برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة السادسة عشر | قصة سيدنا موسي "المواجهة الأولي مع فرعون" - شخصيات إسلامية, مصر أرض الأنبياء

برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة السادسة عشر | قصة سيدنا موسي "المواجهة الأولي مع فرعون"

24 دقيقة
  • تناولت المناظرة بين موسى وهارون وفرعون مكاناً ومضموناً، حيث جرت في منف عاصمة فرعون بمصر.
  • اتصف فرعون بالجبروت والطغيان، وكان يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، وكان يقتل بمجرد النظر دون كلام.
  • رجع موسى إلى مصر بعد تلقي الوحي في سيناء، وتواصل مع أخيه هارون الذي أوحي إليه كذلك.
  • أُمر موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون بقول لين، فتوجها إليه طالبين إخراج بني إسرائيل من مصر.
  • عبر موسى وهارون عن خوفهما من فرعون، لكن الله طمأنهما بقوله "لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى".
  • كان فرعون والكاهن الأعظم يعرفان حقيقة التوحيد ويخفيانها عن العامة في "قدس الأقداس".
  • اتسم حوار موسى مع فرعون باللين رغم جبروت فرعون، ولم يصفه بأنه طاغية أو جاهل أو معاند.
  • تضمن الحوار تذكير فرعون لموسى بتربيته في قصره وقتله للمصري، فرد موسى بأنه كان من الضالين.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة عن المواجهة الأولى بين موسى وهارون وفرعون في مصر

[المذيع]: بعد أن كلَّف الله سبحانه وتعالى وأمر نبيَّه موسى بأن يتوجه هو وهارون إلى فرعون، وأن يقولا له قولًا ليِّنًا لعله يتذكر أو يخشى، الآن سنجد هذه المواجهة الأولى التي ستتم في قصر فرعون ما بين موسى وهارون من ناحية، وما بين فرعون من جهة أخرى.

لكي تكون هذه هي النقطة الأولى والمواجهة الأولى في هذه المعركة الطويلة والممتدة ما بين الحق والباطل فقط في مصر أرض الأنبياء.

﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ * قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ * قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 43-46]

جدية موسى عليه السلام وتحديه لفرعون والسحرة وقارون

جدية موسى عليه السلام جعلته يتصف بصفات كثيرة، منها صفة التحدي؛ فتحدى فرعون في قوته وسلطته وملكه وجبروته، وتحدى السحرة عندما جمعهم فرعون واستعان بعلمائهم وخبرائهم، فاستعان موسى بالله.

تحدى موسى قارون عندما كان في سطوته ونفوذه وماله ورجاله، ودعا الله عليه فاستجاب له وخسف بقارون وبداره الأرض.

المكان الذي شهد المواجهة بين موسى وفرعون في منف القديمة

[المذيع]: نرحب بحضراتكم ونستكمل هذه الرحلة والمسيرة الطيبة والمباركة مع سيرة نبي الله الكريم سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام في أرض مصر، بعد أن تلقى الوحي وكلَّم الله سبحانه وتعالى على أرض سيناء الحبيبة. ننتقل الآن إلى مصر وهذه المواجهة مع فرعون. فضيلة الدكتور، السلام عليكم.

[الشيخ]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: أهلًا بفضيلتكم مولانا. قبل أن نتكلم عن المحادثة والجدال الطويل وهذه القصة والمشهد العظيم الذي جمع سيدنا موسى بفرعون، نتحدث أولًا عن المكان أو الموقع الذي شهد هذه المحادثة العظيمة التي كررها القرآن في أكثر من مرة.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذه الأحداث وكأنها حدثت في منطقة واسعة مما نسميه الآن الوجه البحري وجزء من بدايات الصعيد؛ لأن الصف كانت هي مع ميت رهينة، وميت رهينة كانت هي منف القديمة.

