برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة الرابعة والعشرون | قصة سيدنا موسى والخضر
- •يروي النص قصة سيدنا موسى مع الخضر عليه السلام، حيث أمره الله تعالى بتلقي العلم من الخضر رغم مكانة موسى العالية.
- •بدأت القصة عندما سأل موسى من أعلم أهل الأرض فقال: أنا، فعاتبه الله وأخبره أن هناك من هو أعلم منه.
- •أمر الله موسى بالذهاب لملاقاة الخضر عند مكان فقدان السمكة، فذهب برفقة فتاه يوشع بن نون إلى شاطئ سيناء.
- •اشترط الخضر على موسى ألا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً، فوافق موسى.
- •علَّم الخضر موسى أن هناك فرقاً بين ظاهر الأمور وباطنها، كما في حادثة خرق السفينة التي بدت فساداً لكنها كانت صلاحاً.
- •يوضح النص أن النموذج المعرفي عند الخضر متعلق بالحقائق الباطنية، بينما نموذج موسى متعلق بالحقائق الظاهرية.
- •تظهر القصة أهمية عدم التسرع في الحكم على الأمور قبل الإحاطة بها، وفضل طلب العلم والتواضع.
مقدمة عن درس سيدنا موسى مع الخضر على أرض سيناء المباركة
على أحد شواطئ سيناء الحبيبة، وفي بقعة مباركة من أرض مصر الطيبة، كان هناك درس جديد لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع العلم، وبأمر من الله سبحانه وتعالى أن يتلقى العلم من جديد على يد شخص كريم آخر هو سيدنا الخضر عليه السلام.
هذه المرحلة الجديدة في حياة سيدنا موسى ربما لتكون لنا درسًا جميعًا بأن لا نعتمد على ما لدينا من علم أو معرفة أو قرب حتى من الله سبحانه وتعالى، وأن نجتهد دائمًا في طلب العبادة والطاعة وطاعة أوامر الله سبحانه وتعالى، وفي تحصيل المزيد من العلم النافع والخير النافع.
محطة جديدة في مصر أرض الأنبياء وحوار موسى مع الخضر عليهما السلام
محطة جديدة في مصر أرض الأنبياء.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]
﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 67-68]
﴿قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: 69]
﴿قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70]
موسى عليه السلام يضرب أروع الأمثلة في تواضع العلماء وطلب العلم
ضرب موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أروع الأمثلة وأسمى النماذج للمتعلم الحريص على الاستزادة من العلم، حيث أخبره الله بأن هناك من هو أدرى منه وأعلم بأمور لم يُحِط بها موسى علمًا.
حينها قصد موسى إلى الخضر طالبًا منه العلم في تواضع العلماء وتلطف وأدب رفيع يليق بالأنبياء. ووجد موسى في الخضر المعلم والقدوة.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
ترحيب المذيع بالدكتور علي جمعة وسؤاله عن مكان أحداث موسى والخضر
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، ونستكمل هذه الرحلة الطيبة والمباركة مع فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، وسنتحدث مع فضيلته اليوم عن قصة سيدنا موسى عليه السلام ومع سيدنا الخضر عليه السلام أيضًا. فضيلة الدكتور، أهلًا بحضرتك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: أين وقعت هذه الأحداث الخاصة بسيدنا موسى والخضر وكذلك فتى موسى الذي كان يرافقه في هذه الرحلة على أرض مصر؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا الرجل الصالح العالم الذي كان يُسمَّى مَلكى والخَضِر، وهكذا تُنطق، أو الخِضْر، يعني الاثنتان صحيحتان: الخَضِر والخِضْر. فأنا سأقول الخَضِر وأنت تقول الخضر لكي يمكث في ذهن المتابع الكريم.
صفة الخضر عليه السلام وسبب تسميته بهذا الاسم وبركته
فالخضر هو صفته، وهذه الصفة كانت من جراء أنه ما جلس على شيء إلا خضر كما ورد في الأخبار. وهذه علامته أنه إذا جلس على شيء وقام، يعني ربنا جعل له خضرة من البركة أو الأسرار التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيها ليُعلم البشرية حقائق الكون.
