برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة العاشرة | قصة سيدنا يوسف الجزء الثالث - شخصيات إسلامية, مصر أرض الأنبياء

برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة العاشرة | قصة سيدنا يوسف الجزء الثالث

24 دقيقة
  • سجن سيدنا يوسف عليه السلام في مصر لم يكن لذنب ارتكبه، بل كان ظلمًا وعدوانًا تعرض له.
  • اتخذ السجن شكل التوقيف الاحترازي وليس العقوبة، حيث كان العزيز يعلم براءته، لكنه سُجن للحد من الفتنة التي أحدثها جماله.
  • لبث في السجن بضع سنين (من ثلاث إلى تسع سنوات)، وكان عمره حوالي خمسة وعشرين عامًا عند دخوله.
  • كان السجن منحة من الله، دعا فيه إلى التوحيد وفسر الرؤى لمن معه من السجناء.
  • التقى في السجن بساقي الملك وخبازه، وفسر لهما رؤاهما، وطلب من الساقي أن يذكره عند الملك لكنه نسي.
  • بعد خروجه فسر رؤيا الملك عن السنوات السبع العجاف والسبع السمان، فعينه على خزائن الأرض.
  • اشترط سيدنا يوسف تبرئته علانية قبل تولي المنصب، فتمت دعوة امرأة العزيز والنسوة للاعتراف بالحقيقة.
  • بعد براءته تولى منصبًا رفيعًا في مصر وأصبح عزيزها، وأنقذ الله مصر وأهلها على يديه.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

سجن سيدنا يوسف في مصر ومنحة الله له فيه

سُجن سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في مصر، ليس بسبب فعلٍ ارتكبه، حاشا لله، وإنما كان ذلك بسبب ظلمٍ وعدوانٍ تعرَّض له.

ولكن رغم هذا العدوان، كانت هناك منحةٌ من الله سبحانه وتعالى ليوسف في السجن؛ إذ دعا إلى الله ودعا إلى التوحيد، وكذلك استطاع أن يُفسِّر رؤيا الملك المصري، فبالتالي كتب الله لهذه الأرض - مصر - ولهذا الشعب النجاة في ذلك الوقت على يد النبي الصديق يوسف عليه الصلاة والسلام.

وأصبح فيما بعد عزيزًا لمصر، أو رئيسًا لوزراء مصر. كل هذه المحطات والمواقف المهمة في حياة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام جرت على أرض مصر، في مصر أرض الأنبياء.

ودخل معه السجن فتيان، قال أحدهما:

﴿إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36]

وقال الآخر:

﴿إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]

صبر يوسف على البلاء وخروجه منه عزيزًا في الدنيا والآخرة

صبر يوسف عليه الصلاة والسلام على جميع البلاء والمحن، صبرَ المؤمن بالله الموقن بألوهيته وربوبيته ووحدانيته وقدرته، طلبًا لمرضاته سبحانه وتعالى.

وبهذا الإيمان الراسخ خرج يوسف من كل هذا البلاء وكل تلك المحن والشدائد، وكان أصلبَ عودًا وأقوى على مجابهة الحياة، وأكثر إخلاصًا لتطبيق علمه، حتى توفاه الله عزيزًا في الدنيا وعزيزًا في الآخرة.

تقديم البرنامج واستئناف رحلة أنبياء الله في مصر مع الدكتور علي جمعة

[المذيع] أهلًا بحضراتكم مشاهدينا، ونستكمل هذه الرحلة الطيبة مع أنبياء الله الكرام الذين جاءوا إلى مصر، في مصر أرض الأنبياء. وتوقفنا في اللقاء السابق مع فضيلة العلامة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة في مسيرة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في أرض مصر.

ونصل الآن في نهاية مرحلة القصر وما حدث مع امرأة العزيز، نصل إلى مرحلة فارقة ومرحلة السجن.

فضيلة الدكتور، السلام عليكم.

[الشيخ] وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيكم سيدنا، أهلًا وسهلًا بكم فضيلة الدكتور.

