حديث الجمعة | فضيلة الامام علي جمعة يوضح كيف قام المسلمون بـ ترجمة علوم الاولين وانشاء علم الكلام - مجلس الجمعة

حديث الجمعة | فضيلة الامام علي جمعة يوضح كيف قام المسلمون بـ ترجمة علوم الاولين وانشاء علم الكلام

25 دقيقة
  • العلماء كعمر ومالك رضي الله عنهما صدوا محاولات التلاعب بعقيدة المسلمين عبر التحريف والتأويل.
  • الإمام مالك رد على سؤال "كيف استوى الرحمن على العرش" بقوله: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة".
  • العرش أكبر مخلوق، والسماوات السبع بالنسبة له كحلقة في فلاة، وقد خضع لله قهراً.
  • علم الكلام نشأ عندما بدأ المسلمون ترجمة علوم الأمم الأخرى للإجابة عن التساؤلات حول العلاقة بين القديم والحادث.
  • ظهرت انحرافات عقائدية كالحلول والتجسيم ووحدة الوجود وإنكار الألوهية نتيجة الفهم الخاطئ للعلاقة بين الله والكون.
  • مقاصد الخلق ثلاثة: العبادة والعمارة والتزكية، والدنيا دار ابتلاء والحياة الحقيقية في الآخرة.
  • العلماء قسموا الوجود إلى: الملك (ما نراه)، والملكوت (عالم الغيب)، والجبروت (ذات الله).
  • الكلمة هي الوصل بين القديم والحديث، فالمصحف مخلوق والأصوات مخلوقة، لكنها دالة على كلام الله القائم بذاته.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

افتتاح الدرس بالدعاء والصلاة على النبي ﷺ والتمسك بالمحجة البيضاء

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ وآلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ.

مع المحجةِ البيضاءِ التي ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ، نعيشُ هذهِ اللحظاتِ عسى أن يشرحَ اللهُ صدورَنا لكلِ خيرٍ، وأن يُغلقَ عنا كلَ مصارفِ الشرِ، وأن يجمعَنا على الخيرِ في الدنيا والآخرةِ. ندعو الله أن ييسر أمورنا وينور قلوبنا، آمين يا رب العالمين.

مع المحجة البيضاء نصلي ونسلم على سيدنا رسول الله الذي تركها لنا فما قصَّر. اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيًا عن أمته، وآته سؤله يوم القيامة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد.

تصدي العلماء كعمر ومالك لمحاولات التحريف والتأويل الباطل في العقيدة

رأينا كيف أن هناك من أراد أن يتلاعب بعقيدة المسلمين، ورأينا أن العلماء كعمر رضي الله تعالى عنه وكمالك رضي الله تعالى عنه وغيرهما صدوا هذا التحريف والتأويل وهذا الباطل الذي يأتي به بعضهم.

كنا تحدثنا عن الإمام مالك وهو متوفى سنة مائة وأربعة وسبعين هجرية، أي في الثلث الأخير من القرن الثاني، وكان إمام الأئمة حتى قالوا فيه: لا يُفتى ومالك في المدينة.

والإمام مالك جمع بين الحديث والفقه، وجمع بين أصالة العربية والفهم، فكان متصدرًا بحق. درس على الأكابر من علماء أهل المدينة، ورأى أبناء الصحابة، فهو يروي عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين، رأى بعينيه وعاشر أبناء الصحابة.

رد الإمام مالك على من سأل عن كيفية الاستواء وبيان أنه بدعة

الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كان في مجلس علم فقام أحدهم وقال:

سؤال: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟

قال [السائل مكررًا]: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟

فقال [الإمام مالك]: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء، احملوه من أمامي.

انتبه، لا نحب اللعب بالألفاظ. والسؤال ليس بريئًا، ثم إنه يخفي وراءه ليس تشكيكًا في القرآن وإنما طعنًا في قوانين اللغة.

الاستواء معلوم في أي لغة، والكيف غير معقول. هذه رواية البيهقي، وفي رواية ثانية يقول لك: والكيف مجهول، فحمل هذه على تلك. والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة.

وصف الإمام مالك السائل بأنه رجل سوء لفقدانه قواعد العربية والفهم

فأنت أنت ترتكب الآن مخالفة، وأراك رجل سوء؛ لأنه لا يخطر في باله هذا [السؤال عن كيفية الاستواء] إلا من فقد قواعد كثيرة منها قوانين العربية وكيفية الكلام، ولذلك فهذه ليست الوحيدة التي عنده، وأراك رجل سوء فاحملوه من أمامي.