سؤال بني إسرائيل لموسى عن أعلم أهل الأرض وعتاب الله له
فسيدنا موسى سأله بنو إسرائيل عندما قام يخطب فيهم ويعلمهم، فرجل أُعجب به كثيرًا، يعني أُعجب بسيدنا موسى، فقال له: من أعلم أهل الأرض يا موسى؟ قال: أنا. وكان ينبغي أن يقول الله أعلم؛ لأنه:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
لأنه لم يُحط أحد ما بين علمٌ ما بين السماء والأرض. عندما قال هذا عاتبه الله، ربنا عندما أحد الأنبياء من هؤلاء يفعل شيئًا ولكن هناك ما هو أجمل منه وأحسن منه، يقع شيء من العتاب.
قال: يا موسى نسبت العلم لنفسك، أنا أعلم من في الأرض، هكذا، استغفر الله. قال له: ولم تنسب العلم إليه، بل هناك من هو أعلم منك؛ لكي يُعلِّم موسى أنه في علمه كله هذا يوجد عليم يعلمه الحقيقة الكونية هذه التي خلق الله سبحانه وتعالى الخلق عليها.
حب موسى عليه السلام للتعلم وأخلاق الأنبياء في طلب العلم
فقال: يا رب أريد أن أراه. إذن موسى محب للتعلم، ليس عنده حقد وليس عنده حسد، بل يريد أن يرى من الذي هو أعلم منه لكي يتعلم منه الذي فضَّله الله عليه، لكي يتعلم منه، لأجل أن يتعلم منه، هل تفهم؟ لكي يتعلم منه.
هذه هي أخلاق الأنبياء والأولياء والأصفياء، أن يريد التعلم منه، يريد أن يرى هذا الرجل لكي يستفيد منه، لا يتركها هكذا. إذا كان هناك من هو أعلم منه، حسنًا، أنا أريد أن أتعلم.
هل كان الخضر عليه السلام نبيًا أم وليًا وأهمية القصة في فهم الحقائق
[المذيع]: ودعني أوضح، فهو الأعلم، وما الذي استفاده [موسى] من هذه المعلومة الإضافية التي عند الخضر عليه السلام؟ هل كان الخضر نبيًا أم وليًا؟
[الشيخ]: هناك قولان، ولكل قول فائدة في استنباط الأحكام وفي الاستفادة من هذه القصة ومن هذا القصص الرائع الذي وراءه ما وراءه؛ لأنه أحيانًا كثير من الناس ممن تمسكوا بالظواهر ضلّوا وأضلّوا لعدم إدراكهم هذا النموذج الحي الموجود في القرآن.
وربنا سبحانه وتعالى قال له: حسنًا، الذي فيه أعلم منك. قال له: أذهب إليه يا رب. قال له: حسنًا، اذهب. إلى أين ستذهب إليه؟ قال له: سأضع لك علامة، أنت وتلميذك أو فتاه، وكان اسمه يوشع بن نون.
نبوة يوشع بن نون ونسبه من سبط يوسف عليه السلام
[المذيع]: صحيح، وهل يوشع هذا كان نبيًا؟
[الشيخ]: أغلب أهل الكتاب يقولون إنه نبي، وكل اليهود يقولون إنه نبي، حتى الذين يقولون إنه لا يوجد نبي بعد موسى قالوا إلا يوشع. يوشع هذا ماذا؟ خارج عن القصة.
فكان الفتى الذي معه هو يوشع، وهو يعرف أنه قائد سبط يوسف عليه السلام. هو الذي ينحدر من نسل سيدنا يوسف الذي هو يوشع بن نون. يوشع بن نون هذا هو الذي ينحدر من نسل سيدنا يوسف.
أما موسى فينحدر من نسل سيدنا لاوي أو من لاوي، حتى لا يقول لك بعض الناس أنهم تابوا وانتهى الأمر. صحيح أنهم من أولاد سيدنا يعقوب، ولكن لا عليك، ولكن سيدنا يوسف الذي هو سيدنا رسميًا هكذا هو يوشع بن نون، وهو ماذا؟ ابنه، وابنه هنا معناها حفيده، أي ليس بمعنى البنوة المباشرة؛ لأنه يفصل بينهم كما ذكرنا حوالي أربعمائة سنة.
سؤال عن تحديد المكان الجغرافي لأحداث لقاء موسى بالخضر عليهما السلام
[المذيع]: صحيح، أنك تفضلت وذكرت أنه كان هناك حوالي خمسة أجيال من سيدنا يوسف إلى سيدنا موسى عليه السلام. فضيلة الدكتور، هل هناك أي ذكر سواء في المعلومات أو الأشياء العلمية المؤكدة التي تحدد المكان الذي دارت فيه هذه الأحداث والذي بحث فيه سيدنا موسى عن سيدنا الخضر عليه السلام؟
[الشيخ]: أريد أن أكمل الحكاية.