قصر فرعون كان في هذه العاصمة، لكن لأنه أليس ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ فهذا معناه أنه كان يتنقل في أكثر من مكان، ولكن قصره ومكانته وعاصمته هي في منف، ومنف هذه في هذه المنطقة.

دخول موسى مصر سرًا ولقاؤه بأمه وأخيه هارون وبني إسرائيل

هذا هو المكان الذي دخل فيه موسى وهارون، يعني دخل فيه أولًا موسى مع زوجته. ولما دخل موسى مع زوجته دخل بليلٍ حتى لا يراه أحد ولا يصطدم مع أحد، وذهب على الفور إلى أمه.

أمه هي أمه النسبية [أي أمه الحقيقية من النسب]، وكما قد نكون ذكرنا قبل هذا أنه كان يعلم أنها أمه الحقيقية، وهذا أخوه هارون.

هارون وبنو إسرائيل حينئذ هناك تقديرات كثيرة جدًا حول عددهم، وأنهم كانوا نحو ستمائة ألف ويزيدون، وهذا رقم كبير جدًا. لكن أيضًا هناك أرقام مبالغ فيها في جيش فرعون مثلًا كما سنرى. فإذن هؤلاء بنو إسرائيل يمكن أن يخفوا موسى ويمكن أن يحيطوه باعتباره واحدًا منهم إلى أن يتم الأمر.

مشاعر فرعون المتناقضة تجاه موسى بين الحب والخوف والعداء

في الجانب الآخر، كان هناك حب عظيم مع قلق شديد في قلب فرعون تجاه موسى؛ فأنت تعلم عندما يكره الشخص إنسانًا ويخاف منه ويُنزله منزلة العدو، ثم يأتي ليزوره في مكتبه، لكنه يحنّ إليه فيقول للسكرتير: حسنًا، أدخله.

بالرغم من أنه قلقٌ منه، وبالرغم أنه يعتبره عدوًا له، وبالرغم من ذلك إلا أن قلبه يتحرك.

فالذي حصل أن سيدنا موسى نزل على أمه ونزل في بني إسرائيل، ولكي يتصل بأخيه هارون ويحكي له ما حصل. وهارون في نفس الوقت أُوحي إليه.

﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 36]

أول ما قال له قال: قد أوتيت سؤلك يا موسى. أوحى الله إلى هارون، فهارون عرف الخبر قبل أن يأتي موسى.

خوف موسى وهارون من بطش فرعون وحقائق طغيانه وجبروته

[المذيع]: صحيح، لأنه عندما أتى وجده نبيًا. طيب، مولانا في هذه الجزئية قال إن ربنا ذكر أننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى. هنا أيضًا نفس الخوف عندما ذهب سيدنا موسى إلى سيدنا هارون عندما وصل قلب مصر، وحُكي أن سيدنا هارون كان يعلم كما قلتَ وتفضلتَ. ويتضح أن نفس الخوف اجتمع في سيدنا موسى وسيدنا هارون، الخوف من فرعون أنه سيطغى عليهم وأنه قد يعاقبهم عقابًا شديدًا.

[الشيخ]: أولًا، هناك حقيقة وهي أن فرعون أظهر لبني إسرائيل العداء. حقيقة ثانية أنه كان يذبح أبناءهم. حقيقة ثالثة، وأنه كان يستحيي نساءهم. حقيقة رابعة، وأن فرعون مشهور عنه الطغيان.

كنت قد ذكرت قبل ذلك أنه كان يقتل بالنظر، بخائنة الأعين، دون أن يتكلم.

فرعون يقتل بنظرة عينه وإشاعة أنه لا يموت بين بني إسرائيل

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فيقوم حاشيته بقتل من ينظر إليه هكذا. لماذا هذه النظرة؟ هو يفعل هكذا، ينظر بعينه فيذهبوا يقتلوه. الرجل انتهى أمره هكذا، بأن الحكم قد صدر ولم تعد هناك عدالة أو خلافها.

