حديث الجمعة | كيف يختار المريد شيخه…الدكتور علي جمعة يشرح طرق الاختيار وأهمية الدعاء في الاختيار
- •المشايخ والعلماء وضعوا معيارين أساسيين لاختيار الطريق المناسب: التيسير في التعامل مع النفس، والقرب من السنة النبوية.
- •الأنسب للمبتدئ الذي لم يتشكل بعد أن يختار الطريق الميسر القريب من السنة، أما من يميل للشدة فقد يناسبه مشرب الحزم.
- •بعض المشايخ يعتمدون طريقة الشدة بغرض كسر الكبر، كتكليف المريد بتنظيف الحمامات، بينما يعتمد آخرون التدرج والتيسير.
- •لاختيار المرشد يُنصح بالدعاء أولاً، ثم البحث في المكان الذي يعيش فيه المريد، ثم النظر إلى من حوله من الأشخاص.
- •يجب التأكد من التزام المرشد بالشرع قبل اتباعه، وعدم الانخداع بخوارق العادات.
- •أخذ الطريق من المرشد يكون على نوعين: إما تربية وسلوكاً وهذا يقتضي الثبات مع شيخ واحد، أو أخذه تبركاً وهذا يجوز فيه التعدد.
- •أي تربية توصل القلب للانشغال بغير الله فهي ضلال.
افتتاح الدرس بالصلاة والسلام على النبي والدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، والتي لا يزيغ عنها إلا هالك، مما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش هذه اللحظات ونصلي على النبي المصطفى والحبيب المجتبى، صلاةً يرضى بها ربنا عنا، ويشرح صدورنا، ويغفر ذنوبنا، ويستر عيوبنا، اللهم آمين يا رب. بالمصطفى بلّغ مقاصدنا.
سؤال اختيار الطريق الصوفي ومعياران للتمييز بين الطرق
ترك علماؤنا لما تغيّر الزمان ورأوا أننا في حاجة إلى تمييز المشارب، تركوا طرقًا كثيرة.
والسؤال الذي يسأله بعضهم: أنا لا أعرف هذه الطرق، فكيف أختار فيما بينها؟
عندما درسوا الطرق والمشارب البشرية وجدوها على صفتين هما المعيار إذا ما أردت أن تختار طريقًا: وجدوا طرقًا تتعامل مع النفس بيسر، وطرقًا أخرى بشيء من الحزم، وطرقًا ثالثة بشيء من الشدة، والجميع يريدون التربية. بعضها مع طول الزمان، وبعضها يريد أن يكون ذلك فورًا.
بعضها أقرب إلى السنة في نصوصها وجمالها وحلاوتها، وبعضها يرى الغايات ويسعى إلى تلك الغايات. فأصبح هناك معياران: المعيار الأول التيسير، والمعيار الثاني القرب من السنة.
نصيحة الصفحة البيضاء باختيار الطريق الأيسر والأقرب للسنة
فإذا أردت أن تختار وليس لديك مشرب، وليس عندك ميل قلبي إلى أحد هذه الطرق، بل إنك صفحة بيضاء، فعليك أن تختبر الطريق وتسأل:
هل هي تأخذ التيسير أو أنها تأخذ الحزم أو أنها تأخذ الشدة؟
والنصيحة أن تأخذ ما فيه تيسير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
والسؤال الثاني: هذه الطريقة تلتزم في أذكارها وأورادها بالسنة أو أنها تلتزم بشيء تجد عنده قلبك؟
وما كان ملتزمًا بالسنة فهو أأمن؛ فإن سنة رسول الله أولى بالاتباع على كل حال. إذن فالأمر عند الصفحة البيضاء واضح.
مثال الشيخ الذي يأمر المريد الوجيه بتنظيف حمامات المسجد
فما أمثلة ذلك [أمثلة التيسير والشدة في الطرق]؟
أمثلة ذلك أن بعض مشايخ التربية يأتيه المريد وهو من وجهاء القوم وأصحاب السلطان، أو من الأغنياء المتصدرين، أو من المشهورين، فيأمره بأن يقوم بتنظيف حمامات المسجد. شدة!
