سورة الفاتحة | حـ 15 | آية 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 15 | آية 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • التكرار في القرآن الكريم لا يأتي إلا لغرض، ومنه تكرار "الرحمن الرحيم" في سورة الفاتحة.
  • تكرار "الرحمن الرحيم" بعد "رب العالمين" جاء لتهدئة روع العبد بعد شعوره بالتكليف والمشقة.
  • البدء بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" يُشعر العبد بالتشريف، ثم بـ"الحمد لله رب العالمين" يشعر بالتكليف.
  • التكرار يُذكر العبد أن الذي كلفه هو الرحمن الرحيم ليطمئن قلبه.
  • يشبه هذا تهدئة الله لموسى عليه السلام حين خاف من العصا.
  • الدين شكله رحمة متكررة، كما قال النبي: "الراحمون يرحمهم الرحمن".
  • جعل المحدثون حديث الرحمة أول ما يفتتحون به دروسهم تأسياً بالقرآن.
  • الرحمن تعني رحمن الدنيا الذي يرحم المؤمن وغير المؤمن.
  • الرحيم تعني رحيم الآخرة وكان بالمؤمنين رحيماً.
  • الله يحب صنعته ويكرم بني آدم جميعاً.
  • هذا التكرار إعجاز يدل على علم الله بما في قلوب البشر وعقولهم.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الجلسة والوقوف مع سورة الفاتحة فاتحة الخير

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

فمع كتاب الله نعيش هذه الدقائق المعدودات، مع الفاتحة التي جعلها الله سبحانه وتعالى فاتحة خير لكل من تلاها.

سر تكرار الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة وحكمته البلاغية

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1-3]

إذن كرّر مرة ثانية الرحمن الرحيم، والتكرار لا يمكن أن يأتي في كلام الله سبحانه وتعالى الموجز - والإيجاز إعجاز فيه - إلا لغرض؛ فيجب أن تقف وتتأمل.

﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3]

لماذا هذا التكرار؟ لكي يطمئن فؤادك؛ لأنه بدأ بالتشريف ثم بعد ذلك بالتكليف.

الانتقال من التشريف إلى التكليف وما يحدثه من فزع في النفس

وعندما ينتقل الإنسان من التشريف إلى التكليف يحدث له فزع؛ لأن التكليف فيه مشقة، والإنسان جُبِل على طلب الراحة.

فلما قال:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

حدث له انشراح وأن الله سوف يرحمه ويعفو عنه. فلما قال:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

شعر في قرارة نفسه بالتكليف، أنه قد كُلِّف أن يشكر ربه.

التكليف بشكر الله وشكر الناس وفضل قول جزاك الله خيرًا

يقول صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله»

هذا تكليف؛ فإذا أسدى أحدهم إليك معروفًا فلتقل له: جزاك الله خيرًا. ومن قال لأخيه جزاك الله خيرًا فقد أجزل له المثوبة، أي أنه قال له شيئًا طيبًا.

فهل هذا تكليف أم ليس تكليفًا؟ طبعًا تكليف.

الانتقال بين جمال الله وجلاله وتهدئة الرحمن الرحيم للقلب

شعر العبد وهو يقول:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

أنه انتقل إلى جمال الله. فلما يقول:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

شعر بجلاله. فربنا يُذكّرك حتى تلحق نفسك ولا تغرق في الجلال ولا في المشقة ولا في التكليف، يلحقك ويقول لك: ماذا؟ الرحمن الرحيم.

فالذي كلّفك رحمن رحيم؛ فتكون "الرحمن الرحيم" الأولى تشريف، و"الرحمن الرحيم" الأخيرة تهدئة. فهو يُهدئ بالك سبحانه وتعالى، يا حبيبي يا رب!

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]

فهذا شيء جميل جدًا.

عظمة الحمد لله رب العالمين وتصور اتساع الكون والسماوات

و"الحمد لله رب العالمين" التي في الوسط، وأنت أديت التكليف الذي عليك بأن شكرت ربك، ورب العالمين هذا أمر عظيم.

لو تصورت كلمة "العالمين"، فأنت لن تستطيع أن تتصور ربك؛ فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، فتتصور العالمين.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إن السماء الأولى بالنسبة إلى الثانية كحلقة في فلاة في صحراء كبيرة، والسماء الثانية في الثالثة كحلقة في فلاة، والثالثة في الرابعة كحلقة، إلى سبع سماوات، ثم السماء السابعة حلقة في فلاة في العرش»

والعرش كيف شكله؟ يعجز عقلك أن يتصوره، وتشعر بالضآلة.

تهدئة الرحمن الرحيم بعد مهابة رب العالمين كما هدّأ الله موسى عليه السلام

فأنت عندما تقول:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

يحصل لك اهتزاز، فيلحقك بقوله:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]

ليهدئ من روعك، كما قال تعالى لموسى [عليه السلام]:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 17]

فسأله عنها وهدّأ من روعه، هكذا؛ لأنه حصلت له مهابة.

﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ﴾ [طه: 21]

ولا تخف؛ لأنه خاف فولّى مدبرًا ولم يعقّب، خاف فحصلت له آية تطمئنه.

