برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة الخامسة والعشرون | قصة سيدنا موسى والخضر “الجزء الثاني"
- •استعرض النص قصة سيدنا موسى والخضر عليهما السلام، موضحاً الدروس المستفادة من ثلاث قصص: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار.
- •أوضح النص أن العبرة الرئيسية من القصة هي ضرورة الجمع بين الظاهر والباطن، فالاكتفاء بالظاهر قصور، والاعتماد على الباطن فقط ضلال.
- •بيّن النص أن الخضر كان يعمل بوحي من الله وعلم خاص، ما يرجح أنه كان نبياً وليس مجرد ولي.
- •شرح النص دلالة الفرق بين "تستطيع" و"تستطع" في القصة، حيث تدل الأولى على القدرة المطلقة، والثانية على الحاجة إلى أداة.
- •تناول النص الخلاف حول حياة سيدنا الخضر، فمنهم من يرى أنه حي ضمن جدلية الخير والشر، ومنهم من ينكر ذلك.
- •أشار النص إلى وجود روايات كثيرة عن الخضر كاجتماعه مع إلياس والملائكة، ومواجهته للدجال، لكنها خارج نطاق الحُجّية الشرعية.
مقدمة الحلقة واستكمال قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر عليهما السلام
[المذيع]: نستكمل معكم حكاية سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع سيدنا الخضر، التي هي مليئة بالحكم، والتي قصّها علينا القرآن الكريم. كذلك سنتوقف في جزء من هذه الحلقة مع سيرة سيدنا الخضر عليه السلام، تفاصيل كثيرة سنعرفها حول أنبياء الله الكرام والرسل الكرام الذين عاشوا على أرض مصر وتربوا على أرض مصر، في حلقة جديدة من مصر أرض الأنبياء.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]
الخضر وصفه الله تعالى بأنه عبدٌ من عباده، والعبودية لله تعني الانقياد له والخضوع لجلاله سبحانه، وهي أعم وأشمل من مفهوم العبودية على أنها صلاة وزكاة وحج، بمعنى أنه كان تقيًّا نقيًّا.
الخضر عليه السلام كان منطلقًا في تصرفاته من الوحي الإلهي وتحقيق المنفعة
فكان من الكرم الإلهي أن قال عنه:
﴿وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]
كان [الخضر عليه السلام] منطلقًا في كل تصرفاته من باب المصلحة التي أوحى الله سبحانه وتعالى له بها.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾ [الكهف: 82]
وكل الأمور التي فعلها في قصته مع سيدنا موسى كانت لأجل تحقيق المنفعة للغير، الخضر عليه السلام.
ترحيب المذيع واستكمال الحديث عن رحلة موسى والخضر على أرض سيناء
[المذيع]: أرحب بحضراتكم مشاهدينا الكرام، ونستكمل في هذه الحلقة إن شاء الله ما بدأناه مع فضيلة الدكتور في الحلقة السابقة للحديث عن رحلة سيدنا موسى وسيدنا الخضر عليه السلام وسيدنا يوشع بن نون كذلك، على أرض سيناء الحبيبة في مصرنا المباركة، أثناء الأربعين سنة التي هي فترة التيه التي قضاها بنو إسرائيل على أرض مصر وتحديدًا في سيناء.
فضيلة الدكتور، أهلًا بكم، أهلًا بكم، أهلًا بحضرتك، يا رب يبارك في فضيلتك.
سؤال المذيع عن العبرة من قصة الجدار والغلام وإجابة الشيخ عن الظاهر والباطن
[المذيع]: فضيلة الدكتور، حضرتك تكرمت علينا وعلمتنا في الحلقة الماضية جزءًا أوليًّا من قصة سيدنا موسى وسيدنا الخضر عليهما السلام، وتطرقنا لقصة السفينة، وتعرفنا من فضيلتك على أهمية أن نصبر حتى نصل إلى كامل المعرفة قبل أن نحكم على الأشياء. لو أكملنا هذه القصة وتحدثنا عن قصة الجدار ثم قصة الغلام كذلك، ما هي العبرة المستفادة أو الدرس المستفاد من هذا الحوار وهذه التجربة بين سيدنا موسى وسيدنا الخضر عليهما السلام؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. العبرة المستفادة والدرس المستفاد من هذا الأمر وهذه القصة المباركة أن لكل ظاهرٍ باطنًا، وأننا يجب كما نهتم بالظاهر أن نضيف إليه الباطن.
