سورة الفاتحة | حـ 18 | آية 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تُشكل دائرة لا يُعرف بدايتها من نهايتها، لأن العبادة استعانة والاستعانة عبادة.
- •الدائرة من عجائب المخلوقات التي تحمل معنى الديمومة والاستمرار، وتوضح أن العبادة مستمرة لا تنتهي.
- •الدعاء هو العبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وأكد ذلك القرآن بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
- •من يزعم أنه وصل لمرحلة سقط عنه التكليف فهو مخطئ، لأن العبادة مستمرة: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
- •القرآن كتاب معجز يفتح كنوزه لمن يدخل إليه بتدبر وتأمل ويريد الاستهداء به، وهو هدى وشفاء للمتقين.
- •أما من يدخله للتلاعب والعبث، يغلق عليه أبوابه ويصبح عليه كالوقر في الأذن والعمى.
مقدمة الدرس والوقوف مع آية إياك نعبد وإياك نستعين من سورة الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات مع فاتحة الكتاب، وكنا قد عرجنا على قوله تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]
وأن هذا [المعنى بين العبادة والاستعانة] قد يكون في دائرة لا نعرف بدايتها من نهايتها. أين تقع البداية وأين النهاية للدائرة؟ ضع يدك على أي شيء في محيطها.
الدائرة والمرآة والشمعة والنقطة من عجائب المخلوقات التي يتأمل بها المؤمن
إن الدائرة من عجائب المخلوقات التي يفهم بها المؤمن أسرارًا كثيرة. الدائرة والمرآة والشمعة والنقطة والخط، هذه أشياء عندما تستوعبها تجد فيها أشياء غريبة جدًا.
كيف يكون المتعدد المحصور في وضع غير محصور؟ وكيف يكون غير المحصور كعلم الله في وضع محصور؟ كيف يكون [ذلك]؟
وهكذا تجد هذه الدائرة لا تعرف بدايتها من نهايتها، لكن لو وضعت يدك على أي نقطة فيها يجوز لك أن تجعلها بداية، وهي في ذات الوقت من الطرف الآخر نهاية.
العلاقة الدائرية بين العبادة والاستعانة في قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين
فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليست في خط مستقيم، بل تظهر في دائرة؛ لأن الاستعانة عبادة، والعبادة استعانة.
الألف والسين والتاء تدخل في اللغة العربية للطلب، فاستعانة تعني طلب المعونة. وأنت عندما تقف لتطلب من ربك وتدعو ربك وتذكر ربك، ألست تستعين به؟ إذن، العبادة استعانة أيضًا.
وأنت عندما تستعين بربك وتُظهر له خضوعك وطلبك وسؤالك ودعاءك، أليست هذه عبادة؟ عبادة [بلا شك].
حديث الدعاء هو العبادة ورواية أبي هريرة واستدلاله بالقرآن الكريم
أليس النبي عليه الصلاة والسلام قال:
«الدعاء هو العبادة»
هناك أيضًا حديث:
«الدعاء مخ العبادة»
أي أعظم شيء في العبادة. أبو هريرة [رضي الله عنه] كان يروي الحديث وهو أصح سندًا، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الدعاء هو العبادة»
وإن لم تصدقوني فاقرؤوا قوله تعالى. من الذي يقول: وإنْ لم تصدّقوني؟ فسيدنا أبو هريرة كأنه يقدم إثباتًا على الرواية.
يتضح أن جماعة المسلمين هؤلاء أمةُ علمٍ وتوثيقٍ وإثباتٍ وإسناد، وليست أمةً تقول أي شيء دون دليل.
استدلال أبي هريرة بآية ادعوني أستجب لكم على أن الدعاء عبادة
وإن لم تصدقوني، فاقرؤوا قوله تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]
يكون سمى الدعاء عبادة أم لا؟ سمى الدعاء عبادة. هذا ما قاله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
إذن الاستعانة وهي نوع من أنواع الدعاء عبادة، والعبادة استعانة. إذن رسم الدائرة [في قوله تعالى]: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليس لها بداية ثم نهاية وننتهي، هذا خطأ. لها بداية وذات البداية هي النهاية نفسها.
مفهوم النقطة في الدائرة وكيف تكون البداية هي النهاية نفسها
كيف نفهم هذا؟ أي أن الشيء يكون هو نفسه النقطة. ضع نقطة هكذا، ما هي هذه النقطة؟ قال لك إن هذه النقطة أصغر شيء، أي أنها لا تتجزأ.
حسنًا، وعندما لا تتجزأ تكون البداية هي النهاية. ها هي أمامنا، انظر: عندما تضع نقطة، طيب، هذه النقطة بداية الدائرة أم نهايتها؟ ستجيبني قائلًا: والله، هي بدايتها وهي نفسها نهايتها.
