حديث الجمعة| الدكتور علي جمعة يوضح هل الرسول كان يحب جلسة العلم أكثر أم جلسة الذكر؟| الحلقة الكاملة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. نعيش هذه اللحظات مع ما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خير، وتكلمنا عن ذلك الحديث الجامع الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: "من نفَّس عن مؤمن كربة نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمناً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة". وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا تنزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده". ومن
أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتحدثنا عن هذه الصفات الخمس الأولى وعن شيء من الصفة السادسة عن أولئك الذين يجلسون في مساجد الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم حتى تتنزل السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله جل جلاله فيمن عنده، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أكد مراراً وتكراراً على
هذه المجالس، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨]. وكان المسجد مقراً كمدرسة للعلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع أصحابه بالموعظة وبالدروس، حتى أنه أقام تفرغاً بمنحة للدرس من أجل استمرار قيام المسجد بواجبه في العلم فكان من هذا أهل الصفة، وأهل الصفة أقوام فرغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلم وبذل لهم راتباً
شهرياً أو مكافأة يأكلون ويشربون ويتفرغون، ومن هنا جعل العلماء التفرغ للعلم أساساً لتحصيله، فهناك فارق بين العلم والثقافة، فلا بد من التفرغ للعلم. أخي، لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تأويلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغةٌ وإرشاد أستاذ وطول زمان. البلغة هي المنحة التي تتقاضاها فتتفرغ كل التفرغ لطلب العلم، وأعطِ العلم كلك يعطك بعضه، فلا بد من التفرغ. وهذا أساس
كبير لهذه الفتنة العارمة التي يتصدر فيها كل متصدر من غير علم لمجرد أنه تثقف أو عَلِم بعض المعلومات، وهناك فرق بين العلم والمعلومات، فالعلم منهج والمعلومات جمل، وهناك فرق بين المنهج المتكامل والمنظومة التامة التي تنتج وبين مجموعة من الجمل المتفككة التي لا رابط ولا ضابط لها في ذهن ذلك الحامل لهذه المعلومات. والدين علم والتدين معلومات، الكل يصلي والكل يصوم، ولكن في النهاية "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: ٧].كان الصحابة مائة
ألف وأكثر ممن رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأحدث في أنفسهم ما استوجب كمالهم واستوجب ثقة الناس فيهم، لأن النبي كان يربي بالنظرة؛ فبمجرد أن نظر النبي إلى عبد الله بن أم مكتوم الضرير، صار عبد الله صحابياً إن عبد الله لم ير سيدنا محمد؛ نعم، ولكن سيدنا محمد رآه لأنه يربي بالنظرة؛ مائة وأربعة عشر ألف شخص رباهم بالنظرة، لا نعرف منهم إلا أقل من عشرة آلاف بالأسماء، ولم يروِ منهم إلا ألف وسبعمائة شخص فقط لا غير وهم الروّاه، وليس هناك من روى واتُّهم، أي ليس
هناك راوٍ إلا وهو سليم مائة في المائة، لكن من تصدر للتدريس والفتوى مائة وخمسون شخصاً من الألف وسبعمائة، وبقية الألف وسبعمائة أبداً لم ينطقوا ولا كلمة واحدة. إذن هناك فرق بين العلم وبين المعلومات، وهناك فرق بين الدين وهو علم، عندما يخرج الصبية الآن يقولون في التلفزيون إن الدين ليس علماً، يقصد أنه ليس علماً تجريبياً، أي ما يسمى بالإنجليزية "Science"، نعم، العلم - الدين ليس هو الـ"Science" هذا، ولكن أيضاً الـ"Science" ليس هو العلم، فالعلم شيء آخر؛ العلم هو إدراك مطابق
للواقع الناشئ عن دليل بيقين، هذا هو العلم، لكنه لا يعرف، إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن الله ليس علماً، وهذا ما يريدون الوصول إليه، لا أحد يناقش قضية الله لأن الله ليس علماً، نعم، الله ليس علم "ساينس"، لكن اللَّهَ هو العلم لأنه "إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" [فاطر: ٢٨] إذن الترجمة خاطئة، فقد سموا "الساينس" بالعلم التجريبي أو الإدراك التجريبي فقط، ولكن العلم... الذي في لغة القرآن "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك" هذا هو العلم، وكل شيء لا يوصلك إلى هذه الحقيقة فهو إما سطحي أو عميق لكنه ليس مستنيراً؛ العلم الذي هو نور، ونور الله لا يُهدى لعاصٍ.
