تفسير قوله تعالى "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج".| أ.د. علي جمعة
- •يشرح النص سياق آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ وعلاقتها بعبارة ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.
- •يوضح النص الفرق بين الحقيقة والمجاز، فالمعنى الحقيقي للعبارة هو دخول البيت من الباب، أما المعنى المجازي فهو عدم اللف والدوران والمخادعة.
- •الآية تمثل أسلوب الحكيم، حيث سأل المشركون عن الظاهرة الفلكية للأهلة وكيفية تغيرها فلكياً.
- •أجاب القرآن بما هو أنفع للسائل مركزاً على الغاية من الأهلة: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
- •القرآن نزل للهداية وليس لشرح الظواهر الفلكية، فوجه الإجابة نحو تنظيم العبادة والمعاملات.
- •أسلوب الحكيم يعني الإجابة على ما يترتب على السؤال وليس السؤال نفسه، للوصول إلى ما هو أنفع للسائل.
- •عبارة ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ إشارة لنبذ المخادعة والالتفاف والتوجه مباشرة للمقصود.
سؤال عن سياق آية الأهلة وعلاقتها بإتيان البيوت من ظهورها
يقول سائل: أنا أعلم أن الله له آيات في القرآن الكريم كلها مرتبطة بعضها ببعض بشكل أو بآخر، وكنت أود أن أعرف سياق قوله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 189]
أريد أن أعرف علاقة الأهلة بإعادة [عادة] الجاهلية في أن يأتي [الرجل] الحَرَم من ظهره؟
الفرق بين الحقيقة والمجاز والكناية في اللغة العربية
هناك في اللغة ما يُسمى بالحقيقة، وهناك ما يُسمى بالمجاز، وهناك ما يُسمى بالكناية، وهناك ما يُسمى بالمثال. طبائع اللغة هكذا؛ من خصائصها الحقيقة، ومن خصائصها المجاز.
فعندما تقول: رأيت أسدًا في حديقة الحيوان بعد العصر يأكل وجبته، فعلًا هم يقدمون بعد العصر وجبة الأسد يقدمها له بعد العصر. والذي يحب أن يشاهد الأسد وهو يأكل فليزر حديقة الحيوانات هذه أو حديقة الحيوان بعد العصر.
مشاهدة الأسد في حديقة الحيوان وما فيها من تأمل في آيات الله
وهناك أناس يحبون ذلك ويرون فيه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وكان منهم شيخ مشايخنا الشيخ محمد أمين البغدادي، كان يحب ذلك؛ في الأسبوع يذهب ليزور الحديقة بعد العصر ليشاهد الأسد وهو يأكل، لأن الأسد وهو يأكل فيه معانٍ تستطيع أن تقول فيها بعد ذلك: سبحان الله، ما هذا! سبحان الخالق، سبحان الرزاق.
الأسد محبوس ويسوق الله له رزقه، وهو في حالته الجسدية قوي، ونسميه ملك الغابة وما شابه ذلك، أسد ولكن حالته مقيد مسكين يستحق الرحمة، لكن وضعه مسكين يستحق الرحمة. إنها مسألة تحتاج إلى تأمل وتدبر.
مثال الحقيقة في اللغة: رؤية أسد حقيقي في حديقة الحيوان
رأيت أسدًا — منكرًا هنا — لأن أي أسد يعني أنه لا يعرف اسمه ولا يعرف شكله، يأكل في حديقة الحيوانات بعد العصر وجبته. أليس هذا ما يسمونه حقيقة؟ لأنه فعلًا هو رأى أسدًا [وهو] الحيوان المفترس.
مثال المجاز في اللغة: وصف المفكر بالأسد في المناظرة
إنما عندما تقول: في المناظرة التي جرت بين فلان وعلان من المفكرين كان المفكر الفلاني أسدًا، هذا ليس الأسد المفترس، بل أسدًا هنا معناه الأقوى. هذا مجاز؛ أي استُعمل اللفظ في غير ما وُضع له.
رأيت أسدًا يجادل عن الفكر المستقيم أمام نظرائه، نعم، هذا أسد آخر، هذا ليس الأسد الذي هو ذو لبدة صفراء وليس هو، فيكون هذا مجازًا.