[المذيع]: تفضل.
تفاصيل رحلة موسى ويوشع بن نون وعلامة السمكة للقاء الخضر
[الشيخ]: الحكاية، قال له: ستذهب لتقابله، أين؟ قال له: حسنًا، أنت معك يوشع بن نون. ويوشع بن نون معه سلة صغيرة وضع فيها سمكة؛ لأنهم كانوا يملحونها وأشياء مثل ذلك، مثل هذه المملحة لكي يحفظوها، والتي هي غداؤنا، أي غداء.
وبعد ذلك قال له: إن هذه السمكة ستُفقد منكم، ستفقدونها، ستنسون الشيء. المهم أنها ستفعل، سيحدث شيء. عند نقطة فقدان هذا الشيء، ستجدون الخضر هناك أو ستجده العبد الصالح الذي أنا هو أعلم منك يا موسى.
قال له: طيب. فظل موسى يتمشى مع يوشع على الساحل، وجاء عند نقطة لقاء الخضر، وجلسوا قليلًا ليستريحوا.
معجزة السمكة التي قفزت في البحر واتخذت سبيلها سربًا
السمكة بقدرة قادر - وما هي إلا معجزة، وهذا كليم الله - قفزت في المياه وغسلت نفسها من قليل الملح الذي وضعناه لكي لا تتحرك، فربنا لها وردًا فيها الروح وتنفّس فيها الروح وجرت.
نعم، ذهبت وتقطّرت المياه، فغسلت روحها وذهبت سائرة.
﴿فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: 61]
فقال ربنا: هذه الآية - المجرى المائي الناتج من السمكة، فالسمكة عندما تكون سائرة وصانعة فرقة هكذا، تنقسم المياه، تجمع تجمع؛ لأن الموج هرب بين وطلب أي يأتي هكذا، لكن هذا ظل مثل مثل فكرة ماذا؟ شق البحر ونجاة بني إسرائيل.
نسيان يوشع إخبار موسى بقفز السمكة والعودة لمكان اللقاء
فعندما فعل هكذا مشوا. يوشع رأى بعينيه السمكة وهي تقفز، موسى كان نائمًا. عندما استيقظ يوشع نسي أن يقول له هذه العبارة. لو كان قال له لكان انتهى الأمر، هم بجانبه، هذا هو المكان الذي سيقول له: هذا هو المكان كما قال ربنا.
فذهب ماشيًا على الساحل هو ويوشع مسافة قصيرة، وبعد ذلك جاع فقال له: أحضر لنا السمكة التي وضعناها. قال له: لقد نسيت، هذه السمكة هربت ومشت وذهبت، فاتخذت سبيلها في البحر.
معنى كلمة الحوت في القرآن والفرق بينه وبين حوت يونس عليه السلام
هذا الحوت، هذه سمكة وليست حوتًا ضخمًا مثل حوت سيدنا يونس عليه السلام أو ذلك الذي يُسمى النون. إنها سمكة صغيرة يسمونها حوتًا، وحتى الآن في بعض بلادنا هنا يُسمون السمك حوتًا.
المهم أنه عندما قال له: هذا ما كنا نبغي، عاد أدراجه.
﴿فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: 64]
الأثر، يعني ماذا تعني كلمة قص الأثر؟ تعني تتبعه.
لقاء موسى بالخضر عليهما السلام وتعارفهما على أرض سيناء
وبعد ذلك وجدوا رجلًا نائمًا ومتغطيًا، فقال له: السلام عليكم. فكشف له عن نفسه، قائلًا: السلام في أرضنا، ماذا تعني هذه الكلمة الغريبة؟ من أنت؟ لأنه شعر فورًا أن هذا شخص متميز، وأنه شخص غير عادي، وأنه يقول شيئًا غير مألوف.
هذا الذي يعرفه الأولياء الكبار هؤلاء، السلام عليكم هؤلاء. نعم، فمن أنت بالضبط؟ من أنت بالضبط؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل، عنده علم.
إذن هو يعرف القصة كلها، هو يعرف أنهم في التيه ويعرف أن هذه الأشياء كلها. إذن كل هذا حدث في سيناء، حدث في سيناء في الأربعين سنة عند التيه.
أحداث كثيرة وقعت في سيناء خلال الأربعين سنة من التيه
وأشياء كثيرة حدثت في سيناء خلال الأربعين سنة. وجاء أناس ليتخاصموا معهم، وأناس سنرى بعد ذلك الذين يريدون قتلهم والذين لا يريدون قتلهم، وأشياء مثل ذلك. كل هذا حدث في الأربعين سنة.
