يوسف هناك.
الذكاء الشديد والفطنة جزء لا يتجزأ من النبوة. صحيح أن إخوة يوسف قابلهم يوسف ثلاث مرات: المرة الأولى عندما كسر بخاطرهم في الظاهر هكذا وأرجعهم ليحضروا الولد، وبعد ذلك وضع لهم البضاعة.
والمرة الثانية عندما أحضروا له أخاه وأخوهم، وبعد ذلك وضع لهم صُواع الملك. هذه الحيلة من أجل أن يجلبوا أباه وأمه.
للمرة الثالثة عندما جلبوا أباه وأمه ودخلوا مصر إن شاء الله آمنين.
حكمة يعقوب في دخول أبنائه من أبواب متفرقة لمنع الحسد وإظهار السلام
[المذيع]: فضيلة الدكتور، حكمة سيدنا يعقوب كانت في ألا يدخل أبناؤه من باب واحد وأن يدخلوا من أبواب متفرقة، ما كانت فكرته أساسًا؟
[الشيخ]: كانت أولًا لمنع الحسد؛ لأنهم تسعة وقادمون، وما شاء الله يعني يُحدثون ضجة، والحسد يُولِّد طاقة سلبية تعطل أحوالهم، وهم يريدون أن تسير أمورهم ويأخذوا المؤونة التي يطلبونها ويذهبوا.
السبب الثاني في تصوري أنهم حين يدخلون من أبواب متفرقة، فإنهم يأتون رافعين راية السلام، نعم، وليسوا داخلين بتجمهر أو أنهم ليسوا داخلين بعزوة، تسعة وراء بعض وكبار وشمعون أفندي هذا الذي هو الذي لا أعرف ماذا يفعل.
رسالة السلام والتواضع في دخول أبناء يعقوب مصر من أبواب متفرقة
والقافلة الخاصة بهم التي فيها أناس آخرون أيضًا، والعير الأخرى، فهم يقولون لهم: لا، نحن لسنا قادمين حقًا إلا لنطلب الأمن والأمان والمؤونة والأشياء مثل ذلك.
نحن لسنا داخلون لكي نُظهر لكم التعالي أو القوة أو الجبروت، إنما نحن أناس مسالمون، ونحن يعني داخلون أصدقاء وقاصدون الخير، قاصدون الخير بالضبط.
فهذه نقطة ثانية لحكاية أن هناك شيء في نفس يعقوب قضاها، والتي هي رسالة من رسائل السلام والسكينة والتواضع، وليس الكبر والتجبر.
الحاجة التي في نفس يعقوب: منع الحسد وإظهار الحب والطاقة الإيجابية
حسنة وأنا سيدك! لا، ليس كذلك. القضية هكذا، القضية فيها حب وفيها طاقة إيجابية.
فيكون إذا منع عنهم الحسد من ناحية، وأظهر لهم الحب من ناحية أخرى، أعطى الطاقة السلبية والطاقة الإيجابية، أبعد هذه وقرّب هذه.
فكانت هذه هي - والله أعلم - الحاجة التي في نفس يعقوب قضاها.
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الدكتور علي جمعة والتمهيد للحلقة القادمة
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، نشكر لحضرتك جزيل الشكر على هذه المعلومات القيِّمة التي نستفيد منها في كل حلقة، شكرًا لك، شكرًا جزيلًا لفضيلتك، والشكر موصول لحضراتكم.
سنراكم إن شاء الله في الحلقة القادمة، ونستكمل رحلة سيدنا يوسف وأيضًا سيدنا يعقوب عليهما الصلاة والسلام في أرض مصر المباركة، في مصر أرض الأنبياء. إلى اللقاء، شكرًا.
