حديث الجمعة | حكمة تعدد القراءات في القرآن .. أضواء على مصحف عثمان | الجزء 1
- •جمع أبو بكر الصديق القرآن الكريم واشترط شاهدين على كل آية، وشكّل لجنة لهذا الغرض.
- •ظل المصحف عند أبي بكر ثم انتقل إلى عمر، وبعد وفاته حفظته حفصة بنت عمر في بيتها.
- •طلب عثمان بن عفان المصحف من حفصة لنسخ عدة مصاحف ترسل إلى الأمصار.
- •كتب عثمان ست مصاحف أمهات وأرسلها إلى مكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة ومصر.
- •نزل القرآن على سبعة أحرف، وفيه عشر قراءات بينها اختلافات في سبعة مناحٍ كالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان وطرق الأداء.
- •يبلغ عدد آيات القرآن 6236 آية، وعدد كلماته حوالي 66 ألف كلمة.
- •الاختلافات بين القراءات موجودة في نحو 1250 كلمة من كلمات القرآن.
- •يوجد حاليًا أربع نسخ في العالم منسوبة لمصحف عثمان؛ في مصر وتركيا وطشقند.
- •حفظ الله القرآن من التحريف رغم كل الظروف، مصداقًا لقوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
مقدمة الدرس والحديث عن سيرة المصطفى وسنة الخلفاء الراشدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع سيرة المصطفى الحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، وقد تكلمنا كثيرًا عما تركه خلفه من المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ثم أخذنا في الكلام على شيء من سير الصحابة الكرام الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»
والنواجذ هي ضروس العقل، وعند الإنسان أربع نواجذ وهي في نهاية الأسنان. وعبارة «عضوا عليها بالنواجذ» تعني تمسكوا بها أشد التمسك؛ لأن الإنسان إذا قدم بكل أسنانه بما فيها النواجذ فإنه يصعب نزعها من فمه، فهي كناية عن التمسك الشديد بما كان عليه هؤلاء الذين أُطلق عليهم أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة.
ترتيب الخلفاء الراشدين في الأفضلية عند أهل السنة والجماعة
الخلفاء الراشدين وعندهم [أهل السنة والجماعة] أن هؤلاء الخلفاء على ترتيب الخلافة: أبو بكر في الأفضلية، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وبعض علماء أهل السنة يفضلون عليًّا فيقولون: سيدنا علي ثم سيدنا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وكان من يفعل ذلك من الأوائل يُقال فيه: فيه تشيع. يُقال فيه ماذا؟ فيه تشيع، يعني عنده قليل من هذا [التفضيل لسيدنا علي].
ما الذي عنده؟ هو يقول: سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر، نعم هو ليس رافضيًّا، وإنما قلبه يميل إلى سيدنا علي.
التشيع القديم عند بعض أئمة أهل السنة كعبد الرزاق وسفيان الثوري
وقد اتُّهم بهذا التشيع [القديم] الإمام عبد الرزاق بن الهمام، كان هذا من أهل السنة والجماعة، ولكنه كان يحب سيدنا علي زيادة. هكذا حتى سفيان الثوري أيضًا اتهموه بشيء من التشيع.
وليس التشيع المعروف الآن، بل ذلك التشيع القديم معناها أنه كان يفضل عليًّا على بقية الخلفاء.
وسيدنا أحمد بن حنبل عندما ألَّف كتاب فضائل الصحابة، كان ثلاثة أرباع الكتاب في فضائل سيدنا علي والبقية في سائر الصحابة. لكن جماهير أهل السنة على ترتيب الخلافة [أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي]، وكل منهم ملتمسٌ غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم.
محبة الصحابة لبعضهم وتسمية أبنائهم بأسماء بعض ومكانة أهل السنة الوسطية
وكانوا [الصحابة] يحبون بعضهم، فترى من أبناء علي وترى من أبناء عمر من يُسمّي كلٌّ منهم بأسماء الآخرين.
