حديث الجمعة | حكم صلاة وصيام المرأة الحائض…الشيخ علي جمعة يشرح الاسباب ورد السيدة عائشة
- •المحجة البيضاء التي تركها الرسول صلى الله عليه وسلم تمثلت في ثلاثة أبعاد: الإيمان والإسلام والإحسان، وقد حفظتها الأمة بعلوم متنوعة.
- •ظهر علم التصوف لحماية جانب الإحسان، وتنوع بين تصوف سلفي وسني وفلسفي، حيث أراد رواده الإجابة عن الأسئلة الروحية.
- •بدأ التصوف مع شخصيات من السلف كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم، ثم تطور إلى علم له مصطلحاته وقواعده مع أئمة كالقشيري والغزالي.
- •تطورت الطرق الصوفية مع تشعب الأمور وكثرة الناس، فنسبت كل طريقة إلى إمامها كالقادرية والرفاعية والشاذلية.
- •أخذ التصوف سنده عن كبار الصحابة، خاصة الحسن البصري الذي أخذ عن علي بن أبي طالب.
- •رغم تعدد الطرق وأسمائها، فطريق الله واحد، وكلها مقصودها الله، والاعتصام بالكتاب والسنة، وتزكية النفس.
افتتاح الدرس بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، مع المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
نعيش هذه اللحظات عسى أن يغفر الله لنا ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن ينور قلوبنا، وأن ييسر غيوبنا؛ إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
وندعو الله سبحانه وتعالى ونسأله أن يؤتي سيدنا محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده؛ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، فاللهم جازه عنا خير ما جازيت نبيًا عن أمته ورسولًا عن قومه.
حديث جبريل وتقسيم الدين إلى إيمان وإسلام وإحسان
تكلمنا في المحجة البيضاء هذه عن حديث جبريل [عليه السلام]، وفي هذا الحديث هناك كلام عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان، وكيف أن الأمة حفظت إيمانها بعلوم، وإسلامها بعلوم، وإحسانها لربها بعلوم.
وفي شأن الإحسان تكلمنا عن علم التصوف، وأنه كان منه تصوفًا سلفيًا وتصوفًا سنيًا وتصوفًا فلسفيًا، وكان لكل مدرسة روادها ومشايخها الذين أرادوا أن يواجهوا العالَمين في تجربتهم الروحية.
انتشار الإسلام في شرق آسيا بفضل التجربة الروحية الصوفية
بعدما دخل الإسلام من الأندلس إلى الصين، أرادوا [أهل التصوف] أن يجيبوا عن كل سؤال خطر في بال أحد من العباد، ولذلك دخل الناس في دين الله أفواجًا.
ورأيناهم خاصة في شرق آسيا يدخلون ويؤمنون ويلتزمون بالكتاب والسنة، ووجدوا إجابة عن كل سؤال خطر في قلوبهم فاطمأنت قلوبهم بذكر الله واستلذوا الإسلام، ولما سمعوا القرآن تعلقوا به وإلى يوم الناس هذا.
أعلام التصوف السلفي من الأئمة الأربعة والفضيل وإبراهيم بن أدهم
في التصوف السلفي، كان هناك الأئمة الأربعة، وكان هناك الفضيل بن عياض، وكان هناك إبراهيم بن أدهم وأمثالهم من الأكابر الذين كانت الدنيا في أيديهم ولم تكن في قلوبهم.
والذين أكرمهم الله سبحانه وتعالى بحسن العبادة، والذين علموا الناس معنى الأخلاق الكريمة التي بُعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
تحول التصوف من تجربة سلفية إلى علم له مصطلحاته ومؤلفاته
ومن هذه التجربة في السلف الصالح بدأ الحال للتحول إلى علم له مصطلحاته وله مفاهيمه وله قواعده وله أحكامه وله تراتيبه.
فرأينا الإمام القشيري وهو يؤلف الرسالة، والإمام الغزالي وهو يؤلف إحياء علوم الدين، ومكي ابن أبي طالب وهو يؤلف قوت القلوب.
رأينا أمثال هؤلاء الأئمة الذين كانوا فقهاء علماء يؤلفون في حماية هذا الجانب من الدين، ويُعظّمون أمره، ويجعلونه هو المراد لله سبحانه وتعالى أن نُزكّي أنفسنا من كل قبيح وأن نحلي قلوبنا بكل صحيح.
تدوين التجارب الروحية وعرضها على الكتاب والسنة مع مراعاة الواقع
وسجلوا [أئمة التصوف] تجاربهم في عبادتهم وعرضوها على الكتاب والسنة، وقرأوا الكتاب والسنة بعين أخرى غير العين التي تقف عند النص دون أن تغوص فيما يفتح الله سبحانه وتعالى به على عباده المؤمنين.
عاشوا مع القرآن الكريم وأخذوا يدونون هذا الحال، ولكن أعينهم لم تكن غائبة عن واقع الناس وعن فساد الزمان وعن تكاثر البشر وتكاثر الفتن، وعن بُعد الناس عن كتاب الله وعن سنة رسول الله وعن اللغة التي نزل بها الكتاب والسنة.
