#حديث_الجمعة | القرآن والسنة وافتقاد العلوم المساعدة في عصر الفتن - مجلس الجمعة

#حديث_الجمعة | القرآن والسنة وافتقاد العلوم المساعدة في عصر الفتن

22 دقيقة
  • افتقد كثير من الناس في ظل الفتن العلوم المساعدة التي تعين على فهم النصوص المقدسة والاجتهادية.
  • النصوص المقدسة جاءت مع تفسيرها، وليس لأي شخص حق فهمها بعيداً عن إجماع الأمة وتفسيراتها.
  • تشكل الأخلاق المرتبطة بالعقيدة نحو خمسة وتسعين بالمائة من السنة النبوية، بينما تمثل أحكام الشريعة نحو خمسة بالمائة فقط.
  • ربط النبي صلى الله عليه وسلم الأخلاق بالعقيدة في أحاديثه مثل الرحمة والتواضع وحسن الجوار.
  • يحتاج فهم النصوص الشرعية إلى إدراك المقاصد والمصالح والمآلات والإجماعات واللغة العربية.
  • المتشددون يفتقدون هذه الأدوات ويرتكبون أعظم الضررين جهلاً بالقاعدة الشرعية "ارتكاب أخف الضررين واجب".
  • بدأت الفتنة حين تصدر غير المتخصصين للفتوى والتفسير كسيد قطب الذي كان أديباً وليس عالماً.
  • من دعا إلى الله وجاءته مسألة فقهية فقال "اسألوا العلماء" فقد وضع الأمور في نصابها.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة الدرس والصلاة على النبي المصطفى وتعطير المجالس بسنته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سيدنا المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، نعطر مجالسنا، ونلتمس من سنته الهدى؛ ومما تركه لنا من المحجة البيضاء أنوارًا في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى، بقلوب ضارعة.

افتقاد العلوم المساعدة يجعل الناس غير أهل لفهم النصوص الشرعية

مما افتقده كثير من الناس في ظل هذه الفتن أنهم افتقدوا العلوم المساعدة؛ وافتقادهم للعلوم المساعدة يجعلهم غير أهل للفهم، لفهم النص.

والنصوص على نوعين:

  1. نص مقدس هو القرآن والسنة، محفوظ ذلك النص بالسند المتصل.
  2. نص آخر هو في دفاتر المسلمين من المجتهدين والعلماء العاملين والأتقياء الأنقياء عبر العصور؛ حاولوا أن يجتهدوا، كل واحد منهم لعصره، وأن يؤسسوا أسسًا لفهم هذا النص المقدس، وأن يعلمونا كيف نطبق هذا المطلق على الواقع النسبي المتغير شديد التركيب، شديد التدهور، شديد التغير، شديد التطور.

واجبنا نحو العلماء الأعلام والدعاء لهم ولأنفسنا بالاتباع

رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فقد قاموا بواجب وقتهم؛ ومن حقهم علينا أن نترضى عنهم وأن ندعو لهم، وأن ندعو لأنفسنا أن يلحقنا الله سبحانه وتعالى بهم غير مبدلين ولا محرفين ولا مخرفين.

المتشددون لا يعرفون للعلماء قدرهم ويعتدون عليهم بالألفاظ السخيفة

هؤلاء المتشددون لا يعرفون للناس حقهم ولا للعلماء قدرهم؛ فتراهم يعتدون عليهم باللفظ السخيف وبقلة الحياء والأدب.

والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا الأدب، وقال:

«لست بسباب ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء»

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جوهر النفوس وكان تاج الرؤوس، كان قمة الأخلاق حتى وصفه ربه فقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

وقال صلى الله عليه وسلم:

«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

خمسة وتسعون بالمائة من السنة النبوية في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة

إذا درسنا السيرة والسنة وجدنا أكثر من خمس وتسعين بالمائة منها في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة.

والله لا يؤمن - هذا متعلق بالعقيدة - أقسم وربط بالإيمان:

«من بات شبعان وجاره جائع!»