وأهل السنة في الإسلام كالإسلام في سائر الأديان، يعني هو الاتجاه النهج الوسط:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
جمع أبي بكر الصديق للقرآن الكريم في مصحف واحد بلجنة وشاهدين
وبدأ أبو بكر رضي الله تعالى عنه في جمع كلام الله سبحانه وتعالى في نسق واحد في مصحف له بداية وله نهاية، وشكّل لجنة لهذا.
وهذه اللجنة كما قلنا كانت تُشهِد شاهدين على كل آية من آيات القرآن. وعدد آيات القرآن روايته مختلفة، ولكننا عندما طُبع المصحف في تركيا اخترنا رواية حفص عن عاصم بن أبي النجود وعددها ستة آلاف ومائتان ستٌ وثلاثون آية.
ولكن هذا العد ليس متفقًا عليه، فنجد من قلَّل عن هذا ونجد من زاد على هذا، وكل ذلك مروي.
اختلاف عد الآيات بين الروايات وأمثلة على ذلك من الحروف المقطعة
توجد هناك مثلًا من يقول لك «قاف» ويعدها آية، وحين تفتح المصحف الذي لدينا تجدها ليست آية:
﴿قٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]
تجدها كلها آية واحدة.
﴿نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]
لدينا ليست آية ولا شيء [مستقل]، هذه كلها آية واحدة. وهكذا إذن فالعد قد يكون مختلفًا بالزيادة أو النقصان.
إنما المصحف الذي نقرأ عليه كم آية؟ ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية.
جبر الكسر عند العرب وتطبيقه على عدد آيات القرآن الكريم
أحيانًا نكبر الرقم إلى ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين، مائتين وستة وثلاثين، أقل من خمسمائة، فلنحذفهم ونقول ذلك أن القرآن ستة آلاف آية.
وهكذا كانت عادة العرب، لديهم شيء يسمى جبر الكسر؛ عندما يكون هناك كسر فيجوز أننا نكبره. قال: لكي نحفظ ستة آلاف آية.
وعندما نقول ثلاثمائة آية في القرآن كلها في كل الأحكام والبقية في الأخلاق المتصلة بالعقيدة، قم نقسم كم؟ ثلاثمائة على ستة آلاف. هو الصحيح ماذا نفعل على ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين؟ ولكن ستة آلاف هذه تكون مع جبر الكسر ويعرفه العرب، وهم يعرفونه، فيمكننا أن نفعله؛ لأن مثل هذه التصرفات كانت موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعترض عليها.
استخدام العرب للعدد سبعين للتكثير وموقف النبي من الاستغفار للمنافقين
العرب لديها لغة ولديها أسلوب خاص، فمثلًا رقم سبعين يُذكر للتكثير:
﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]
إذن هو للتكثير. حسنًا، ولو استغفرت لهم مائة مرة؟ إنها مغلقة عند السبعين، وهنا العدد لا مفهوم حقيقي له.
فكان سيدنا [رسول الله ﷺ] يقول: والله لو أعلم لو استغفرتُ فوق السبعين لغفرَ لهم، لاستغفرتُ.
قصة خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وشهادته على آيات آخر سورة التوبة
جمع أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه الصديق الأكبر القرآن الكريم، واللجنة أشهدت على كل آية فيها بشاهدين.
وحكينا قصة خزيمة بن ثابت الذي كان قد شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل [النبي ﷺ] شهادته بشهادة رجلين، فيما ورد في آخر [سورة] التوبة:
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 128-129]
فوجدوها عند خزيمة، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من شهد له خزيمة فهو حسبه»
شهادة خزيمة تعادل شهادة رجلين.
مفهوم الخارج عن سنن القياس وعدم قياس غير خزيمة عليه
وهذا [كون شهادة خزيمة تعادل شهادة رجلين] في الأصول يُسمى الخارج عن سنن القياس. هذا يعني أنه لا يصح أن نقيس مثلًا سيدنا أبا بكر - مع علو قدره وصديقيته العظمى وخلافته الراشدة - ونقول: هو بشاهدين وسيدنا خزيمة كذلك بشاهدين.