هناك مناهج لإضافة الباطن، بعضها باطل وبعضها صحيحة.
الاعتماد على الظاهر فقط أو الباطن فقط ضلال والكمال في الجمع بينهما
[المذيع]: بمعنى ماذا يا مولانا؟
[الشيخ]: بمعنى أنه من أراد أن يعتمد على الباطن فقط ويلغي الظاهر فإنه يكون ضالًّا مضلًّا، وبمعنى أن من أراد أن يكتفي بالظاهر يكون مقصرًا وقاصرًا.
ولكن الكمال والحق وإتيان الله للنتائج الكاملة يجب أن يكون بضم الظاهر إلى الباطن. يعني في قصة سيدنا موسى والخضر أن الظاهر الذي هو خرق السفينة، والباطن هي العلة التي كان يعلمها الخضر، فلا بد أن نجمع بين الاثنين.
قصة قتل الغلام وعلاقتها بعلم الخضر الغيبي ونبوته
أنا الآن أمام هذه القصص الثلاث، ذكرنا بالتفصيل قصة المساكين الذين كانوا على السفينة. والقصة الثانية كانت قصة قتل الغلام، وهذه مسألة مؤلمة جدًّا. ويبدو أن كلمة "غلام" في اللغة العربية هي من وصل إلى الغُلمة أي إلى الشهوة، يعني كان مراهقًا، يعني كان عمره ستة عشر أو سبعة عشر سنة.
فهذا الغلام الذي قارب البلوغ أو وصل إلى هذا الحد من السن، ظهرت عليه ملامح الفساد وملامح إتعاب الوالدين الصالحين. لكن قدر الله الخفي الذي يعلمه الخضر وحيًا، والذي يجعلنا نرجح أن الخضر كان نبيًّا وليس مجرد ولي، إن هذين الوالدين كانا سيُنجبان، وربنا سيرزقهما.
علم الخضر بالغيب عن طريق الوحي وتمسك موسى بالظاهر فقط
[المذيع]: من الذي يعلم هذا الغيب؟
[الشيخ]: الله بإعلامه للأنبياء، نعم، فعلَّمه الخضر. لكن لم يُعلِم موسى، فموسى متمسك بالظاهر فقط، لكن الخضر يعرف الحقيقة وأنه مأمور من عند الله بقتل الغلام حتى لا يُرهقهما.
﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80]
معنى خشينا في الآية وهل هي راجعة إلى الله أم إلى الخضر
[المذيع]: يا مولانا، رؤية حضرتك: يُرهقهما، يُرهقهما طغيانًا وكفرًا، بالضبط. فيكون إذا خشينا أن نُرهقهما، الخشية راجعة إلى القدر، إلى الخضر؟
[الشيخ]: إلى الخضر. أصل يقول لنا "خشينا"، فهل الله سبحانه وتعالى ثم الخضر، أم لا، أم الخضر فقط؟ فلماذا قال خشينا؟ فخشينا لأنه يُعظّم نفسه، يُعظّم نفسه، نعم.
ويقول "خشينا" لأن هذه الطائفة من الأنبياء الذين لا يعرفهم الناس، والذين لم يأتوا بشرع ولم يبلغوا ويعملوا وما إلى ذلك، لكنهم منتشرون حينئذٍ في الخلق يرشدونهم ويقيمون صالح الأعمال ويعمرون الأرض بهذا بأمر الله سبحانه وتعالى وبوحيه وبإذنه وبرضاه.
علم الله بأن الزوجين الصالحين سيُرزقان ولدًا صالحًا بدلًا من الغلام الفاسد
فقد عُرِفَ يقينًا من الله سبحانه وتعالى أنه سوف يرزق هذين الزوجين الصالحين من يكون صالحًا وطيبًا وكذا إلى آخره، وهذا الولد [الغلام الفاسد] لا بد علينا أن يزول من الحياة.
إذن، هذه الحقيقة التي كان لا يعلمها موسى، لو أنه ضمها إلى ما عنده، ولذلك في النهاية قال [الخضر]:
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾ [الكهف: 82]
على فكرة، كل هذا وحي، وهذا أيضًا دليل آخر يجعلنا نقول إن الخضر عليه السلام كان نبيًّا ولم يكن محض وليٍّ أو صالح أو صدّيق أو ما شابه ذلك.