الرحمن الرحيم الثانية تهدئة للبال وشكل الدين رحمة في رحمة

كذلك "الرحمن الرحيم" في [المرة] الثانية تهدئ بالك؛ لكي تعرف كيف يكون شكل الدين: شكله رحمة في رحمة في رحمة في رحمة.

ماذا يقول بعد هذا؟ يقول لك: إنني الرحمن أنا الرحيم، أنا الرحمن أنا الرحيم. كلام ربنا ليس عبثًا، كلام ربنا يُفهم تمامًا بالحروف وليس بالكلمات [فحسب].

حديث الراحمون يرحمهم الرحمن والحديث المسلسل بالأولية عند المحدثين

ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

المحدثون يجعلون هذا الحديث أول حديث يذكرونه في مجالسهم لطلابهم. أول حديث يجيزون به هو الحديث المسلسل بالأولية.

ما هو المسلسل بالأولية؟ كل شيخ يقول لتلاميذه: هذا الحديث هو أول ما يُفتتح به الدرس أو الإجازة التي تُلقى، حتى يصبح كل طالب عبر التاريخ يقول: حدثني شيخي، وكان أول حديث يحدثني به هو هذا:

«الراحمون يرحمهم الرحمن تعالى، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء»

سبب اختيار المحدثين لحديث الرحمة أولًا تأسيًا بكتاب الله

ولماذا جعلوا هذا الحديث أولًا هكذا؟ قالوا: تأسيًا بالكتاب، أي اختاروه ليكون أول حديث تأسيًا بالكتاب.

أين الكتاب؟ ماذا يقول؟ يقول:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1-3]

مرة ثانية يقول له: الرحمن الرحيم، إذن تأسيًا بالكتاب [اختاروا حديث الرحمة ليكون أول ما يُفتتح به].

معنى الرحمن رحمن الدنيا الذي يرحم المؤمن وغير المؤمن

قلنا إن الرحمن معناها رحمن الدنيا، يرحم المؤمن وغير المؤمن. الملحد الذي ينكر وجوده سبحانه وتعالى أيضًا يرحمه ويطعمه ويسقيه ويخفف عنه.

وربما هذا الملحد لو تتبعته تجده لا يعاني أبدًا، من رحمة ربنا، من واسع رحمته، لعله يرجع [إلى الله].

قالوا: لأن الله يحب صنعته؛ فالإنسان أصلًا لا شأن لك بكونه ملحدًا كافرًا مسلمًا مفسدًا، لا شأن لك بهذا الأمر، لكنه من خلق ربنا أم لا؟ هو من خلق الله. ابن آدم أم ليس ابن آدم؟ إنه ابن آدم.

تكريم الله لبني آدم وترك الحساب ليوم القيامة

قال الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

إذا كان الله كرّمهم، فلماذا أنت غير راضٍ بإكرامهم؟

أما عن الفسق والفساد والإلحاد والكفر، فهناك شيء اسمه يوم القيامة. هذه الدنيا ليست مبلغ علمنا ولا غاية همنا، بل هناك شيء اسمه يوم القيامة قادم.

﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]

يعني إيمانك بيوم القيامة يجعلك رحيمًا بالبشر؛ لأن الحساب ليس هنا، والنزاع والجدال ليس هنا، والحقيقة المطلقة والبرهان الذي لا يُرَدُّ ليس هنا.

السعي إلى اليقين والتبليغ بالحكمة والموعظة الحسنة

نحن نسعى إلى معرفة اليقين والبرهان، ولكن أغلب البشر غير راضين، غير راضين بهذا، هو حر.

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

فماذا نفعل في هذه الإنسانية؟ نفعل فيها التبليغ.

قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]

خلاصة تكرار الرحمن الرحيم تهدئة للبال ورحمة الدنيا والآخرة

أي إذن كرّر الرحمن الرحيم تهدئة للبال وللقلب. الرحمن رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة.

﴿وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]

أي إنه في الدنيا يعامل المؤمن وغير المؤمن، فيرزقه ويستره ويقبل توبته إذا تاب قبل الموت، ويفتح أبوابه له ويستجيب دعاءه إذا كان مظلومًا.

انظر كيف؟ لماذا؟ لأنه صنعته وهو يحب صنعته سبحانه وتعالى.

إعجاز تكرار الرحمن الرحيم دليل على علم الله بما في الصدور

إذن "الرحمن الرحيم" الثانية هذه في تكرارها إعجاز؛ لأنه لو تخيلنا أن أحدًا يكتب هذا من عند نفسه، فإنه لا بد أن يكون قد اطلع على قلوب البشر وعلى أحوالهم وعقولهم ونفوسهم.

وليس هذا لأحد من البشر إلا الله:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

هو عليم بذات الصدور، وليس أحد من البشر بقادر على أن يعلم ما في الصدور ولا ما في العقول ولا ما عند البشر من تقلبات في قلوبها، وما سُمّي القلب إلا لأنه يتقلب.

خاتمة الجلسة والسير على منوال الرحمن الرحيم

إذن على هذا المنوال فسِرْ:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1-3]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.