جدال جديد بين موسى عليه السلام و بني إسرائيل حيث طالبوه بأن يريهم الله جهراً 15-5-2020
- •ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه مصطحبًا سبعين رجلًا من بني إسرائيل ليعتذروا عما فعله قومهم باتخاذهم العجل إلهًا.
- •طلب هؤلاء المختارون رؤية الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا ثم بعثهم الله من جديد.
- •قتل بنو إسرائيل أنفسهم كعقوبة لاتخاذهم العجل، وقُتل السامري معهم بعد أن جعل الله عقابه في الحياة أن يقول "لا مساس".
- •اكتشف العلماء أن الموت له مرحلتان: مرحلة خروج الروح من الجسد قبل دخول البرزخ (يمكن العودة منها)، ومرحلة ما بعد البرزخ (لا عودة منها).
- •حدثت قصة البقرة خلال فترة التيه، حيث قُتل رجل فأمر الله بذبح بقرة لكشف القاتل.
- •تُظهر قصة البقرة كيفية التعامل مع الدين، وأن كثرة الأسئلة والتشدد قد تؤدي إلى تضييق واسع.
- •كانت البقرة ليتيم بار بأمه، وارتفع ثمنها بسبب بره وطاعته لها حتى بيعت بملء جلدها ذهبًا.
عودة موسى عليه السلام إلى ميقات ربه مع سبعين رجلاً من بني إسرائيل
كان على نبي الله موسى عليه السلام أن يعود مرة أخرى إلى ميقات ربه، ولكن هذه المرة كان معه سبعون رجلًا من بني إسرائيل، اختارهم موسى لكي يعتذروا إلى الله عمّا بدر من قومه أثناء غيابه في الميقات الأول، حين اتخذوا العجل بعد قصة السامري.
هذه المرة كذلك، بنو إسرائيل ما زالوا في حالة المجادلة، وطلبوا من موسى أن يُريهم الله جهرةً. قصة جديدة ودرس جديد وعبرة جديدة في مصر أرض الأنبياء.
طبيعة بني إسرائيل وعنادهم مع نبي الله موسى عليه السلام
لبني إسرائيل طبيعة خاصة في أبدانهم وفي توجهاتهم النفسية، عانى منها موسى بعدما أنقذهم من فرعون. جاءهم يعلمهم التوحيد والتشريع، لم يتعظوا ولم يتفكروا، حتى أنهم طلبوا منه أن يتخذ لهم إلهًا بعد أن مرّوا على قومٍ يعبدون إلهًا.
ولم يرضوا بالمنّ والسلوى في سنوات التيه، حتى طلبوا منه أن يأتي لهم بما تُخرجه الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها. عنادهم وتشددهم وتمسكهم أدّى بهم إلى واقعة البقرة، واتصفوا بصفاتٍ أتعبت موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
استكمال الحديث عن رد فعل سيدنا هارون أثناء غياب موسى وعبادة العجل
[المذيع]: عليكم، ما زلنا معكم مشاهدينا الكرام في رحاب هذه السيرة لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام في أرض مصر الطيبة المباركة، وتحديدًا في سيناء. نستكمل الحديث مع فضيلة الدكتور علي جمعة في الفترة التي تلت اتخاذ بني إسرائيل للعجل الذي صنعه لهم السامري. فضيلة الدكتور، أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بحضرتك، الله يحفظ حضرتك.
فضيلة الدكتور، لقد توقفنا في الحلقة السابقة عند العجل الذي صنعه السامري وردّ فعل سيدنا موسى. نتحدث الآن عن جزئية وهي رد فعل سيدنا هارون على ما حدث، حيث إنه في الآيات الكريمة سيدنا هارون يقول أو يبرر ما حدث بأن بني إسرائيل استضعفوه ولم يستطع أن يقف أو أن يمنعهم من هذا الفعل. برأي فضيلتك، كيف كان وضع سيدنا هارون أثناء غياب سيدنا موسى؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سيدنا هارون يعلمنا أن الوحدة مقدمة على طلب الإيمان، فعندما يقول إنني خشيت أن تقول فرَّقتَ بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي.