قصة بناء الجدار وحفظ كنز اليتامى بفضل صلاح أبيهم
القضية الثالثة أو القصة الثالثة التي كانت هي بناء الجدار، فلما نزلوا على أهل قرية أبوا أن يضيفوهما وقالوا: لا، نحن لن نطعمكم. والله هذه قرية سوء؛ لأنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.
ونحن نتذكر سيدنا إبراهيم:
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الذاريات: 26]
من كرم الضيافة. فإذا هؤلاء الناس أشرار، وبالرغم من ذلك، من أنهم منعوهم الضيافة وعاملوهم معاملة غير مناسبة، إلا أنهم وجدوا جدارًا يريد أن ينقض - أي سيسقط هكذا، هو حائط مائل سيسقط - فجاء [الخضر] بسرعة فأقامه وبناه.
وهكذا وقال: لا، هذا الجدار تحته كنز، وهذا الكنز يخص أطفالًا يتامى صغارًا، فأراد ربك أن نبني هذا الجدار حتى يكبر هؤلاء الأطفال.
صلاح الأب ينفع الذرية وحفظ الله لأبناء الرجل الصالح
[المذيع]: ومن أخبرك أنهم سيعرفون؟ ومن أخبرك أن تحته كنزًا؟
[الشيخ]: الله. والد هؤلاء الأطفال كان رجلًا صالحًا، الله هو [الذي حفظ لهم كنزهم]. فالإنسان مع صلاحه فالذرية تستفيد، نعم.
[المذيع]: النظرية ترى الدروس.
[الشيخ]: هذه هي كل الدروس والمعلومات التي تظهر لنا من قصة سيدنا الخضر عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فعندما يكبران سيحفران تحت هذا الجدار، وهو مجرد جدار وليس شيئًا كبيرًا، ويخرجان كنزهما ويستفيدان منه ويعيشان بشكل جيد مرتاحين.
لأنك إن تركت ورثتك أو ذريتك أغنياء لا يتكففون الناس، فهذا خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس.
الفرق بين تستطيع وتسطع ودلالة الزيادة في المبنى على المعنى
[المذيع]: فضيلة الدكتور، قبل أن نختم هذا الجزء ونتحول إن شاء الله بعد الفاصل إلى قصة سيدنا الخضر كما وعدتنا، إن شاء الله، وفيها دروس كثيرة نتعلمها إن شاء الله. كيف اختتمت هذه القصة وهذا الحوار وهذه التجربة الإنسانية بين سيدنا موسى وسيدنا الخضر، وخاصة أنك علّمتنا أيضًا في السابق أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، فنجد مرة "تستطيع" ومرة "تسطع"، فأرجو من حضرتك أن نختم بهذه الجزئية؟
[الشيخ]: "تستطيع" بزيادة فيها ياء، إذا هذا يدل على دلالة أعمق من "تسطع". هذه في البداية:
﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 67]
في البداية "إنك لن تستطيع معي صبرًا" تكون أعمق من "لم تسطع" التي هي في نهاية القصة.
دلالة استخدام تستطيع في البداية وتسطع في النهاية مع موسى عليه السلام
"تستطيع" معناها أنك تقدر من غير إله [أي من غير أداة تعينك]؛ لأن سيدنا الخضر يعتقد في موسى أنه كليم الله، هو على علمه قال له: أنت موسى. قال له بنو إسرائيل: من أنت؟ ما اسمك؟ من أنت؟ قال له: أنا موسى. قال له: موسى بني إسرائيل، إذا فهو يعرفه.
فكان يعتقد فيه ويعظمه فقط، عارفًا أن قضية النموذج المعرفي مختلف، وأن هذا باطن وهذا ظاهر، وأشياء مثل ذلك. فقال له: لن تستطيع، يعني لن تستطع، واستعمل كلمة "تستطيع" لأنه موسى فليس محتاجًا إلى أداة.
فلما وجد أنه لم يصبر، في النهاية قال له: لا، أنت لم تسطع.
﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78]
نعم، ما لم تسطع عليه صبرًا، يعني بيّن أنك تحتاج إلى أداة صحيحة لكي تستطيع أن تصبر وأن تنتظر الجملة المفيدة وأن تعمل عليها.
عتاب الله لموسى لأنه لم يرد العلم إلى الله وخروجه بالدرس من التجربة
سيدنا موسى وهو مع سيدنا الخضر قال هكذا في نفسه في أول مرة: ما الذي جعلني آتي إلى هذا الرجل؟ أنا كنت في بني إسرائيل وأعلّمهم وغير ذلك إلى آخره، ما حاجتي؟
[المذيع]: في هذا فقط هو هكذا، خرج بدرس يا مولانا؟
[الشيخ]: طبعًا لقد تعلم، طبعًا. كل هذا من عتاب الله له وأنه قال عن نفسه: أنا أعلم من في الأرض، دون أن يرد العلم لله.