هل يلبّي أم يُفتن ويذهب؟
ليقول له: أنا أنظف حمامات المسجد؟ نعم، هذا يعني أن فيه كِبرًا. وأنت تعلم أنك إذا نظفت حمامات المسجد، في أي مكان ستكون يوم القيامة؟ أنت لا تعلم أن تنظيف حمامات المسجد ورد في أحاديث في سنن الترمذي:
قال رسول الله ﷺ: «إن الله نظيف يحب النظافة، فنظفوا أفنيتكم» رواه الترمذي
أنت لا تعلم أن من تواضع لله رفعه. أنت لا تعلم أنه:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
ردود أفعال المريدين المختلفة تجاه أمر الشيخ بالتنظيف
أنا لا أعلم [بحال هذا المريد]، ولكن على كل حال هذا أخذه هكذا بغتةً وبشدة. ذهب إليه وقال له: هيا قم الآن واغسل هكذا، فيتلملم وينظر ويرى السائق في الخارج حتى يذهب. هكذا سيكون ذلك في شدة.
نقول له: اذهب وابحث لك عن شخص يُطمئنك، ما دام نفسك ليس بطوعك. لكن على فكرة، هذا الرجل [الشيخ] ليس مخطئًا، هذا الرجل له [منهجه في التربية].
وشخص آخر يقوم فورًا بالدخول والتشمير والتنظيف ويقول: نفسي تحت قدمي ولا يهمني، وأفعلها لوجه الله خالصًا مخلصًا. هكذا وتسرع معه السيطرة على النفس عندما استجاب.
المريد الذي يتخيل أن رسول الله هو الآمر فيسرع بالطاعة
شخص ثالث يتخيل هكذا، يتخيل، لديه تخيل أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] هو الذي أمره، فينسى الدنيا وما فيها، ويصبح الأمر ليس أن هذا الشيخ الذي هو قابل للخطأ وللصواب وما إلى ذلك، لا، بل إن رسول الله هو الذي قال لي هكذا، فأسرع بالعمل.
فهناك من فعلها وهو يقاوم نفسه، وهناك من فعلها وهو راضٍ كل الرضا، وهناك من أخذ نفسه وانصرف بصمت.
حسنًا، هل كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] الذي يأتي إليه ليسلم يقول له: نظّف المجرور أو الحمامات؟
لا، لم يكن يفعل هكذا.
مثال طريقة المغرب في تعليق المسبحة الثقيلة لكسر النفس
ظهرت الطريقة في المغرب وقالت: يجب عليك أن تعتزل الناس وتهتم بآثام نفسك، فعليك أن تأتي بمسبحة اثنين رطل (أي كيلو) وتعلقها في رقبتك هكذا، وذلك لكي ينحني رأسك هكذا.
هل كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يفعل ذلك؟
لا، لم يفعل هذا. ونجحت معهم هذه الطرق الكونية، وبعد ذلك يرفعونها، لكنها في بداية الطريق.
الطريقة الميسرة في إعطاء الأذكار والصبر على المريد
أما الميسِّر فيقول لك: خذ هذه الأذكار وخذ هذه الأدعية واعمل عليها، والله يجلب الخير. ترجع إليه بعد شهر لتقول له: لم أفعل ذلك ولو مرة واحدة! إن شاء الله يعني كان هدمها [أي ضيّع الفرصة]، فأصبح له حق [أن يعاتبه].
وعندما نأخذكم إلى السياسة [أي الحزم في التربية] تفعلون بنا هكذا. فيصبر عليه ويقول له: حسنًا، شهر آخر. لا يحدث فيه شيء.
ماذا [نفعل]؟ نحن نتذكر الله واحدة تلو الأخرى حتى يصبح الذكر حلوًا، وشيئًا فشيئًا حتى يصل هذا الذكر إلى أن ينهاه عن الفحشاء والمنكر.