لماذا زُجَّ بسيدنا يوسف في السجن رغم ثبوت براءته؟

[المذيع] يعني بُرِّئ سيدنا يوسف في الحلقة السابقة، وشهد شاهدٌ من أهلها أن القميص قد قُدَّ من دُبُر، وكان بريئًا، وحدث أن نسوة المدينة قطعن أيديهن، فبالتالي أصبح بريئًا. فالسؤال: لماذا زُجَّ بسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في السجن بعد ذلك؟

[الشيخ] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

سيدنا يوسف عندما برَّأه الشاهد، هذا الشاهد قيل إنه كان طفلًا صغيرًا، وقيل إنه كان أحد أصدقاء العزيز الذي يثق فيه. وأتى بحجةٍ يسمونها في القانون الحجة المنطقية: أن كان قميصه قد مِن قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين، فبدأ بها [بالطرف الضعيف]، وإن كان قميصه قد من دُبُر فكذبت وهو من الصادقين.

يعني كانت طبائع الأمور أمام القضاء تجعل التحرش من قِبَل الرجل وليس من قِبَل المرأة مثلًا، نعم، على ما جرت عليه العادة، وهو ما تأخذ به المحاكم الأمريكية إلى الآن: أن الرجل متهمٌ الوجه، متهمٌ ابتداءً. وبعد ذلك كون أن رجلًا يدَّعي أن امرأةً تحرشت به، يعني أن القضية يتم التشكيك فيها على الفور.

فانظر كيف أن هذا الشاهد علَّمنا هذه الحقيقة: حقيقة أن نبدأ بالطرف الضعيف الذي قد يكون بالفعل كلامه صحيحًا.

النسوة يراودن يوسف ودعاؤه ربه أن السجن أحب إليه مما يدعونه إليه

دعنا نعود مرةً أخرى لسيدنا يوسف مع هذا الشاهد، وكيف أنه علَّمنا أمورًا في هذه الشهادة. بعد ذلك [جاء ذكر] النسوة؛ هؤلاء النسوة قلنا أنهن أربعون، وقيل أنه مات منهن سبعةٌ بعد ذلك.

بعد ما حدث هذا، قال يوسف: «أعرض عن هذا»، يعني أن [العزيز أراد] أن يُنسى الأمر ولا يُخبر أحدًا. وجاءت النسوة وهكذا، ثم النسوة أنفسهن دعون يوسف لأن يُطيع سيدته. لماذا؟ كبداية لأنهن يأمرنه، وثانيًا أن يكون معهن أو ما شابه ذلك إلى آخره، فتنةٌ عظيمة.

وقال [يوسف عليه السلام]:

﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]

إذن حدث توافقٌ بين هؤلاء النسوة على هذا الأمر، ومحاولاتٌ أخرى ومراوداتٌ لها. ثم - وثمَّ هذه للترتيب مع التراخي - بعد التجربة أصبح أن هذا الشخص موضع قلق، واضعينه في أذهانهم كما يقولون هكذا هو، ليس فقط هناك إجماعٌ حوله، الكل لديه مشكلةٌ مع يوسف.

سجن يوسف بسبب الفتنة وتكرار هذه القصة في عهد عمر بن الخطاب

ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات أنه لا فائدة فيه [في إقناعه]، وغير راضٍ أن ينحرف، وغير راضٍ أن يأتي بأي شيء انحرافي، ليسجننه حتى حين؛ لأنه يُسبِّب ضجةً في البلد.

هل تلاحظ أن هذه القصة تكررت مرةً أخرى في عصر عمر بن الخطاب بنفس الطريقة هكذا؟ بنفس الطريقة تقريبًا، وكان صاحب هذه القصة اسمه الحجاج، وكان جميلًا جدًا وأحدث فتنةً في المدينة، فقال له [عمر]: تعالَ، أنت معجبٌ بنفسك لماذا هكذا؟ احلق شعرك حتى لا تفتن البنات الصغيرات.

