سورة الفاتحة | حـ 17 | آية 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 17 | آية 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يتأمل المتكلم في قوله تعالى "إياك نعبد وإياك نستعين" حيث قُدّم "إياك" على "نعبد" للتخصيص، فالمعنى لا نعبد إلا الله وحده.
  • استخدام صيغة الجمع "نعبد" تشير إلى مفهوم الأمة، فالمسلم لا يعبد ربه وحده بل مع جماعة المسلمين وكل الكائنات التي تسبح بحمد الله.
  • الفرق بين عبادة الإنسان وعبادة سائر المخلوقات أن الإنسان يعبد بالتكليف والاختيار، بينما المخلوقات الأخرى تعبد بالحال والطبع.
  • الإنسان سيد الكون ومكرم، والكون مسخر له، لكنه إذا لم يعبد الله صار أضل من الأنعام.
  • "إياك نعبد" تشير للعبادة الخالصة لله، و"إياك نستعين" تشير للاستعانة بالله مع الأخذ بالأسباب في عمارة الحياة.
  • المسلم متوازن بين العبادة والاستعانة، فترك الأسباب جهل والاعتماد عليها وحدها شرك.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الجلسة وتلاوة سورة الفاتحة مع بيان موضوع الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق المعدودات مع سورة الفاتحة.

قال تعالى:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 1-4]

ثم يأتي قوله تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

تقديم المفعول به في إياك نعبد يفيد الاختصاص في العبادة

إياك قُدِّمت هنا على كلمة نعبد، وترتيبها في العربية على كلام العرب: "نعبد إياك"؛ يعني دائمًا المفعول به يأتي بعد الفعل، لكن هنا قدّمه فجعلها إياك نعبد.

قالوا: [قُدِّم المفعول به] للاختصاص؛ هذه التركيبة معناها: لا نعبد ربًّا سواك، لا نعبد إلا إياك.

ومن أين يأتي هذا الاختصاص؟ ليس هناك شيء اسمه "نخصك أنت وحدك بالعبادة"؛ لا في كلمة "نخصك"، ولا في كلمة "وحدك"، ولا في كلمة "لا وإلا"، ولا في شيء. من أين أتوا به؟ قال: ها هو أمامك يا أخي، إياك نعبد؛ لم يقل "نعبد إياك"، بل قال إياك نعبد.

أهمية تراكيب العربية في فهم معاني القرآن وأثرها في الترجمة

إذن هنا شيء مهم، وهو أن أساليب العربية وتراكيبها تعطينا المعنى؛ فلا بد علينا من دراسة تراكيب العربية. إياك نعبد.

حسنًا، أين تظهر أهمية هذا [التقديم]؟ قال: تظهر عند الترجمة؛ لأن الترجمة لا تكون لكلام الله أبدًا، وإنما تكون ترجمة لمعاني كلام الله سبحانه وتعالى.

فهناك فرق بين كلام الله الذي هو بالعربية وهو ثابت، وبين المعاني التي تُستفاد عن طريق العربية من كلام الله سبحانه وتعالى. فيمكن لمن يريد أن يترجم إياك نعبد بـ "نعبدك وحدك لا شريك لك" أن يكون صادقًا، بالرغم من أنه لا يوجد هنا "وحدك"، ولا "شريك لك"، ولا "اختصصتك بالعبادة"، ولا شيء من هذا القبيل، ولكن نجد هذا في التركيبة الداخلية للجملة: إياك نعبد.

مفهوم الأمة في قوله تعالى إياك نعبد واستخدام نون الجماعة

وإظهارًا للحقيقة ودعوةً للأمة، مفهوم الأمة، مفهوم الأمة لا أحد يرضى أن يفهمه ونحن حائرون فيه.

ما معنى هذه الأمة؟ ماذا تعني؟ يقول: إياك نعبد ولم يقل "إياك أعبد". عندما تناجي ربك وفي الصلاة لا تقول أنت وحدك هكذا؛ لأنك لست وحدك الذي يعبد ربنا. فربنا يعبده الجن والإنس، ويعبده الجماد والحيوان والنبات، ويعبده الظاهر والباطن من مخلوقات الله.

المسلم في الصلاة جزء من كون يعبد الله ويسجد له

ثانيًا، لِينوا في أيدي إخوانكم؛ إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج، فأمرنا بالجماعة، عليكم بالجماعة. وأنت واقف في الصلاة أنت فرد من أمة تتوجه بكليتها إلى البيت الحرام:

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]

فأنت وأنت تقول نعبد جزءٌ من كون يعبد ربه:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

جزء من كون يسجد لربه، جزء من كون مخلوق لربه، جزء من كون مسخَّر من ربه لك:

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ﴾ [لقمان: 20]

فأنت وأنت تقف في الصلاة وتقول إياك نعبد، تشارك الكون في سجوده لله وفي عبادته وفي ذكره له سبحانه وتعالى.

الإنسان سيد في الكون وليس مجرد مادة بل مخلوق مكرم

فأنت جزء من هذا الكون، ولكنك سيد فيه. الآخرون يقولون إنك جزء من هذا الكون فعملوك مثل الشجرة، مثل البقرة، مثل الشيء، قطعة لحم، ويجلسون إذن يدرسون فيك مثل قطعة لحم. لا، نحن مكرمون، مسخَّر لنا هذا الكون.