والله، والله لا يؤمن. إذا كان الأمر جادًا وخطيرًا:

«والله لا يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه»

«من غشنا فليس منا»

من غشنا ارتكب ذنبًا، ولو كان غشًا بسيطًا لكان ذنبًا صغيرًا، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظم الأخلاق ويريد منك أن تكون شفافًا جريئًا قويًا، لا تخجل من قول الحق ولا من ضعف الحال؛ فإذا كانت بضاعتك بها عيب لا تخجل من ذكر ذلك العيب.

ربط النبي الأخلاق بالعقيدة في التواضع والرحمة وتحريم الظلم

علَّمنا [النبي ﷺ] التواضع فيقول:

«من تواضع لله - ربطها بالعقيدة - من تواضع لله رفعه»

يريد ألا نتكبر على خلق الله، فيقول:

«والذي نفسي بيده - ذكر الإله وذكر الذي نفسي بيده - لا يدخل الجنة» - ربطها بالعقيدة أن نؤمن بالجنة - «من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»

وقِس على هذا، واقرأ السنة تجده دائمًا قد ربط الأخلاق بالعقائد.

كم بالمائة؟

«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

ربط الرحمة بالله، من لا يرحم لا يُرحم.

«الظلم ظلمات يوم القيامة»

ربطها بالعقيدة؛ إذ إن من عقيدتك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

نسبة الأخلاق في القرآن والسنة تبلغ ستة وتسعين بالمائة وهي جوهر الشريعة

إذن نحن أمام خمسة وتسعين بالمائة؛ لأن الوارد عندنا من النصوص نحو ستين ألف حديث، ألفان منهم في سائر الأحكام على كتب الفقه - ألفان من ستين، كم نسبتهم؟ واحد على ثلاثين، يعني ثلاثة وثلث في المائة - ثلاثة وثلث في المائة من المائة يتبقى كم؟ سبعة وتسعون في المائة، ستة وتسعون في المائة وثلثان.

وستة وتسعون في المائة، ونحن نقول إن الأخلاق خمسة وتسعون في المائة، يعني لدينا بعض التقصير لأنها ستة وتسعون في المائة؛ خمسة وتسعون في المائة من السنة أخلاق مرتبطة بالعقيدة.

طيب، والقرآن الكريم ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية - قل ستة آلاف لكي تكون القسمة صحيحة - منهم كم آية في الأحكام التي ألَّف فيها الناس؟ مثل الأحكام الكبرى للعبد الحق الإشبيلي، أو الأحكام الشرعية التي تُدرَّس في كلية الشريعة - آيات الأحكام ثلاثمائة آية - أولًا عن آخر، ثلاثمائة على ستة آلاف يكون كم؟ واحد على عشرين، يعني كم؟ خمسة في المائة، والخمسة والتسعين إذن ماذا؟ أخلاق مرتبطة بالعقيدة.

الإسلام يربيك على أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك وأن تكون أسوة حسنة

يريد [الإسلام] أن يربيك على أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك، فيقول:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 45-46]

إذن الأخلاق هي من المحجة البيضاء؛ النسبة واضحة، كل أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها على أهميتها، وأنها تمثل الإناء الذي نضع فيه كل شيء لله، وأنه من غير الصلاة فإن الأعمال لا تُقبل، وإن الإنسان يكون نهبة لما حوله.

وبُني الإسلام على خمس: الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت - غاية في الأهمية - إلا أنها تمثل خمسة بالمائة مع غاية أهميتها، مع ضرورتها وضرورة الحفاظ عليها، إلا أنها في النهاية لا تمثل إلا خمسة بالمائة.

وبقية الشريعة أن تكون آدميًا، أن تكون إنسانًا، أن تكون كالوردة في وسط الناس، أن يراك الناس فيحبونك، أن تكون أسوة حسنة، أن تكون مثالًا للرسول صلى الله عليه وسلم يعيش فيك وتعيش به؛ فإن لم تكن كذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون.