فحلق شعره فازداد جماله، فقال له [عمر]: ما هذا البلاء؟ فنفاه إلى الكوفة. وعندما نفاه إلى الكوفة، التفت البنات اللاتي في الكوفة حوله، يعني حدث شيءٌ ما، فهرب إلى الشام.

هذا ما رأيناه في حياتنا، الذي هو طلب الأمن والاستقرار في المجتمع، يبدو أنه حدث أيام يوسف، فراحت [الأمور إلى] سجين.

طبيعة سجن يوسف وأنه كان توقيفًا لا سجنًا حقيقيًا

ودخل معه السجن فتيان، واحدٌ منهما كان ساقيًا والآخر كان خبازًا. في ذلك الوقت كانوا يسجنون، واضحٌ أن هناك درجاتٍ وأنواعًا من السجن؛ فهناك سجنٌ وحبسٌ وتوقيف.

فيبدو أن ما كانوا فيه كان على درجة التوقيف، والتوقيف هذا يعني ماذا؟ ليس سجنًا تمامًا، أي ليس فيه عذابٌ ولا ضيقٌ ولا شيءٌ من هذا القبيل، مثلًا في مرحلة التحقيق.

[المذيع] إنه توقيفٌ هكذا، يعني اشتباه بالضبط، ليس أكثر من ذلك.

[الشيخ] لأن هذا الساقي هو ساقي الملك حقًا، فإذا كان هناك شيءٌ حدث [فيه] التقصير منه، فتوقَّف هنا مع سيدنا يوسف والخباز، خباز الملك. فالمكان الذي كان فيه سيدنا يوسف لم يكن معتقلًا، لم يكن فيه ذلك، بل كان توقيفًا أيضًا؛ لأن العزيز كان يعرف أن هذا الرجل بريء، فكان شيئًا مثل خمس نجوم، خمس نجوم، يعني نوعًا ما.

[المذيع] سجنٌ متميز، إبعادٌ اجتماعي.

[الشيخ] بالضبط، أي التباعد الاجتماعي كما يسمونه في زمن كورونا.

هل كان سجن يوسف في البدرشين؟ الروايات الشعبية وعدم توثيقها

[المذيع] حسنًا مولانا، أستأذن فضيلتكم قبل أن نكمل في موضوع التباعد الاجتماعي ومميزات السجن، خصوصًا أن لديَّ معلومةً تقول إن سجن سيدنا يوسف عليه السلام كان في البدرشين، سأعرف من حضرتكم الإجابة، ولكن بعد الفاصل إن شاء الله.

إن شاء الله، كونوا معنا.

في قرية أبوصير التابعة لمركز البدرشين، المليئة بالآثار والمعابد، قد يلفت انتباهك هذا المشهد: غرفةٌ بسيطة مبنيةٌ بالطوب والأسمنت، بابها حديديٌّ وشباكها كذلك يسمح بالنظر من خلاله. يرى كثيرٌ من المؤرخين ومن أهل القرية أنها الجزء الذي يظهر من السجن الذي ضمَّ في جنباته سيدنا يوسف.

قرية أبوصير جزءٌ من جبانة منف التي تمتد من منطقة أبو رواش في الشمال إلى منطقة ميت رهينة في الجنوب، وتبعد أبوصير عن أهرامات الجيزة جنوبًا ما يقرب من سبعة عشر كيلومترًا، وعن هرم زوسر المدرَّج ثلاثة كيلومترات فقط، وهو مكانٌ ملائمٌ لإقامة سجن حيث البعد عن أماكن الحياة الطبيعية.

نستطيع أن نمشي في نفس الطرقات التي سار فيها رمز الجمال على الأرض، يوسف.