هناك نص في هذا الأمر [خاص بخزيمة]، فلا يصح أن نقيس على الأصل، فيقولون عنه العلماء: خرجنا به عن سنن القياس.
انتقال المصحف من أبي بكر إلى عمر ثم إلى حفصة أم المؤمنين
جمع أبو بكر رضي الله تعالى عنه المصحف وظل عنده، فلما تولى الفاروق عمر نُقلت هذه النسخة من حوزة أبي بكر إلى حوزة عمر وظلت عند عمر.
فلما انتقل [عمر إلى رحمة الله] أخذتها أم المؤمنين حفصة عليها السلام وحفظتها في بيتها. يبقى كانت أمرًا مهمة جدًّا هذه [النسخة].
سبب كتابة عثمان للمصاحف ونزول القرآن على سبعة أحرف
فعندما جاء عثمان [رضي الله عنه] وأرادوا كتابة القراءات في القرآن؛ لأن القرآن تُلي على حرف ثم على حرفين ثم على ثلاثة ثم على أربعة ثم على خمسة ثم على سبعة، حتى لا يضيق على المسلمين وحتى يكون حفظ القرآن آية للعالمين.
لن نحفظه بهيئة واحدة، بل سنحفظه بعشر هيئات [قراءات]. كل قراءة من هذه القراءات تختلف في سبع مناحٍ عن القراءة الأخرى.
معنى نزول القرآن على سبعة أحرف والفرق بين القراءات العشر
وهذا معنى الحروف. يعني ماذا نزل القرآن على سبعة أحرف؟ يعني عندما تقارن بين القراءات العشرة تجد سبع خلافات، سبعة بنود. فهذا البند الواحد نسميه الحرف:
- التقديم
- التأخير
- الزيادة
- النقصان
- طريقة الأداء
مثل: «والضحى» و«والضحي»، وما إلى ذلك.
آخر السبعة يكون في سبع ماذا؟ لا، عشرة قراءات فيها سبعة أحرف. الخلاف بين كل قراءة والأخرى في سبعة بنود.
عدد كلمات القرآن وفرش الحروف والاختلافات بين القراءات
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيضًا مع جبر الكسر، القرآن فيه ستة وستين ألف كلمة. فرش الحروف في ألف ومائتين وخمسين كلمة، ألف ومائتين وخمسين كلمة فيها اختلافات ما بين كل قراءة والأخرى.
الألف ومائتين وخمسين كلمة [مثل]: يخادعون، يخدعون. كذبوا، كذّبوا. فتبينوا، فتثبتوا.
انظر كيف كلمة هنا وكلمة هناك، أحيانًا تكون الكلمة فيها قراءتان، ثلاثة، أربعة، خمسة. فهل في كلام جاء بالعشرة؟ في كلام جاء بالعشرة؟ فلا.
طلب عثمان النسخة من حفصة وتشكيل لجنة لكتابة المصاحف
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]
أنا ألخص لكم كل ما قلناه لكي تتضح الصورة: سيدنا عثمان أرسل إلى السيدة حفصة عليها السلام وقال لها: أرسلي إليّ النسخة لأننا سنشكل لجنة، وهذه اللجنة ستكتب القرآن بدون نقط وما إلى ذلك، سنكتبه أيضًا ولكن سنراعي فيه ما ورد من قراءات معتمدة؛ لأن المسلمين اشتكوا: هل تُقرأ هكذا أم هكذا، فتبينوا أم فتثبتوا.
تردد حفصة في إرسال النسخة ثم إرجاعها وبقاؤها عندها حتى وفاتها
فجاء [عثمان] إلى السيدة حفصة، أولًا قالت له: لا، هذه عزيزة عليّ لئلا تأخذوها. قال: لا والله سنرجعها.