هذا الإنسان الجبار يعني يُخشى من مثله. لكن كانت هناك إشاعة تنتشر وسط بني إسرائيل أن فرعون لا يموت، وهذا ما كان يسمع به أيضًا سيدنا هارون وسيدنا موسى منذ صغرهما.

ويساعد على انتشار هذه الإشاعة أنه جلس وأمدّ الله في عمره لدرجة كبيرة، أنهم يتحدثون عن هامان قائلين إنه خدمه مائة سنة.

روايات شعبية عن انتظار موسى وهارون أمام قصر فرعون وكيفية اللقاء

[المذيع]: حسنًا، هذا في الخدمة فقط.

[الشيخ]: صحيح، في الخدمة فقط. فحكاية الشعور بأنه لن يموت هي مصيبة سوداء.

[المذيع]: فضيلة الدكتور، توجد روايات شعبية في قصة ذهاب موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون، من بينها أنهم جلسوا أمام قصر فرعون حوالي سنتين لكي يقابلوه، وهناك روايات أخرى كثيرة جدًا. فكيف حصل اللقاء؟ وهل توجد أي روايات تكاد تكون أقرب إلى الاعتماد أو المنطق؟

[الشيخ]: موسى عندما عاد، عاد وقد تغيرت هيئته شيئًا ما، فلم يكن الناس يدركون أن هذا على سبيل اليقين هو موسى. هناك قرائن شكله، لكنه هو لا [أي لم يكن هناك يقين تام].

حكم الإعدام على موسى وصعوبة الوصول إلى فرعون بسبب حاشيته

ثم إنَّ الفعل الذي قام به [موسى عليه السلام] صدر ضده فيه حكم، وهو قتل المصري. صحيح أن هذا الحكم هو الإعدام.

ثم إن فرعون فكَّر كما قلنا في حلقة سابقة، عندما كانت حكاية الجمرة والتمرة وسبب لدغة موسى وعدم فصاحة لسانه في ظنه، وفي اتهامه لنفسه صلى الله عليه وسلم.

هذه الحالة جعلت الناس لا تُبلِغ فرعون، وكلما تخيلوا ذلك لم يستطيعوا القول: على فكرة، نحن نظن أن موسى قد عاد؛ لأنه لو قالوها لاهتم فرعون بذلك.

فكان جلوسه عند القصر واحتكاكه بالداخلين والخارجين محاولة منه لاختراق الحصار المضروب على فرعون من حاشيته أو من أتباعه.

لماذا أمر الله موسى بالذهاب إلى فرعون مباشرة وليس دعوة المصريين

[المذيع]: فضيلة الدكتور، لماذا الأمر الإلهي صدر لسيدنا موسى وسيدنا هارون أن يذهبا إلى فرعون، إلى رأس السلطة، وليس أن ينزلا إلى المصريين الذين كانوا يتبعون فرعون ويبدأوا بالدعوة إلى الله فيما بين المصريين؟ لماذا بدأوا بتحدي فرعون نفسه؟

[الشيخ]: الغرض الأساسي من رجوع موسى كان إخراج بني إسرائيل وعودتهم إلى ديارهم. بنو إسرائيل في عصر موسى استشعروا الذل والمهانة من ناحية، واستشعروا الخطورة من ناحية أخرى، فقرروا الرحيل.

لكن فرعون لم يكن راضيًا عن هذا الرحيل: ربيناكم وأطعمناكم وسقيناكم وأنقذناكم، فيجب عليكم - كفكرة التكليف - أن تخدموا هذه البلاد وتعيشوا من أجلها.

فرعون يرى بني إسرائيل عبيدًا وموسى مكلف بإنقاذهم لا بدعوة المصريين

وليس إنّك بعد أن تأخذ خيري وتصنع الثروات كلها - لأنهم كانوا يعملون في الصياغة بإتقان واكتسبوا خبرة كبيرة في الزراعة - أن تأخذ متاعك وترحل.