الإمام مالك بقوله: الاستواء معلوم، والاستواء في اللغة له نحو خمسة عشر معنى، منها استولى وقهر، وعليها يُحمَل هذا [المعنى].

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

العرش أكبر كائن خلقه الله حجمًا.

بيان عظمة السماوات السبع وضآلتها أمام العرش العظيم

السماء الدنيا بالنسبة للسماء الثانية كحلقة في فلاة، في الحديث هكذا، حلقة في صحراء كبيرة. السماء الثانية بالنسبة للسماء الثالثة حلقة في فلاة.

ما هذا؟ هكذا خلاص، توقف تصور عقل الإنسان. يعني الثالثة في الرابعة كحلقة في صحراء، والرابعة في الخامسة كحلقة في صحراء، إلى أن تصل إلى السابعة.

ما هذا؟ إنه كون واسع لا يتصوره ذهني.

لماذا؟ لأننا محدودون، أي أننا نرى إلى حد معين، يعني عندما يقف الشخص في الصحراء يرى أمامه مسافة ثلاثين كيلومترًا، وعن يمينه ثلاثين، وعن شماله ثلاثين، ومن خلفه ثلاثين. غاية المراد من رب العباد ثلاثين كيلو، إنما أنت تتحدث في ملايين مملينة من السنين الضوئية، فهذا أمر يقف عنده الإنسان ساكنًا صامتًا.

السماوات السبع كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش وعظمة الخالق سبحانه

خذ هذا الجزء: والسماء السابعة كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش.

ما هو العرش؟ ما شكله؟ وما حجمه؟ أنت لا تعرف.

لو نظرنا من أولها إلى آخرها، فهذه السماوات السبع جميعها مع الأرض التي هي الذرة الصغيرة التي نقف عليها ونتكبر على خلق الله مرة وعلى ربنا مرات.

﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

حسنًا، ألا يمكن للعرش أن يشعر بشيء من الكبرياء ويقول: أنا العرش؟ فكيف بهذه السماوات؟ السماوات السبعة حلقة صغيرة في صحراء كبيرة، أنا الصحراء الكبيرة، ربما يقال هكذا عن الروح.

معنى استواء الرحمن على العرش وخضوع الكون لقهر الله تعالى

فإذا قال ربنا:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

افهم إذن يا ابن آدم أن العرش الذي هو محيط بالسماوات والأرضين، والذي هو أكبر كائن، خضع لله قهرًا.

فالله سبحانه وتعالى وهو القاهر فوق عباده، ألن تخافوا؟ أصبحتم لا تخافون! هذا الملك العاقل يخاف، والغافل سيظل في غفلته هكذا غافلًا غير راضٍ أن يفكر.

فكلمة الرحمن على العرش استوى هذه كلمة تهتز لها أبدان الذين آمنوا وتقشعر جلودهم لذكر الله. شيء لا يستطيع العقل تصوره، إنما يصدقه.

التصديق بالشيء فرع عن تصوره وإذا عجز العقل صدّق بالأثر

قالوا: الله.

ألستم تقولون إن التصديق بالشيء فرع عن تصوره، كيف يكون أنك غير قادر على تصوره ومع ذلك تصدقه؟

قال له: بأثره. عندما يطرق أحدهم الباب، فأول ما تسمع الطرق، أنت لا تعرف من هو، ولست متصورًا إن كان كبيرًا أم صغيرًا، رجلًا أم امرأة، أبيض أم أسمر، أنت لا تعرف، لكن هناك طرق. فهذا يعني أن هناك شخصًا ما، فأنت صدقت دون أن تتصور.

فإذا عجز العقل عن التصور صدّق بأثره. تُصدّق بالأثر الذي هو هنا سماع الصوت، وهنا بالخبر، ولذلك تُسمى السمعيات؛ لأن الصادق أخبر بها صلى الله عليه وآله وسلم.

قاعدة التصديق بالشيء فرع عن تصوره ما لم يعجز العقل فيكون بالأثر

فإذن التصديق بالشيء فرع عن تصوره ما لم يعجز [العقل عن التصور]، يعني إذا كان في الإمكان [التصور فالتصديق فرع عنه]، فإذا عجز يكون بأثره، يكون التصديق من غيِّر تصورك، وإنما أثَّر هذا التصور.

الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء، فاحملوه من أمامي. هكذا كان رد الأكابر على مثل هذه الترهات.

