سورة الفاتحة | حـ 13 | آية 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الألف واللام في "الحمد" تأتي إما للاستغراق (كل الحمد)، أو للجنس (مادة الحمد)، أو للعهد (الحمد المعهود).
- •قول "الحمد لله" يُعد عبادة تستوجب حمداً آخر على التوفيق لها، مما يجعل العبد في حالة عجز عن إحصاء الحمد.
- •الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من هذه الورطة بقوله: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
- •اللام في "لله" تفيد عدة معانٍ في اللغة العربية: الملكية، الاختصاص، أو أدنى ملابسة.
- •"الحمد لله" تعني أن الحمد ملكٌ لله، أو أنه متوجه إليه، أو مقصور عليه.
- •المعنى الأكمل هو أن الحمد مقصور على الله وحده، فلا يكون الحمد الحقيقي الكامل لغيره.
- •هذا المعنى يتناسب مع كون الألف واللام في "الحمد" للاستغراق.
مقدمة في تفسير الحمد لله رب العالمين من سورة الفاتحة
في القرآن الكريم نعيش هذه الدقائق مع الفاتحة المباركة، ونتحدث فيها عن قوله تعالى:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]
الحمد قلنا إن الألف واللام تأتي في لغة العرب على ثلاثة أوجه:
- •إما للاستغراق، يعني كل الحمد لله.
- •وإما للجنس، يعني جنس الحمد ومادة الحمد هي لله.
- •وإما للعهد، يعني المعهود بيني وبينك الذي في بالك الحمد.
هو [الحمد] الذي أهتم به وأهتم بك. ربنا يستحق ماذا؟ يستحق منا كل حمد.
الحمد عبادة تستوجب التوفيق من الله والشكر على التوفيق
قال: انتبه، هذا الحمد عبادة، فعندما تقول الحمد لله، تكون قد قمت بعبادة أم لا؟ حسنًا، هل فعلت خيرًا أم فعلت شرًّا؟ فعلت خيرًا.
إذن هل تكون موفقًا أم غير موفق؟ بذلك موفق! من الذي وفقك؟ الله. وعندما يوفقك ربنا ينبغي عليك أن تفعل ماذا؟ الحمد لله.
قلت له: حسنًا، أنت بمجرد ما قلت الحمد لله كان ينبغي عليك أن تقول: الحمد لله الذي وفقني أن أقول الحمد لله. فلو فعلت هذا لما تجلس وتقول ماذا؟ الحمد، أحمدك يا رب، وبعد قليل تقول أنا أحمدك أنك وفقتني لأن أكون من الشاكرين في هذه اللحظة.
العبادة تستوجب الحمد والعجز عن إحصاء حمد الله تعالى
هل هذه عبادة أم ليست عبادة؟ قال: العبادة تستوجب الحمد أم لا تستوجبه؟ قال: تستوجب. قالوا: حسنًا، وبعد ذلك هل سأجلس طوال النهار أقول الحمد لله الحمد لله الحمد لله الحمد لله الحمد لله؟ المقصود كل مرة تحمد على توفيقه للذي قبلها.
قال: هو هي أصلها هكذا. قال له: حسنًا، وبعد ذلك؟ قال هو: لا شيء، تعلم يا أستاذ أنك أنت عاجز أمام الله.
فقام رسول الله ﷺ، لقد خرجنا من هذه الورطة. أين؟ الورطة ليست أنني أحمد ربنا، الورطة هي أنني عاجز عن حمد ربنا، هذه الورطة.
حديث النبي ﷺ في إظهار العجز عن إحصاء الثناء على الله
قم ويقول ماذا سيدنا رسول الله ﷺ - وهو معلم البشرية -:
قال النبي ﷺ: «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
أنا لن أجلس لأقول حمدًا لك، لأنك أنت كيف أقولها؟ لا أحصي ثناءً عليك. انظر إلى إظهار العجز، أنا عاجز، خلاص استسلمت وقت لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت سبحانك.
هذا إظهار للعجز وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. انظر كيف أن الله كريم حيث وهبنا كل ما نحن فيه من نعم:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
ثم قبل منا هذا القدر الضئيل من الحمد.
معنى الحمد للعهد وارتباطه بحمد النبي ﷺ لربه سبحانه
وانظر كيف أن سيدنا رسول الله ﷺ جميل وهو يخرجك من ورطة العجز بأن تقول:
قال النبي ﷺ: «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
هذا هو معنى العهد. الحمد الذي هو للعهد ماذا يعني؟ ما أقصده وما تقصده؟ ذلك هو الحمد الخاص برسول الله عليه الصلاة والسلام.
