#حديث_الجمعة | الفرق بين المناهج والمسائل
- •عقلية أهل السنة والجماعة تُبنى على البحث عن الحجية والتوثيق وأدوات الفهم والتمييز بين القطعي والظني.
- •تعلمنا من علماء الأزهر الشريف العلوم المساعدة لفهم النصوص واكتساب ملكة اللغة العربية والتفقه بالأصول.
- •النبي صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء، وحبه يُعبر عنه باتباعه وطاعته.
- •العقلية الفارقة للعلماء تميز بين المفاهيم المتشابهة كالفرق بين الدين والتدين، والعلم والمعلومات.
- •هناك فرق بين القضاء والفقه وبين القضاء والحياة، وبين المناهج والمسائل.
- •الخوارج والعلمانيون يقرؤون النصوص بلا أدوات صحيحة فيصلون لنتائج متشابهة.
- •ينبغي عدم فصل النصوص أو ضرب بعضها ببعض، فتلك من صفات الخوارج.
- •الإخوان المسلمون حاولوا اغتيال عبد الناصر مما أدى لاعتقال الآلاف.
- •الخوارج مسلمون بغوا علينا وأخطأوا في فهم الدين، ولا ينبغي تكفيرهم.
- •يجب التمسك بالمحجة البيضاء والتمييز بين الأحكام السارية والزمنية.
مقدمة الدرس ومراجعة العقلية المنهجية لأهل السنة والجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
تكلمنا أن هناك عقلية تُبنى عند أهل الحق، أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية والأزهر الشريف، وأن هذه العقلية بَنَت فينا البحث عن الحُجِّية، ثم التوثيق، ثم أدوات الفهم، ثم القطعي والظني، ثم كيفية الإلحاق بقواعد متينة، ثم التعارض والترجيح، ثم شروط الباحث.
ترتيب العلوم المساعدة ودور اللغة العربية وأصول الفقه في فهم النصوص
وعرفنا أنهم أيضًا رتبوا الدرس، وعلّمونا العلوم المساعدة التي تعمل على خدمة النص، وتغيّر معنا أن تصير اللغة العربية ملكة عندنا نفهم بها العبارات، ونفهم بها الألفاظ، وندرك بها التراكيب، ونستنبط منها أيضًا.
مرة بواسطة اللغة من ناحية، ومرة بواسطة أصول الفقه من ناحية أخرى، ما هو أقرب -بعد بذل الجهد منا- إلى حكم الله سبحانه وتعالى حتى يرضى عنا.
أصالة الدين واتباع النبي صلى الله عليه وسلم كحجة وقدوة
وعرفنا أننا على دين أصيل، وأن هذا الدين الأصيل إمامه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، لا نفرق بين أحد ممن انتسب إليه، وكلمته هي التي نتبعها:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
وعرفنا أن حب رسول الله فيه حب لله:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إذن فنحن أمام دين أصيل واضح، والحجة فيه رسول الله، وكذلك نفزع إليه صلى الله عليه وسلم، نبحث عن المحجة البيضاء التي تركها لنا حتى نقيس بها الأمور، وحتى نعرف الحق من الباطل، ونعرف القيم من الغث.
النموذج الهرمي المعدول وخصلتا الحلم والأناة في فهم الدين
تعلمنا في هذا النموذج الهرم المعدول بترتيب يوقع الآيات في أماكنها، ويجعل عندنا نوعًا من الرحمة ومن الحب ومن الصبر ومن الأناة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للأحنف [بن قيس]:
«فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»
وألّف العلماء في زين الحلم وعين العلم؛ فكون الإنسان حليمًا هو جزء لا يتجزأ من الإدراك والمعرفة، وليست القضية هي قضية المعلومات [فحسب].
الدين الموازي والهرم المقلوب عند الخوارج وأثره على فهم المحجة البيضاء
عرّفنا في هؤلاء الخوارج الدين الموازي، وعرّفنا في هؤلاء الخوارج الهرم المقلوب، وعرّفنا أن ذلك يعكر صفو إدراك المحجة البيضاء التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
العقلية الفارقة عند أئمة الدين والفرق بين الدين والتدين
علّمونا ما يسمى بالعقلية الفارقة؛ فإن أئمة الدين من الأتقياء الأنقياء الأولياء الظاهرين والأخفياء كانت عقليتهم فارقة، يفرقون بين المعاني، يفرقون بين العبارات.