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [العنكبوت: 45]
من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر، والله يعلم ما تصنعون.
خلاصة المعيارين والنصيحة لمن كان صفحة بيضاء أو مائلاً للشدة
كل طريقة ستجد فيها هذين المعيارين: القرب من عدمه من السنة المشرفة، أو التيسير من عدمه في طريقة التربية.
والمنصوح به للصفحات البيضاء [أي من لا ميل له لطريقة معينة] هو الأقرب للسنة مع التيسير. أما الذي هو مشربه، يعني هو مائل للعنف هذا أو الشدة هذه، مائل لذلك، حسنًا، يذهب معه هذا أيضًا كي يتربى.
لكن إذا لم يكن مائلًا وكان صفحة بيضاء، فالأنسب هو المنصوح: الأقرب [للسنة] مع التيسير.
بعد الفاصل نرى بقية أركان الطريق.
كيف يختار المريد شيخه والدعاء أول الخطوات
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
كيف يختار المريد شيخه؟
من أدركناهم من المشايخ كان أول مسألة يأمروننا بها حتى نلقى شيخنا ممن يوفَّق في إرشادنا إلى الله هي الدعاء. لم نرَ شيخًا إلا وقد أمرنا بالدعاء: ادعُ الله أن يوفقك إلى من يرشدك ويأخذ بيديك إليه.
المرشد الواعي العارف قد يكون بجوارك وأنت لا تدري، ومن هو أنسب إليك قد يكون معك وأنت لا تعرف. والدعاء مجرّب مستجاب، ادعُ الله سبحانه وتعالى.
الطريقة الثانية البحث في المكان القريب والأشخاص المحيطين
الطريقة الثانية بعد الدعاء أن تهتم في التفتيش بمن حولك. يعني أنت ساكن في أسيوط فابحث في أسيوط؛ ففي كل مكان وليٌّ لله، وما دام ربنا خلقك في أسيوط فخذ، انتبه! أول ما تأخذ من المكان الذي أنت فيه، تجوّل فيه، اسأل، تأمّل.
فيكون رقم واحد الدعاء، ورقم اثنين المكان، ورقم ثلاثة الأشخاص.
خرجت فوجدت خالك رفاعيًّا، حسنًا، فهذا هو الطريق، إنه طريق معتمد. ها أنت وجدت قادريًّا، حسنٌ، القادري هو طيب جدًّا. الشاذلي ليس هناك أفضل منه، شاذلي.
عندما يقدّر الله لك أمرًا، يجعل هناك أناسًا في حياتك ظاهرين يساعدونك، قد يكون والدك أو خالك أو عمك أو أخاك الكبير أو جارك، فيكون قريبًا منك. ما دام طريقًا وطريق العلماء معتمدينه يبقى خلاص.
الرابع الرؤيا وشرط التأكد من التزام الشيخ بالشرع الشريف
الرابع: أمور تتعلق بالغيب كمن رأى رؤية. أحدهم قد رأى في المنام أنه يجب أن يذهب إلى شخص معين، فيذهب إليه.
وأول شيء عليه أن يفعله هو أن يتأكد من أن هذا الشخص ملتزم بالشرع الشريف، أول شيء. إذا وجدت أحدهم غير ملتزم بالشرع الشريف فهو شيطان أبدًا.
قالوا: إذا رأيتم الرجل يسير على الماء أو يطير في الهواء، فاعرضوا أمره على الشرع. لا تذهب وتقول: الله! هذا طار في الهواء! طار في الهواء! فقد يكون مجرد مشعوذ، أو ربما يؤدي لعبة سحرية أو ما شابه ذلك.
ميزان الشرع هو الفيصل لا خوارق العادات
وأنا لا أعرف [حقيقة أمره]. إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فاعرضوا أمره على الشرع؛ فإن وافقه فذاك، إن وافق الشرع يبقى هو [على خير]، ما لي شأن بالطيران ولا بالمشي، يكفي منه أنه ملتزم.