المتشدد المرجف انحرف عن المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها

لقد انحرفت أيها المتشدد المرجف عن المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

بعد الفاصل نستمر.

المتشددون فقدوا إدراك النص المقدس والنص الاجتهادي للأئمة الأعلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

رأينا كيف أن المتشددين قد فقدوا إدراك النص المقدس، وفقدوا إدراك النص البشري الاجتهادي الذي تركه لنا الأئمة الأعلام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؛ ففقدوا إدراك النص.

النصوص وردت إلينا بتفاسيرها، ويظن المساكين أنها وردت إلينا مجردة، وأن من حق أي أحد أن يفهم أي شيء مما ورد، والأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك.

الأزهر الشريف علَّم أن النصوص وردت مع تفاسيرها ومثال تحريم الخمر

فعندما دخلنا الأزهر الشريف علَّمنا مشايخنا أن النص قد ورد إلينا وورد معه تفسيره؛ ولذلك ضربوا لنا الأمثلة، وأنه ليس في القرآن كلمة «حُرِّمت عليكم الخمر» مثلًا، ولكن:

﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]

هذا النص ورد بتفسيره أنه قد اتفقت الأمة على حرمة الخمر، فلا اجتهاد فيها ولا حل معها؛ فهي حرام، وهي من مكونات هوية المسلم أنه يُحرِّم على نفسه الخمر ويُحرِّم على نفسه الخنزير والميتة.

هذه من هوية المسلم حتى لو عصى، حتى لو انحرف؛ وهذه هي الهوية التي أبقت على أهل تركستان إسلامهم إلى اليوم - كثير لا يعرف ما الإسلام لكنه يعرف أنه يحرم عليه شرب الخمر وأكل الخنزير.

النص جاء مع حاله وتفسيره ومثال آية الوضوء وخطأ التأويل اللغوي المجرد

فالنص عندما جاء جاء ومعه حاله وتفسيره، قال تعالى:

﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]

«قمتم» فعل ماضٍ، فالفاء هي للتعقيب، «اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق»؛ ومعنى هذه الصورة أننا نتوضأ قبل الصلاة.

فإذا جاء أحدهم وقال: «قمتم» فعل ماضٍ والفعل [مع] التعقيب، فهي نتوضأ بعد الصلاة - ضحك المسلمون! لماذا؟ لماذا نضحك؟ هذا الضحك فيه حكمة وفلسفة؛ أنه أمر متفق عليه قد ورد إلينا مع نصه، فلا أبدًا نخرج عنه لأي معنى لغوي طارئ في الذهن.

توسعة معنى النص لا يقوم بها إلا من عانى النص وأدرك المقاصد والإجماعات واللغة

ولا يمكن إذا النصوص وردت إلينا ومعها تفسيرها، وهذا التفسير يوجهني فيما إذا أردت أن أوسع معناه أو أن أوقعه على ما هو أدنى منه من داخله؛ وهذه التوسعة لا يقوم بها إلا:

  • من عانى النص وعاش فيه
  • من تعلم اللغة
  • من أدرك الإجماعات
  • من حفظ المقاصد
  • من تدرب على إدراك المآلات
  • من عرف المصالح

ويقولون عنها: فلا بد من إدراك المقاصد الشرعية والمصالح المرعية والمآلات المعتبرة، وإدراك الإجماعات والالتزام بلغة العرب.

فهل عرف المتشددون ذلك؟ والله لو عرفوا ما فعلوا.

المتشددون يرتكبون أعظم الضررين جهلاً بقاعدة ارتكاب أخف الضررين

تكفي كلمة المآلات المعتبرة؛ فإنهم يرتكبون يا أخي أعظم الضررين حتى لا يقع أحدهم في أدنى الضررين، والعقلاء على مر العصور يقولون عكس ذلك: أن ارتكاب أخف الضررين واجب.