نحن نعم، نحن مادة صحيح، ولكن تكون دائرتنا أوسع من دائرتهم. أنا مادة، نعم أنا أعرف، ولو جُرحت هكذا ينزل دم، أنا أعرف ذلك وفي خلايا أنا أعلم، ولكنني مخلوق من مخلوقات الله، ولكن فيَّ جانب آخر وهو أنني أعبده وأعبده بتكليف لا بحال.

الفرق بين العبادة بالتكليف والعبادة بالحال ومنزلة الإنسان

هناك عبادة بالتكليف وهناك عبادة بالحال. الجبل يسبح بحاله، والنهر يسبح بحاله، هكذا المخلوق يسبح. لكنني أسبح بعقلي؛ يمكنني أن أسبح ويمكن ألا أسبح، يمكنني أن أذكر الله، ويمكن واحد من البشر من يسبُّ الله - والعياذ بالله تعالى - إذن هناك تكليف وهناك ثواب.

فأنت على قمة الكائنات، والكائنات مسخَّرة لك، لكنك تعبد الله كعبادتها وأكثر. فإذا لم تعبد الله كانت هي أفضل منك:

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]

دلالة نون الجماعة في نعبد على الانتماء للأمة والكون

إذن يجب علينا أن نقف عند النون [نون الجماعة في "نعبد"]. نحن توقفنا عند تقديم إياك، فنقف عند النون: إياك نعبد، لم يقل "إياك أعبد".

فكلمة "أعبد" تعني أن كل واحد بمفرده؛ فلا توجد دعوة، ولا توجد أمة، ولا توجد علاقة بينك وبين الكون. ولكن نعبد تعني أنني جزء من الكون، وإن كنت سيدًا فيه وليس له؛ فإن سيد الكون هو الله.

أنا على أعلى مراتب هذا الكون وأشاركه العبادة، أنا من أمة تتوجه إلى البيت الحرام، أنا من جماعة مسلمين يصلون الجماعة لله رب العالمين.

المسلم صاحب دعوة يبلغها للناس بوضوح ودون إكراه

إذن، إذا كان الأمر كذلك، فأنت صاحب دعوة تريد أن تبلغها للناس؛ تصدهم عن الشر وتدعوهم إلى الخير، من غير إكراه من ناحية، وبوضوح وبيان وبلاغ من ناحية أخرى.

إذا هذا هو المسلم: يعبد ربه، ويشرح دينه، ويرى نفسه أنه في أمة ممتدة عبر الزمان؛ فإن كل الرسل إنما هم من أمة الإسلام ابتداءً من آدم وانتهاءً بسيد الناس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأمته ممتدة بعد محمد صلى الله عليه وسلم عبر الزمان والمكان، في كل الأرض، بكل الأجناس، بكل الألوان، بكل الطوائف.

الفرق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة في الإسلام

وهناك أمة دعوة لكل من على الأرض؛ الستة مليار الموجودين اليوم هم أمة الدعوة. وهناك أمة إجابة وهم الذين صدقوا بالحبيب المصطفى المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم.

نعم، ذلك هو المسلم. إياك نعبد آتية من النون [نون الجماعة].

العبادة والاستعانة بالله في عمارة الحياة مع الأخذ بالأسباب

وإياك نستعين: هناك عبادة وهناك عِمارة. في العبادة نحن قد أخلصنا الدين لله فلا نعبد إلا إياه:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]

ولكن هناك حياة قد أُمرنا بعمارتها، فماذا نفعل؟ نستعين بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.

لكن ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك. لا حول ولا قوة إلا بالله جعلت الفلاح يلقي الحب ثم يدعو قائلًا: يا رب. لا يصح أن يجلس في بيته ويقول: يا رب أنبت الزرع، هذا لا يصلح؛ فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة.

الأخذ بالأسباب من هدي النبي ﷺ والتوكل على الله مع السعي

وعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد خالف بين درعين [لبس درعين فوق بعضهما]؛ فقد اتخذ الأسباب. حتى قالوا:

قال صلى الله عليه وسلم: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما تُرزق الطير، تغدو خماصًا وتعود بطانًا»

تخرج في الصباح جائعة وترجع شبعانة. قالوا: تذهب وتعود، لا تبقى في أوكارها وفي أعشاشها في الصباح وقالت: يا رب ارزقني. فأنت ترزق الطير في السماء، لكن أيضًا لا بد من الحركة [الأخذ بالأسباب].

حال المسلم بين العبادة والاستعانة وشرح ابن القيم لمنازل السائرين

فهذا هو حال المسلم أنه بين العبادة وبين الاستعانة. ولذلك ابن القيم عندما شرح منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين شرحها في ثلاث مجلدات: "منازل السائرين" للهروي.

ماذا يقول فيها؟ يقول: مدارج السالكين في شرح منازل السائرين. السائرين بين ماذا؟ أين البداية والنهاية؟ بين إياك نعبد وإياك نستعين.

قال: يعني هذه ثلاث مجلدات لأجل أن ينتقل أو يدور في دائرة هي دائرة الوجود بين:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.