حوار موسى مع الخضر وطلبه المصاحبة والتعلم منه
عظيم، نعم. فالمهم قال: نعم، أنا موسى بني إسرائيل. قال: وما أتى به؟ قال: أتيتُ حتى أصاحبك وأتعلم منك.
قال له: لن تستطيع معي صبرًا، فإن لي علمًا لا ينبغي أن تعرفه، وعندك علم لا ينبغي أن أعرفه.
سؤال المذيع عن كون الخضر مُرسلًا إليه يملك علمًا ليس عند موسى
[المذيع]: حسنًا، أستأذن فضيلتك، هل يمكننا أن نسأل سؤالًا بعد الفاصل إن شاء الله؟ الإجابة: هل بالتالي يمكننا القول أن سيدنا الخضر عليه السلام أيضًا المُرسل إليه الذي لديه علم ليس عند سيدنا موسى؟ سؤال جيد وجميل، سنأخذ الإجابة بعد الفاصل إن شاء الله.
مجمع البحرين في رأس محمد وصخرة الحوت نقطة لقاء موسى بالخضر
إن شاء الله، مجمع البحرين لا ينطبق جغرافيًا في أي مكان في العالم إلا في منطقة رأس محمد، وهي مجمع خليجي خليج العقبة والسويس في بحر واحد هو البحر الأحمر.
وفي روايات، هي موقع صخرة الحوت، نقطة اللقاء بين نبي الله موسى عليه السلام والرجل الصالح الخضر عليه السلام. وهي الصخرة الوحيدة التي تتوسط طريق الدخول إلى رأس محمد وتقع في خط مستقيم في طريق الوصول لآخر نقطة في اليابس في موقع مجمع البحرين على الشاطئ.
وقد وصف القرآن الكريم معجزة شق الطريق إلى البحر وعودة الحياة للحوت، والمعروف بمنطقة الخليج الخفي بجنوب رأس محمد. وهذا يفسر وجود مجرم مائي دائم في منطقة الخليج الخفي في رأس محمد حتى الآن.
سؤال المذيع عن كون الخضر مرسلًا إليه وتأجيل الشيخ الإجابة التفصيلية
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. فضيلة الدكتور، هل نستطيع أن نقول أن الخضر عليه السلام أو الخضر عليه السلام مرسلٌ إليه مثل سيدنا موسى لأنه يملك علمًا ليس عند سيدنا موسى؟
[الشيخ]: حسنًا، اتفقنا أن أقول الخَضِر وأنت تقول الخضر لأجل الاثنين يثبتونها. وبعد ذلك هذا السؤال هو سؤال مناسب وجاء في مكانه، لكنني لدي كلام كثير فيه، وكنا نريد أن نخصص له حلقة.
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، بإذن الله إن شاء الله، وسنكون شاكرين بالطبع لحضرتك، حفظك الله، بارك الله فيك سيادتك.
طبيعة العلم الذي طلبه موسى من الخضر ومعنى كلمة رشدًا في الآية
[المذيع]: فضيلة الدكتور، ننتقل إلى هذا الموضوع. للعلم الذي سيدنا موسى استأذن الخضر قائلًا: هل أتبعك؟ فأجاب: نعم. ما هي طبيعة هذا العلم، خاصة أنه استخدم في نهاية الآية كلمة رشدًا؟ فما طبيعة هذا العلم الذي كان عند سيدنا الخضر عليه الصلاة والسلام؟
[الشيخ]: كان سيدنا موسى يمشي مع الخضر على الساحل، أي كان يمشي معه أيضًا، ومعه فتاه يوشع بن نون الذي لم يغادره في أي موقف من المواقف. لم يُغادره يوم السحرة، ولم يُغادره في شق البحر، ولم يُغادره في محاولة الدخول إلى الأرض المقدسة، ولا أي شيء.
ولذلك هو مشى معه، فأصبحوا ثلاثة: الخضر ويوشع وموسى. ولكن الكبير منهم هو موسى، كليم الله.
درس يوشع بن نون في الاستماع والتعلم وجعل الأذنين أكبر من اللسان
ما هو الوضع؟ الوضع أن يوشع جالس يتعلم، ومن هنا موقف يجب علينا جميعًا أن نعلّمه لشبابنا: اجعل أذنيك أكبر من لسانك. صحيح، استمع، تعلّم، املأ نفسك هكذا واشحنها بالمعلومات والحق وغير ذلك إلى آخره.