لكن فرعون كان يرى أنهم عبيده، حتى أنه يقول لسيدنا موسى - وهو يمنّ عليه - أي يمنّ على سيدنا موسى بخصوص بني إسرائيل أنهم عبيده، أي أن عبَّدت بني إسرائيل.

فإذا كان هدف موسى هو إخراج بني إسرائيل وليس دعوة المصريين، وليس دعوة المصريين، وليس دعوة المصريين، ولذلك ذهب إلى فرعون لكي يأخذ منه التصريح الصحيح الذي يسمح بالخروج.

رسالة موسى محصورة في بني إسرائيل والعالمية جاءت مع النبي محمد

فقد كُلِّف [موسى عليه السلام] بإنقاذ بني إسرائيل من العذاب المهين الذي كانوا يعانون منه على يد فرعون، وأن يخرجوا ثم يهديهم إلى الله. ولكن هذا محصور في بني إسرائيل.

فكرة العالمية هذه لم تأتِ إلا مع محمد عليه الصلاة والسلام:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ [الحجرات: 13]

هذه الفكرة - وكان النبي يُرسل إلى قومه خاصة - وأُرسلتُ إلى الناس عامة. هذا هو الفرق بين القضيتين.

[المذيع]: طيب، أستأذن فضيلتك بعد الفاصل نتحدث في بعض الأمور والمواجهة وكيف تمت هذه المواجهة أو المجادلة بين سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وسيدنا هارون كذلك وفرعون.

سؤال فرعون وما رب العالمين بين الجهل والاستنكار ومعنى لعله يتذكر

[المذيع]: فرعون يسأل:

﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الشعراء: 23]

هو هنا يجهل أم يستنكر؟ خاصة أنه أيضًا في سورة طه:

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]

يتذكر يعني أن هو لديه بالتأكيد معلومة، فما تفسير فضيلتك لهذه الآية؟

[الشيخ]: كان فرعون لا يدخل قدس الأقداس كما ورد في تاريخ الفراعنة، ووجدنا في معابدهم ما يُسمى بقدس الأقداس، لا يدخله إلا الكاهن الأعظم والفرعون.

فهذا الفرعون يدخل قدس الأقداس، وقدس الأقداس يعني سر الأسرار، أي السر الكبير.

سر قدس الأقداس عند الفراعنة وعلاقته بالتوحيد الموروث عن إدريس

فقد بحث كثير من علماء المصريات عن هذه الآية [أي السر الكبير]. هذا ما هو؟ ما هو السر الكبير الذي كان الفرعون والكاهن الأعظم يعرفانه وكان يمنع معرفته على عامة الناس؟

وهناك رأي أنه التوحيد؛ فالفرعون والكاهن الأعظم كانا يعرفان أن هناك إلهًا، ويعرفان أن الله واحد، ويعرفان أنه الخالق المدبر الرزاق المحيي المميت.

وكل هذا كانوا يتعلمونه داخل قدس الأقداس الذي لا يطّلع على السر الموروث أحد. لكن الحكماء الذين تربوا على يد إدريس [عليه السلام] ينقلون هذا السر، لكنه في قدس الأقداس حتى نسيطر على الشعب، نخفي عنهم أن يلجأ إلى الله فيلجأ إلينا نحن. عقيدة أو فكر هكذا.

فرعون يعرف الله في قدس الأقداس ويدعي الربوبية أمام الناس

حسنًا هكذا. طيب وأنت لا تعرف أن هناك ربًا؟ قال: هذا إذن لماذا أنا أدخل قدس الأقداس مرة في السنة؟ هذا على الأقل لكي أقول: يا رب.

﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: 44]

آه، طيب. أنت الآن لا تعرف هذه الحكاية يا فرعون وأنت تقول:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

ففرعون وهو يقولها تقريبًا كان يقولها في نفسه من داخله هكذا، أن الأرباب التي موجودة هذه - قطة أو نمر أو طائر أو ثعبان أو غير ذلك مما يُعبد - لأنه كانت بعض عقائد الفراعنة تعبد أو تقدس تسعة، أنا إذن ربكم الأعلى، أنا الأول فيهم.