الروايات الشعبية عن سجن يوسف في البدرشين غير موثقة ومصطنعة

[المذيع] مرحبًا بحضراتكم مرةً أخرى، وفضيلة الدكتور، كنا قد توقفنا قبل الفاصل عند السجن وما الذي حدث في السجن. فأنا سألت فضيلتكم: هل فعلًا هذا السجن يُقال أنه في البدرشين؟

[الشيخ] سمعنا شيئًا مثل ذلك أنه توجد بقايا أو أطلال هناك، وهذه روايات شعبية غير موثقة ومصطنعة، وعلامات الوضع عليها واضحة؛ فهي لا تأتي في التوثيق الذي علَّمتنا فيه صورة يوسف، ذلك التوثيق والقضاء وما إلى آخره.

إن علامات الوضع عليها واضحة ومصطنعة من أجل أن بعض العوام يذهبون إليها ليضعوا فيها نذورًا ويتبركون بها، شيءٌ مثل ذلك. يعني فلا يوجد شيءٌ مؤكدٌ أن هذا قصر - عفوًا - سجن، ولا غير مؤكد، يعني هذه عبارةٌ عن روايات شعبية.

وهذا سيصطدم - سيقابلنا كثيرًا - مع سيدنا موسى ومع سيدنا هارون ومع سيدنا أيوب ومع سيدنا أناسٍ كثيرون لهم قصصٌ عجيبة غريبة. أيوب هذا لم يكن في مصر أصلًا، وبالرغم من ذلك توجد قصة، لكنه أصلًا لم يكن في مصر بل في الشام، وهكذا.

ملامح النبوة والوحي ليوسف قبل دخول السجن وتفسير الحكم والعلم

[المذيع] حسنًا مولانا، فكرة الجزء القادم من السجن: أنا كقارئٍ لسورة يوسف أستشعر أن ملامح النبوة أو التكليف جاءت قبل أن يدخل السجن مباشرة، ربما أي أنه بدأ حواره في السجن مع هؤلاء القوم، مع الخباز ومع ساقي الملك، يدل على أنه قد أُوحي إليه؟

[الشيخ] لا وحي، ولكن ربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: 22]

فهو أصبح عنده علم. إنما كل هذا تهيئةٌ للنبوة؛ النبوة عادةً ما تأتي بعد الأربعين.

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]

إذن وهو صبيٌّ جاءت له الحكم. فالحكم شيءٌ هو الحكمة، أي العلم والمعرفة، والنبوة شيءٌ آخر؛ النبوة تحتاج إلى وحي. فسيدنا يوسف كان عنده حكمةٌ وكان عنده علمٌ وعلَّمه الله، لكنه لا يزال في مرحلة السجن التي مكث فيها.

﴿فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42]

والبضع يكون من ثلاثة إلى تسعة، فإذن لا يمكن أن تزيد المدة عن تسع سنوات.

حساب عمر يوسف في السجن وتفسير رؤيا الساقي والخباز

وهو مقبوضٌ عليه، للأسف لديه خمسةٌ وعشرون سنة، فنحن الآن أصبح عمره أربعةٌ وثلاثون سنة على أقصى تقدير؛ لأنه من الممكن أن يكون سبع سنوات، أي أقل من التسعة التي هي غاية البضع. البضع معناه تسعةٌ كحدٍّ أقصى، من ثلاثة إلى تسعة، يعني أربعةٌ تُسمَّى بضع سنوات.

فعندما دخل معه في هذا الاعتقال الخبازُ والساقي، قال له الساقي: إني رأيت أنني أعصر خمرًا، فقد رأى عناقيد عنبٍ وهو يعصرها ويسقي الملك. أما الخباز فقال له: إني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه، أي إن الطيور الجارحة كانت تأكل من ثلاث سلاتٍ كما ورد في بعض التفاسير الإسرائيلية والرواية الشعبية وما إلى ذلك، منها الطير وتخطفه.

فقال له [يوسف]: هذه سهلة، أنت ستنجو وستسقي الملك خمرًا التي يشربونها، وأنت ستهلك وتُعدَم.

وقد ورد في بعض التفاسير أنهم قالوا له: كنا نمزح معك ونختبرك، أي كنا نمزح، ولم أرَ شيئًا. سبحان الله! وبعد ذلك ستصدق.