فيوشع كان يتميز بأنه لم يدخل أبدًا في الحوار، لم يعترض ولم يوافق ولا أي شيء، بل كان جالسًا يتعلم ويملأ نفسه علمًا.
يوشع بن نون القائد الذي تعلم بالصمت وأخذ العلم عن الأكابر
إذن هنا نقول:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]
لأن يوشع هذا سيصبح فيما بعد قائد بني إسرائيل وهو الذي سيُدخلهم بعد ذلك الأرض المقدسة. يوشع هذا قائد، لكنه تعلم وهو قائد، ولكنه سكت وأخذ العلم عن الأكابر وجلس صامتًا، أخذه وتعلم.
قول النبي ﷺ رحم الله أخي موسى لو أنه سكت لرأينا من أخبارهم عجبًا
سيدنا موسى كان كما كان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «رحم الله أخي موسى، لو أنه سكت لرأينا من أخبارهم عجبًا»
يعني معنى الكلام أن الله قد ضرب لنا ثلاث مواقف، ثلاث حالات سنستنبط منها أشياء جيدة وما إلى آخره، ولكن لو كان سيدنا موسى فقط، يعني نتمنى العلم أيضًا الذي نتحدث عنه، أي الاشتياق إلى العلم والمعرفة التي لا نهاية لها.
شرط الخضر لموسى بعدم السؤال وأهميته كشرط للعلم كله
[المذيع]: فضيلة الدكتور، هل كان في شرط وضعه سيدنا الخضر لسيدنا موسى، خاصةً أنه يعني قال له: إنك لن تستطيع معي صبرًا؟
[الشيخ]: نعم، هو الشرط الذي تحدثنا عنه أو أشرنا إليه الآن، كان شرطًا للعلم كله. عندما تحدثنا عن يوشع، وهو أن يجعل تلقيه أكبر من مناقشته.
تعني أن لا تعترض على شيء أنت لا تعرفه. فالكل يقول له:
﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 67]
ولذلك إذا صحبتني:
﴿فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70]
لا تسألني عن شيء حتى أُحدث لك منه ذكرًا. هذه الكلمة هي شرط العلم كله، ليست شرطًا لموسى فقط.
الفرق بين النموذج المعرفي الباطني عند الخضر والظاهري عند موسى
ولكن لأن النموذج المعرفي الذي عندي يا موسى والذي عندك مختلف من جهات. النموذج المعرفي الذي عند الخضر هذا متعلق بالحقائق الباطنية، والنموذج الذي عند موسى متعلق بالحقائق الظاهرية.
﴿قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: 69]
إذن الصبر، نحن نقول إن الصبر هذا مقاومة، يعني يحتاج مقاومة نفسية. فيكون إذا هذا الصبر الذي يحتاجه إلى مقاومة، سيدنا موسى وعد به.
تعارض النموذجين الباطني والظاهري وعدم قدرة موسى على الصمود
نعم، وعد به، وعد به. إنما في الواقع عندما تعارض النموذجان، النموذج الذي هو متعلق بباطن الأمور والنموذج الذي هو متعلق بظاهر الأمور، كان غير قادر أن يصمد أو لا يعرف أن هذا صبر.
صحيح، كان يظن أنه معارضة للنموذج، ليس أنه إضافة نموذج إلى نموذج.
حادثة ركوب السفينة ومثل الطائر الذي ينقر في البحر
فيقول أنه عندما ركب السفينة، وكانت هذه أول حادثة، وجد طائرًا ينقر في الماء هكذا ويغطس من الطيور المائية هذه.
فقال له: يا موسى، إن مثلي ومثلك كمثل هذا الطائر، وعلمي وعلمك كمثل ما أخذ من البحر من علم الله. سبحان الله، تكون إذن نقطة في بحر.
فلا مشكلة إذن، ولست أنا العالم كما قال في البداية، إذن انتهى الأمر ولن ينفع.
خرق الخضر للسفينة واعتراض موسى عليه بحسب الظاهر
فركب السفينة، وكان هذا هو الشرط الأول، وهو شرط العلم حتى يوم القيامة. ركبوا السفينة فوجده قد أمسك أداة وبدأ يكسر فيها قطعة خشب.