درس سيدنا هارون في تقديم الأمن المجتمعي على الإيمان
هذا تعليم للدعاة وللمسلمين إلى يوم الدين.
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: 111]
فهو يعلمنا شيئًا مهمًا للغاية، وهو أن الأمن قبل الإيمان. ففي هذا المشهد الذي عاشه هارون مع بني إسرائيل، رفض أن يعود إلى موسى في خلوته ليُخبره، ورفض أن يُفرّق بين بني إسرائيل، حتى لو كانوا قد وصلوا إلى الشرك الصريح الذي لا يختلف عليه اثنان من اتخاذهم العجل إلهًا من دون الله.
فجعل الأمن المجتمعي قبل الإيمان، وكان الذين ضلّوا هذه الضلالة قليلين نحو السبعين.
عقوبة عبادة العجل وأمر الله بقتل أنفسهم توبةً إليه
ولذلك حتى سنرى بعد ذلك أن الله سبحانه وتعالى لمّا طلب من موسى أن يعتذروا لله وأن يتوبوا إليه، طلب منه سبعين من قومه في مقابل السبعين الذين غضب الله عليهم وأمرهم بقتل أنفسهم.
فوقفوا في صفّين حتى لا يعلم من القاتل من المقتول، ولا يخافون ولا غير ذلك إلى آخره، وغَبِشَت عليهم الأجواء وتقاتلوا فقُتِل بعضهم بعضًا.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 54]
هل كانت عقوبة عبادة العجل هي قتل أنفسهم واختلال النظام العام
[المذيع]: هل هذه كانت العقوبة يا مولانا؟ هل كانت العقوبة قتل أنفسهم في حال الذنب؟
[الشيخ]: نعم، فاختلال النظام العام دائمًا عقوبته الإعدام، وأن يكون هناك جاسوسية يكون فيها تدمير للهيكل الاجتماعي، يكون في أمور متعددة إلى آخره، قتل النفس مثلًا بما حرّم الله. بالضبط، هكذا: اقتلوا أنفسكم.
﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54]
فهنا سيدنا موسى [يقول لقومه]: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم. فقتلوا أنفسهم، فهذا كان المشهد الأول وهو وقوع العقوبة من ربّ العالمين على من أشرك وعبد العجل.
نهاية السامري وعقوبته بمرض لا مساس ومقتله مع من قُتلوا
[المذيع]: فضيلة الدكتور، السامري كانت نهايته في هذه الآية ربنا سبحانه وتعالى يوضحها؟ أي أن سيدنا موسى يقول له:
﴿فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ [طه: 97]
[الشيخ]: لا مساس تعني بالضبط كأن عنده جرب، لا أحد يستطيع أن يلمسه، وإلا يعني عنده مرض جلدي يأنف الناس أن يلمسوه، وهو يتأذى لو لمسه أحد.
[المذيع]: هل كان أيضًا في معيّة بني إسرائيل أم لا؟ وهل تركهم؟ وهل أكمل هو في صحراء سيناء وحده أم ذهب إلى أين في النهاية؟
[الشيخ]: قُتل مع من قُتلوا، قُتل مع الذين قتلوا أنفسهم، مع الذين قتلوا أنفسهم. عندما ساء عليه الحال قُتِلَ معهم.
قصة السامري تثبت أن العبد مهما ترقّى يبقى على خطر إذا عصى الله
فالسامري هذا قد ضيَّع نفسه بالفعل؛ لأنه إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؛ لأن الله سبحانه وتعالى كان قد علّمه كثيرًا.
هذه القصة تُثبت أن الرب ربٌّ والعبد عبد، وأنه مهما ترقّى الإنسان في درجات الارتقاء إلى درجة الصِدّيقية أو درجة الولاية، فإنه على خطر عظيم إذا عصى الله. فهذا هو ما تربّى عليه كبير الملائكة سيدنا جبريل، يعني هذا ما تربّى عليه كبير الملائكة سيدنا جبريل.