وكانوا في كل وقت وابتغاءً إلى أن يصلوا إلى المقصد يطورون ويغيرون بالزيادة على نفس القواعد للوصول إلى مرادهم ومقصودهم وهو الله.
سند التصوف عن الحسن البصري وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما
ولذلك حفظوا [أهل التصوف] سند التصوف، يروونه عن اثنين من كبار الصحابة الكرام. السند الأول عن الحسن البصري، والحسن كانت أمه تخدم أم سلمة أم المؤمنين عليها السلام، فتربى في بيتها وأخذ العلم صغيرًا ممن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»
فأخذ [الحسن البصري] العلم عن علي بن أبي طالب الفتى الغالب إمام الأئمة.
مناقب سيدنا علي بن أبي طالب وكتاب أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة
وكان سيدنا علي [بن أبي طالب] أول من أسلم مطلقًا، وكان ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أنزله النبي منزلة الأخ عندما آخى بين المهاجرين والأنصار.
وأغلب ما ورد في مناقب الصحابة ورد في علي؛ ألّف أحمد بن حنبل كتاب مناقب الصحابة يتألف من نحو ستمائة صفحة تقريبًا، أربعمائة صفحة في علي ومائتا صفحة في سائر الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وهذا يبين عدل أهل السنة والجماعة؛ فأحمد إمامهم لكنه يذكر ما رُوي.
موقف أهل السنة من الصحابة والرد على انحراف الروافض
لا ينحرف [الإمام أحمد] انحراف الروافض الذين رفضوا أبا بكر وعمر، والذين انحرفوا عن الصحابة الكرام وكأنهم لا يعلمون أن هؤلاء [الصحابة] من تربية سيدنا [رسول الله ﷺ]، وما كان لهم أن يقدحوا في الصحابة فيقدح الناس في السيد المحترم الأجل [رسول الله ﷺ].
وهكذا نقول دائمًا: الذي بيننا وبين العالمين هو رسول الله، آمن به من آمن وكفر من كفر، فهم عنه من فهم وأُغلق عليه من أُغلق.
تعظيم أهل السنة لزوجات النبي وأهل البيت والصحابة الكرام
ولذلك ترانا، لأن الواقع ونفس الأمر والحق هو كذلك، نُعظّم شأن الزوجات الكرام، ونُعظّم شأن الصحابة الأجاويد، ونُعظّم أهل البيت؛ لأننا نُعظّم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان رسول الله قد أذن الله له وأعلى رتبته في التربية، فربّى أصحابه وهدى زوجاته، وإكرامًا له فقد بارك الله في أهله:
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]
قيام أهل السنة بحماية درجة الإحسان وإنشاء الطرق إلى الله
على كل حال، قام أهل السنة لحماية درجة الإحسان، وتراكمت عندهم التجربة البشرية من خلال الكتاب والسنة، فتحولوا إلى مراعاة حال الناس من بُعدهم عن المصادر وعن اللغة، فأنشؤوا الطريق إلى الله.
بعد الفاصل نبين ذلك [تفاصيل نشأة الطرق الصوفية].
تعدد الطرق الصوفية استجابة لتشعب الأمور واختلاف مشارب الناس
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
بدأنا نرى طرقًا تأخذ أسماءً، كلما تشعبت الأمور وكثر الناس واختلفت المشارب كان المسلمون يضعون شيئًا يوافق الواقع.
الواقع لم يغب أبدًا عن أذهان المسلمين، ولم يكن الإسلام أبدًا في يوم من الأيام بعيدًا عن معيشة الناس.
ظهور الأشعرية والماتريدية لحماية عقيدة الصحابة من الانحراف
ولذلك كل ما كان عليه الصحابة الكرام من عقيدة، وبعدما أخذ بعضهم بالهوى ينحرفون عما كان، ظهر أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي.
لما ظهروا سمّوا هذا الحق الذي كان عليه الصحابة بمذهب الأشعرية الكرام. مشرب أبي الحسن يختلف قليلًا عن مشرب أبي منصور الماتريدي، فأسموا المشرب الصحيح الذي يقبل الخلاف، ولكنه اختلاف تنوع: الماتريدية.
وأصبح أهل السنة ما بين الأشعرية والماتريدية يختلفون في الصياغة لكنهم لا يختلفون في المفاهيم، يختلفون في مسائل لكنها ليست في أصول العلم وإنما في تفريعاته.
واجهوا بها الخوارج وواجهوا بها المعتزلة وواجهوا بها القدرية وواجهوا بها المجسمة والمشبهة وواجهوا بها سائر الطوائف المنحرفة عما كان عليه الصحابة الكرام.
ظهور البدع في بعض المدن وإنكار الصحابة لها كقصة عائشة مع الحرورية
وفي الفقه اختلف الناس، وكانت هناك مدن كـحروراء ينطق أهلها بكلام لم تسمعه الصحابة، ولما سمعته الصحابة أنكروه.
كان بعضهم يقولون أن المرأة إذا حاضت تصلي وتصوم، فلما سُئلت عائشة [رضي الله عنها] من تابعية لا تعرف الحكم:
أتصوم المرأة وتصلي زمن حيضها؟
فقالت [عائشة]: أحرورية أنت؟ أأنت من حروراء هذه؟
فكانت هناك مدن بها البدعة وتأخّرت فيها الحق والسنة والعلم.