معنى قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان وإنكار الخباز للتفسير

أتنتبه! قال لهم:

﴿قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: 41]

لذلك قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان، يعني أنتم تسخرون مني؟ لستم تسخرون مني، التفسير لم يُعجبكم فصرتم منكرين ما رأيتموه.

بالفعل على فكرة، هم رأوا، رأوا فعلًا، كل واحدٍ رأى مستقبله، أي ما سيحدث له، رأى مستقبله لكنه لم يَرضَ، خاصةً الذي هالكٌ منهما لم يرضَ بذلك التفسير؛ لأن فيه هلاكًا له.

فقال له: حسنًا، ما رأيك الآن إن خدعناك؟ فقال له: لم تخدعني، أم لم تخدعوني، لعلمكم هذا ما سيحدث لكما:

﴿قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: 41]

وفعلًا حدث.

نسيان الساقي لذكر يوسف عند الملك وسورة يوسف سورة الضمائر

وقال [يوسف] للذي ظنَّ أنه ناجٍ منهما: اذكرني عند ربك [سيدك]، يعني فأنساه الشيطانُ ذِكرَ ربه.

نسي مَن إذن؟ نسي سيدنا يوسف أم الساقي؟

[المذيع] حسنًا، هل تنتبه؟ واردةٌ هذه، واردة، وهذه تصلح، وهذه تصلح.

[الشيخ] فأنساه الشيطانُ - أنسى الساقيَ - ذِكرَ ربه. ويؤيد هذا الرأيَ الكلامُ الذي يأتي بعد ذلك؛ لأنه يقول:

﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: 45]

نعم، نعم، هل تنتبه؟ فيكون إذن النسيان تمَّ منه [من الساقي]، ما لم يُخبر الملكَ عن قصة سيدنا يوسف، فلما جاءت قصة رؤيا الملك تذكَّر. نعم، وادَّكر بعد أمة، تؤيد أن الضمير هنا يعود إلى الساقي وليس إلى سيدنا يوسف.

كان مشايخنا رحمهم الله تعالى يقولون إن سورة يوسف هي سورة الضمائر؛ لأن فيها ضمائر كثيرة ويمكن أن تعود على أكثر من شخص، تختلف التفسيرات للأمور فيتسع المعنى، فيصبح من الممكن أن يكون له دلالةٌ كذا ودلالةٌ كذا ودلالةٌ كذا، فيصبح النص واحدًا ومعانيه كثيرةٌ جدًا.

رؤيا الملك وتفسير يوسف لها وطلبه تولي خزائن الأرض

[المذيع] فضيلة الدكتور، إن فكرة الرؤيا التي رآها الملك ثم تفسيرها، وهنا سيدنا يوسف يتحدث فيها عن أصله ويتحدث عن قدرته على تفسير هذه الرؤى، أيضًا فيها تودُّ حضرتك الوقوف عليها.

[الشيخ] الملك يبدو أن الله سبحانه وتعالى أراد له أو للبلاد أو للعباد، ساعاتٍ يُلهم الله الحاكمَ مصالحَ العباد الذين هو مسؤولٌ عنهم. فالملك رأى:

﴿سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ﴾ [يوسف: 43]

إلى آخره، فأوَّلها على الدورة السبعية: أن في سبع سنين المحصول سيكون جميلًا جدًا، وبعد ذلك يجب أن نخزن منه ما يكفي لسبع سنواتٍ عجاف ستأتي بعد ذلك، ستأكل رصيدهم، وبعدها سندخل في عامٍ يُغاث الناس فيه، يُغاث الناس يعني أن الإنتاج سيزداد بقوة، وفيه يعصرون، أي سنستخرج العصير، بمعنى ستكون هناك رفاهية، هذا العصير هو عبارةٌ عن مرحلة الرفاهية أو الدخول في نطاق الرفاهية الاقتصادية.