فعرفنا الفرق بين الدين والتدين، وأن الدين علم يحتاج إلى علماء وإلى أركان العلم الخمسة: الطالب والأستاذ والمنهج والكتاب والجو العلمي.
أما التدين فهو لكل أحد، حتى قال قائل: خذ بفتواه لأنها نشأت عن علم دين، ولا تعمل بتقواه لأنه قد يكون مقصرًا في حياته؛ فأنت أيها السائل قد تكون أفضل منه عند الله.
مثال الطبيب في التفريق بين العلم والعمل والعقلية الفارقة بين العلم والمعلومات
وذلك مثل الطبيب الذي ينصحك بأكل كذا وترك كذا، وأنه لا بد عليك أن لا يزيد وزنك، في حين أنه هو في منتهى السمن (البدانة)، -فخذ بفتواه ولا تعمل بتقواه- لأن كلامه في الطب صحيح حتى وإن غلبته نفسه على الأكل فأكل فسَمِن.
هكذا عشنا وفهمنا أن الأمر فارق؛ فهناك عقلية فارقة بين العلم والمعلومات. فوجدنا الخوارج عندهم معلومات كثيرة يا أخي، جاءت من الإنترنت والفيسبوك، إنما ليس عندهم ناظم يفهم تلك المعلومات.
افتقاد الخوارج للتوثيق والفهم الصحيح ولبس الحق بالباطل
معهم نص ويخرجون لك أشياء مثل الحاوي، ويتعجب أحدنا قائلًا: ما هذا؟ ما هذا الهراء؟ ويبحث فيجد المعلومة أولًا: بسند ضعيف، إذن فهو قد افتقد التوثيق. ثانيًا: فهمها ليس على هذا النحو [الذي يزعمونه].
فالمصيبة أن هؤلاء يصدق فيهم قول الله تعالى:
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
ويصدق فيهم قوله تعالى:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
الفرق بين القضاء والفقه والحياة وأهمية الأحكام الوضعية في فهم النصوص
علّمونا في الأزهر الشريف أن هناك فارقًا بين القضاء وبين الفقه، وأن هناك فارقًا بين القضاء وبين الحياة؛ فالقاضي يحكم عند نزاع، لكنه يحكم بعد توثيق. ومن هنا فارق القضاء الفقه، وفارق القضاءُ الحياةَ أيضًا.
فممن نأخذ حياتنا؟ قطعًا من سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.
وهل هناك في الفقه ما يُكَرُّ عليه بالبطلان؟ أبدًا، ليس هناك.
وهل هذا الفقه يُطبَّق بحذافيره؟ أبدًا، ليس بحذافيره.
لماذا؟ لأنهم علّمونا ما يُسمى بالأحكام الوضعية؛ فهذه هي النظارة التي نلبسها عند قراءة المحجة البيضاء، ولو تركنا هذه النظارة لاختلط علينا الحال، ولزاد الخلاف، ولتناقضت آيات القرآن بعضها مع بعض.
التحذير من ضرب آيات القرآن ببعضها ووصية سيدنا علي لابن عباس في مناظرة الخوارج
إياكم وأن تضربوا بعض آيات الله ببعض؛ فتلك من صفات الخوارج الأولين، ضرب بعض آيات الله ببعضها البعض هكذا.
فعندما أرسل سيدنا علي للخوارج سيدنا ابن عباس، فسأل ابن عباس سيدنا عليًا أن يذهب إليهم، فقال [علي]: أخافهم عليك، أي أخشى عليك منهم. فرد ابن عباس: لا تخف.
فقال [علي]: إذن، فعليك بالسنة؛ فإن القرآن حمّال أوجه، تأتيه بآية هكذا، فيأتيك بآية هكذا، فيتشتت المستمع ويقول: يا الله! صرنا لا نفهم الآن. هذا موجود وهذا موجود وهذا موجود.
ضرورة ضبط النصوص بالقطعي والظني واللغة والإجماع لفهم الدين
نعم صحيح، فالنصوص هكذا؛ فاللغة لها عشرة احتمالات، وهذه الاحتمالات العشر تخرجها عن القطعية. ولذلك لا بد من ضبطها بقضايا القطعي والظني، وبقضايا اللغة نفسها فلا بد أن تُضبط اللغة، وبقضايا الإجماع.
إذن، فإذا كنت تتكلم هكذا بدون ضبط فأنت مخطئ؛ فتلك مصيبة ستهير (ستهدم) الدين على رؤوس المتدينين.
