حديث الجمعة | علوم اللغة العربية وأصولها | الجزء 2

حديث الجمعة | علوم اللغة العربية وأصولها | الجزء 2 - مجلس الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم نعيش هذه اللحظات مع محجته البيضاء التي تركها لأمته، ومع تأييد الله له، ومع توفيق الله لأمته أن يحفظوا هذا الدين وأن يبلغوه للعالمين، ومع هداية الله سبحانه وتعالى للقلوب
"إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ" [القصص: 56] حتى انتشر الإسلام في ربوع الأرض في الشرق والغرب كما زُوِيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم العالم، ولما زُوِيَ له العالم -صلى الله عليه وآله وسلم- رأى كل بيت يدخله الإسلام من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة. فالحمد لله الذي جعلنا من أتباع النبي المؤيد صلى الله عليه وآله وسلم. تحدثنا كيف وفق الله الأمة الإسلامية لحفظ اللغة العربية التي بها فهم النص الشريف الذي هو محور الحضارة. وقلنا
إن محور الحضارة أنه منه المنطلق وإليه العودة وبه التقويم وله الخدمة. فهذا معنى أنه محور للحضارة. ومحور حضارة المسلمين النص، بخلاف محور حضارة السابقين. عاش الفراعنة ومحور حضارتهم الموت، ولذلك بنوا الأهرامات قبوراً ليضعوا فيها كل علومهم وأسرارهم، ولكن محور حضارة المسلمين كان هو ذلك النص الشريف من الكتاب والسنة. بدأت
الصحابة في الاهتمام بهذا وفي حفظ الشعر لمن بعدهم، حفظوا القرآن والسنة وألهمهم الله بعلوم كثيرة حول القرآن والسنة حتى جاء القرن الثاني الهجري، ورأينا الله قد وفق الخليل بن أحمد الذي نوّر الله بصيرته في أن يحفظ العربية وأن يوجد لها معياراً ومقياساً تقيس به الأمور. فجمع أول ما جمع معاني الألفاظ، ومعاني الألفاظ شعر فيها بما أسماه بالاشتقاق الكبير، وأدرك
فيها خصائص للغة العربية عجيبة غريبة بضم الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره، ضم الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره، فتبين له هيكل ما بُنيت عليه العربية. أولاً وجد أن تلك الحروف الثمانية والعشرين تكوّن عدداً كبيراً ضخماً من المكونات، ربما خمسة أو ستة مليارات كلمة؛ إذا أتيت بثلاثة أحرف ثم تقلّب هذه الحروف يبلغون هذا المبلغ، كنا نأخذ شيئاً مثل هذا في المرحلة الإعدادية اسمه التباديل والتوافيق. هذه التباديل والتوافيق عندما تطبقها
على ثمانية وعشرين [أي أحرف الهجاء] يُخرج مبلغاً ضخماً جداً [من الكلمات]. المستعمل منها لا يزيد عن ثمانين ألفاً، والوارد في القرآن منها ليس كثيراً، أي أنهم بالمكرر ستة وستون ألفاً، أي الكلمات، ألف وستة مائةٌ وعشرةٌ منهم أو وعشرون وردت مرةً واحدةً، كل هذا تبيّن لهم ووجد شيئاً غريباً عجيباً وهو أن الحروف لها دلالة مهما كان موقعها، فقسّم الكلام أولاً إلى مستعمل ومهمل. المهمل هو الذي لم تنطق به العرب وهو الأغلب، خمسة مليارات إلا ثمانين ألف كلمة نطقت بها العرب. الميم
واللام والكاف، مَ لَ كَ ملك يعني ماذا؟ تعني استحوذ على الشيء من المِلْك. بينما مَلِك من المُلك، إذاً هناك مِلك وهناك مُلك. قال لك المِلك خاص، يأتي منها مالك، كما في الآية الكريمة "مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ" [الفاتحة: 4]، والمُلك هذا يكون مُلكًا للبلد كلها، عام، "مَلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ" أي الملك الخاص بيوم الدين، فهل إذن نقول مالك أم ملِك؟
قال: المالك يتصرف في ملكه الخاص، لا يستطيع الملك أن يتصرف فيه. المالك يتصرف في ملكه الخاص ولا يستطيع الملك أن يتصرف في هذا الملك الخاص. والملك له سلطان وله مؤسسته دولة ودنيا، لا يستطيع المالك أن يتدخل فيها ولا أن يتصنعها. إذن لكل جهة قوة، فالملك له جهة قوة والمالك له جهة قوة. قاموا بوضع قاعدة، وماذا فعلوا فيها؟ قالوا: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى. فيكون ملك ومالك، وراقبوا هذا، لقد راقبوه في اللغة، فوجدوا أنه صحيح فالزيادة في