وقد كان سيدنا يوسف متعلمًا وعنده حكمةٌ وخبرة، وكان هناك في فلسطين صاحب زراعة، أي أنه شاهد أباه وهو يزرع وما إلى ذلك. فقال:

﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾ [يوسف: 55]

فجعله على خزائن الأرض، إلى أن ترقَّى من وزير الزراعة إلى وزير المالية إلى وزيرٍ ثم إلى رئيس الوزراء، فأصبح عزيزًا، عندما جاء إخوته كان هو عزيز الله.

اشتراط يوسف تبرئته أمام الملأ قبل الخروج من السجن

[المذيع] طيب مولانا، هنا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام اشترط أن تتم تبرئته.

[الشيخ] فتمَّت دعوة زليخة وتمَّت دعوة نسوة المدينة لكي تكون هذه البراءة على الملأ، أمام الجميع.

[المذيع] بعد كم سنة؟ بعد كم سنة؟

[الشيخ] بعد تسع سنوات، بضع سنين، بضع سنين التي قضاها في السجن حقيقي. فكانت الأمور قد تغيَّرت، العزيز الأول الذي خجلت منه قد مات، زوجها.

[المذيع] هل تنتبه حضرتك؟ ذاك الذي اشتراه في البداية، اشتراه بالضبط.

[الشيخ] لم تعد الفتاة [زليخة] خجلةً الآن، ووجدت نفسها تحب يوسف فعلًا، وتحبه هذه المرة ليس شهوةً مثل ما كانت وهي في شبابها وفي عز شبابها ونضارتها، إنما من أجل مبادئه وأخلاقه؛ فهي تحب حبًّا آخر، يعني شخصٌ كريمٌ فعلًا، يعني رجلٌ حقًا كامل الرجولة، لم يرضَ أن يخون ولم يرضَ أن يكذب ولا يرضى كذا، ونحن الذين ظلمناه، وبالرغم من ذلك تحمَّل الظلم وتحمَّل السجن وفعل كل هذا. إذن هذا الرجل يُحَبّ.

[المذيع] نعم، نعم.

اعتراف زليخة بذنبها وحصحصة الحق وبراءة يوسف أمام الجميع

فحصل هذا الأمر وحصل الاعتراف، قالت [زليخة]: أنا، انظر ماذا تقول:

﴿حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ [يوسف: 51]

يعني - إذن - مثلما يؤذِّن الديك، ومثلما يطلع النهار، مثل ذلك في الفجر:

﴿حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ [يوسف: 51]

حصحص الحق يعني ظهر الحق، يعني انتشر الحق، يعني أنا لست مستحيةً الآن أن أعترف بذنبي حتى لو عوقبت.

وبعد ذلك أتبرأ. وهذه أيضًا مسألةٌ سياسية: أنه عندما تكون هناك تهمةٌ ضدي، يجب أن أنهيها بالفعل، يجب أن أنهيها قبل أن أعود مرةً أخرى. الوضع ليس أن أهرب أو أخاف وأخجل، ليس كذلك، وستظل هذه التهمة عليها علامة استفهام، لكن يجب أن أنهيها.

﴿مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: 50]

ها هو، والنسوةُ ها هنَّ أيضًا، هذه الآية تدل على أنهنَّ بدأن يراودوه هنَّ أيضًا بعد الجلسة العجيبة الغريبة التي جرحن فيها أيديهنَّ. إذن كل هذا الكلام وراءه مبادئ، ها هي.

ختام الحلقة والتمهيد للحديث عن يوسف رئيسًا لوزراء مصر

[المذيع] حسنًا فضيلة الدكتور، أستأذن حضرتك لنفتح ملفًا جديدًا، ولكن في الحلقة القادمة بإذن الله، نتحدث عن سيدنا يوسف وهو أصبح - نستطيع أن نقول - رئيس وزراء مصر، وكيف كان يدير أمور مصر، كيف أنقذ الله سبحانه وتعالى هذا البلد أيضًا على يد سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام إن شاء الله في الحلقة القادمة.

أشكر فضلك، شكرًا جزيلًا، شكرًا لك، شكرًا جزيلًا لحضراتكم، ونراكم إن شاء الله على كل خير، إلى اللقاء.