ولكن تذكّر أن إبليس وهو في الحضرة الربانية طُرد ولُعِن.
قصة سيدنا عبد القادر الجيلاني مع إبليس ودرس التواضع لله
ولذلك عندما جاء سيدنا عبد القادر [الجيلاني] وروى روايته أنه كان في خلوة، ثم أنارت [الخلوة]، وبعدها قال له: يا عبد القادر، أحللنا لك الحرام. فعبد القادر قال له: اذهب يا لعين. قال [إبليس]: علمك نجّاك يا عبد القادر، أخرجتُ بمثلها سبعين وليًا من ديوان الولاية.
حكاية سبعين وليًا من ديوان الولاية هذه تجعل المرء في خوف مستمر، ويقول: يا رب حسن الختام، حسن الختام. يعني: يا رب أنا الآن، هذه الحالة تمنع ما؟ الكِبر، وتمنع الشعور بالتكبر والغرور.
هكذا، وأن خلاص أنا وليّ وأنا عالم وأنا لا أعرف ما هو وما هو، لا يصح ذلك. بل يجب أن تتواضع لله مهما بلغت من نعم الله، فإنك على خطر عظيم. يجب أن تتواضع لله، ومن تواضع لله رفعه.
الدرس المستفاد من السامري أن الخطيئة خطيئة مهما كانت منزلة صاحبها
هذا الدرس نستقيه من أين؟ من السامري؛ لأن هذا السامري الذي ربّاه جبريل ما يعني اعتبر عندما أخطأ أنه سيرتكب الخطيئة. الخطيئة هي خطيئة.
مشهد اعتذار السبعين رجلاً في الميقات وطلبهم رؤية الله جهرة
[المذيع]: نعم فضيلة الدكتور، الميقات إذن، يعني بنو إسرائيل وعلى رأسهم نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ذهبوا لكي يعتذروا، فحضرتك إذن أخبرتنا كيف كان مشهد الاعتذار، وما الذي دار في مشهد الاعتذار الذي حدث مع السبعين رجلًا الذين ذهبوا إلى ميقات الله سبحانه وتعالى؟
[الشيخ]: المشهد أنهم ذهبوا، وبعد ذلك هؤلاء هم المختارون، وهؤلاء هم الذين اختارهم موسى عليه السلام، أي أنهم النخبة، يعني هؤلاء هم الصفوة.
وبعد ذلك قالوا له:
﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]
يعني لا فائدة، لا توجد فائدة، لا فائدة.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: 55-56]
إذن عندما طلبوا هذا الطلب مرة أخرى وصُعقوا، ماتوا، ثم بعثهم الله من بعد الموت. لكن مع سيدنا موسى لم يمت، فخرَّ موسى صعقًا.
اكتشاف العلماء لمرحلتين من مراحل الموت في القرآن الكريم
[المذيع]: هنا إذن، هل الصعق يعني الموت أم لا؟ من هذه النقطة ابدأ الكلام.
[الشيخ]: اكتشف العلماء نقطة دقيقة جدًا موجودة في القرآن الكريم كله، وهي أن هناك مرحلتين من مراحل الموت وليست مرحلة واحدة.
[المذيع]: أستأذن فضيلتك نشوّق المشاهدين ونُعلمهم بعد الفاصل. بعد الفاصل، بارك الله في فضيلتك، سنواصل إن شاء الله هذا الحديث الطيب والممتع.
جبل التجلي وأسماؤه المتعددة ومكانته عند المصريين
مع فضيلة الدكتور علي جمعة. جبل التجلي مكان له قدسية ومكانة كبيرة عند المصريين جميعًا. والحقيقة أن جبل موسى عُرف بأسماء عدة من بينها: طور سيناء أي جبل سيناء، وجبل المناجاة، وجبل الرب.
بينما جبل التجلي هو الذي شهد تجلّي المولى سبحانه وتعالى إلى الجبل فجعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا. يعتقد البعض أن هذا الجبل هو الموجود خلف دير سانت كاترين مباشرةً، ويقع بين قمّتي جبل موسى وجبل كاترين.