وإن خالفه، خالف الشرع، فاعلموا أنه شيطان. انتبه! في لعبة يفعلها لا أعرفها، مشى على المياه أمامي! يعني ما هذا؟ مشيٌ على المياه ولا المشي على النار.
وكثيرًا يحدث في الهند والسند وفي أماكن أخرى كثيرة: الذين مشوا على المسامير، والذين مشوا على النار، والذين طاروا في الهواء. لا يصلح معنا هذا الكلام؛ فإن خوارق العادات ليست مقياسًا للحق.
خطورة هدم التصوف وأثره في هدم جانب الإحسان من الدين
اسمع الكلام؛ لأن هناك أناسًا كثيرين يكادون أن يروا خوارق العادات هذه وتفتنهم. ونحن طريقنا إلى الله محفوظ من الفتنة.
وهذا الذي جعل أعداء التصوف يأخذون هذه الأمور [المنحرفة ويعممونها]. الله! انظر كيف أنتم! نعم يا سيدي، هذا رجل منحرف. أنت ما هو؟ أهو شخص انحرف في العقيدة أم شخص انحرف في الفقه أم شخص اضطرب عقله؟
ما علاقة الطريق إلى الله بهذا؟
ليس له علاقة. لكن للأسف وهم يهدمون التصوف فهدموا معه جانب الإحسان في دين الله، هدموا ثلثه. وثلثه هو غايته، ثلثه هو غاية الدين، فهدموا الدين كله.
خطر تربية الأطفال على الكبر بحفظ القرآن دون تواضع
ماذا أصبح الأمر؟ أنا أحفظ ابني القرآن وهو يسير معه آخذًا إياه من المسجد وعائدًا إلى البيت، مُفهِمًا الولد أنه أفضل من أي شخص في العالمين.
من يحفظ القرآن ويتكبر؟ يعني ماذا فعلنا نحن؟ هل سنجعل الأطفال يتكبرون بحفظ القرآن؟ هذا تناقض!
حفظ القرآن كان ينبغي أن نجعله يقول له: هذه منّة من الله عليك، وليس أنك أفضل من هؤلاء الناس جميعهم. ويجلسون يشحنون قلبه ضد الناس حتى يكبر الولد ويضرب الخلق بالنار.
هذا ليس دينًا، هذه دنيا لكنها تتلبس بلبوس الدين، لكنها ليست دينًا.
حقيقة الدين التواضع لله وخطر انشغال القلب بما سوى الله
الدين فيه ما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «من تواضع لله رفعه»
دينٌ فيه:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
لكن ليس فيه الجبروت والتكبر على الناس، ليس مقبولًا. وأي تربية توصل الإنسان إلى أن ينشغل قلبه بما سوى الله فهو في ضلال مبين. ولذلك يجب علينا أن نتفهم.
التوفيق الإلهي في وضع المرشد في طريق المريد دون سعي
وهناك أيضًا التوفيق، والتوفيق هو أن الله يضع من غير رؤية ولا حتى دعاء ولا أحدًا في طريقه، الله يضع في طريقك هكذا: واحدًا يرشدك إلى الله توفيقًا من عند الله هكذا.
نوعا أخذ الطريق من المرشد: التربية والسلوك أو التبرك
قالوا بالتجربة أن أخذ الطريق من المرشد المعلم يكون على نوعين: إما أن يأخذه تربيةً وسلوكًا، وإما أن يأخذه تبركًا.
التربية والسلوك: يبقى المريد ابن أول طريق، حتى لا تنتقل من مدرسة إلى مدرسة إلى مدرسة إلى مدرسة، ليس [هكذا] ستحصل على الابتدائية.
أما الذي هو للتبرك فيجوز أن كل ما أجد شيخًا طيبًا هكذا أقول له: أجزني بالطريق، أو أجزني بالأذكار، أو نحو ذلك، فهي بركة.
فسند البركة يتعدد، وسند التربية واحد فريد لا ثاني له.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