يا الله، هكذا الأمر، سوف تفسد بالدرجة الأولى لأنك تهدم ولا تبني أنت هكذا. انظر إلى الظاهر الآن، إليك هذا الجانب الظاهر وهو كله حق فعلًا. كون سفينة تكون في البحر ثم يزيل منها شيئًا يمكن أن يعرضها للخطر الداهم وهو الغرق.
وبعد ذلك الناس حملونا مجانًا ولن يأخذوا نقودًا فنضرهم. وبعد ذلك أسئلة كلها متعلقة بما جرت عليه العادة بما هو ظاهر.
فقال له:
﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71]
يعني هذه مصيبة.
تنبيه الخضر لموسى بالشرط وقبول موسى الصبر لمعرفة الحقيقة
قال له: ألم أقل لك يا موسى، تنبه؟ قال: والله إنني على حق، فقد اتفقنا على غير ذلك، وهذا رجل الذي أرسله ربنا أو الذي ذكره ربنا. حسنًا، سأصبر لأرى ما هذه الحكاية هذه.
فلم يسأله، صمت. نزلوا.
حقيقة خرق السفينة وأنها كانت لمساكين يحميهم الخضر من ملك ظالم
ما حقيقة الأمر؟ حقيقة الأمر أن هذه السفينة كان يمتلكها مساكين. هؤلاء المساكين كانوا عشرة كما ورد في الروايات. فالعشرة أولاد، كان نصفهم يعمل ونصفهم لا يعمل.
يقال لك إن واحدًا منهم أعمى، وواحدًا أبرص، وواحدًا أصم، وواحدًا أخرس، وواحدًا مجنون، وواحدًا عاجز، لا يعملون. والخمسة الآخرين يا عيني يجرون عليهم ويعملون، لكن واحد مصاب بالجذام، وواحد لديه ضعف في صدره، وواحد لديه عشرة أطفال، كلهم مساكين.
وكان هناك ملك يستولي على كل سفينة صالحة يأخذها غصبًا. يعني هؤلاء الناس لو أُخذت منهم هذه السفينة دون العيب الذي صنعه [الخضر] لهم سيموتون، سيموتون من الجوع ولن يكون جيدًا.
الدرس المستفاد من قصة السفينة والفرق بين الظاهر والحقيقة عند الله
حسنًا، فهذه قصة اتضح لنا فيها أن هناك فارقًا بين الحقيقة التي هي عند الله وأن الأعمال بالنيات، وأن ما ظنناه أنه فساد تبيّن أنه عين الصلاح، وما ظنناه قسوة تبيّن أنه عين الرحمة، وما ظنناه خيانة تبيّن أنه عين الوفاء.
إذن فلا يجب أن نتعجل في تحليل الأمور قبل أن نحيط بها خبرًا.
وجوب الإحاطة بالأمور قبل الحكم عليها وخطورة الكلام بغير علم
هذه الإحاطة ماذا تفعل؟ نحن نسمي عندما نرسم دائرة المحيط. إذن، يجب أن أحيط بكل شيء، أي كل النقاط داخل الدائرة، أليس كذلك؟
ومن غير هذا فإننا نتكلم بمجموعة من الآراء الفاسدة الكاسدة دون أن نصل إلى الحقيقة وبدون أن نصل إلى الحق.
ولذلك كان سيدنا النبي يقول:
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»
لأن السمع قد يكون حقيقة في ذاته لكنه ليس جملة مفيدة، قد يكون ناقصًا في شيء غير كامل، وهناك أمر آخر لو عرفته لاتضح ما هنالك.
هذه هي المشكلة التي بين المتعلم وغير المتعلم، والذي بين المخلص وغير المخلص، وبين الوفي والمغرض إلى آخره.
ختام الحلقة والوعد بالحديث عن الغلام والجدار وتفاصيل الخضر عليه السلام
[المذيع]: فضيلة الدكتور الأستاذ، حضرتك، إننا سنرجع في الحلقة القادمة إن شاء الله للحديث عن الغلام وعن الجدار وأيضًا باقي العلم الذي تعلمه سيدنا موسى عليه السلام من سيدنا الخضر عليه السلام. وأيضًا كما وعدتنا حضرتك أن نتحدث عن سيدنا الخضر بالتفصيل إن شاء الله.
[الشيخ]: يكون لدينا بعض الوقت، إن شاء الله.
[المذيع]: كل الوقت في الحلقة القادمة يكون هناك وقت لهذا الخضم الهائل من الخير الذي أنزله الله سبحانه وتعالى يُعلم البشرية. إن شاء الله، شكرًا جزيلًا لحضرتك، والشكر موصول لحضراتكم.