[المذيع]: صحيح، أنه لم يقل مثلًا: أنا أعلم من في الأرض والله أعلم.
[الشيخ]: نعم، هو لم يقل ذلك "والله أعلم"، فهذا كله يعلم البشرية.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يوسف: 111]
ختام الجزء الأول والانتقال إلى سيرة سيدنا الخضر عليه السلام
[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم يا مولانا، ونفعنا دائمًا بعلم فضيلتكم. سنخرج لفاصل، وبعد الفاصل سننتقل إلى سيرة سيدنا الخضر عليه السلام. بعد الفاصل ابقوا معنا.
أرحب بحضراتكم مرة أخرى، ما زلنا مع فضيلة الدكتور علي جمعة نتحدث عن سيرة سيدنا الخضر عليه السلام، سواء كان رسولًا أو نبيًّا أو وليًّا. وعمومًا، يكفينا كمصريين شرف أن قدميه الشريفتين قد وطأتا أرض مصر المباركة وتحديدًا أرض سيناء التي دارت فيها هذه القصة التي تحدث عنها فضيلة الدكتور حول سيدنا موسى وسيدنا الخضر ومعهما يوشع بن نون فتى موسى.
سؤال المذيع عن حقيقة حياة الخضر وإجابة الشيخ بأنها محل خلاف بين العلماء
[المذيع]: فضيلة الدكتور، يرحب بحضرتك مرة أخرى. وعندما كنا صغارًا كانوا يقولون عندما تأتي سيرة سيدنا الخضر دائمًا: قولوا وعليكم السلام ورحمة الله. ما حقيقة هذه القصة وهل سيدنا الخضر حيٌّ في الواقع؟
[الشيخ]: الحقيقة أن العلماء والفقهاء والأولياء كثير منهم يرى حياة الخضر، لكن حياة الخضر هي محل خلاف.
الرأي الأول يقول إنه حيٌّ وأن حياته هي نوع من أنواع جدلية الخير والشر، فكما أن الدجال يعيش فإن الخضر يعيش في المقابل، وكما أن إبليس مخلَّد وهو من الجن فإن الخضر مخلَّد وهو من بني آدم.
حياة الخضر من عالم الغيب لا الشهادة ولا يجوز إنكارها بالعقل المادي
إذن هناك توازن، وكما أن إبليس من الجن والدجال من الأشرار أحياء، فإن أمامهم أحياء آخرون ولكنهم غير مرئيين، وهؤلاء غير مرئيين. فنحن قد دخلنا في دائرة الغيب لا في دائرة الشهادة.
فلا يأتي أحد ليقول لي: والله هذا الكلام خرافة؛ لأن الغيب ليس لك شأن به؛ لأن هذا الغيب هو غيب، والإيمان به إنما يأتي عن طريق الوحي أو عن طريق التصديق. فأنت ليس لك شأن بي؛ لأنه:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
هذه قاعدة عامة حتى فيما هو من الأركان الكبيرة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، الذي هو حرية المعتقد.
ابن حجر العسقلاني ورسالته عن الخضر وميله إلى القول بحياته
يعني فلنتجنب مسألة إدخال ما هو في الغيب في جانب مثلًا العلوم التي هي العلم التجريبي، هذا لن يكون مجديًا.
فابن حجر العسقلاني مال، وقد أورد الخضر في الصحابة في كتابه [الإصابة في أخبار الصحابة]، وهذا الكتاب في آخره تحدث عن الخضر وأصبحت هذه رسالة مستقلة من كثرة ما أوردها من معلومات ومن أسانيد ومن أقوال لعلماء وأولياء وما إلى ذلك، فسماها "القول النَّضِر فيما جاء في الخضر".
والقول النضر فيما جاء في الخضر، هذه لا نستطيع أن نقول إنه اختار حياته يعني بشكل صريح هكذا، وأنه مال إلى حياته، فقال أنه أكثر المحدثين أو هكذا، يعني عبارات توحي بأنه يميل إلى أنه حي.
مسألة حياة الخضر ليست من أصول العقيدة والتوجه المادي لا ينفع في الغيبيات
أنه حي، يعني لا أستطيع أنا أن أتكلم عن شيء وأجادل كأنه يعني سيخرجني من الملة إذا قلت أن الخضر حي أو ليس حيًّا.