الفرق بين الحقيقة والمجاز في عبارة ائتوا البيوت من أبوابها
وجدت شخصًا وأنا جالس في المضيفة يقفز لي من النافذة، فقلت له: يا أخي، ائتوا البيوت من أبوابها. هذه العبارة التي قلتها حقيقية؛ لأنه ما لم يرضَ أن يدخل من الباب ودخل لي قافزًا من الشباك.
إنما يصبح مجازًا متى؟ يصبح مجازًا إذا كنتُ أدورُ وألتفُ حولك، أدورُ وألتفُ حولك وأنت اكتشفتَ هذه المخادعة، فقلتَ له: يا أخي، لا تأتِ البيوت من ظهورها، تعال مباشرة هكذا، وأتوا البيوت من أبوابها. يصبح هذا مجازًا، يصبح التعبير هنا هذا هو كذلك، هو مجاز وليس حقيقة.
عبارة ائتوا البيوت من أبوابها كناية عن عدم اللف والدوران والمباشرة
لا، هذا مجاز ليس له علاقة بأنهم كانوا يعيبون على من يدخل من النافذة، ولا أنهم جعلوه يدخل من الباب أو غير ذلك. هذا تعبير متكامل في اللغة، التعبير المتكامل هذا سموه في الإنجليزية expression، وهو متكامل وليس معناه حقيقيًا.
معناه أن هناك بابًا وهناك شباكًا، وأنني إذا تركت الباب فهذا يكون حقيقة هكذا. لكن ما هو موجود هنا مجاز، كناية عن عدم اللف والدوران؛ أي أن تضع الأمور في نصابها، يعني لا تخادع، كن مباشرًا، كن شفافًا.
كل هذه عبارات نستعملها لذات المعنى نفسه: كن شفافًا يا أخي، يعني قل الصراحة، قل الراحة، هكذا الصراحة راحة، الصراحة راحة، نعم هي هي هكذا.
سؤال المشركين واليهود للنبي عن ظاهرة تغير الأهلة وأطوار القمر
طيب، جاءوا يريدون يختبروا محمدًا ﷺ: يا محمد، لماذا الأهلة تظهر على هيئة خط هكذا؟ الهلال خط هكذا في أول يوم في الشهر العربي القمري، قليلًا وتنتفخ إلى أن تصبح نصفًا قليلًا، وتصبح دائرة كاملة هكذا نسميه البدر، بدر التمام. تمام يعني ماذا؟ يعني كامل، هكذا هو بدر التمام.
إنسانة فتانة، بدر الدجى منها خجل. يبقى إذا بدر التمام هذا جميل.
لماذا يحدث هكذا؟ وبعد ذلك أيضًا الأغرب من ذلك يا محمد، قل لنا الآن هذه الحكاية واشرح لنا أنه بعد أن يتم بدرًا يمكث ينقص ينقص ينقص ينقص إلى أن يصبح خطًا في الناحية الأخرى، وبعدها يغيب فيصبح القمر محاقًا أي أسود لا نراه.
أسلوب الحكيم في القرآن: الإجابة بما هو أنفع من السؤال المطروح
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: 189]
هذا ما يُسمى بأسلوب الحكيم. هم يسألون عن ماذا؟ عن ظاهرة فلكية لها ما يفسرها من جريان الأفلاك.
حسنًا، هذا القرآن عندما نزل لكي يعلمنا الكيمياء والفيزياء؟ لا، لأي شيء؟
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
قال هكذا في أول شيء:
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
إذن هذا [القرآن] من أجل الهداية. فأسلوب الحكيم أن تكون عارفًا ما هو غرض السؤال. فسِّر لنا يا محمد طبيعيًا — أي فيزيائيًا — ظاهرة تغير الهلال إلى الربع ثم البدر ثم تناقصه حتى يصير هلالًا مرة أخرى.
التفسير الفلكي لظاهرة أطوار القمر ودوران الأفلاك
لماذا يفعل [القمر] هكذا؟ ما السبب؟ السبب هو أن القمر يدور حول الأرض، وأن الأرض تدور حول الشمس، وأن القمر يستمد نوره من الشمس. فإذا حجزته الأرض في خلفيتها عن الشمس تمت هذه الظاهرة، وهي ظاهرة تطور الهلال: هلال فربع فبدر فربع فهلال ثانيًا.
يكون إذن سبب هذا دوران الأفلاك. ودوران الأفلاك هذا ينشأ عنه ماذا؟ ينشأ عنه الأشهر والفصول؛ ينشأ عنه محرم وصفر وربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان وأشياء كهذه.
