حديث الجمعة| علي جمعة يوضح تفسير"الراحمون يرحمهم الرحمن“ (الحلقة الكاملة)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيش هذه اللحظات، عسى أن يرحمنا الله بها وأن يجعلها في ثوابنا يوم القيامة، وأن يفتح علينا فتوح العارفين به، ويفتح علينا من خزائن فضله ورحمته ما يثبت به الإيمان في قلوبنا، اللهم آمين. وجازِ عنا النبي الأمين صلى
الله عليه وآله وسلم خير ما جازيت نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه، مع أخلاق الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وما تركه لنا من المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه عنه عمرو بن العاص، عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" بسكون الميم "يرحمْكم من في السماء" وبضم الميم "يرحمُكم
من في السماء" روايتان. هذا الحديث في عصر سفيان بن عيينة جعله. المحدثون أول حديث يبدأون به تحديثهم لطلابهم فصار حديثاً للأولية إلى يوم الدين، تنتهي أوليته عند سفيان بن عيينة في القرن الثاني الهجري، جعلوه عنواناً حتى يتواءم مجلس الحديث مع البدء القرآني في بسم الله الرحمن الرحيم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما أنا رحمة مهداة"، فرسول
الله كما وصفته عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان قرآناً يمشي على الأرض، ولذلك فهو رحمة. قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". فإذا كان هو رحمة، والكتاب الذي أُنزل عليه رحمة، وهو يأمر بالرحمة، فيقول هذا الحديث الذي هو أول حديث في مجالس الحديث، إذا جلس المحدث يروي الأحاديث يبدأ به، ويسمى حديث الأولية، أي أن الشيخ يقوله للتلاميذ أول حديث. أول حديث في البخاري: "إنما الأعمال بالنيات"، لكن أول حديث في مجالس
الحديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". ونلاحظ هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أمراً، إما أن يكون مشروطًا، وإما أن يكون مدعومًا، إما أن يكون مشروطًا، وإما أن يكون مدعومًا. أما الأمر: "ارحموا من في الأرض"، فهو أمرٌ، "من في الأرض"؟ كل الناس؟ إذًا من سنكفر؟ من سنذبح؟
من سنقتل؟ إذا كان الأمر: "ارحموا من في الأرض"، فما العمل يا رسول الله؟ لماذا النابتة النبي قال عنهم كلاب أهل النار، لماذا قال النبي عنهم هكذا؟ لأنهم في الأصل لا يصدقون النبي. حسنًا، لكن هؤلاء يقولون إنهم مسلمون بشدة، نعم، ولكنهم لا يصدقونه، فعندما يفهمهم الدين على حقيقته سيرفضونه. هم يريدون الدين الذي فيه ذبح وقتل ودم وما شابه، وليس الدين الذي أراده الله. ونزله وقال: "فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [البقرة: ١٠٩]، هم يريدون أن يأخذوا "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ" [الماعون: ٤]، ويمضوا، هم يريدون ذلك، "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ" [ التوبة: ٥]، فقط ويستدلون بها. فنزعوها من السياق ومن
السباق ومن اللحاق، ونزعوا الكتاب من السنة، ونزعوا السنة من إجماع العلماء، ونزعوا إجماع العلماء من إجماع العقلاء. وصارت المسألة مهزلة في نهايتها، إذ يظهر لنا الآن الإخوانيون ويظهر لنا أتباع داعش ويظهر لنا التكفير والهجرة ويظهر لنا الهجرة والتكفير. حسبنا الله ونعم الوكيل، سيؤتينا الله من فضله ورسوله. هذه هي القصة، انتزعوا الآية. ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: "لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ" [النساء: ٤٣]، "لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ"، قال هذا أم لم يقله؟ "لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ"، هذه أنا أحفظها، هذه الكلمة نعم صحيحة، لقد قال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" [النساء: ٤٣[، نعم قال هكذا، فيقول لك. حسناً، حسناً، ماذا؟ ماذا تعني بقولك حسناً؟ طبت ونجطت، (خسئت)،