هذا التوجه المادي بأننا لا نؤمن إلا بما نرى، هو حر يؤمن بالشهادة، لكن الغيب الغيب. نحن أُمرنا أنه عالم الغيب والشهادة، فنحن أُمرنا أن نؤمن بالجن وهي مخفية عنا، وبالملائكة وهي مخفية عنا، وبالجنة والنار وهي ليست حاضرة أمامنا، وبيوم القيامة وهو في المستقبل لم يأتِ بعد، وغير ذلك إلى آخره.
أقوال المشايخ في تشكل الخضر وثبات منطقة العينين عند ظهوره
فكثير جدًّا من أخبار الخضر، كلام الخضر. وكان مشايخنا يقولون - مشايخنا الذين كانوا يميلون إلى أنه يعيش - أنه يتشكل، وإذا ظهر لأحدهم يتشكل، وأن هناك جزءًا في جسمه لا يتغير وهو منطقة العينين.
الله، يعني أنت رأيته يا مولانا؟ واحدٌ يقول لي مثلًا من مشايخنا: رأيته ثلاث مرات. حسنًا، هذا غير هذا، غير هذا في الشكل. هذا مثل شخص تركي وهذا مثل شخص مصري وهذا يبدو عراقيًّا في كل مرة. حسنًا، ما الذي ثبت فيه؟ منطقة العينين.
أنت تعلم عندما يقوم رجال المباحث بالبحث يضعون العينين هكذا، هذه العينان لها نظرة ولها بصمة، والآن أصبح لها بصمة في المطارات وما شابه. بصمة عينيه واحدة.
الشجاعة الحقيقية في قبول الاحتمال وعدم إنكار الغيب بدعوى الخرافة
حسنًا، ماذا سأقول له؟ أنا لم أكن معه ولم أرَ معه ولا في نفس هذا الوقت أستطيع وأنا ثابت العقل هكذا أن أنكر، إلا إذا كنت لم أستفد من قصة الخضر وأصررت على الظاهر فقط وأنكرت الغيب وظننت أن هذه شجاعة.
والله ما هي شجاعة، الشجاعة أن هذا احتمال، الشجاعة أن هذا لا أكذبه. لماذا؟ لأنها خرافة؟ من الذي أخبرك أنها خرافة؟ ربما عقلك هو الذي يمثل الخرافة. ما الذي أدراني أن هذا خرافة؟ لا يوجد أي دليل يشير إلى أن هذا خرافة.
أخبار كثيرة عن الخضر في المشارق والمغارب لم ترد في السنة الصحيحة
صحيح أن هناك كلامًا كثيرًا جدًّا، وأناسًا كثيرين جدًّا في المشارق والمغارب يتحدثون عن الخضر ويتحدثون عنه بما لم يرد في السنة. يقولون لك مثلًا أنه لم يتزوج، أي ليس له شأن بالسيدات، ليس له أن يتزوج.
أو يقولون مثلًا من ضمن الأمور اللطيفة التي في هذا المقام أنه هو الذي دفن آدم.
أخبار الخضر الواردة في الكتب ليست وراءها حجة شرعية ولا يضر تصديقها أو تكذيبها
[المذيع]: بالضبط، قرأنا هكذا، بالضبط. كانت هناك أشياء أيضًا مثل ذلك، فكنت أيضًا سأعرض على حضرتك ما كان فعلًا صحيح.
[الشيخ]: يعني انظر كيف، نعم، حسنًا. دفن آدم، إذا يعيش كل هذه السنين الطويلة. فهناك أمور يعني ما هو إذا كانت فكرة جدلية الخير مع الشر هي الفكرة التي وراء حياة الخضر، فتصبح مثل هذه الأشياء تأتي حين يكتب أحدهم هكذا.
لكنها لا تحتوي على حجة، أي لا دليل فيها، أي أن ينكرها لا بأس، يمكنه إنكارها والقول مثلًا أنه لم يرد بها الخبر الصحيح، هذا صحيح ولا ضرر في ذلك.
هل هو متزوج أم غير متزوج؟ يعني لو كان متزوجًا لماتت النساء منذ زمن؛ لأنه فقط من يملك هذه الخاصية [خاصية الحياة الطويلة]، فلا علاقة له بالنساء ولا له أيضًا. كل هذا الكلام عبارة عن أخبار موجودة في الكتب وليست وراءها حجة، وليس وراء تصديقها أو تكذيبها عقلية الخرافة.