فما الفارق؟ الفارق هو أننا نفهم هذا النص من خلال الفرق بين القضاء والفقه، الفرق بين القضاء والحياة، الفرق بين الحياة والفقه، الفرق بين الدين والتدين، الفرق بين العلم والمعلومات.
فهم التراث والنصوص المقدسة من خلال أدوات الحجية والتوثيق وترتيب الأدلة
نفهم هذا التراث وهذا المقدس من الكتاب والسنة من خلال الحجية والتوثيق وأدوات الفهم، وكذلك نفهمه بالعموم والخصوص والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. نفهم هذا بالتعارض والترجيح، نفهم هذا بترتيب الأدلة.
فإذا افتقدت كل هذا فإنك ستدخل إلى الدين وكأنه رحلة سياحية.
ماذا تفعل؟ فأنت الآن أمام مصيبتين: إما أن تستمر في غيك، وإما أن تهير (تهدم) الدين على رأسك ورأس الذين أيدوك.
الفرق بين المناهج والمسائل وتشابه العلمانيين والخوارج في قراءة النصوص
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
هناك أيضًا تعلمنا في الأزهر الفرق بين المناهج والمسائل؛ فالمناهج أمر ينظم الفكر، والمسائل أمر متصل بالزمان. ولذلك ونحن نقرأ القراءة المتأنية التي تفرق بين هذه الفروق فلا نجد إشكالًا، بينما نجد إشكالًا عند هؤلاء العلمانيين وعند هؤلاء الخوارج.
لأن كلًا منهم يقرأ بلا أداة فيصلون إلى نفس النتيجة، إلا أن العلماني يقول: الإسلام يقول كذا، ولذلك فأنا لا أتبعه. أما الخارجي فيقول: الإسلام يقول نفس الشيء، ولذلك سوف أفسد في الأرض ولكن باسم الله والدين.
العلمانية والخوارج وجهان لعملة واحدة ووصف النبي للخوارج بكلاب أهل النار
وكلاهما ظلم النص ولم يصل إلى معناه؛ لأنه افتقد النظارة التي يقرأ بها. فلذلك العلمانية والخوارج وجهان لعملة واحدة.
وهنا يتبين لنا لماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الخوارج:
«كلاب أهل النار»
بالرغم من أنهم مسلمون. قال سيدنا علي رضي الله تعالى عنه وهم يسألونه: أكفار هم؟ قال: هم مسلمون إخوة لنا بغوا علينا.
لم يكفرهم حتى لا يقع في نفس الخطيئة التي وقعوا فيها من تكفير المسلمين، بعد أن أنشؤوا الدين الموازي، وجعلوا هذه الجماعة جماعة المسلمين وكل من خارجها يستحق القتل.
سيد قطب وتكفيره للمجتمع ورفضه صلاة الجمعة بدعوى أنها ديار كفر
ولذلك يضعون المتفجرات في أي مكان. ولماذا يضعون المتفجرات؟ لأن الكل كافر من وجهة نظرهم.
وهذا كلام سيد قطب؛ كان السيد رحمه الله لا يصلي الجمعة. فلما سُئل في هذا: لماذا لا تصلي الجمعة؟ قال: لا، هذه ديار كفر فكيف تُقام الجمعة فيها؟
وهل النبي صلى الجمعة في مكة؟ لا، بل إنه أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة ليصلي الجمعة هناك، لكن هذه ديار كفر لا تُقام فيها صلاة الجمعة، فسأصليها ظهرًا.
فكان في بيته في حلوان دائمًا يصلي الجمعة ظهرًا، ولا يصليها جمعة. إنا لله وإنا إليه راجعون!
خطورة التصدر بلا شهادة شرعية وحقيقة ما جرى مع سيد قطب
أو مثل هؤلاء يتصدرون المشهد ويصبح معه شهادة شهيد: أنا شهيد فتعالوا واتبعوني، وهو ليس معه أي شهادة؟! لا شهادة شرعية ولا شهادة دنيوية.
أفأنت تحارب سيد قطب وقد بذل نفسه؟ لا، هو لم يبذل نفسه؛ فهذا مجرد رجل قام بانقلاب فقبضوا عليه وقتلوه.
فهل تستهين به؟ أترون، هكذا ستظل العقلية هكذا ستظل متخلفة إلى هذا الحد! فالمعروف أصبح منكرًا، والمنكر أصبح معروفًا.