وللحقيقة فإن هذه القمة تبدو بالفعل مدكوكة بالمقارنة بباقي القمم التي من حولها؛ لذا يرى الكثيرون أنها هي الجبل الذي أمر الله سبحانه وتعالى بدكّه، ويُعرف في المنطقة حاليًا باسم جبل الدك أو جبل المدكوك.
مرحلتا الموت في القرآن والفرق بين صعق موسى وصعق السبعين رجلاً
[المذيع]: نرحب بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، ونستكمل هذا الحديث الطيب مع فضيلة الدكتور علي جمعة. فضيلة الدكتور، حضرتك قبل الفاصل أخبرتنا عن فكرة الصعق الذي تعرض له سيدنا موسى عليه السلام، وبعد ذلك الصورة الأخرى التي حدثت للسبعين من قومه عندما صُعقوا فأحياهم الله أو بعثهم الله مرة أخرى. يعني ففكرة لماذا سيدنا موسى حدث له صعق، وهل مات في المرة الأولى؟ وكذلك في قومه ماتوا؟ فحضرتك ممكن توضح لنا.
[الشيخ]: آه، فيهم هم قال:
﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: 56]
أي يعني ماتوا، يعني صرّح بأن هذا موت. فمن هنا أخذوا أن الموت يبدو أن له مرحلتين: مرحلة قبل دخول الروح إلى البرزخ، ومرحلة بعد دخول الروح إلى البرزخ.
حقيقة الموت وخروج الروح من الجسد وصعودها إلى البرزخ
[المذيع]: يعني ماذا يا مولانا؟
[الشيخ]: نعم، عندما تخرج روح الإنسان من جسده يُسمّى ذلك موتًا. فالموت حقيقته هو خروج الروح من الجسم وتوقف كل أعضاء الجسم، انتهى الأمر. توقفت، هذه الروح تصعد إلى بارئها.
انظر إلى الكلمة: تصعد، أي تسير. وبعد ذلك هناك شيء عند ربنا في الملأ الأعلى، هكذا، اسمه في الملكوت برزخ. البرزخ هذا بوابة تدخلها فلا تخرج منها مرة أخرى.
﴿وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]
شهادات تجارب الاقتراب من الموت وعلاقتها بمرحلة ما قبل البرزخ
[المذيع]: حسنًا، فماذا عن الذي عاش بعد الموت هذا؟ لأن لديّ قصة في القرآن:
﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: 259]
[الشيخ]: نعم، لدينا خمسة عشر مليون شخص أدلوا بشهاداتهم أنهم في أثناء العمليات الجراحية أو في أثناء الحوادث وما إلى ذلك، يرون منظرًا واحدًا. الكل يحكون عن أسطوانة لولبية سوداء في نهايتها ضوء، وهم يخترقون هذا.
وعندما نبحث في هؤلاء الخمسة عشر شخصًا [مليونًا] قبل أن يفيقوا، ونجدهم أنهم كانوا على حافة الموت، يتبين أنه كان هناك أمر. عندما يقول شخص عشرة، يقول آخرون لا، بل هم خمسة عشر مليونًا. المسجلون لدينا الآن خمسة عشر مليونًا، فلا يصح أن نأتي ونقول إن هذا لا يحدث.
مرحلة ما قبل البرزخ وإمكانية عودة الروح قبل دخولها البرزخ
نعم، صحيح، والقرآن لا ينفي ذلك. حسنًا، فما الذي وراءهم برزخ، عندما يعدّي البرزخ، فماذا يكون؟
﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: 259]
أي أنهم لم يدخلوا البرزخ بعد، ويكون إذن كأن هناك شيء يسمى مرحلة ما قبل البرزخ. وهذه الروح تصعد ولكنها لا تنطلق إلى البرزخ، فمن الممكن أن تعود مرة أخرى.
بمعنى أنه في مرحلة ما دون البرزخ، هناك احتمال أن تعود، وهناك احتمال أن تكمل طريقها إلى البرزخ.