أخبار عن الخضر في موسم الحج واجتماعه بالملائكة وإلياس عليهم السلام
[المذيع]: بالضبط يا مولانا، وإنني أود أيضًا أن أعرض على فضيلتكم أكثر من شيء مما قيل عن سيدنا الخضر: من أنه في كل موسم حج وفي يوم عرفة تحديدًا يجتمع هو وجبريل وإسرافيل وميكائيل، مثلًا أنه يحج كل سنة هو وسيدنا إلياس، أو يصومون شهر رمضان معًا ويحجون معًا ويشربون من مياه زمزم شربةً واحدةً تكفيهم طوال العام.
وأنه هو الذي بشَّر عمر بن عبد العزيز بالولاية الثانية، وأنه سيكشف الدجال عند محاولة الدجال دخول المدينة.
كل أخبار الخضر خارج نطاق الحجية وليست من الشريعة في شيء
[الشيخ]: هذه من ضمن الأشياء التي قرأناها بينما كنا نعد لهذه الحلقة. كل هذه الأخبار موجودة، كل هذه الأخبار هي موجودة خارج نطاق الحُجّية. كل هذه الأخبار يمكن تصديقها لكنها ليست من الشريعة في شيء.
شخص ما يقول لك: أنا رأيت رؤيا في المنام تقول كذا وكذا وكذا، حسنًا.
حديث مواجهة الدجال وعلاقته بجدلية الخير والشر وحياة الخضر
أما قصة أن سيدنا الخضر هو الذي سيواجه الدجال، فأنا أشرت إليها عندما قلت لك ما هي جدلية الخير والشر، صحيح. لكن هذا ورد فيه حديث، ورد فيها حديث، لكنه لم يقل في الخضر.
قال إن الدجال عندما يخرج سيقول للناس: أنا ربكم، فكثير من الماديين وغيرهم سيصدقونه؛ لأنه قال لهم: تعالوا، ماذا تريدون؟ مطر؟ ربنا الذي تقولون إنه ينزل المطر؟ حسنًا يا مطر انزل، فينزل المطر. يضع بذرة ويقول: انبتي شجرة، فتنبت الشجرة.
فيقولون: يا الله، هذا كلام لم نره أبدًا على يد البشر وكنا ننكره، إذا أنت حقًّا ربنا.
قصة المؤمن الذي يواجه الدجال ويزداد يقينًا بعد قتله وإحيائه
هنا سيخرج له شخص مؤمن ويقول له: أنت أعور والله كامل، فلو كنت أنتَ إلهًا أو الله لكنت ظهرت بمظهر كامل يا أخي على الأقل، فأنت الدجال.
فيقول له: ما رأيك أن أجري لك عملية أمام الناس؟ سأقتلك وبعد أن أقتلك أحييك، ونرى إن كنتُ أنا، ألست تقول إن ربنا هو المميت وهو الحي؟
فحسنًا، ذهب وقتله أمام الناس ثم أحياه أمام الناس. فقال له: ها، ما رأيك الآن؟ فقال له: لم أكن على يقين أنك الدجال إلا الآن. يعني لم تهزّه هذه الحكاية من أن يصف المحدود بأنه إله، أن يصف الحادث الذي أمامه، الأعور الذي أمامه، بأنه إله.
تفسير العلماء أن المؤمن الذي يواجه الدجال هو الخضر وبقاء المسألة محتملة
لم يتداخل عليه، فتكون هذه بصيرة، أي أنه فتى. فقالوا إنه الخضر في التفسير، ولكن أيضًا لم يُصرَّح هنا في الحديث باسمه الخضر، لكي ينفي نزاعًا محتملًا.
وربما، يعني ربما، ما زلنا في تردد، وهذا كله يؤيد كلامنا طوال الحديث. لكن هذا الحديث بالذات الذي حضر أنه سيكون مع الدجال يؤيد وجهة النظر التي أعرضها لتفسير ما هنالك من أخبار الخضر عليه وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم.
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الدكتور علي جمعة على ما قدمه من علم
[المذيع]: اللهم آمين، شكرًا جزيلًا فضيلة الدكتور، وفتح الله عليكم فتوح العارفين، شكرًا جزيلًا لحضرتك.
[الشيخ]: شكرًا.
[المذيع]: والشكر موصول لحضراتكم، ونشوفكم إن شاء الله في حلقة جديدة، إلى اللقاء.