بعد الفاصل نرى ما كان.

بداية ترجمة المسلمين لعلوم الحضارات القديمة ونشأة علم الكلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في هذا الزمان بدأ المسلمون في ترجمة علوم الأولين، فترجموا ما كان في الحضارة اليونانية وفي الحضارة الهندية وفي الحضارة الفارسية وفي الحضارة السريانية وفي الحضارة المصرية. ترجموه ورأوا ما هنالك من فكر للبشر، وأجابوا عن كل سؤال حيّر الناس، وبنوا بذلك علمًا أسموه علم الكلام.

وذلك لأهمية هذه الصفة [صفة الكلام] من بين صفات الرحمن سبحانه وتعالى.

العلاقة بين القديم والحادث أساس مشكلات البشر الفكرية والعقدية

في فهم العلاقة بين القديم والحادث تكمن كل مشكلات البشر وكل تفكيرهم. كان تصورهم منصبًا على العلاقة بين القديم والحادث.

الله كان ولم يكن شيء معه، ثم إنه قال:

﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

فخلق الله سبحانه وتعالى الكون. العلاقة بين القديم والحادث هي التي جعلت بعض البشر ينحرفون ويرون أن الله قد حلّ في الكون، والله لم يحلل في الكون.

الانحرافات العقدية الناتجة عن سوء فهم العلاقة بين الله والكون

قالت [طائفة]: طيب، إذا كان الكون هكذا فالله سبحانه وتعالى خارج الأكوان، إذن فهو له حدود وحدّه هو الكون، وهؤلاء هم المجسمة.

وتولدت من هذا السؤال أسئلة كثيرة:

  1. بعضهم أنكر الألوهية.
  2. وبعضهم قال بوحدة الوجود والحلول، أن الله حلّ فينا أو هو متحد معنا.
  3. وبعضهم قال بالتجسيم.
  4. وبعضهم قال بالإله المفارق، أنه إله لكنه لا علاقة له في وجوده بالكون، حيث أن هذا الكون إنما هو قائم به.

يعني ربنا خلقنا هكذا مثل شريط سينما، هذا شريط السينما، نحن الذين في هذا الشريط السينمائي، ولو أنه قطع الإمداد لفني العالم.

الله قيوم السماوات والأرض يعطي الإمداد على قدر الاستعداد

﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]

والله سبحانه وتعالى يعطي الإمداد على قدر الاستعداد، فنحن عندنا استعداد لأن نحيا ونذهب ونجيء ونروح وننام ونقوم ونأكل ونشرب، فالإمداد على قدر الاستعداد.

ولكن هو قيوم السماوات والأرض، فهو قائم بنفسه ونحن قائمون به، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا حول لنا ولا قوة.

إجابة علماء المسلمين على الأسئلة الكبرى عن الوجود والغاية والمصير

وجلس علماء المسلمين يجيبون على الأسئلة الكبرى: من أين نحن؟ وماذا نفعل هنا؟ وماذا سيكون غدًا بعد وفاتنا؟

فأجابوا أنه: من أين نحن؟ خلقنا الله. وماذا نفعل هنا؟ نعبد الله ونعمر الكون ونزكي النفس.

ولذلك كانت:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]

ثلث القرآن؛ لأنها تتكلم عن التوحيد الخالص.

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلب منكم عمارتها.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

كلام [جامع]. فـمقاصد الخلق ثلاثة: العبادة والعمارة والتزكية.

تفصيل مقاصد الخلق من العبادة والتكليف وبيان الأنبياء لذلك

إذن إذا أجابوا فتكلموا عن الإلهيات والسمعيات وعن النبوات.

ماذا نفعل؟ هنا نفعل هذه الأشياء بتكليف من الله؛ لأنك خليفة الله:

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

ماذا نفعل هنا؟ نعبد الله. كيف؟ بيَّن الله لنا كيف يكون ذلك بالتفصيل بأن:

قال رسول الله ﷺ: «بُني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»

كيف أيكذب المؤمن؟ قال: لا، لا يكذب المؤمن. كيف؟

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

أمرنا ونهانا.

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

واضح.

الحياة الحقيقية في الآخرة والله سبحانه منزه عن الزمان والمكان

فهذا ما فعله الأنبياء، بلغوا عنه [عن الله] هذا. والحياة الحقيقية هي في الآخرة؛ لأنها هي الأبدية، ولأن الدنيا فانية، ولأنها محدودة.