التفريق بين مرحلتي الموت قبل البرزخ وبعده والرد على الروحانيين
فإذن هناك مرحلة تسمى موتًا بنص القرآن، وهذه المرحلة التي تسمى موتًا قبل البرزخ، والله، وهناك مرحلة أخرى للموت بعد البرزخ، وحينئذ فالأرواح لا ترجع.
فهذه نقطة مهمة جدًا، حتى للرد على الروحانيين المحدثين الذين يقولون نحضر أرواحًا خاصة. ونحن عندنا المشايخ غير موافقين على هذه المسألة، أو يقولون لا، لكن تفسير هذا هو بهاتين المرحلتين.
أن هناك مفارقة للروح للجسد ولكن قبل البرزخ، وهناك هذه المفارقة قد تتم بالعبور إلى البرزخ، ويبقى ما بعد البرزخ. وهنا لا ترجع أبدًا إلا في يوم القيامة.
إحياء السبعين رجلاً بعد الصعق وطلب رؤية الله ليس ذنباً بل طلب حق اليقين
عندما أفاقوا واستعادوا وعيهم وأحياهم الله مرة أخرى بعد هذا الصعق، الذي حدث للسبعين رجلًا الذين ذهبوا مع سيدنا موسى لمقابلة الله سبحانه وتعالى.
[المذيع]: الذي حصل يعني، هل ربنا سبحانه وتعالى قد سامحهم على ما حدث هذا؟ نعم سامحهم.
[الشيخ]: لأنه طلب النظر إلى الله، هذا طلب لشيء نسميه حق اليقين، فلا مانع من أن يتطلع إلى هذا، مثلما تطلّع سيدنا موسى إلى هذا، ومثلما فعل سيدنا إبراهيم قبل ذلك عندما قال له: فخذ أربعة من الطيور.
نعم، فإذن هذا ليس ذنبًا، هذا نوع من أنواع طلب المزيد.
قصة البقرة وحادثة القتل التي وقعت في بني إسرائيل أثناء سنوات التيه
[المذيع]: ولكن فضيلة الدكتور، هل أصبحت قصة البقرة التي خصّص لها القرآن الكريم أطول سورة وأكبر سورة في القرآن الكريم، هل أيضًا حدثت في ذات الفترة بعد ميقات السبعين رجلًا مع سيدنا موسى بعدما رجعوا؟
[الشيخ]: وهم كوّنوا اثني عشر مجمّعًا إن صح التعبير، أو تجمعًا، وفرّقهم الله على هذه الاثني عشر سبطًا، واثني عشر عينًا، واثني عشر فريقًا إلى آخره.
حدثت حادثة قتل في خضم الحياة، فنحن مكثنا أربعين سنة، وقد حدثت حادثة قتل وهي أن كان هناك رجل ثري، بينما كان لديه بعض المال وكان غنيًا، وأولاده سيرثونه. استعجل أحدهم موت أبيه فقتله.
شكوى موسى إلى الله وكشف القاتل بضرب المقتول ببعض البقرة
فاشتكى سيدنا موسى إلى الله ذلك وهم في التيه، وهم في التيه، وهم في الهجرة. ماذا سيفعل بالمال في الصحراء؟ أنا لا أعرف، ورزقهم الله بالمنّ والسلوى وأمور مثل هذه.
فاشتكى إلى الله سبحانه وتعالى، فقال الله:
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 72-73]
فلما ضربوه بذيل البقرة التي سنحكي قصتها الآن، فتح المقتول عينيه هكذا، كما كان يحدث لاحقًا مع عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقال: قتلني فلان ابن فلان هذا. فأُخذ وعوقب ووقع عليه ما كان يقع على القاتل العمد.
سبب تسمية أطول سورة في القرآن بسورة البقرة رغم تعدد موضوعاتها
قصة البقرة هذه أنزلها ربنا، إنها شيء غريب جدًا أنه يسمي أول سورة بعد الفاتحة بالبقرة، وهي قد ذُكر فيها الأحوال الشخصية، وذُكر فيها قصة الخلق، وذُكر فيها قصة موسى.