غرض السؤال عن الأهلة وربط المواقيت بمصالح الناس والعبادة
حسنًا، يسألونك عن الأهلة، ما الغرض؟ الغرض أنك تتكلم علمًا حسيًا فتملأ القرآن بهذا العلم الحسي، فيصعب على الناس أن تصل إلى الهداية. فربنا عالم؛ لأنه هذا الكلام كله كان عمل اليهود مع المشركين.
فقال له:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: 189]
خذ الجواب إذن: جواب مفاجئ، جواب ليس له علاقة بالآية [أي بالحقائق الفلكية] التي ذكرتها. ليس يريدها هو؛ لأنه يريد أن يشوش على [المسلمين]. هل القمر يدور أم الشمس هي التي تدور أم الأرض هي التي تدور؟ الأرض أم الشمس التي لا تدور؟ هكذا هو الأمر.
إجابة القرآن بربط دوران الأفلاك بالمواقيت والعبادات كالحج
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]
سينتج عن دوران الأفلاك الأزمان، وسينتج عن الأزمان تنظيم العبادة. مواقيت للناس: تأتي لتقول لي أين الدين؟ فأقول لك: في أول الشهر. متى يكون أول الشهر؟ اليوم هو أول الشهر، فتأتي لتأخذ أموالك [زكاتك] اليوم، تكون مواقيت للناس.
والحج: الحج عندنا يبدأ في شهور الحج.
﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ [البقرة: 197]
شوال وذو القعدة وذو الحجة حتى العاشر منه، حتى وقفة عرفات. الحج هكذا أركانه انتهت، ولكن الطواف يستمر حتى آخر الحج، يمكن أن يكون حتى آخر الحج. فهي مواقيت للعمارة وللعبادة.
المواقيت لازم الإجابة وليست الإجابة المباشرة على سؤال الأهلة
هذه المواقيت أجابت على السؤال؟ لا، هذا لازم الإجابة على السؤال. الإجابة على السؤال: دوران الأفلاك. الذي ينتج من دوران الأفلاك هو مواقيت للناس والحج.
طيب، يبقى هذا يسمونه أسلوب الحكيم؛ أن تسأل من أجل الوصول إلى معلومة فيتعداها المجيب إلى ما يترتب على هذه المعلومة. المواقيت تترتب على ماذا؟ على دوران الأفلاك.
قياس الزمن بالسنة الشمسية والقمرية ونتائج رصد الأفلاك
هذا ما عندنا: الزمن نقيسه بأمرين: إما بالشمس أو بالقمر. الشمس نسميها السنة الشمسية، ثلاثمائة خمسة وستين يومًا وربع. والثانية نسميها السنة القمرية، وتختلف؛ فهي إما ثلاثمائة ثلاثة وخمسين يومًا، أو ثلاثمائة أربعة وخمسين يومًا، أو ثلاثمائة خمسة وخمسين يومًا في دورة ثمانية.
كل هذا أدركناه من الرصد لمئات وآلاف السنين فعرفنا هذه الحوادث.
حسنًا، ماذا يلزم من دوران الأفلاك؟ المواقيت. ولماذا صُنعت هذه المواقيت؟ سأربطها بمصالح الناس (الخلق) ومصالح الحق [سبحانه وتعالى].
أسلوب الحكيم في الآية: صرف السائل عن غرضه إلى ما هو أنفع
إذن أنا أخرجته [السائل] من غرضه الذي كان غرضًا غير شريف، ولا بد فيه نوع من أنواع السخرية، فيه نوع [من التشويش]. وبعد ذلك قلبه [القرآن الموضوع]: تكلم مباشرةً، تعال بشكل مباشر، لا داعي لذلك هكذا. أنت غير صريح، ولماذا تلف وتدور؟ هذا هو مُراد السائلين الحقيقي.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 189]
تلفون وتدورون هكذا؛ أي يكون هذا مجازًا، وهذا المجاز هو مجاز معتبر. وهذا المجاز المعتبر أوصلنا إلى ما يُسمى بأسلوب الحكيم، وأسلوب الحكيم هو أن تجيب على ما يترتب على الإجابة المرادة، وأنك تركتها من أجل الوصول إلى ما هو أنفع للسامع — السائل وللسامعين من بعده. هذا هو أسلوب الحكيم.