حديث النبي في قتل من يفرق الجماعة وموقفه من الحاكم الظالم
فلقد قُتل [سيد قطب] بإذن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائل:
«إذا كنتم جميعًا على رجل فخرج أحدهم يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه كائنًا من كان»
فلماذا قال النبي كائنًا من كان؟ وماذا يعني بها؟ أي أننا كلنا على رجل واحد [حاكم واحد].
فهل هو ظالم أم لا؟ بلى، ظالم. ظالم تنزلًا، يعني هو عبد الناصر، ظالم تنزلًا. نعم ظالم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لنا هذا:
«ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك»
ما المشكلة في ذلك؟ ماذا تريدون؟ فهل تنتظرون الأزمة وتتركون سيدنا رسول الله؟!
تفاصيل محاولة اغتيال عبد الناصر والقبض على الإخوان المسلمين
لقد ضرب ظهرك لأنك رجل مجرم حاولت قتله. فقد قبض عبد الناصر على ثمانية عشر ألف شخص من الإخوان المسلمين في نصف ساعة، وتم التحقيق معهم، فتبين أنهم لا يعرفون شيئًا.
فالجريمة قام بها محمود عبد اللطيف الذي أخذ المسدس من هنداوي دوير وإبراهيم الطيب، وذهب إلى الإسكندرية وأطلق النار على عبد الناصر في المنشية، ولكنه لم يستطع قتله وتم القبض على محمود.
وذهب هنداوي دوير إلى زوجته التي كانت أصولها من المنيا فأخذها بسرعة وسافر إلى بلدها المنيا وتركها عند أهلها، ثم عاد إلى القاهرة وسلّم نفسه في قسم شرطة إمبابة.
اعتراف هنداوي دوير وإعدام المتورطين في محاولة الاغتيال
وبمجرد أن سلّم نفسه إلى شرطة إمبابة قال لهم: أنا سأعترف بكل شيء. قالوا له: وبماذا ستعترف؟ فقال لهم: أنا الذي أعطيته المسدس، وأنا الذي فعلت كل شيء.
فاعتبروه رجلًا معترفًا، وبذلك تم إعدام هنداوي دوير وتم إعدام إبراهيم الطيب وتم إعدام محمود عبد اللطيف.
مصير الثمانية عشر ألفاً من الإخوان بعد القبض عليهم والتحقيق معهم
لكن عندما ألقى عبد الناصر القبض على الثمانية عشر ألفًا في نصف ساعة، فكانوا هؤلاء هم كل الإخوان المسلمون وقتها، والذين نسميهم الآن إرهابيين.
الثمانية عشر ألف وقتها لم يكونوا إرهابيين، بل كانوا أناسًا على باب الله يظنون أنهم يخدمون الله ورسوله، ويعتقدون أنهم عندما يذهبون لتنظيف المساجد أو يبنون مستشفى وما إلى ذلك فإن هذا عمل خير، والله تعالى يقول:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
تبقى في السجن ألفان وسبعمائة، والباقي خرجوا. ألفان وسبعمائة من ثمانية عشر ألفًا - فكم يبقى؟ - خمسة عشر ألفًا وثلاثمائة أُخرجوا من السجن وذهبوا إلى بيوتهم بعد شهر أو بعد شهرين أو بعد أربعة أو بعد ستة، لكنهم في النهاية رجعوا إلى بيوتهم وانتهى التحقيق.
أحكام المعتقلين من الإخوان وتساؤلات حول حقيقة الظلم المزعوم
وقد تم إعدام من حُكم عليه بالإعدام وفعلوا، والباقي ألفان وسبعمائة، بعضهم أحكام حوالي ثلاثين أو أربعين شخصًا، والباقي اعتقال: ابقوا هنا لدينا.
إذن، كان هذا مصير ألفين وسبعمائة إخواني من ثمانية عشر ألف شخص. وكم كان تعداد المصريين حينها؟ كنا قد اقتربنا من ثمانية عشر مليون نسمة أو تسعة عشر مليونًا.
حسنًا، فيتساءل الإخوان: أليس هذا ظلمًا؟ تُرى من هو الذي ظلم؟ ما هو وأين هو الظلم؟
تحليل مفهوم الظلم وأوجهه في قضية الإخوان المسلمين مع عبد الناصر
أهو الظلم أنك تذهب لتقتل رئيس البلاد؟ أم الظلم أنك تُشكِّل جماعةً ولا تقبل بحلِّها؟ أم الظلم هو أن يرتكب شخصًا من الجماعة خطيئةً فنريد أن نتأكد كيف ارتكبها؟ أم أنه ظلم أن يتم التحقيق ليعرف رأسه من رجليه (أي: يميز الجاني من البريء)، فيطلق سراح الخمسة عشر ألفًا وثلاثمائة.
