سورة الفاتحة | حـ 16 | آية 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 16 | آية 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • ترتكز فاتحة الكتاب على إجابة الأسئلة الكلية الثلاثة التي شغلت البشرية: من أين أتينا؟ ماذا نفعل هنا؟ وماذا سيكون غدًا؟
  • تكرار "الرحمن الرحيم" في الفاتحة يهدئ قلب المؤمن عند انتقاله من التشريف إلى التكليف.
  • أجاب الله على السؤال الأول بأننا من خلقه، وعلى السؤال الثاني بأننا خُلقنا للعبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس.
  • أما السؤال الثالث فأجاب عنه بأن هناك يوم قيامة وحساب وثواب وعقاب.
  • المؤمن يبدأ حياته بالإيمان بهذه الثلاثة ويسعى في الأرض وهو موقن بها.
  • العلاقة بين الإنسان والكون أساسها التكامل والوفاق وليس الصدام والنزاع.
  • مالك يوم الدين وملك يوم الدين قراءتان توسعة للمعنى، فالله مالك وملك معًا.
  • الله يتصرف في ملكه كيف يشاء بالعفو والمغفرة والعذاب، ولا يوصف بالظلم لأنه المالك الحقيقي.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آيات فاتحة الكتاب المبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق مع فاتحة الكتاب المبين:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1-3]

تكرار الرحمن الرحيم تهدئة لقلب المؤمن بعد التكليف

وعرفنا أن تكرار ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ تهدئة لقلب المؤمن الذي قد دخل من التشريف في بداية السورة إلى التكليف في الحمد؛ فيعيده مرة أخرى إلى سياق الهدوء بالرحمن الرحيم.

الأسئلة الثلاثة التي شغلت بال البشرية عبر التاريخ

ويذكر الله سبحانه وتعالى عباده بأن أساسًا من أسس الإيمان هو الإجابة على سؤال من الأسئلة الثلاثة التي شغلت بال البشر.

فما الذي شغل بال البشر؟ الماضي والحاضر والمستقبل.

سؤال الماضي من أين جئنا وإجابة القرآن عنه

الماضي: يسأل الإنسان نفسه وهو يتدبر في كونه وفي حياته: من أين أنا ومن أين جئنا؟ فيجيب الله سبحانه وتعالى بأنك خلقٌ من خلقه:

﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: 11]

سؤال الحاضر لماذا خلقنا الله وإجابة الوحي بالآيات

فيأتي السؤال الثاني: فماذا نفعل هنا؟ يعني لماذا خلقنا ربنا؟ فأنزل الله الوحي وأرسل الرسل وأنزل الكتب من أجل الإجابة على هذا [السؤال]:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

بيان الغاية من الوجود بين العبادة والتكليف وعمارة الأرض

فبيّن لنا أننا هنا من أجل العبادة، ومن أجل الطاعة، ومن أجل عمارة الأرض، ومن أجل تزكية النفس، وهو ما يسمى بالتكليف.

وهو الذي يفرق المؤمن عن غير المؤمن؛ المؤمن يؤمن بالتكليف، أننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا بطاعة ربنا.

سؤال المستقبل ماذا بعد الموت وحقيقة الفناء

السؤال الثالث: ماذا سيكون غدًا؟ وجدنا أنفسنا نُخلق أطفالًا، ثم شبابًا، ثم كهولًا، ثم شيوخًا، ويصيبنا الهرم، ثم بعد ذلك ندخل في غيبوبة الموت ثم نموت.

ومنا من يُعجَّل به، ومنا من يبقى في هذه الحياة الدنيا، لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. وإذ بنا أمام حقيقة الموت حيرة: ماذا بعد الموت وماذا بعد هذه الحياة الدنيا؟

إجابة الوحي عن المستقبل بيوم القيامة والحساب والجزاء

ويجيب الوحي من عند الله بأن هناك يوم قيامة، وبأن هناك يوم دينونة وحساب، وبأن الله سبحانه وتعالى يجمعنا ويقيم الموازين القسط، وأن هناك عقابًا وأن هناك ثوابًا.

يوم القيامة ركن من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر.

ملخص الأسئلة الثلاثة الكبرى وحيرة البشرية في الإجابة عنها

إذن هناك ثلاثة أسئلة: من أين أنا؟ ماذا أصنع الآن؟ ماذا سيكون غدًا؟ أي سؤال عن الماضي، وسؤال عن الحاضر، وسؤال عن المستقبل.

هذه الأسئلة الثلاثة حيّرت البشرية، وكلما أراد الإنسان أن يصل إلى جواب عليها فإنه يضل الطريق، وتتشتت الأفكار، وتختلف المذاهب، وتتطور نتاج العقول في ذلك الأمر.

دعوة الله للإنسان أن يبدأ حياته بالإيمان بالأصول الثلاثة

والله سبحانه وتعالى أجاب عنها ابتداءً، وكأنه يقول لك: ابدأ حياتك بالإيمان بهذه الثلاثة؛ فلا بد عليك أن تؤمن بمن خلق الله للبشر [أي بالخالق سبحانه]، ولا بد عليك أن تؤمن بالتكليف وأن تقوم به، ولا بد عليك أن تؤمن باليوم الآخر وما يقع فيه من مشاهد.

ابدأ حياتك، ابدأ سعيك في الأرض وعمارتك واكتشافاتك واختراعاتك وتيسير حياتك من الإيمان، من هذه الثلاث.