الإمام مالك وتصدره للإفتاء بشهادة سبعين عالمًا من أهل المدينة
ولذلك التجؤوا [الناس] إلى الأئمة الكرام في المدينة، حيث كان فيها علماء كُثُر.
قال الإمام مالك: ما تصدّرت [للإفتاء] إلا بعد أن شهد لي سبعون من علماء أهل المدينة. وهذا يثبت أن المدينة كان فيها سبعون عالمًا، وذلك لأنه [الإمام مالك] قد عرف الحديث وعرف اللغة وعرف القرآن وتعلّم أصول العلم.
قالوا: لا يُفتي ومالك في المدينة؛ مادام مالك موجودًا فلا نذهب لغيره للإفتاء، انتهى.
نشأة المذاهب الفقهية الأربعة من أبي حنيفة إلى أحمد بن حنبل
ومن اتبعه [الإمام مالك] سُمي بـالمالكية. وقبلهم كان أبو حنيفة في العراق، والذي قال فيه الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة.
وبعد الإمام مالك، ومن تلامذته الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ذهب يتعلم في مكة والمدينة، وذهب إلى اليمن، وذهب إلى العراق ثم جاء إلى مصر ابتغاء أن يحصل علم الليث [بن سعد]، وهو كان على درجة الاجتهاد، فاتبعه تلامذة الليث رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
والإمام أحمد بن حنبل، وهناك أئمة ظهروا أكثر من ثمانين إمامًا، ولكن كما قيل في الليث: كان أعلم من مالك إلا أن أصحابه ضيعوه؛ فعلم الليث لم يجد من يخدمه كما وجد الشافعي من يخدم مذهبه.
فسُمّوا شافعية، مالكية، حنبلية، حنفية، وهكذا.
نسبة القراءات القرآنية إلى أئمتها كنافع وعاصم وحمزة وغيرهم
وفي القراءات نسبوا كل قراءة إلى قارئها، فقالوا:
- •هذه قراءة نافع من أهل المدينة.
- •وهذه قراءة عاصم من أهل الكوفة.
- •وهذه قراءة حمزة الزيات.
- •وهذه قراءة الكسائي.
- •وهذه قراءة ابن عامر.
- •أو قراءة أبي عمرو.
وهكذا نسبوا القراءات وهي عن رسول الله ﷺ إلى أئمتها الذين نقلوها فأحسنوها وفسّروها فحفظوها وأدّوها كما تلقّوها، فسُمِّيَت كل طريق باسم إمامها.
نسبة الطرق الصوفية إلى أئمتها كالقادرية والرفاعية والأحمدية والبشيشية
وهنا تدخل أهل علم التصوف أهل الله، وسمّوا كل طريقة ومشرب بالإمام الذي نُسبت إليه.
فرأينا في العراق يظهر عبد القادر الجيلاني البغدادي، ونُسبت إليه القادرية. ويظهر في أبي عبيدة الإمام أحمد الرفاعي أبو العباس، وينسب إليه الرفاعية.
ويظهر في مصر أحمد البدوي فتُنسب إليه الأحمدية. ويظهر في المغرب عبد السلام بن بشيش فتُنسب إليه البشيشية.
وهكذا تعددت الطرق في أسمائها وطريق الله واحد، والخلاف من جهلة المريدين.
وحدة مقصد الطرق الصوفية في تزكية النفس والذكر والتربية
كلهم مقصودهم الله، وكلهم على الكتاب والسنة، وكلهم يسعون للتربية وتهذيب النفس وتخلية القلب من القبيح وتحلية القلب بالصحيح، واشتغال اللسان بالذكر والعقل والروح والقلب بالفكر.
كلهم يدعون إلى الخير ويفعلونه:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
أبو الحسن الشاذلي وقصة اتباع العز بن عبد السلام له بعد مباحثته
أئمة كُثُر، وأخذ من ابن بشيش نور الدين علي أبي الحسن الشاذلي، وجاء إلى مصر.
وكان سلطان العلماء العز بن عبد السلام منحرفًا عن هذه الطائفة [الصوفية]، لم يدرسها ولم يتفهمها، فكان يرى مصطلحاتها غريبة لم يسمعها من قبل.
حتى التقى بـأبي الحسن الشاذلي، فباحثه في هذا الأمر، فوجده بحرًا، ووجده مقيدًا بالكتاب والسنة، ووجد ما معه هو المبتغى والمراد والمنتهى من طريق إلى الله.
فاتبعه وألف الزبدة في التصوف بعد أن كان لا يعرف عنه شيئًا، رضي الله عن الجميع.
الإشارة إلى تعدد الطرق الصوفية وبلوغها ألف طريق كلها من رسول الله
في حلقة قادمة نتحدث عن تلك الطرق [الصوفية] أو عن بعضها، وقد بلغت ألف طريق وكلها من رسول الله ﷺ.
ملتمسًا غُرفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيَم.
نستودعكم الله.