فذهبت [النسخة] بعد ذلك وأرجعها فعلًا، وظلت عند السيدة حفصة عليها السلام إلى أن انتقلت إلى الرفيق الأعلى، ولم يحرقها [عثمان] مع النسخ التي انتشرت هنا وهناك.
كتابة عثمان ست مصاحف أمهات وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية
وكتب سيدنا عثمان ست مصاحف أمهات كبيرة، وهذه المصاحف الأمهات الكبيرة أرسلها إلى الآفاق:
- •فأصبح عنده نسخة في المدينة
- •وذهبت نسخة إلى مكة
- •وذهبت نسخة إلى الشام
- •ونسخة إلى البصرة
- •ونسخة إلى الكوفة
- •وقيل أنه قد أرسل إلى مصر أيضًا
أتنتبه؟ إذن هي ست نسخ أصلية.
حفظ القرآن في الصدور وصفة الأمة الإسلامية في الكتب السابقة
فهل هي باقية إلى يوم الناس هذا أو أنها قد ذهبت وبقي ما في الصدور؟ لأن كتابنا لا يبله الماء.
فهذا من ضمن صفاتنا [أمة الإسلام] في الكتب السابقة: مصاحفهم صدورهم وكتابهم لا يبله الماء.
أنت حفظت القرآن ونزلت وغطست في المياه، تبتل ولكن والله ما يتبل القرآن أبدًا. فكتابهم لا يبله الماء؛ لأنه محفوظ، ليس ورقًا وليس شيئًا عليه مياه فتفسد وتشتبه كلمة بكلمة. لا، هذا بالمشايخ بالسند.
أسانيد القرآن الكريم وكتاب النشر لابن الجزري وحفظ الله لكتابه
حتى أن محمد بن محمد الجزري في [كتاب] النشر أورد ألف سند للقرآن الكريم، والألف سند هذا مجرد نموذج هكذا، ولكن القرآن له آلاف الأسانيد والحمد لله رب العالمين.
حفظ الله كتابه وأراد الله أن يبين لنا كيف أن القرآن كان على خطرٍ، وكان من الممكن في أي وقت أن يُحرَّف وأن يختلف المسلمون فيما بينهم حتى القتال، إلا أن الله هو الذي حفظ، والله هو الذي وفَّق، والله هو الذي أتمَّ نعمته على المسلمين فوفَّقهم.
كتاب المصاحف لأبي داود والمحتسب لابن جني وما يكشفانه عن بيئة حفظ القرآن
وتأييد ذلك تراه في كتاب اسمه المصاحف لأبي داود، تقرأ الكتاب كله أخبارًا عما كان في البيئة الواقعية حول القرآن الكريم.
وتراه في المحتسب لابن جني الذي أورد نحو تسعين قراءة شاذة، بعضها جاء على ألسنة الكبار.
إذن، فهذا لا تأخذه خبرًا موثوقًا حول القرآن، لكنه يبين لك البيئة التي حُفظ فيها القرآن. بالرغم من كل ذلك لم نكن بدعًا من الأمم، ولكن بالرغم من الأخطاء، من القصور البشري، من التقصير في الهمة، من الاختلاف، من الظن؛ إلا أن الله سبحانه وتعالى نجّى كتابه وحفظه، فتمت النعمة.
العجب من نجاة القرآن وتأكيد أن الله وحده هو الحافظ لكتابه
إنه لأمر عجيب أن تقرأ المصاحف لأبي داود - هذا هو - وأمر عجيب أن تقرأ المحتسب لابن جني، ثم تقول: الله! كيف نجا القرآن؟ بعد كل هذا كيف [نجا]؟
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
لا أنت حافظٌ يا أخي ولا غيرك، لم تحفظ شيئًا، الله هو الحافظ سبحانه وتعالى.
خطأ المستشرقين في التعامل مع القراءات الشاذة وأخطاء النساخ في كتب الحديث
وقد كان بعض المغفلين من المستشرقين وغيرهم من أتباعهم يقرؤون هذا [ما في كتب القراءات الشاذة] على أنه وكأنه صحيح البخاري.