قلت لك: طيب، والنقطة التي قبلها؟ قلت لي: لا، تكون تلك هي الدائرة، لا بد أن تذهب الدائرة إلى هذه النقطة بالذات لكي تتم الدائرة. والنقطة لا تنقسم، من ضمن خصائصها أنها لا تُقسم.
التدبر الحقيقي للقرآن يكون بالقراءة والفهم والنظر في الكون المحيط
فإذا أعطانا الله تعالى أمثلة في الكون المحيط بنا:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [محمد: 24]
هذا هو التدبر: أن تقرأ وتفهم، ثم تنظر إلى الكون من حولك لتتأمل وتعتبر.
﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]
لا تقرأ هكذا مجرد إنهاء: أنهيته في أسبوع، أنهيته في ثلاثة أيام. لا، هذه عبادة هكذا في حد ذاتها، لكن هذا ليس تدبرًا. [التدبر] أن تقف مع كل كلمة هكذا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هذه تمثل عمل الدائرة.
معنى الدائرة في العبادة والاستعانة وأنها تحمل معنى الديمومة والاستمرار
وما معنى هذه الدائرة؟ هذه الدائرة فيها شيء غريب جدًا، امشِ فيها هكذا تجد أنك لم تنتهِ، فهي تحمل معنى الديمومة والاستمرار.
لو مشيت في خط مستقيم من هنا إلى غاية باب المسجد تصل وانتهى، من هنا إلى هناك بداية ونهاية. هل العبادة لها نهاية؟ لا.
﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]
الذي هو الموت، إلى أن يُحال بينك وبين العمل. إذن هي ليس لها نهاية.
الرد على من يدعي الوصول وسقوط التكليف بدلالة دائرة العبادة والاستعانة
إذن القائلون بأن: والله أنا وصلت، يكون [هذا القائل] دجالًا على الفور. ما أنت لو لم تلاحظ أن العبادة استعانة والاستعانة عبادة وأنهم يرسمون دائرة؟ لن تدرك هذا المعنى.
فالقرآن هاهو يرد على أولئك الذين يقولون: أنا وصلت، ولذلك لا أعبد ربي وسقط عني التكليف، ولا داعي للصلاة ولا للزكاة. فهذا الإنسان لم يفقه شيئًا من القرآن.
فالعبادة لأنها في دائرة الاستعانة مستمرة، والاستعانة لأنها في دائرة العبادة مستمرة، وسيسير الإنسان في دائرة أبدًا لا تنتهي، لا يعرف النهاية؛ لأنه لا بداية ولا نهاية، إنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.
سعة معاني إياك نعبد وإياك نستعين وقول سيدنا علي في تفسير الفاتحة
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لو جلسنا هكذا فيها سنتين أو ثلاثة لن ننتهي. الرجل ابن القيم كتب فيها ثلاثة مجلدات.
سيدنا علي رضي الله عنه أنه عندما سُئل عن سورة الفاتحة، قال: أملي فيها سبعين وقر بعير، أي ما يكفي لسبعين جملًا تحمل الكتب التي ستفسر الفاتحة.
وقليل الكلام يُغني عن كثيره، ولكن المقصود أن هذا الكتاب العجيب الغريب - لأنه من عند رب العالمين - لا تنتهي عجائبه كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه هدىً للمتقين.
القرآن هدى وشفاء لمن دخله بتدبر وتأمل وضلال لمن دخله بعبث
فادخل فيه [في القرآن] بتدبر وتأمل، يفتح عليك فيه من المعاني ما تستقيم به حياتك. وإذا دخله لاعب يريد أن يلعب معه وأن يعبث، أغلق عليه أبوابه والعياذ بالله تعالى.
من أراد الاستهداء فتح له كنوزه، ومن أراد غير ذلك أغلق عليه وأمامه. وهو كلمة واحدة معجزة:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُٓ ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 44]
الفرق بين من يدخل القرآن مسترشدًا ومن يدخله متلاعبًا وأثر ذلك عليه
انظر الفرق بين الاثنين: واحد دخله [القرآن] ليسترشده به، والآخر دخله ليتلاعب معه.
الذي دخله ليتلاعب معه ماذا يحصل له؟ ضلالة وتيه؛ لأن في أذنيه وقرًا، وهذا الوقر يمنعه من الاستماع.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]
ضجة وصخب. والثاني أبدًا، فهو دخله وهو متقٍ وهو يقرؤه ليستهدي به ويتدبره، هدى للمتقين، فيه هدى وشفاء.
فإذن يجب على الناس أجمعين أن يدخلوا إلى القرآن باعتباره كتاب هداية. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