الفرق بين الأسئلة الكلية عند المسلمين والأسئلة النهائية عند غيرهم

ولذلك كانت هذه الثلاثة عند المسلمين وعند حكماء المسلمين تسمى بالأسئلة الكلية، وعند غيرهم تسمى بالأسئلة النهائية.

إذن ما الفرق بين الكلية وبين النهائية؟ قال [المحاور]: أنا لا أعلم، سأظل أبحث في الجيولوجيا حتى أعرف كيف تكونت هذه الأرض، لكنني الآن لا أعرف.

قلتُ له: لا، سأبحث في الجيولوجيا فقط وأنا أعلم أنها من خلق الله، سأبدأ بالإيمان ولا يصدني هذا الإيمان عن العلم.

البحث العلمي في ظل الإيمان لا يتعارض مع اليقين بالله

وسأبدأ بالبحث في الجيولوجيا لكي نستخرج البترول ونستخرج المعادن، ولكي نعرف أسباب الزلازل، ولكي نتعامل مع الحياة؛ فإذا استطعنا أن نتقي الزلزال وغير ذلك إلى آخره.

لكنك ستظل حائرًا إلى أن تنتهي. قال لي: نعم، سأظل حائرًا إلى أن أنتهي، في الطب وفي الفلك وفي التاريخ وفي الجيولوجيا وفي كل شيء، وإلى أن ننتهي نكون نجيب على هذه الأسئلة الثلاثة: من أين أنا؟ وماذا أفعل هنا؟ وماذا سيكون غدًا؟

الأسئلة الفطرية النهائية والحيرة الدائمة لمن لا يؤمن

قلتُ له: يعني أنت ستظل حائرًا هكذا؛ لأن هذه أسئلة فطرية في الإنسان. قال: أنا سأظل حائرًا، فهي أسئلة نهائية، يعني ينتهي البحث بالإجابة عليها.

هل أجبنا عليها؟ أجبنا ستين إجابة مختلفة [أي تعددت الإجابات واختلفت].

الله يريد للإنسان السعي في الكون مع اليقين بالخالق والمعاد

فالله سبحانه وتعالى بقدرته يريدك أن تسعى في الكون وأن تكتشفه، وأن تخترع ما تخترع، وأن تكتشف ما تكتشف، وأن تتعلم وأن يزداد هذا [العلم]، وأنت موقن بأن الله هو الذي خلق، وأن الله هو الذي كلّف، وأن الله هو الذي سنعود إليه في يوم لا ريب فيه.

﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]

يوم الدين هو المستقبل والأصل بين الإنسان والكون التكامل لا الصدام

يوم الدين هذا هو المستقبل، ولذلك هذه الحياة لا تعجل بالصراع، ولا تعجل بأن يقتتل بعضنا مع بعض على حياة فانية.

ولذلك الأصل بين الإنسان وبين الكون هو الاتساق والتكامل وليس الصدام والحرب. ونقول لهؤلاء الذين يقولون إن العلاقة بين الحضارات هي الصدام حتى تتحرك الحياة: أبدًا، إنما التكامل بين الحضارات واستفادة كل حضارة من الأخرى هي الأصل.

العلاقات الإنسانية قائمة على التكامل والوفاق لا الخصام والنزاع

فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الإنسان والكون، وبين الرجل والمرأة: التكامل والوفاق وليس الخصام والنزاع والصدام كما يدّعون.

وكل ذلك يشعر به المسلم وهو يرى أن اليوم الآخر هو الحياة الباقية، وأن هذه الحياة الدنيا مهما حدث فيها فإنها ليست هي المنتهى. ومن أجل ذلك لا يكون حريصًا على أن يأخذ حق الغير، وأن يتسلط القوي على الضعيف، وأن يصارع فيظلم. هذا هو أصل الإسلام.

الفرق بين قراءة مالك وملك يوم الدين ودلالة كل منهما

إذن:

﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]

مالك وفي قراءة مَلِك؛ القراءات جاءت توسعة للإسلام وللقرآن ولمصدر أساسي من مصادر التشريع والفهم للحياة والهداية للمتقين. فمرة مالك ومرة ملِك.

المالك أي مثل ما يكون ملك شيئًا خاصًا به، يفوق على المالك [في جانب آخر]؛ لأن المالك مع ما يملك له حرية التصرف بالبيع والشراء والهبة وأي شيء، والاستعمال والاستخدام، ملكه وله خصوصية؛ أي لا يستطيع أحد أن يتعدى عليه ولو كان ملكًا.

الله مالك وملك يتصرف في ملكه كيف يشاء على العموم والخصوص

والمُلْك له عمومية؛ أي يرعى كل الناس وله رتبة عالية فهو يفوق كل الناس.

إذن ما هو الله [سبحانه وتعالى]؟ الله مالك وملِك؛ فهو ملِكٌ يتصرف في ملكه كيف يشاء، ويتصرف فيه كيف يشاء على المستوى العام وعلى المستوى الخاص.

إذن هو مالك وملِك ليوم الدين، يفعل فيه ما يشاء، يعفو عمن يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء سبحانه وتعالى.

الله لا يوصف بالظلم لأنه المالك والملك الحقيقي وحديث أخنع الأسماء

والظلم هو التصرف في ملك الغير؛ فالله لا يوصف بظلم أبدًا لأنه هو المالك الحقيقي وهو الملك الحقيقي.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«وأخنعُ الأسماء عند الله شاهٍ شاه» يعني ملك الملوك؛ فإن ملك الملوك هو الله.

ملك يوم الدين، مالك يوم الدين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.