يعني: يا رب، الحمد لك كما حمدك نبيك، الحمد لك كما حمدك نبيك. حقًّا ونبيك كيف أثنى عليه هكذا؟ لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، حتى يخرج من ورطة العجز. هذا الحمد لله.
اللام في لغة العرب من حروف المعاني وأقسامها
اللام في لغة العرب هذه من حروف المعاني، أليس كذلك؟ نعم، من حروف المعاني التي قلنا عنها تسعين حرفًا في لغة العرب.
بعضها على حرف واحد مثل الباء واللام والتاء، وكذلك بعضها على حرفين، وبعضها على ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة، ولا تزيد عن خمسة.
ماذا تعني إذن؟ ما دام أنها حرف معنى، فلابد أن يكون لها معنى.
اللام للملكية والاختصاص والفرق بينهما في لغة العرب
قال: والله، اللام هذه تأتي في لغة العرب للملكية، تقول: لي كتاب، لي كتاب، ماذا تعني؟ أنا أملك كتابًا.
وتكون للاختصاص، أنا عاقل فعندما قلت لي هذا الكتاب لي، تكون العلاقة بين العاقل وبين غير العاقل هي الملكية؛ أنا ممتلك للكتاب.
حسنًا، هل هذا الكرسي يمتلك رجله (رجل الكرسي)؟ قالوا: لا، ليس ممتلكًا لأن الكرسي لا يمتلك، هذا الكرسي شيء يُملك ولكن لا يملك.
قالوا إذن نجعلها هنا، عندما تكون رجل للكرسي، تكون اللام هنا للاختصاص، أي رجل مختصة بالكرسي. باب للحجرة، تكون اللام هنا للاختصاص. كتاب للرجل، لا، تكون للملك.
فالفرق بين الاختصاص والملك أن الاثنين هناك أشياء، لكن هنا [في الملك] إنسان وشيء.
اللام لأدنى ملابسة وعلاقتها بالإضافة والظرفية
وماذا أيضًا عن اللام؟ قال: أدنى ملابسة، أدنى ملابسة ما بين الشيئين فقد تكون أدنى ملابسة، وهذه أشياء كثيرة جدًّا.
صلاة الليل، عندما تقول هكذا، فهذه الصلاة للّيل. حسنًا، الصلاة هذه فعل، والليل هذا زمن. قال: إنها لأدنى ملابسة، صلاة الليل قُل لأدنى ملابسة.
واللام هي التي تحل محل الإضافة، يعني كأنك قلت صلاة الليل، قلتُ صلاةُ للّيلِ. ويمكن أن تقول في الليل لتكون للظرفية.
معنى الحمد لله بين الملكية والاختصاص والقصر على الله وحده
الحمدُ لله يعني مملوكٌ لله. هل يصحُّ أن الحمد - نعم - فهو مالكُ الملوكِ، إنه يملكنا ويملك أفعالنا ويملك حمدنا، بل هو الموفقُ له وهو الخالقُ له وهو المُكلِّفُ به؛ إنه هو الذي كلَّفَ النبي ﷺ.
فالحمد ملكٌ لله. هل هذا الكلام صحيح أم لا يصح؟ هل من إجابة؟
الحمد لله، يعني الحمد مِلك لله سبحانه وتعالى، أم أن الحمد هنا متوجه إلى الله سبحانه وتعالى؟
هل يصح أن يكون هذا الحمد متوجهًا إلى الله أو أنه مقصور على الله؟ الحمد لا يكون إلا لله، هذا معنى الكلام.
الحمد المقصور لله وحده وارتباطه بمعنى الاستغراق والختام
قال: والله أحلى، هذه أجمل من هذه. الحمد لله يعني فيها إظهار للعجز، لكن عندما تقول الحمد لله بمعنى أنه مقصور لله وحده، لا يكون لغيره الحمد الحقيقي الكامل الذي هو كل الحمد.
يكون لذلك فتبقى صحيحة أيضًا وتستقيم مع أن الألف واللام هنا للاستغراق.
وبعد ذلك قال: رب العالمين، أي كلمة رب هذه نريد أن نقف عندها، والعالمين أيضًا نريد أن نقف عندها.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