المبنى زيادة في المعنى. قاموا بكتابتها كقاعدة لكي تفهم، وأصبح لدينا قاعدة نلجأ إليها أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى. وبعد ذلك لم يتوقف عند هذا الحد، كان يفكر كثيراً الشيخ الخليل بن أحمد الفراهيدي. الآن هذه المنطقة في عُمان، في سلطنة عُمان، فهو الخليل بن أحمد من سلطنة عُمان الآن. كان يفكر كثيراً جداً طوال اليوم عقله يفكر، لاحظ شيئًا آخر، ما هو؟ لاحظ أنك
تقول "مَلِك"، فماذا تعني "لكم"؟ لو أحدٌ ضرب "لكمًة" هكذا في وجهه، و [ماذا تعني] "كمُل"؟، الكمال ضد النقص، "كمُل"، قال: ما رأيك أن بينهم معنى القوة؟ فتكون الميم واللام والكاف تحمل بداخلها معنى القوة، وهذا غير موجود في أي لغة ثانية لا في العبرية ولا في الأمهرية ولا في الإنجليزية ولا في الفرنسية ولا في أي شيء، هي فقط اللغة العربية التي تميزت بهذا، فـ "ملك" و"لكم" و"كلم"، "كلم" تعني جرح أو تحدث، فيكون
الكلام أقوى من السكوت، و"لكم" و"كمل" كلها فيها معنى القوة، أليس كذلك؟ بلى فيها معنى القوة. فعندما يأتي أبو جهل ويسمع "عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ" [المدثر: 30]، فيقول [متهكما]: وما الضير في ذلك؟ عشرة منا يمسكون كل واحد منهم -من التسعة عشر- ونقضي عليهم. "عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ". فأنزل الله قوله تعالى: "وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةً" [المدثر: 31]، أول لما سمع أبو جهل كلمة "ملائكة" سكت وصمت لأنه يعرف أن
"ملائكة" تعني شيئاً قوياً جداً. من أين يعرف ذلك؟ من الميم واللام والكاف، إنه يعرفها، سليقته هكذا، فأول لما سمع "وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةً" خاف. ما الذي يخيفه؟ هذا الملك في المفهوم الإنجليزي لديه هالة مضيئة وشيء جميل. نعم هذا هناك [في المفهوم الإنجليزي] أو ما يسمى بالأنجل Angel. بعد الفاصل نواصل. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. رأينا أبا جهل وهو يتكلم معهم على "عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ " [المدثر: 30] وظن أنه
يمكن المغالبة، فأنزل الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء من الملائكة، فعرف أبو جهل بأصل لغته وسليقته أن الملائكة أقوياء أشداء، وذلك لاستعماله الميم واللام والكاف في "ملك" والجمع "ملائكة"، فالملك والمالك والكامل وكذا. وبدأ الخليل بن أحمد يحصر لغة العرب في كتابه الماتع المانع الجامع "العين"، ورتب تلك الحروف على حروف المعجم التي تخرج من فم الإنسان، والتي بدايتها حروف الحلق وهمز فهاء ثم عين حاء مهملتان
ثم غين خاء، هذه حروف الحلق. فرتبها وأسماها "العين" لأنه يشتمل على هذا الكلام. وأي كلمة فيها عين يأتي بها سويًا وكل ثلاثة حروف يأتي بالتقاليب التي لها. صنع مثل هذا بعد ذلك ابن فارس [أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا] في مقاييس اللغة [معجم مقاييس اللغة]، وتتبع تلك المعاني التي توجد في تكوينات الحروف بعد تقليبها، فوجد غالب اللغة كذلك وند منه حرفان أو ثلاثة أو أربعة، لم يستطع أن يأتي بالجامع بينهم. وأتذكر أن
باحثاً أتى له بيت شعر من إخواننا رحمه الله، وهذا البيت فيه "ذي رهج"، "ذي رهج"، ولم يكن يعرف ما معنى "رهج"، أي ما معنى "رهج"، وكان يتحدث عن النار، فشيخنا رحمه الله قال له: "ذى رهج"، أشعر بشيء يتحرك، انظر كيف أنّ كلمة "رهج" تعطي إحساساً بشيء يتحرك. قال له: لأن هذه الحروف تُستعمل
في ذات الحركة. "هجر" يعني أخذ نفسه وانتقل من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، "جهر" يعني رفع صوته، فانتقل بدلاً من الدائرة التي حوله إلى آخر الشارع ليسمعني، "جهر"، إذن رهج تعنى شئ يتحرك، كيف يتحرك؟ لا أعرف، لكن لابد أن تكون هناك حركة. لماذا؟ لأن هذه الحروف هي حروف الحركة، حروف معانيها -معاني ما استُعمل بها- الحركة. إذاً وبعد ذلك وجد أن معناها بعد بحث وما إلى آخره،
