حديث الجمعة| الدكتور علي جمعة يشرح "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” (الحلقة الكاملة)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهُدي من اتبعها وضل من حاد عنها. نعيش هذه اللحظات عسى أن يفتح الله علينا فتوح العارفين به، وأن يعلمنا الأدب معه، وأن يسلك
بنا الطريق إليه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يكرمنا في الدارين بشفاعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه. ترك لنا رسول الله منظومة أخلاقية فائقة رائقة عالية غالية لا مزيد عليها. جاءنا فقال عن نفسه: "إنما بعثت رحمة مهداة". جاءنا فإذ بالبسملة تلخص ما هنالك: "بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ". جاءنا
فوصفه ربه سبحانه وتعالى بأسلوب قصر وحصر مثل "إنما"، ولكن بالنفي والاستثناء: "وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ" [الأنبياء: 107]. عندما تقول: "لا إله إلا الله"، فهذا أسلوب حصر وقصر، قصرت الألوهية على الله وحده، لا شريك له، وعندما تقول: "وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ" قصرت الإرسال على الرحمة فقط. ربنا سبحانه وتعالى وسعت رحمته
كل شيء، من مكلفين ومن جماد ومن نبات ومن حيوان، من مؤمنين ومن كفار. أخبر الله سبحانه وتعالى عن نفسه في الكتاب بصفات، وهذه الصفات لو عددتها في القرآن لوجدتها قد وصلت إلى أكثر من مائة وخمسين صفة، والله يقول: "وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا" [الأعراف: 180]، فسمى صفاته بالأسماء. فما الفرق بين الاسم والصفة؟ الاسم علم على الذات، يعني إذا أُطلق انصرف
الذهن إلى تلك الذات. عندما تقول: "خالد"، وأنت تعرف واحداً اسمه خالد، "خالد" هذا العلم الخاص به. فيتبادر إلى ذهنك دائماً عندما تسمع كلمة "خالد" صورة خالد، فهو عَلَم على الذات. يعني بمجرد أن يُطلق، نادِ لي "محمدين"، فيكون "محمدين" هذا عَلَم، فوراً تذهب لتحضر له محمدين، ولا تحضر له حسنين. فالاسم عَلَم على الذات. ماذا يعني عَلَم؟ يعني متى أُطلق يفهم منه السامع شخصًا بذاته معينًا. فما هي الصفة؟ الصفة معنى قائم بالذات.
محمدين هذا قد يكون طويلاً أو قصيراً، أسمر أو أبيض، سمين أو نحيفاً، كلها صفات: مريض أو صحيح، فقير أو غني، ذكي أو غبي. هذه صفات لأنها معانٍ قائمة بالذات. فعندما أقول لك: الولد فلان، فتعرفه على الفور، فلان؟ عرفناه، لن نقول أسماء بعد الآن. إذن الاسم علم على الذات، والصفة معنى، يكون هذا علم وهذا معنى. هذا
علم على الذات، لكن هذا معنى قائم بالذات. هذا الكوب أحمر، هذا الكوب أزرق، هذا الكوب كبير هكذا، لكن هذا الكوب صغير (استكانة). كلها صفات، أي معنى قائم بالذات. عندما آتي وأقول لك: اذهب وأحضر لي كوباً. الكوب هذا اسم على الإناء الذي يُشرب فيه. إذن الفرق بين الاسم والصفة أن الاسم علم على الذات والصفة معنى قائم بالذات. فلماذا لم يقل ربنا "ولله الصفات العلى" مثلاً، أي بدلاً من الأسماء يقول الصفات؟ قال: لأن تلك الصفات
في حقه تعالى قد وصلت إلى الغاية وإلى الكمال الأعلى وإلى تمام ما هنالك، حتى إذا ما أُطلقت انصرف الذهن إليه سبحانه. فعندما أقول لك من هو الرحمن؟ الله. ومن هو الرحيم؟ الله. ومن هو القوي؟ الله. لن تقول لي المصارع الذي بجوارنا هنا هو القوي، هذه قوة بسيطة لدينا، لكن من هو القوي؟ الله. من هو المهيمن؟ الله. من الوهاب؟ الله. إذن فقد صارت اسما، هي صفة حقيقةً ولكن صارت اسماً لبلوغ تلك المعاني في تلك الذات الجليلة إلى منتهاها