عندنا في الصعيد هكذا نقول، ماذا ماذا تقصد بحسناً؟ يعني ماذا تريد أن تقول؟ فيقول: النبي عليه الصلاة. والسلام قال هكذا، نعم، طيب، ألم يمر على الأطفال المشركين من قريش، قال لهم: "إنما جئتكم بالذبح". قلت له: نعم. قال ذلك، لكن هل تعرف اللغة العربية؟ أتعرف أن الذبح تعني أنني جئتكم بشيء جاد، أي أنني لست أمزح معكم. أنتم تظنون أنه مزاح، أنتم تظنون أنها بسيطة، هذا أمر جاد، هذه مصيبة قادمة إليكم. هناك نارٌ تنتظركم، هناك كفرٌ وإيمان. احذروا، جئتكم بالذبح. نفس الكلام قاله سيدنا عيسى في الإنجيل: "إنما جئتكم بالسيف". أي
أنني لست أمزح، أتظنون أنني لدي شهوة للقتل هكذا وحسب؟ قال ذلك للفارسيين ولليهود وهم ينكرون رسالته. اللغة هكذا. الذبح هنا ليس معناه أن تمسك سكيناً وتذبح خلق الله وإحراق الرجل الطيار الأردني، ليس معناه هكذا، بل معناه أن الأمر جاد. ثم، أن هؤلاء الخوارج، نحن لم نركم أبداً تحاربون غير المسلمين. تقتلون نعم، لكن تحاربون لا. ولذلك أنتم تشعلون الحرب في سوريا وفي العراق وفي اليمن وفي ليبيا. ما هذا؟ يعني هذه كلها حرب ضد المسلمين. والنبي عليه الصلاة والسلام نهانا
عن هذا الخلق وقال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: "يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟" قال: "إنه كان يريد قتل صاحبه". فمن هما هذان الاثنان اللذان سيدخلان النار؟ الذي أراد قتل صاحبه. أي أنهما متقاتلان وقد أثارا فتنة، وفي هذه الفتنة كلاهما أخطأ، وكلاهما يريدان قتل بعضهما البعض. حسناً، فهم الآن عندما يضربون شرطتنا وجيشنا في سيناء هم الذين يضربون، وهم الذين يأتون للقضاء على إمام المسلمين وإمام البلاد والعباد، فيجب أن يُضربوا. والنبي عليه الصلاة والسلام قال هذا، وربنا قال هذا، هذا
النظام غير موجود عندهم، لماذا؟ فقدوا اللغة فلا يعرفون قراءة القرآن، ولا السنة ولا الفقه ولا يعرفون قراءة شيء إطلاقاً. يقول لك: "أُمرت أن أقاتل الناس". قلت له: "حسناً، هل قال أُمرت أم أُمرتم؟" قال: "قال أُمرت". حسناً، إذاً يجب أن تذهب إلى شرط النبي وترى ماذا حدث للنبي. أربعة عشر عاماً لم يحدث شيء في مكة ولا قال لهم: "اقتلوا"، ولا أن يضربوا. وعندما سافر إلى المدينة، أين بدر؟ في المدينة، حسناً، وأين أُحُد؟ في المدينة، حسناً، وأين الخندق؟ في المدينة. حسناً، حسناً. إذن هو ظل يُضرب ويُضرب ويُضرب ويُضرب، فقال لهم: "لا،
أنا أُمرت أن أدعو إلى الله سبحانه وتعالى وأقاتل الناس". من هؤلاء الناس؟ قريش. حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. لن أسكت أنا. فلما دخل مكة لم يُكره أحداً على الإسلام. بعد الفاصل نرى كيف أنه ترك لنا ألا نُكره أحداً على الإسلام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه وسلم. لما دخل رسول الله مكة صلى الله عليه وآله وسلم صنع معجزة يعرفها أهل مكة،
وهي أنه دخل الحرم وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، وهم يعرفون كيف صنعوا هذه الأصنام، إذ صنعوها قوية مسلحة. كان يشير إلى الصنم فيسقط وهم في ذهول. عمل ثلاثمائة وستين معجزة أمامهم ممسكاً بقطعة عصا هكذا، صلى الله عليه وسلم ويدفع بها الصنم هكذا، هذا الصنم، أتتذكرون تمثال صدام الذي حاولوا إنزاله ولم يستطيعوا حتى أحضروا الرافعة؟ هكذا أصنام مثل هذه، يدفعها هكذا، يضربها هكذا، بما يسمونها عندنا
عصا التأديب، الشيخ يمسكها لماذا؟ للأطفال، يقول له: اسكت يا ولد، اسكت يا ولد اسكت يعني للإشارة، فكان يدفع بها التمثال هكذا، فيسقط الصنم. كيف حدث هذا؟ حسناً مرة ثانية، أقسم عليك، هكذا يدفع الثاني فسقط. ثلاث مائة وأربعون سقطوا، ثلاث مائة وستون سقطوا، فدخلوا في دين الله أفواجاً. هذا ما حدث، لا يوجد أحد انتبه إلى أن معجزة حدثت أمامهم. بعض الشباب النزق، يتباهون بقوتهم هكذا مثل أبي محذورة يمشي خلف النبي، بينه وبينه