لا يا حبيبي، حتى الإمام البخاري أخطأ في الآيات في الصحيح، أنها كُتِبت خطأً، والآية حينئذٍ هي التي مُعتبرة، وهذه أخطاء نُسّاخ. ماذا سنفعل؟ ماذا يعني ذلك؟
مسألة الفاء في فاقتلوا المشركين والفرق بين المتصل والمنفصل في الاستدلال
وحتى في المذاهب مثلًا:
﴿فَٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]
نقول اقتلوا المشركين، هل يصلح هذا أم لابد أن نقول فاقتلوا المشركين؟ يعني هل يجب أن نستحضر الفهم أم ليس ضروريًّا أن نستحضر الفهم؟
كل كتب الأصول لقوله تعالى «اقتلوا المشركين»، ليس في القرآن «اقتلوا المشركين»، ليس فيه إلا فاقتلوا المشركين. أي أنهم عدّوا الفاء كلمة مستقلة يجوز التنازل عنها. الفاء كلمة مستقلة، وهي فعلًا الفاء كلمة و«اقتلوا» كلمة ثانية.
ولكن هذه طريقة عندنا في الأزهر، يأتي في الدكتوراه والطالب كاتب «لقوله تعالى اقتلوا المشركين»، فيقول له: يا بني، اسمها فاقتلوا المشركين.
أتنتبه، يكون هذا مذهب آخر قال: لا نجعل المتصل ولا المنفصل، هما مذهبان.
القرآن يتحدى الجميع في المصحف وآية فلا تقل لهما أف واحدة فقط
والقرآن أصبح في المصحف هكذا يتحدى الجميع، تذهب إليه تجدها «فاقتلوا».
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]
هي واحدة فقط ولا يوجد غيرها. لا تقل لي أن هذه آية أخرى يا مولانا، فهو الذي لا يحفظ فيقول آية أخرى وهو لا يعرف آية ثانية ولا ثالثة.
فتذهب [إلى المصحف]:
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]
هي ليست إلا واحدة فقط وبالفاء. يصح أن تقول «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ»، قيل وقيل [في القراءات].
مصاحف عثمان وجهود العثمانيين في الحفاظ على التراث الإسلامي
هذه المصاحف التي كتبها سيدنا عثمان قد شاعت وذاعت في البلدان.
ولما جاء العثمانيون كانوا يدفعون الغالي والرخيص في الحفاظ على تراث سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، فحاولوا أن يجمعوا تلك النسخ وأن يفتشوا في الأسر وفي المساجد وفي التكايا وعند العلماء عن هذه الأشياء.
وحصل من مجموع ذلك أن هناك أربع نسخ في العالم منسوبة إلى مصحف عثمان.
النسخ الأربع المنسوبة لمصحف عثمان وأماكن وجودها في العالم
واحدة منها موجودة في مصر، كانت في مقام سيدنا الحسين، وبعد ذلك أصبحت الآن في مقام السيدة زينب محفوظة هناك. ولذلك تُعرف بمصحف المشهد الحسيني؛ لأنها كانت في البداية - يقول أحمد باشا تيمور - أنها كانت في أثر النبي، في منطقة لدينا قبل المعادي تُسمى أثر النبي.
كانت محفوظة فيها هذه الآثار بما فيها مصحف عثمان، ثم بعد ذلك انتقلت إلى المشهد الحسيني مع الآثار النبوية المشرفة المكرمة، ثم بعد ذلك انتقل المصحف فقط إلى السيدة زينب وهو باقٍ هناك في الحفظ.
واحدة منها كانت في توبكابي - وتوبكابي هذا متحف في تركيا - والثانية في متحف الآثار في تركيا، والثالثة هي في طشقند.
فيكون هناك أربع نسخ هاهم. في حلقة قادمة نتكلم عن تلك النسخ الباقيات.
فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