بحيث إذا ما أُطلقت انصرف الذهن إليه. هذه هي الاسمية، أي انصرف الذهن إليه. فتصبح المائة والخمسون صفة هي في الحقيقة أسماء لله حسنى. السنة فيها مائة وأربعة وستون، عندما نجمعهم مع بعض ونحذف المكرر يكون المجموع مائتان وعشرون. فأنا لدي في الإسلام مائتين وعشرين صفة هي أسماء لله سبحانه وتعالى. عليها منظومة القيم. ذهبنا إلى المائتين والعشرين وصنفناها فوجدنا منها صفات جمال ووجدنا منها صفات جلال ووجدنا منها صفات كمال. فصفات
الجمال: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، الغفور، الغفار، الغافر. صفات الجمال فيها حلاوة أما صفات الجلال فيها عظمة، العظيم العزيز الجبار المنتقم ذو الجلال والإكرام، فتخاف. وماذا عن صفات الكمال: الأول الآخر الظاهر الباطن السميع البصير الوالي المتعالي الخافض الرافع
النافع الضار، التي تُسمى الأسماء المتقابلة، بضعة وعشرون اسماً متقابلاً، مع التقابل يفيد الكمال، أي لا تغيب عنه شيئاً لا سراً في الظاهر ولا في الباطن، "يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى" [طه: 7] هذا كمال. إذاً هناك أخلاق ربانية إلهية للجمال نتخلق بها على حد قول الحكماء: "تخلقوا بأخلاق الله". إذاً لابد أن ترحم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم لا يُرحم"، ويقول
-لأجل ذلك الحكماء قالوا تخلقوا بأخلاق الله، لأنه من السنة: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [حديث شريف]. وقد ورد كثيرٌ في هذه الرحمة، إذ قال النبي بما معناه: "إن الله اشتق من اسمه اسماً للرحم وقال: "وعزتي وجلالي لأوصلن من وصلك ولأقطعن من قطعك". إذاً هي منظومة متكاملة فيها الجمال، لكن فيها أيضاً الجلال وهذا حقنا له التعلق. إياك أن تكون جباراً أو منتقماً أو لك العظمة والعزة، لا، إياك. ماذا نفعل؟ تتعلق بذي الجلال والإكرام،
يتعلق قلبك به، "وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ" [آل عمران: 173]، "سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ" [التوبة: 59]. تعلّق، وفي الكمال ماذا نفعل؟ في الكمال تصدق. يصبح إذن هناك تخلّق وتعلّق وتصديق. بعد الفاصل نكمل هذه المنظومة ونرى ما هنالك. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. إذا عرفنا كل
ما ذكرنا وأن هناك منظومة كاملة للقيم بإفعل ولا تفعل، وبالتخلق والتعلق والتصديق، وبربط الأخلاق بالعقيدة، نريد أن نبحث عن أصل تلك الأخلاق. والأصل هو آدم، يعني آدم هو الذي تولّد منه البشر، فأبونا آدم. فما هو أصل الأخلاق؟ فالبشر أبوهم آدم. الأصل الخاص بهم [هو آدم]، أما أبو الشر إبليس، "أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ
وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوُّۢ بِئْسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلًا" [الكهف: 50]،
فالأصل الخاص به [أي أصل الشر] هو إبليس، والأصل الخاص بالبشرية هو آدم. أما الأصل الخاص بالأخلاق الرحمة. فالرحمة تمثل أصل الأخلاق كلها، الرحمة هي التي تولدت منها الرفق، ويتولد منها السكينة، ويتولد منها الحب، ويتولد منها وهكذا. جاءت بعض الأديان ورأت أن الحب هو الأصل. نعم، هذا هو الجيل الثاني أو الثالث.