المصريون القدماء لم يعبدوا الحاكم وغموض الحقيقة الإلهية عند العوام

يعني المصريون في ذلك الوقت لم يكونوا يعبدون الحاكم، لا، لم يكونوا يعبدون الحاكم. ولكنهم لم يكونوا يفهمون ما هي الحقيقة.

كان هذا الأمر غامضًا عليهم، فعندما يقول أحدهم: أريد أن أفهم، هل هذا هو الخالق؟ فيقول له: لا. فيسأله: إذن، هل هذه الشمس هي التي خلقت؟ فيجيبه: لا. فيقول له: إذن ما هو؟ فيرد عليه: لا، إنه سر، هذا شيء غامض.

هذا الأمر لا يجوز أن أنت تسأل فيه؟ لا، هذا غامض. هذه فكرة الإله والنصف إله والربع إله وما إلى ذلك، وابن الإله وأبي الإله وما شابه.

محورية فكرة الموت وما بعده في الحضارة الفرعونية وإيمانهم بالبعث

الناس التي تعيش هكذا من العوام لا ترضى أن تدخل في هذا الأمر. حسنًا، فيم تدخل إذن؟ إذا كان لديك خروف وتريد أن تتيسر أمورك، تذهب لتذبحه عند الكاهن لكي يأخذه المعبد وكذا إلى آخره.

صحيح، فإذا هو ليس فرعون، أنا مَن مِن التاريخ الفرعوني؟ لا، هذا يعرف هو والكاهن الأعظم، لست أعرفه. لكن هذا يعرف وتتناقل الأخبار من عنده جيلًا بعد جيل، ومؤمن بأن هناك يوم القيامة.

ولذلك كانت محور الحضارة الفرعونية كلها - ما محور الحضارة الفرعونية كلها؟ - فكرة الموت وما بعد الموت. لماذا يبني كل هذه الأهرامات؟ من أجل ما بعد الموت. لماذا يحنط جثث الموتى؟ من أجل ما بعد الموت. لماذا يزين المقبرة ويضع فيها كل متعلقات صاحبها؟ من أجل ما بعد الموت.

إيمان فرعون الباطني بالله وقوله آمنت عند الغرق ومعنى لعله يتذكر

إذن، حياة ما بعد الموت هذه كانت تتحكم في سلوكياته. إلى من سيذهبون إذن؟ من هو الذي يملك حياة ما بعد الموت هذه؟ حسنًا، عرفنا أن هذه القطة إله في الأرض وما شابه ذلك، إذن من الذي سيكون بعد الموت؟ الله رب العالمين.

ولذلك حتى هو عندما كان يغرق، كان يقول:

﴿ءَامَنتُ أَنَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوٓا إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [يونس: 90]

بالإله الذي آمن به بنو إسرائيل. لم يقل: آمنت بما أُرسل أو بالذي آمن به موسى، آمنت أن لا إله إلا الله مثلًا بالله. فهو يغش نفسه.

وهنا تأتي كلمة لعله يتذكر أو يخشى، هذا الذي نقول يتذكر هذه، يعني هذه. نعم.

تهديد فرعون لموسى بقتل المصري ورد موسى بأنه كان من الضالين قبل الوحي

[المذيع]: فضيلة الدكتور، ننتقل إلى جزئية أخرى في المجادلة، أن فرعون الآن يهدد سيدنا موسى بقتل المصري:

﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [الشعراء: 19]

﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء: 20]

[الشيخ]: آه، هذه في سورة الشعراء. والمشهد في سورة الشعراء عندما جاء وقال:

﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [الشعراء: 10]

أيضًا هذا يؤكد ما كنا نقوله الآن أن الكاهن الأعظم يعرف لكنه ظالم لنفسه، ويقول شيئًا للجمهور غير الشيء الذي يعرف حقيقته. وهكذا.

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾ [الشعراء: 12-13]

قال: لا تخف.