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال إن العلم نور، ونور الله لا يُهدى لعاصٍ. فإذا هذا النور الذي لا يُهدى لعاصٍ هو الذي يرشد الإنسان إلى رب العالمين، فهو علم. فكل علم يرشد في الطبيعة، في اللغة، في الديانة، ما دام أرشدك إلى الله فهو علم، وما لم يرشدك فهو مجرد معلومات، فهؤلاء الصبية ماذا لديهم؟ لديهم معلومات قليلة، أين النظام الخاص بهذه المعلومات؟ لا وجود له، لا يوجد (الماحي في جميع النواحي). (أي: لا لا يوجد، يفقهون يوجد معلومات ولا يوجد نسق أو نظام يبنون عليه، "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً
سهل الله له به طريقاً إلى الجنة"، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله" المصدر، الذي هو محور الحضارة التي منها الانطلاق وإليها العودة ولها الخدمة وبها التقويم، ، ويتدارسونه، ولذلك أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك المجالس، ومنها مجالس الذكر. خرج مرة فوجد جلستين: جلسة تتكلم في العلم وجلسة أخرى يذكرون الله، فقال: "هؤلاء على خير وهؤلاء على خير وإنما بُعثت معلماً"، فانضم للجلسة الخاصة
بالعلم. بعد الفاصل نرى ماذا فعل مع جلسات الذكر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. رسول الله عندما خُيِّر بين جلسة العلم وجلسة الذكر انضم إلى جلسة العلم وقال إنما بعثت معلماً، لكنه في مرة كان سلمان قد أتى ببعض أحبابه ومن حوله وجلسوا يذكرون الله فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، فلما جلسوا يذكرون الله خرج
عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأوه سكتوا، هذا العظيم، هذا سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، تأدباً تسكت على الفور، لأنه إمام الحضرة القدسية، كيف لنا أن نعرف إن كنا نفعل الصواب أم الخطأ، بما أنه "صلى الله عليه وسلم" قد حضر، فقد أصبح هو "صلى الله عليه وسلم" صاحب السيادة لحضرة ، وفي غيابه صلى الله عليه وسلم اجتهدنا وذكرنا: "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ" [البقرة: ١٥٢]، نحن نذكر "وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ" [الأحزاب: ٣٥] وها نحن نفعل، ، "وما ذكرني أحد في ملأ إلا ذكرته في ملأ خير منه"، فلما سمعنا هذا الكلام قلنا نجتمع هكذا ونعمل جلسة ذكر، حسناً،
لكن سيدنا حضر خلاص انتهى الأمر فلنسكت الآن. فسكتوا بأدب، أدب عالٍ، أدب وفي نفس الوقت تشرع لأنه إمام الحضرة القدسية فلابد أن نسكت حتى يوجهني. "فقال: ماذا كنتم تفعلون؟ قالوا: كنا نذكر الله يا رسول الله قال رسول الله: ولما سكتم قالوا: لأننا رأيناك قد دخلت علينا، قال: رأيتكم والرحمة تتنزل عليكم". سيدنا جاء لكي يرى ماذا يفعل هؤلاء الناس، فهناك رحمة يراها هو، فقد انكشفت له حقائق الأكوان. "رأيت
الرحمة تتنزل عليكم"، هو لا يعلم ماذا يفعلون، ولكن ما يفعلونه شيء جميل، شيء صحيح، لأن الرحمة تنزل على الأولاد الذين هناك، هؤلاء ماذا يفعلون يا أخي؟ فأذهب لأراهم، لأنهم يفعلون شيئاً صحيحاً. ، ماذا نفعل في الذين لا يفهمون؟ إنها أحاديث وأخرجه أحمد يا رجل، وأخرجه البيهقي، وأخرجه الترمذي، وأخرجه كثيرون. ، إلى متى تشوهون هذا الدين؟ فقال لهم: هذه رحمة نزلت عليكم. هل هذا أيضاً مقبول؟ سيخرج علينا أحدهم من الفلاسفة معترضاً! هل هناك
شيء اسمه النبي لا يعرف لماذا نزلت الرحمة؟! سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم -فيما أخرجه النسائي بسند صحيح- كان في الصلاة، وبعد أن انتهى من الصلاة قال: " من الذي قال ما قال عند الرفع من الركوع" سيدنا لا يعرف من هو ولا يعرف ماذا قال، إنه لا يعرف، حسناً. فسكت وخاف صاحبنا أن يكون قد فعل خطأً، فخجل خشية أن يكون قد فعل شيئاً خاطئاً، فسكت. قال: "من الذي قال ما قال، فإنه لم يقل