على فكرة، نحن لا ننكر أن الحب بالنسبة إلى الرحمة مثل نوح بالنسبة إلى آدم؛ حيث أن نوح هو الأب الثاني للبشرية لكن ليس هو آدم. نوح جاء من آدم. نوح هذا هو الذي جعله الله سبباً لبقاء البشرية كلها، فهو أب ثانٍ، لكن من هو الأب الأول؟ يعني أنا أقول لك أنت آدمي أم أقول لك أنت نوحي؟ لا أقول حكاية نوحي هذه، [لا أقول لك] يا أخي، أنت نوحى يا أخي، لا، أنا أقول لك يا أخي أنت أدمى وعندما أقول أدمي ماذا أعني؟ أعني أنت رجل طيب، أي أنك لست حيواناً،
أي أنك لست إبليس، أي أنك لست جماداً. أنت المعظَّم المشرَّف المكلَّف عندما أقول هكذا، ولذلك كلمة "أدمي" هذه تعني إن فلاناً هذا إنسانٌ ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه صاحب أخلاق، يعني إنسان رحيم، يعني نافع لإخوانه ومن حوله، يعني لديه أصول. إن كلمة "آدمي" هذه لم تكن يوماً سباً أو نقصاً، دائماً كلمة "آدمي" تحمل نوعاً من المدح والأخلاق ومن الإنسان الكامل، لأن هناك إنسان ناقص وإنسان كامل. فآدمى معناها أنه
محترم، أنه جيد، جميل، يعني إيجابي، ليس ناقصًا، ليس سلبيًا، ليس شريرًا. فتوصلوا إلى أن أصل الأخلاق الرحمة، وهنا تُفسَّر لك كل شيء. فدخلنا على "بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ"، "بِسْمِ ٱللَّهِ" الكمال المطلق، لأنه اسمه الله، والله يدل على الذات بكماله كله بكله، الله، قالوا لأنك لو كتبت هذا الاسم العجيب ألف لام لام هاء، وأسقطت الألف،
بقيت أيضاً "لله" تُنطق هكذا، أسقطت اللام الثانية [فتُنطق] "له"، أسقطت اللام الثانية [فتُنطق] "هو"، وإن أسقطت اللام والهاء يبقى "إل". يقول أبو بكر في تفسير قوله تعالى "لا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً" [التوبة: 10]، الإل هو الله، إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، ما هذا الإِلّ؟ ماذا تعني "لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا"؟ يعني الله. أبو بكر كان عربياً أصيلاً يعرف هذا الأمر. "إِلًّا وَلَا ذِمَّةً" يعني لا قرابة ولا شيء لوجه الله، فالإل هو
الله. وقد وصف إبراهيم فقال في شأنه: "إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ" [التوبة: 114]، قال المفسرون من كثرة قوله آه آه التي هي الألف والهاء في لفظ الجلالة "الله"، فالألف والهاء دالة عليه أيضاً، من كثرة قوله: آه، وألَّف فيها الشيخ محمد ظافر المدني بتقريظ الشيخ عليش رضي الله تعالى عن الجميع. "الله" دلّ على الذات العلية بكلِّه، فإذن كل تركيب فيه يدلُّ
عليه. فلما دخلنا "بِسْمِ ٱللَّهِ" بعد ذلك قال "ٱلرَّحْمَٰنِ"، قلنا: "حسناً، هذا جمال"، ها هو بدأ بالجمال، فقلب الواحد منا اطمئن، ولكنه ما زال منتظراً، ما الذي سيأتي بعد "ٱلرَّحْمَٰن"؟ فقد كان من الممكن أن يكون بعد الرحمن المنتقم، فيكون هناك صفة جمال وصفة جلال، "ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ" [الزمر: 16]، حتى يخشى الإنسان قليلاً ويخاف من ربه، لكن فوجئنا بشيء مذهل حيث قال: "ٱلرَّحِيمِ"، ألم يقل "الجبار"؟ قلنا له لا، إذن فذو الجلال؟
لا، ألم يقل كلمة هكذا كالعظيم مثلا؟ أبداً. بل قال "ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ". وهنا كان مشايخنا يقولون لنا: كرر هذا من أجل أن يطمئن الخلق، فإنك تتعامل مع ربك من البداية جمالاً في جمال، الرحمن الرحيم، جمالاً في جمال. من هذا المنطلق صاروا، وبهذه الأخلاق التزموا، وبهذه الرؤية قرؤوا القرآن. قرؤوا القرآن كله وعلى أعينهم نظارة تكبِّر الصغير
وتبيِّن الخفي، اسمها "بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ "، أي الرحمة. قرأ القرآن من باب الرحمة، لأنه لو كان قال لنا "بسم الله الرحمن المنتقم" لكنا نقرأه [بنظارة أخرى]، أي بعض الجلال وبعض الجمال، لكنه قال "ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ"، فلا بد أن نقرأه كله من هذا المنطلق [من منطلق الرحمة]. هذا هو الكتاب، المكافئ للكتاب سيدنا الرسول. الكتاب نبي مقيم، والرسول أصبح رحمة مهداة، "وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ" [الأنبياء: 107]، ماذا يعني ذلك؟ الرسول رحمة، والقرآن
رحمة، والرحمة أصل الأخلاق. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.