لقاء موسى بفرعون وأعجوبة المحبة الإلهية الملقاة على موسى

وبعد ذلك ذهبا إلى [فرعون]، سيدنا ذهب سيدنا موسى وسيدنا هارون إلى فرعون. قابلوه فقال له:

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: 18]

في أول ما شاهد ذلك قال: حسنًا، أنت [يا موسى]. فرعون وهنا تأتي الأعجوبة، وتأتي:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: 39]

فرعون يريد قتله وينظر إليه فيحبه، فرعون يريد قتله وينظر إليه فيحبه.

فدخل عليه وبعد ذلك قال له:

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [الشعراء: 18-19]

معنى الكفر في كلام فرعون ورد موسى بأنه كان ضالًا قبل الوحي

انظر كيف قال وأنت من الكافرين بتلك العقيدة التي فيها خفايا، والتي فيها ظاهر وباطن، والتي فيها شرك، والتي فيها أنه في النهاية يقول:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

وأنت من الكافرين. وهنا ربنا ينبهنا على أنه [فرعون] ضد عقيدته، فالكافر في مقابلته هو الذي يخالفه. نعم.

﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء: 20]

انظر إلى الرد: الضالين، الضال الذي هو الحائر، الضال الذي هو قبل الوحي. فقبل الوحي هو يسير وليس يعرف البرنامج التفصيلي، ولكن بعد الوحي عَرَفَ البرنامج التفصيلي.

سورة الشعراء تحتوي على أطول جدل في القرآن بين موسى وفرعون

وقال: هذه هي الموجودة في سورة الشعراء. سورة الشعراء تحتوي على أطول جدلٍ في القرآن؛ لأنه جاء تسع مرات.

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء: 18-20]

[المذيع]: قال يعني وابتدأ أصبح ما هو تسلسل الأحداث التي بينها تسع؟

[الشيخ]: قال تسع.

[المذيع]: قال متتالية.

[الشيخ]: قال.

القول اللين لموسى وهارون في مواجهة قمة فساد فرعون نموذج للبشرية

[المذيع]: فهل هذا يا مولانا في إطار:

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 44]

[الشيخ]: القول اللين الذي أمر به ربنا سيدنا موسى، فسيدنا موسى وسيدنا هارون الذي لم نسمع له أي جدل في الحوار كله، لم يقل لفرعون أنت كافر، لم يقل لفرعون سوى محاولة إقناعه من خلال كلمة رب العالمين أن يتركه ويرسل معهم بني إسرائيل.

فهذا كله قول لين من أوله إلى آخره؛ لأنه لم يصفه بما هو فيه، لم يقل له إنك طاغية، لم يقل له إنك جاهل، لم يقل له إنك معاند، لم يقل له أي كلمة من هذا.

ولذلك، هذا مثال يُعطى للبشرية كلها أن سيدنا موسى كليم الله كان بهذا الحلم وهذا اللين تجاه من هو مفسد في الأرض على درجة عالية من الفساد.

قمة الفساد تواجه قمة اللين وفرعون يهدد موسى بالسجن

هذا النموذج يعني شخصية كبيرة كما يقولون، فكان فرعون في قمة الفساد وإذ بقمة الفساد تواجه قمة اللين.

[المذيع]: صحيح.

[الشيخ]: ولم يكن هناك داعٍ لأن تُواجَه قمة الفساد بالشدة وعلو الصوت وما إلى ذلك.

ففي الحوار الذي جرى في سورة الشعراء، الحقيقة أظهرت فرعون بأنه متجبر وبأنه طاغية، وفي النهاية طلب [فرعون من] موسى أن لا يتخذ إلهًا غيره وإلا جعله من المسجونين.

[المذيع]: أستأذن فضيلتكم، نستكمل هذا الحوار في الحلقة القادمة إن شاء الله.

[الشيخ]: إن شاء الله.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا لحضرتك، والشكر موصول لحضراتكم، ونراكم بكل خير، إلى اللقاء.