حوالي عشرين متراً، يسخر من الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، قال له: الله أكبر. فالتفت إليه النبي وقال له: تعال، تعال يا أبا محذورة، ماذا تقول؟ قال له: لم أقل شيئاً. قال له: لم تقل شيئاً؟ حسناً. انظر إلى الأخلاق التي تركها لنا قال له: "طيب" ووضع يده الشريفة على صدره. قال: كان أبغض الناس إليّ فأصبح أحب الناس إليّ. وضع يده الشريفة على صدره وقال له: "لم أقل شيئًا يا أبا محذورة، طيب خلاص لم أقل شيئًا". فأبو محذورة وهو ذاهب إليه يقول: "يا
رب تنشق الأرض وتبتلع محمداً". عندما وضع محمد يده على صدر أبي محذورة، أحبَّه. من أين جاء هذا؟ إنه من طاقة الحب التي كانت فيه. كان محبوباً جداً، أي إنه كان حبيباً حقاً. ولذلك أهل حضرموت يسمون الرجل "الحبيب"، فيقولون لك: "الحبيب فلان" أو "الحبيب فلان". ويسمون المرأة "حبابة"، فيقولون: "حبابة" أو "الحبابة خديجة"، التي هي مَن؟ حبابة خديجة هذه سيدتنا خديجة، أي الحبيبة، أي الحبابة. كان حبيباً، كان فائض حب، فوضع يده على أبي محذورة هذا، فأحبه أبو محذورة. فقال: "يا
أبا محذورة، هلّا علمتك الأذان، بما أنك لا تعرفه، هلّا علمتك الأذان"؟ هذه هي الأخلاق. قال: "علمني الأذان يا رسول الله". فعلمه الأذان وجعله مؤذناً على الحرم، يعني. لم يشك فيه أنه لم يقل إنه غداً سيغير رأيه، فهذه أخلاق، وجعله مؤذناً على الحرم. حسناً، يعني لو لم يكن نبياً مؤيداً من عند ربه، ربما كان سيخاف عندما كان لا يزال يسخر من الأذان. الآن أصبح مؤذناً للحرم، فهل هذا يُعقل! هذا الفتى أبو محذورة، هذا الشاب الصغير، ما مردود من هذا الأمر لديه؟ اعتقاد أنه
أصبح من المسؤولين الكبار، وهو مؤذن الحرم يا إخواننا، مؤذن الحرم هذه مرتبة عالية، وفجأة هكذا وهو شاب، لابد أنه فرح، لابد أبو محذورة أصبح ، مكانة، وأصبح من مؤذني النبي، بينما سيدنا يمشي في يوم الفتح أيضاً، نحن نريد أن نرى كيف أسلم الناس. كيف دخلوا في دين الله أفواجاً؟ بالأخلاق، بالحب. فكان رجل يُدعى عتّاب بن أسيد يمشي وراءه هكذا، وقد أحضر خنجراً مسموماً وضعه في جرابه على بطنه، وقال: عندما أقترب سأطعن محمداً من الخلف بالخنجر وننتهي من الأمر.
وبينما هو يقترب منه، التفت النبي إليه وقال له. ماذا تريد يا عتاب؟ قال: لا أريد شيئاً. فوضع يده الشريفة على صدر عتاب. قال: كان أبغض الناس إليّ فصار أحب الخلق إليّ. قال له: أذهب الذي في صدرك. قال: نعم يا رسول الله. فجعله والياً على مكة، المحافظ على مكة، أمير مكة، جعله والياً على مكة وسنه كم سنة؟ واحد وعشرون
سنة بالهجري، يعني لم يُكمل بعد الواحد والعشرين، وأصبح عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه واليًا على مكة من طرف الحب، لا من طرف العنف ولا من طرف الغلظة. لا يدخل الجنة من كان جواظًا جعظري قاسي القلب. ما معنى "الجواظ"؟ أي الجعظري، مفهوم، حسناً، فما معنى "جعظري"؟ يعني قاسي القلب، يعني متكبر. "الجواظ الجعظري" هو قاسي القلب. إذاً ما الذي يؤهل الإنسان لدخول الجنة؟ سيدنا
فيما ترك لنا من أخلاق يقول: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر". فمن أخلاقه أنه من تواضع لله رفعه، فكان مشايخنا عندما يُعظِّم الناس شأنهم ويفعلون أموراً كهذه ويُقبِّلون أيديهم، وشيخنا طبعاً هذا يعني أمراً عظيماً، يقول: "أنا تراب ابن تراب"، من تواضع لله رفعه، يعني أنا تراب وابن تراب لأن أصل الإنسان أنه من تراب، ثم إنه صائر إلى التراب، فليس أنا فقط، بل أنا والذين
أنجبوني، مع تعظيمنا لشأن الأبوين، وكذلك أيضاً من تراب، فإذا عرف الإنسان أصله تواضع لله فرفعه. اسجد له ملائكته: "اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين". النبي صلى الله عليه وسلم إذن ترك لنا كل هذه الأسس الأخلاقية، ترك لنا كل هذه الأخلاق، ونستمر مع أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي اشتملت على أكثر من سبعة وتسعين في المائة مما تركه لنا، وكلها ربطها بالله، ربطها
بالمعتقد، ربطها بالتوحيد الخالص، ربطها بالقلوب الضارعة، ربطها بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. وإلى لقاء آخر أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.