حكم قول بعضهم إنا لله وإنا له عاشقون ونحوها من محاكاة للقرآن الكريم | أ.د علي جمعة - فتاوي

حكم قول بعضهم إنا لله وإنا له عاشقون ونحوها من محاكاة للقرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • محاكاة آيات القرآن الكريم بتعبيرات مختلفة كـ "إنا لله وإنا إليه عاشقون" حرام وتعد من الكبائر.
  • لا يجوز التلاعب بألفاظ القرآن، وهذا ليس من الاقتباس الشرعي الذي يكون بإيراد لفظ قرآني في سياق مناسب دون تحريف.
  • حاول كثيرون عبر التاريخ محاكاة القرآن، كمسيلمة الكذاب وسجاح، وكانت محاولاتهم مثار سخرية ورفض.
  • ذكر مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تحت راية القرآن" سبع محاولات تمثل هذا الاتجاه الخبيث.
  • من الأمثلة الحديثة محاولة بيرم التونسي الذي حاكى القرآن في قطع أدبية للسخرية السياسية، ثم تاب عن ذلك وحرم روايتها عنه.
  • نشر بعض المثقفين الذين لا يراعون الأحكام الشرعية هذه المحاكاة في الأعمال الكاملة لبيرم التونسي رغم توبته.
  • هذا العمل قد يكون كفراً إن كان بقصد السخرية، أو حراماً إن كان بغير قصد.
  • يحرم نشر أو تداول هذه المحاكاة لعدم تناسبها مع جلال كلام الله.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

حكم محاكاة آيات القرآن الكريم في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي

يسأل أحدهم فيقول: انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام من يكتب منشورات فيها محاكاة لبعض آيات القرآن الكريم، وحتى يبيّن السائل مراده فيقول: فيكتبون "ربنا أفرغ علينا عشقًا وتوفنا مع العاشقين"، أو يكتبون "إنا لله وإنا إليه عاشقون" أو "محبون".

فهل هذا جائز؟

هذا حرام، وعدّه مشايخنا من الكبائر، ونهوا عنه بل عن حكايته؛ إعزازًا وتقديرًا للقرآن الكريم.

الفرق بين التلاعب بالقرآن والاقتباس المشروع من الآيات القرآنية

وهذا التلاعب ليس فيه من الاقتباس شيء؛ فالاقتباس هو أن تورد لفظًا قرآنيًا في مقام يتناسب معه، كأن تقول:

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]

أو تقول:

﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]

أو تقول:

﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12]

ونحو ذلك من الآيات القرآنية التي تصوغها في سياقاتك دون إخلال أو نحو استهزاء أو غير استهزاء.

تحريم محاكاة القرآن لأي غرض كان سواء تبركًا أو سياسة أو لعبًا

فهذا النوع من المحاكاة لا يجوز لأي غرض كان، سواء أراد أن يتبرك بالقرآن أو أراد أن يلعب مع القرآن، أو سواء كان هناك غرض سياسي خلف هذه المهزلة أو غير ذلك.

ولقد حاول كثير من الناس عبر التاريخ أن يفعلوا هذا المحرّم وتلك البلية، ففشلوا وكان ذلك مثار سخرية من الجميع من المسلمين وغير المسلمين.

محاولات محاكاة القرآن عبر التاريخ كمسيلمة الكذاب وسجاح

وعدّ الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه [تحت راية القرآن] محاولات سبعة تمثّل هذا الاتجاه الخبيث، منها محاولة مسيلمة الكذاب، ومنها محاولة سجاح.

وكانت سجاح تدّعي النبوة فهلكت، وتزوجها مسيلمة على أن يُسقط عنها وعن قومها فرضين أو ثلاثة من الصلوات الخمس، فتزوجها على ذلك ويكون مهرها إسقاط الصلاة.

وصف هذا العبث بالقرآن بأنه سخف وقلة أدب وحياء وديانة

فهذا العبث إنما هو بالإضافة إلى أنه حرام فهو سخف وقلة أدب وقلة حياء وقلة ديانة. فهذا الذي يصنعونه وإن كان بحسن نية فنحن ننهاهم عن ذلك أشد النهي، ونقول لهم أن هذا لا يجوز بل لا يجوز حكايته.

قصة بيرم التونسي ومحاكاته للقرآن في فترة تحرره ونفيه إلى باريس

وفي فترة من حياة الأستاذ بيرم التونسي كان متحررًا حرًّا طليقًا، ففي هذه الفترة سبّ كثيرًا من الناس حتى سبّ الملك فؤاد فنفاه إلى باريس، فألّف فيها الأستاذ وزوجته في باريس.

وفي هذا الوقت الذي هو يحكي فيه عن نفسه أنه كان في أزمة نفسية شديدة، حاكى القرآن في نحو سبع قطع، وكان يريد منها السخرية السياسية؛ لأنه كان ضد حزب الوفد وضد الملك وضد الإنجليز وضد كل أحد.

ما فعله بيرم التونسي من تأليف سورة الوفد محاكاة للقرآن وتوبته بعد ذلك

ففعل هذا وصنع ضربًا للأمثال ليس إلا، سورة أسماها "سورة الوفد"، وبدأها محاكيًا للقرآن: "سين عين دال" يعني سعد. فمثل هذا كبيرة من الكبائر وعظيمة من العظائم.

ولما رجع الأستاذ بيرم — وجدّه كان مفتيًا لتونس وهو من عائلة طيبة — غلبت عليه فطرته، فتاب إلى الله وتاب إلى الله بتلك الرائعة التي تغنّى بها الناس: "ناداني لبيته، حتى باب بيته".

توبة بيرم التونسي ورفضه رواية ما كتبه من محاكاة القرآن حتى وفاته

هذه الرائعة التي غناها المغنون وانتشرت كانت بداية لتوبته ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وعرف مدى الجرم الذي وقع فيه.

فكان يقول إلى أن مات رحمه الله تعالى: "لا أجعل في حلٍّ من يروي عني هذا البلاء"، ومات.

نشر المثقفين لمحاكاة بيرم التونسي للقرآن رغم نهيه وحكم ذلك شرعًا

ولكن المثقفين ممن لا يراعون الله ولا يلتفتون إلى الأحكام الشرعية ولا يهمهم سوى الإثارة قبل الإنارة، نشروا ما قاله في الأعمال الكاملة وفتّشوا عنها تفتيشًا حتى حصلوا عليها من مطبوعات سابقة قديمة، ونشروها في تسع مجلدات، ونشروا هاتين الصفحتين الثلاث التي حاكى فيها سور القرآن، نشروها أيضًا في الأعمال الكاملة لبيرم التونسي.

وإنما الحكم فيها أنها حرام وأنها من نوع الكبائر التي تستوجب لعن صاحبها، وأنها من الأمور التي يجب عدم حكايتها وتداولها ولا نشرها إطلاقًا، وأنها يجب التوبة منها ويجب التنبيه عليها؛ لأن ذلك لا يتناسب مع جلال كلام الله سبحانه وتعالى.

التحذير الشديد من السخرية بالقرآن سواء بقصد أو بغير قصد وحكم كل منهما

وهذا يشتمل على سخرية دفينة؛ إما أن تكون بقصد فيكفر صاحبها، وإما أن تكون بغير قصد فيقع في الحرمة.

وعلى ذلك فليتنبه المتلاعبون بأن هذا الأمر جلل، وأنه لا يُسمح بمثل هذا أبدًا، وأنه لا يُقبل من أحد أبدًا لأي غرض كان.