لماذا هو واجب؟ لأنك لو لم ترتكبه ارتكبت الضرر الأكبر:

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

تمر عليهم دون وعي ودون فهم ودون إدراك أن الله أباح لنا الهجوم على شيء قد حرَّمه إذا كنا في حالة الضرورة التي إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك؛ حينئذ الضرورات تبيح المحظورات، فحينئذ يُرتكب الضرر الأخف درءًا ودفعًا ومنعًا للضرر الأعظم.

كلام العقلاء فيفعلون عكسه! أين؟ من؟ ما العلة؟ عدم إدراك المآلات، عدم إدراك المقاصد، وعدم إدراك المصالح، وعدم إدراك المآلات، وعدم إدراك الإجماعات، وعدم إدراك اللغة - مصيبة من المصائب وبلية من البلايا يرتكبونها دون وعي.

الفرق بين أهل العلم وأهل الجهل وواجب الداعية في إحالة المسائل للعلماء

وهذا هو الذي يفرق أهل العلم عن أهل الجهل؛ ولذلك إذا منَّ الله على أحدنا بالدعوة إلى الله، والنبي يقول:

«بلغوا عني ولو آية»

وجاءته مسألة فقهية يترتب عليها عمل، وقد يترتب على العمل ضرر، وقد يترتب على الضرر شر، وقد يترتب على ذلك الشر أمر مستطير؛ فإنه يتخلص من ذلك بقوله: اسألوا العلماء، ولا يقدح ذلك في دعواه، فيكون ممن رضي الله عنه؛ لأنه وضع الأمور في نصابها واتبع المحجة البيضاء.

أما إذا تصدَّر قبل أن يتعلم، وتزبَّب قبل أن يتحصرم، وتكلم قبل أن يتعلم ويتفهم؛ فإنه يكون بلاءً مستطيرًا.

سيد قطب أديب لا عالم تصدَّر للتفسير فترك تكفيرًا للمسلمين في كتاباته

هذا هو الذي نعلِّم الناس أن تسأل عنه: هذا الشر الذي حدث، ولم كان هذا الشر الذي حدث؟

بدأ مع أديب يُسمى سيد قطب، وسيد قطب ليس من العلماء؛ تصدَّر لأن يعلِّق خواطره على كتاب الله، كان أديبًا صحفيًا يُحسن صياغة الكلام، فترك لنا ستة آلاف ورقة، بعضها يُعد تحفة أدبية، ولكنها لا علاقة لها بالشرع وعلومه؛ ومنها ثلاثمائة صفحة فيها تكفير المسلمين - ثلاثمائة من ستة آلاف تكون كم؟ خمسة في المئة - لكنها كالسم في العسل.

أول ما ألَّف، ألَّف العدالة الاجتماعية في الإسلام، فسبَّ الصحابة في آخره: أبا بكر وعمر وعثمان، حتى ظنَّ الناس أنه شيعي، وهو ليس كذلك، لا شيعي ولا سُنِّي؛ هو خطر في ذهنه أن يسب الصحابة الكرام فسبَّهم.

هل هذا يصلح لأن يكون قائدًا دينيًا؟ والله لا يصلح. يمكن أن يعمل أديبًا، لا مانع من ذلك، صحفيًا، لا مانع من ذلك؛ لقد عمل ونجح في الصحافة، يمكنه أن يعمل هكذا وهكذا، لا مانع من ذلك.

كتاب الظلال أوصل الخوارج إلى التكفير وبداية الخطأ ترك المحجة البيضاء لغير أهلها

فما الذي دفعه إلى هذه الفتنة؟ حتى يقول أحد الخوارج وهو أبو محمد العدناني الشامي - الرجل الثاني مع أبي بكر البغدادي العراقي - يقول إنه قرأ الظلال في عشرين سنة حتى كاد أن يكتبه بيده.

إذن موضع الخطأ، بداية الخطأ: أننا قد تركنا المحجة البيضاء لغير أهلها.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.