فأين هو الظلم؟ تُرى هل من الظلم القبض على ألفين وسبعمائة؟
وهل كلهم كانوا على علم بالأهداف الخبيثة للجماعة؟ لا، لم يكونوا يعرفون، لكن كلهم مصممون على الإبقاء على شيء اسمه جماعة الإخوان المسلمين.
فلتحلوا الجماعة إذن! ولكنهم رفضوا أن يحلوها.
سيد قطب واحتفالات عيد الحب في أمريكا وخطأ القياس في تقييم الأشخاص
وهذا سيد قطب عندما شاهد احتفالات عيد الحب في أمريكا فظن أن الأمريكيين فرحون بمقتل حسن البنا. فما دامت أمريكا فرحة بمقتل حسن البنا فهذا يعني من وجهة نظره أن حسن البنا على صواب.
بالطبع لا، فنحن لا نقيس الأمور هكذا. فلو فرضنا أن العالم كله غضب من حسن البنا فسنقيسه بسيدنا رسول الله.
هل هو على صواب أم لا؟ فإذا كان قد فعل شيئًا خاطئًا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك في هذه الحالة:
«فإن لم يكن في الأرض خليفة فالهرب الهرب»
ولكن لم يقل لك نبينا أن تُشكل جماعة يا حسن.
تنبيه الشيخ الحصافي لحسن البنا وشهادة سيد قطب في مذكراته
حسنًا، ولكن لم ينبهه أحد إلى ذلك؟ لا، بل نبهه الشيخ محمد عبد الوهاب الحصافي إلى ذلك.
ومن الذي أخبرنا بذلك؟ هو بذاته سيد قطب في مذكراته «الدعوة والداعية» والتي طُبعت عام ألف وتسعمائة وخمسين، وكان أول شخص يقدم لها أبو الحسن الندوي.
ورطة إنكار الحقائق والتلاعب بالفكر الإسلامي من أتباع سيد قطب
إذن نحن في ورطة يا أبنائي؛ فلا يوجد أحد منهم يريد أن يصدّق ما تراه عيناه، فهو ينكر ما يرى ولكنه يصدق ما يسمع.
إذن هذا تلاعب بالفكر الإسلامي، وليس تلاعب بالفقه فقط، ولا بالشريعة فقط.
وبعد ذلك كله يقولون إن سيد قطب هذا كان رجلًا طيبًا يا رجل! إذا كان الأمر كما يدعون فلماذا إذن أبو محمد العدناني الذي ينتمي إلى داعش يستمد من سيد قطب؟
ولماذا أيضًا الصلابي الليبي المنتمي إلى فجر ليبيا قدم رسالة الدكتوراه الخاصة به في النصرة والتمكين عند سيد قطب؟
مصيبة استمداد التطرف من فكر سيد قطب ووجوب التكاتف لمواجهتها
وهذا أيضًا جمال سلطان لماذا يقول: أنا لحمي ولحمتي ودمي من سيد قطب؟ ولماذا ينشر الأكاذيب على المواقع؟
فما كل هذا؟ هذه مصيبة يجب علينا أن نتكاتف جميعًا لإنهائها.
السير على نهج سيدنا علي في عدم تكفير الخوارج وتخطئتهم بالعلم
نحن نسير على نهج سيدنا علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لا نكفر الخوارج ولكن نخطئهم، ونقول للأعور إنك أعور في عينه (أي: نواجههم بالحقيقة)، ولكن نبين لهم خطأهم بالعلم.
فقد رجع مع ابن عباس من الخوارج ألفان، في حين أن أربعة آلاف لم يرجعوا معه وهو حبر الأمة. ألفان فقط هداهم الله، ووجدوا الكلام سليمًا، وأربعة آلاف لم يعودوا؛ فمشربهم هكذا، أمر الله فيهم هكذا:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
خاتمة الدرس والتأكيد على تكامل النصوص والأحكام السارية والزمنية
إذن هيا بنا نتأمل المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعلمنا ألا نفصل النصوص بعضها عن بعض، وألا نضرب النصوص بعضها ببعض؛ فالأمر متكامل. وتعلمنا أن هناك أحكامًا سارية، وأحكامًا زمنية، إلى آخر ما تعلمناه.
والحمد لله رب العالمين، إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