أن النار تتحرك هكذا [يمينا ويسارا] من الهواء، ذى رهج، والنار ذى رهج يعني تتحرك يميناً وشمالاً والهواء يداعبها هكذا يعني تتحرك. يعني إذن هؤلاء الناس فتح الله عليهم لاكتشاف هذه المسألة. لم يقف سيدنا الشيخ الخليل بن أحمد عند هذا الحد، فقال: "يا الله"، وماذا بعد ذلك؟ إننا نتحدث العربية بالسليقة، وأهل السليقة هم من حولنا، ونرفع الفاعل وننصب المفعول وهكذا إلى آخره، وأبو الأسود الدؤلي تلميذ علي بن أبي طالب كان قد بدأ في علم النحو وبدأ يتأمل في جمل العرب وأشعارهم ليستخرج منها علم
النحو. من هو تلميذه؟ تلميذه كان اسمه رائحة التفاح. تلميذ من؟ تلميذ الخليل بن أحمد. ما اسمه؟ رائحة التفاح، سيبويه [عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه]، والمحدثون ينطقونها كما ينطق أهل فارس فيقولون سيبويا. فسيبويا أو سيبويه تعنى رائحة التفاح. تلميذه [أي تلميذ الخليل بن أحمد] هذا رائحة التفاح، ألّف كتابًا ماتعًا جامعًا مانعًا أسماه الكتاب. الكتاب لسيبويه، وجمع فيه قواعد العربية التي سأفسر بها القرآن والسنة، ومن أين أخذتها أنا؟ من لغة العرب. من أي قبيلة؟ من ستة:
قيس وتميم وهذيل وكنانة التي منها قريش وأسد، وبعض من طي، بعض طي كانوا يأخذون منهم [قواعد العربية]. هؤلاء الستة هم الذين أخذنا منهم وهم الذين خدموا اللغة العربية، ليس كل واحد بملف، بل كلهم بما يخدم المحور، الذي هو الكتاب والسنة. أستاذنا عبد السلام هارون رحمه الله، الكتاب طُبع عندنا هنا في مصر، أول ما طُبع كانت مصر هي حاضرة العالم الإسلامي، وكانت الطباعة فيها هي المتقدمة، أحد المراكز الكبيرة المتقدمة، فطبعنا الكتاب في مجلدين في المطبعة
البولاقية. بعد ذلك قلنا ما من أحد يحققه وهو يحتاج إلى تحقيق، فانتدب لذلك الشيخ عبد السلام هارون رحمه الله تعالى، فحققه وأخرجه في خمس مجلدات. وعندما جاء ليجعل له فهارس، من هذه الفهارس شيء يُسمى فهارس الأعلام، يعني مثلاً عندما يذكر الأصمعي أو يذكر أبو حنيفة أو يذكر أي شخص من الأعشى أو الأعمش أو غيرهم، وأنا أتذكر أن هذه الرواية جاءت عن فلان، وأريد أن أبحث فأتوجه إلى فهرس الأعلام وأبحث عنه ولكن كل ذلك كان قبل الكمبيوتر والأقراص المدمجة، فنبّه
تنبيهًا في أول فهرس الأعلام وفي أول الفهارس قائلًا: "يا جماعة، الغريب العجيب أنكم لن تجدوا اسم الخليل بن أحمد في هذه الأعلام. لماذا؟ فالخليل بن أحمد هو أستاذ رائحة التفاح، كيف يكون ذلك؟ قال: "لأنه مذكور في كل صفحة، فلا داعي لتكرار ذكره." قال أنه في خمس مجلدات، كل صفحة من الكتاب فيها اسم الخليل بن أحمد. فلو كان المجلد يحتوي على خمسمائة صفحة في خمسة (مجلدات)، سيكون المجموع ألفين وخمسمائة صفحة. فهو مذكور ستة آلاف مرة، إما مرة أو مرتين
أو ثلاثة على الأقل. ماذا سأقول لك: راجع الكتاب، راجع الكتاب لأنه لا يوجد صفحة إلا ذُكِر فيها الخليل بن أحمد، فإذن ادعى بعض الناس وقال: "يا جماعة، لا نريد أن نقول إن هذا الكتاب لرائحة التفاح، الذى هو سيبويه"، فلمن ينتمي إذن؟ قالوا: "إنه للخليل بن أحمد". فكل صفحة فيه مكتوب: "قال الخليل، قال الخليل، قال الخليل، قال الخليل" من أوله إلى آخره، إذن رضي الله تعالى عن الخليل. فماذا فعل الخليل؟ ضبط متن اللغة ثم عاد وضبط النحو والصرف، النحو في الإعراب والصرف
في بنية الكلمة. أيكفيه إذن هذا القدر؟ لا، بل قال: الشعر ديوان العرب، وأتتذكرون نافع بن الأزرق وابن عباس، فالناس بعد ذلك ستأتي وتقول وما الذي أعلمني من أين هذا الشعر؟ وما هي الحكاية والرواية؟، فلا بد أن أضع ميزاناً ومعياراً للشعر، فذهب وأسس علم الخليل. ما هو علم الخليل هذا؟ إنه العروض. في الحلقة القادمة إن شاء الله سنعيش مع هذا الرجل المبدع البديع في علم العروض، حفاظاً على اللغة العربية وسعياً لإيجاد ميزانها وخدمة للكتاب والسنة. فإلى لقاء آخر أستودعكم الله والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.