والله سبحانه وتعالى ليس حوله زمان وليس حوله مكان، وهو سبحانه وتعالى قديم. ولأنه ليس حوله زمان وليس حوله مكان، فهو يعلم كل شيء إلى يوم الدين، وهو يعلم ذلك الآن.

فالماضي والحاضر والمستقبل هذا كلامنا نحن؛ لأننا مغمورون في الزمن، أما هو فهو يرى الكل مباشرة الآن.

أعطاك عقلًا تفكر به واختيارًا تختار به حتى يحاسبك عليه، وجعل الدنيا دار ابتلاء.

حل العلماء لإشكالية العلاقة بين القديم والحادث وتقسيم العوالم

حلّوا كل ما خطر على العقل البشري من مشكلات كان أساسها: ما العلاقة بين القديم والحديث، بين الله والخلق؟ وفقهم الله لذلك.

وتكلموا على أن هناك ذاتًا، والذات قديمة، وأن هناك عالَمين، والعالَمون مخلوقون، وأن هذا العالَمون ينقسم إلى قسمين:

  1. الملك: فيما يشاهده الإنسان.
  2. الملكوت: فيما هو موجود مخلوق لا يشاهده الإنسان.

عالم الغيب والشهادة. أما الله فهو غيب الغيب، لم يدركه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فهو متفرد في جلاله سبحانه وتعالى.

تفصيل عوالم الملك والملكوت والجبروت واللاهوت عند العلماء

يبقى هناك ثلاثة: الملك والملكوت والجبروت واللاهوت.

الملك هو ما نراه وما سوف نراه وما ندركه بالعين المجردة أو بالعين المسلحة أو بالأثر كالكهرباء.

أما الملكوت فهو عالم الملائكة وعالم العرش وعالم الجنة وعالم النار، كل ذلك من الملكوت.

سواء الملك أو الملكوت فهو مخلوق لرب العالمين. والوصل بينهما قالوا: الوصل بينهما الكلمة.

فالكلمة، ومن هنا سمّوه علم الكلام، فالكلمة هي التي في ذاته قديمة وفي تجليها حديثة.

مثال المرآة لتوضيح العلاقة بين الدال والمدلول في صفة الكلام

شيء غريب جدًا، مثلما تقف ويكون في صورتك في المرآة.

أين أنت؟ أنت الذي تقف. والذي في المرآة ما ماهيته؟ صورتك.

أأنت أنت أم لا؟ هل هو حسانين أم أنت؟ لا، أنت، ولكنه غيرك. فهل هو عين أم هل هو غير؟

إذا اعتبرت هذه الصورة عينك فهذا يعني أنت أنت، نعم؛ لأنه ليس شخصًا آخر. لكن لو كسرنا المرآة، أنت لا يحدث لك شيء، إذن هذه ليست خاصتك.

فالكلمة أصبح فيها دالٌ ومدلول: الدال مصحفنا هذا وهو مخلوق، والمدلول صفة الكلام في ذاته تعالى وهي غير مخلوقة.

المصحف مخلوق في دلالته لكنه يدل على كلام الله القديم غير المخلوق

وعلى ذلك فهذا المصحف الذي نتلوه بالليل والنهار: أنا مخلوق، والحروف مخلوقة، والأصوات مخلوقة، والورق مخلوق، والطباعة مخلوقة، لكنها دالة على ما في نفس الله سبحانه وتعالى، وهي في نفس الله على ما عليه كانت.

فكان القرآن نزل الآن، ولذلك أسميناه بالنبي المقيم.

الذي يقول إن المصحف قديم سخيف؛ نحن طبعناه، طبعناه بعدما لم يكن مطبوعًا، كيف يكون قديمًا؟

والذي يقول أن كلام الله ليس بقديم فهو غير عاقل؛ لأن كلام الله قائم بذاته، ولا يقوم بذاته حادثًا ومخلوقًا.

نظرية الدال والمدلول حلت إشكالية كلام الله بين القدم والحدوث

فـنظرية الدال والمدلول حلت الإشكالية؛ فعندما تكتب "الله" هذه الكلمة حادثة، في الأصل هذا مجرد دال، هذا دال.

ولذلك يمكنك أن تتفنن في كتابة "الله" هكذا بالعربية، أو تكتبها بأي شكل آخر، فهي تشير إلى الله أيضًا. تختلف النقوش والمدلول واحد.

فـالدال والمدلول حل الإشكال لدى العلماء، وهذا ما فعلوه، إنما أراحوا الأمم.

فدخل الناس في دين الله أفواجًا.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.