إلا خيراً، قال له: أنا يا رسول الله". إذا كان فيها خير، فما الذي كنت خائفاً منه؟ الحمد لله لم يحدث، "أنا يا رسول الله، قال: رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً" سيدنا واقف في الصلاة ويرى بضعاً وثلاثين ملكاً. رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً، والبضع من ثلاثة إلى تسعة، يبتدرونها إليها أيهم يصعد بها إلى السماء" الملائكة تتخاصم مع بعضها هكذا، ليست تتخاصم بل تتزاحم، لا دعني أنا الذي أصعد بها، لا، أنا ، هذه حلوة جداً، هذه العبارة حلوة جداً، أصعد بها لكي أُفرح الملأ الأعلى في السماء، "فماذا قلت؟
قال: اللهم ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً طاهراً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء"، كلام جميل لكن الملائكة تسمعه لأول مرة، هذا الرجل أنطق الله لسانه وجعل قلبه يتكلم بهذا الكلام الطيب الحلو الجميل الذي أُعجبت به الملائكة، لكن سيدنا لم يُعلّمه قبل ذلك هذا الكلام، هذا من فضل الله عليه وفيض الله عليه وكرمه، وسيدنا ما عرف هذا الكلام، وكيف قاله هذا الرجل، ولم يعلمه إياه ، إنما كان كلامًا طيبًا، ولذلك كان سيدنا عندما يرى مثل هذه الأعمال
الخيّرة، يترك الأمة تتكلم. مرة قال لبلال: "يا بلال، تعال هنا، سمعت خشخشة نعليك قبلي في الجنة" وهو نائم، وكان لا ينام. إلا عيناه، قلبه على الدوام في ضراعة تامة مع ربنا سبحانه وتعالى. "سمعت خشخشة نعليك قبلي. عملية صعبة جداً، سيدنا بلال يمشي أمام الرسول كيف هذا؟ إنما هذا رمز، رمز "قبلي في الجنة، فبما هذا؟ قال: والله يا رسول الله لا أعرف" خطر في باله ،لِمَ يا ترى؟ لقد تذكرت شيئاً الآن! في ذهنه. "إلا أنني" لا
أفعل شيئا خاصا، فأنا أؤذن و أصلي كالمسلمين، "إلا أنني كلما توضأت صليت ركعتين"، لم يقل له النبي أن تفعل هكذا، وإنما هو فاهم من الشريعة أن الوضوء شيء حسن، وأن الصلاة شيء حسن، وأنه عندما يصلي ركعتين عندما يدخل. البيت أو عندما يتوضأ أو عندما يستشهد أو عندما يحدث كذا إلى آخره، فلا بأس بذلك وقد فعلها الصحابة هكذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: نعم، هذا هو ما فعلته. فسيدنا قال: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين"، ففي شيء يسمى السنة الحسنة ما
زال المسلمون ينشئونها، منها المنبر، فالمنبر لم يكن بهذه الهيئة في عهد النبي، ومنها الكهرباء حين أدخلناها، ومنها هذا الميكروفون، ومنها السجاد، كل هذه الأمور والتنظيمات لم تكن موجودة، ولكنها سنن حسنة، إذن فمجالس العلم ومجالس الذكر وكل سنة حسنة نحاول أن يقوم المسجد برسالته لأنه في بيت من بيوت الله، فهي من أخلاق النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك كان يشير إلينا أن نجمّر المسجد، يعني نبخّره بالروائح الزكية. عندما تسجد هكذا على السجاد تجد رائحته طيبة، على خلاف ما تسجد على السجاد العادي ويكون عطنّ هناك
أناس تترك الصلاة من أجل هذه الفتنة، فأنت فتنته، يجب أن تهتم بهذه النظافة، وفيما أخرجه الترمذي "أن الله نظيف يحب النظافة"، أمر غريب جداً أن الله نظيف، أي يحب النظافة، هذا معناها، فعندما تتخلق بأخلاق الله من حب النظافة، سيكون لكَ أجرٌ وثوابٌ وأنتَ في النظام الأخلاقي الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يختم فيقول: "ومن أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه"، فيحررنا من دعاوى الجاهلية ومن التفاخر بالعائلات والقبائل والأنساب، ومن الحسب والنسب؛ الحسب هو الوجاهة والغنى
وما إلى آخره، والنسب قد لا يكون لدي مالٌ لكنني من أبناء السلاطين، لا هذا نافع ولا ذاك نافع؛ "فإن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم"، منظومة أخلاقية فائقة رائقة تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.