صحيح ذُكر فيها ما لم يسمّها لا موسى ولا آدم ولا بدء الخلق ولا التوحيد ولا الأحوال الأسرية ولا ما لم يسمّها، ولا سمّاها سورة الأحكام وهي تحتوي على كل هذا. بل قال البقرة.
إذن، إذا كان الله تعالى يريد أن يلفت أنظارنا إلى هذه القصة، فما هي هذه القصة؟ ماذا فيها؟ فيها كيفية التعامل مع الدين بشكل عام.
الدرس المستفاد من قصة البقرة في كيفية التعامل مع أوامر الله دون تعنت
ما هي الخطوة الأولى الخاصة بكل البشر مع الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى؟
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]
هذه هي القصة. القصة أنه عندما يقول ربنا سبحانه وتعالى لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة، اذبحوها، أي بقرة. عندما يقول لك: اذهب وتوضأ، توضأ. لا تقل له: أتوضأ من الحنفية أم أتوضأ من الزير؟ توضأ. بأي ماء؟ وما شكل الماء؟
كلما تسأله: هل هو دافئ أم بارد أم فاتر؟
﴿لَا تَسْـَٔلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]
سبحان الله.
﴿وَإِن تَسْـَٔلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: 101]
وبعد ذلك يقول لك:
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 102]
الذين هم هؤلاء [بنو إسرائيل]، قالوا: ما لونها، قالوا: ما هي.
﴿وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 70]
لولا قولهم إن شاء الله لمهتدون ما هداهم الله إلى البقرة المطلوبة
يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
«أنه لو لم يقولوا وإنّا إن شاء الله لمهتدون ما هداهم الله إليها أبدًا»
هذه البقرة قد وردت في الروايات الكثيرة في التفسير أنها كانت ليتيم، وأنهم بحثوا عنها لأنها فريدة وحيدة. فكانت أمه، وكان يطيع أمه جدًا.
قالت له: يا بني، هذه البقرة بثلاثة دنانير فقط، إياك أن تفرّط فيها بأقل من ثلاثة دنانير. وذهب، ولكن عندما يعرض عليك أحدٌ أي مبلغ، سواء ثلاثة دنانير أو نحو ذلك، ارجع إليّ مرة أخرى. قال: حاضر.
قصة اليتيم البار بأمه وبيع البقرة بملء جلدها ذهباً من بر الوالدين
فتعرّض له ملك وقال له: بكم هذه البقرة؟ قال له: بثلاثة دنانير. قال له: حسنًا، أنا أريد أن أشتريها. قال له: يجب أن أرجع إلى أمي. قال له: ما شأن أمك؟ سأعطيك ستة ولا ترجع إليها. قال له: لا، سأرجع إلى أمي.
وذهب راجعًا إليها، التي قالت له: حسنًا، أصرّ على ستة. فذهب وقال له: حسنًا، ستة، موافق. قال له: أنا موافق. قال له: حسنًا، ارجع. متى قمت؟ قالت لي: ارجع لي. قالوا: لا يا ابني، أنا سأعطيك اثني عشر فقط ولكن لا ترجعها، دعها تنتهي. فقال له: لا، لا يمكن أن أرجع لها.
قالت له: إياك أن [تقبل] إلا اثني عشر وأرجعني. فذهب وقال له: أربعة وعشرين، ستة وثلاثين. حسنًا، سأعطيك مائة دينار وتتركها من غير لا ترجعوا. قال له: لا.
قال له: طيب، قل لأمك ألا تبيعها، فإن موسى بن عمران يبحث عنها، ولا تقبل إلا بملء جلدها ذهبًا.
nعم، بملء جلدها، ليس بوزنها، نملأ جلدها كله ذهبًا. سنذبحها ونملأ جلدها ذهبًا. وكان هذا من برّ الوالدين.
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الدكتور علي جمعة على هذا العلم الغزير
[المذيع]: نعم، أشكر فضيلة الدكتور، شكرًا شكرًا جزيلًا لحضرتك على هذا العلم الغزير والوفير، وأشكرك شكرًا جزيلًا لفضيلتك، والشكر موصول لحضرتك، إلى اللقاء.
